حلّ الدولتين خطوة في الاتجاه الصحيح ونجاحه يقاس بما بعد الاعتراف بالحل من خطوات عملية
New York, USA - September 22, 2025: Palestinian Authority's Mahmud Abbas speaks at a UN General Assembly meeting in support of a two-state solution between Palestine and Israel at the United Nations.
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. عبد الرزاق غراف
باحث أول بمركز الخليج للأبحاث
شكّلت المبادرة السعودية / الفرنسية حول مشروع “حل الدولتين” خلال مؤتمر نيويورك فرصة ليس امام كسر الجمود الراهن الذي وصلت إليه مسارات التسوية فحسب، بل أمام إعادة احياء القضية الفلسطينية برمّتها، وهي التي بدت في آخر السنوات آيلة نحو التلاشي بعدما نجحت إسرائيل في تحييدها عن مخرجات “مسار ابراهام” الذي لم يكن مصمّما لتسوية القضية، ما زاد من جنوح الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل الى غلق كل ما له علاقة بتحويل مبدأ حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية من طرح دبلوماسي إلى تجسيد على أرض الواقع وتغييبه عن جلّ النقاشات الجارية حول ملف التسوية، عبر توسيع الاستيطان وضم الأراضي والتهديد بضم الضفة أو ما تبقى منها، والاستمرار بفرض الأمر الواقع باحتلال قطاع غزة والسيطرة الكاملة على القدس وسياسات التهجير وانهاء كل ما له علاقة بمبدأ “الأرض مقابل السلام”، بل وكل ماله علاقة بإنهاء حلم إقامة دولة فلسطينية، رغم ابداء بعض المرونة حول إمكانية المساومة على بعض مما ظل لعقود ماضية يشكل تحديا امام هذا الطرح، على غرار اقتران الحل ببعض الثوابت من قبيل ان تكون الدولة الفلسطينية الوليدة على حدود 1967م، وعودة اللاجئين وموقع القدس فيها فضلا عن مقومات هذه الدولة وحدود سيادتها المنتظرة.
- حدود تأثير الخيارات الراهنة:
بالنظر لصعوبة تحديد طبيعة وحدود تأثير المزايا المنبثقة عن الجهود الدبلوماسية المكثفة المرتبطة بمؤتمر حل الدولتين لغاية الآن، حيث لم تُفض هذه الجهود عمليا إلا للحدود الدنيا المرغوب فيها، وكان أقصى ما تم تحصيله قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول مشروع “حل الدولتين”، إلا أن ذلك غير كافي ليغيّر الواقع الراهن بشكل يجبر إسرائيل على القبول بهذا الطرح التي رفضته بطرق ملتوية وكانت في وضع إقليمي اضعف من وضعها الحالي، فما بالك بالوقت الراهن وهي التي آلت إليها اليد الطولي في الشرق الأوسط لتعبث بالأمن الإقليمي بمباركة أمريكية غير مسبوقة، ومنه فإن البحث عما يُلجم إسرائيل ويعيد لحكومتها شيئا من العقلانية يعد ضمنيا من مداخل تفعيل مشروع حلّ الدولتين، على النحو الذي يجعل من الحديث المتصاعد حول إعادة احياء فكرة “مشروع حل الدولتين” أمر له ما يسنده من وقائع وأدوات..
ثم إن التعويل على الضغط الدولي من خلال موجات الاعتراف المتتالية بالدولة الفلسطينية وخاصة الدول الغربية ذات التأثير الراهن والتاريخي في القضية على غرار بريطانيا راعية المشروع الصهيوني في منظوره السياسي وفرنسا راعية ذات المشروع من منظوره القانوني، إلا أنه ذات المحدّد الذي لم يثبت يوما أنه عامل حاسم في ترجمة طرح حلّ الدولتين إلى واقع ملموس، وإن كانت الأسباب عديدة لتفسير هذا المُعطى، فإن الثابت أن البحث عن حلول جديدة لتفعيل مسارات تجسيد طرح حل الدولتين هو أمر حتمي، خاصة وأن حدود تجاوز مضامين خطاب الاعتراف بالدولة الفلسطينية الى مقتضيات الفعل. تبقى محل شك لعديد الأسباب، سواء ما تعلق منها بروافد اكتساب القوة التي تميل لصالح إسرائيل بشكل شبه كلي، وهي التي تتمتع بدعم امريكي مفتوح وعلى كافة المستويات بل أنه ذات الدعم الذي اثبت إمكانية أن ينوب الفعل الأمريكي عن نظيره الإسرائيلي بشكل مباشر في حالة عجز اسرائيل عن تحقيق أهدافها بمفردها وما حصل في حرب الاثني عشر يوما مع ايران يثبت ذلك، أو ما تعلق بافتقاد الأطراف الراعية والمساندة لحل الدولتين للإرادة اللازمة لتفعيل ما يمتلكون من أدوات ضمن ما هو متاح من بدائل وخيارات، على النحو الذي يقلص من روافد الجنوح الإسرائيلي الراهن نحو التصعيد غير العقلاني في المنطقة أولا، ثم اجباره على سلوك مسار التسوية انطلاقا من أسس حل الدولتين ثانيا.
أما عن الخيارات القانونية والتعويل عليها كأحد ما هو متاح من الأوراق التي يحتاج لتفعليها، على الأقل في ظل الظروف الراهنة، فإنه مسار له ما يعيبه هو الآخر، بالنظر لتاريخ هذا المسار سواء فيما تعلق بما صدر عن المحاكم الدولية أو ما صدر عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، لطالما كان الفيتو الأمريكي جاهزا لعرقلة المسار القانوني أو أقله توفير المظلة اللازمة لإسرائيل للإفلات من العقاب وتجاوز مخرجات الشرعية الدولية، والنتيجة اصبحت إسرائيل كيانا فوق الشرعية الدولية وغير معنية بأي مساءلة أو محاسبة، ورغم ذلك فإنه وفي ظل شحّ البدائل يبدو البديل القانوني ضمن ما هو متاح من البدائل المتوقع أن تنال ولو الحدود الدنيا من مستويات الاجماع والدعم الدولي حوله، رغم الحكم المؤكد بمحدودية تأثير هذا البديل على احداث مستجدات حاسمة على المشهد الراهن.
- بدائل في الأفق:
من منظور استراتيجي لا يحمل الوضع الراهن كبير البشائر حول إمكانية ترجمة بعضا من رهانات مؤتمر حل الدولتين الى واقع، ومنه الصراع المتصاعد الذي تفرضه إسرائيل، والخلل بين الطرفين المتبنين والداعمين للمشروع مقابل الرافضين له، ليس في أدوات القوة وروافدها فحسب، بل في توفر الارادة على الفعل ، ليصبح الفارق في الإرادة بغض النظر عما يحمله كل طرف من أدوات توازي مع ما يفرضه تصاعد نسق الصراع من متطلبات، وتداعيات ذلك على تفعيل مشروع حل الدولتين.
وضمن هذا المسار تبرز جملة من البدائل امام الدول العربية والأطراف الراعية لحل الدولتين نحو تجسيد إرادة الفعل على الأرض بخيارات تفرض على إسرائيل حدودا من التكلفة الناجمة عن رغبتها الجامحة في رفع نسق الصراع وتوسيعه ليمتد لكافة دول المنطقة بل انها ذات حدود التكلفة المنتظرة على الإدارة الامريكية التي تبدو وأنها تجرّ الولايات المتحدة إلى النقيض مما ينادي به الاجماع الدولي، ما من شأنه أن يسيئ لوضع أمريكا في ملفات أخرى خاصة الملف الأوكراني، غير أن هذا الخيار يتطلب الذهاب ابعد من الآليات الراهنة التي لطالما قادت نحو الجمود الحاصل، باتخاذ خطوات ملموسة لإقناع إسرائيل بأن هناك قدر معين من التحدي يستوجب عليها أن تعمل له حسابا، ويفرض عليها إعادة مراجعة موقفها الراهن من فكرة حل الدولتين، على أن يتضمن ذلك اجراءات واضحة لتوفير الحدود الدنيا من الردع، وفي ظل انحصار أدوات اكتساب الردع للطرف العربي وضيق المكاسب المنتظرة من الجهود الدبلوماسية التي لم تؤل للفشل فحسب بل زادت من تعنت إسرائيل وحكومتها الراديكالية التي أصبحت في موقع خارج السيطرة أو أي استجابة محتملة للضغوط، فإن الواقع يُبرِز جملة خيارات بالإمكان اللجوء لها وفق ما تمليه المعطيات الراهنة. على غرار:
ــــ تجميد قنوات التواصل الدبلوماسي المباشر وسحب سفراء الدول العربية المطبعة من إسرائيل، وربط ذلك بمدى استجابة إسرائيل لأسس التسوية ضمن مشروع حل الدولتين، حتى لو تم تأجيل بحث ما هو مرتبط بطبيعة الدولة الفلسطينية المنشودة الى وقت لاحق
ــــ وقف جهود التطبيع والمراجعة الجدّية لـ “مسار ابراهام” الذي شكّل منعرجا في علاقات بعض الدول العربية المطبعة مع إسرائيل، ومنه فإن مراجعة حدود المكاسب مقارنة بالتكاليف بعد مرور خمس سنوات من تدشين هذا المسار هو امر تجاوز مصاف الأهمية الى مصاف الحيوية في هذه اللحظة المفصلية
ــــ وقف وتجميد العلاقات التجارية والاقتصادية التي تجمع بعضا من الدول العربية مع إسرائيل، ما قد يشكّل ضغطا إضافيا على الاقتصاد الإسرائيلي الذي نال نصيبا وافرا من التداعيات في ظل استمرار العدوان على قطاع غزة وتوسيع إسرائيل لدائرة الاستهداف الإقليمي المباشر
ــــ عدم الفصل بين القضايا على غرار عدم الفصل بين العدوان الإسرائيلي على قطر عن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة عن الاعتداءات على سوريا ولبنان، وجعلها ملفا واحدا موحدا، وهو ما يتيح للجانب العربي توسيع التسوية في اطارها الشامل.
ــــ دعم ما يساهم في زيادة عزلة إسرائيل الدولية، وفي مقدمة ذلك زيادة الدعم الدولي لمشروع حل الدولتين وتوفير اقصى حدود الاعتراف الدولي به كمرجعية ثابتة للتسوية والحل التي لا تسقط بالتقادم
ــــ التهديد باتخاذ إجراءات اضافية للإجراءات السابقة ما سيشكّل حتما ضغطا إضافيا على إسرائيل، خاصة فيما تعلق بإعادة احياء مشروع “الناتو العربي”، الذي قد يوفر الحد الأدنى من التوافق حوله توازيا مع توفر الحد الأدنى من الإرادة لدى الدول العربية بإمكانهما أن يساهما في تحول المشروع لواقع ملموس له حدود معينة من التأثير المباشر وغير المباشر على ملف التسوية ضمن حل الدولتين.
- الاعتراف بالدولة الفلسطينية ضمن حل الدولتين “تحت مجهر التقييم”:
في ظل الجدلية حول حدود الجدوى من الاعتراف بالدولة الفلسطينية اتجاه الحقوق الفلسطينية الرئيسية وعلى رأسها زوال الاحتلال وقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين، فإنه وجب وضع ملف الاعتراف تحت مجهر التقييم للنظر فيما له وما عليه، والثابت في هذا السياق أنه ومن ضمن المزايا المنتظرة:
ـــــ رغم أنه من الصعوبة بما كان قياس مدى تأثير مسألة الاعتراف بحد ذاتها على الواقع المعاش وصعوبة توفير الأدوات اللازمة لتحويله إلى شيء ملموس، إلا أن الثابت أن الاعتراف هو اكسير حياة اضافي للقضية الفلسطينية برمتها، بل أن احياء القضية ضمن ما هو متوفر من هامش مناورة لا يمكن هو الآخر استثنائه من لائحة المكاسب.
ـــــ تداعيات الاعتراف قد تطال تموضع كل اللاعبين والفواعل، انطلاقا من حجم التأثير المنتظر على مواقف هؤلاء الفواعل تحت ضغط مراجعة الحسابات، فلحظة الاعتراف وتوقيته والأسباب التي دفعت نحوه ووزن المعترفين؛ هي كلها عوامل قيد الاهتمام وتوضع في الحسبان، وان كانت أولى ارهاصات ذلك متعلق بقدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في الهيمنة في صياغة مجرى الاحداث والإطار الشرعي اللازم للتسوية في مقابل قدرة بعض الفواعل الأخرى على احداث ثقوب في جدار الهيمنة الامريكية، وان حصل ذلك فالمؤكد انه سيترك تداعيات مباشرة على طبيعة التوازنات بين كل هذه الاطراف.
في مقابل تحصيل هذه المزايا تبرز جملة من التحديات من قبيل:
ـــــ الاعتراف بدولة فلسطينية دون مرجعية واضحة لحدود هذه الدولة، يحمل في ثناياه شيئا من الضبابية التي قد تؤثر على مستقبل مشروع “حل الدولتين”، فتقديم ضمانات الوجود والحياة لهذه الدولة يعتبر من المسلمات إذا كان المقصد فعلا الدفع نحو حل الدولتين وجعله واقعا، وإن كان نزع السلاح عن هذه الدولة له أنصاره حتى من الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية التي تضع في مقام “الحتمية المطلقة”؛ فإن مسألة الحدود هي الأخرى تعد امرا لا يمكن تجاهله.
ـــــ لا يمكن بأي شكل من الاشكال ترجمة حل الدولتين الى واقع دون وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ووقف الاستيطان وتجميد مشاريع ضم الضفة الغربية والسيطرة على كامل القدس.
- “حدود الجدوى” من مشروع حلّ الدولتين مرهونة بـ “حدود الاستجابة” لضغط الاعتراف:
اجمالا الاعتراف بمشروع حلّ الدولتين خطوة في الاتجاه الصحيح بغض النظر عن الجدلية القائمة حول حدود الجدوى منه، وإن كان ذلك حتما سيقاس بما بعد هذا الاعتراف من خطوات فضلا عن مدى قدرته في الاخلال بالتوازنات الراهنة، وكذا مدى حدود الاستجابة التي قد تبديها الأطراف المعنية تحت طائلة ضغط “الاعتراف” الإسرائيلي والأمريكي، ومنه فإن لا يمكن بأي حال من الأحوال جعل الاعتراف في حد ذاته مكسبا مطلقا؛ ولكن ما يمكن تحقيقه هو البناء على خطوة الاعتراف نحو تحقيق مكاسب أخرى لها أثر على أرض الواقع، وبالتالي يكون الاعتراف فاتحة لهذه المكاسب، وإذا لم تُعنى هذه المكاسب بما هو متعلق بالحقوق الفلسطينية الرئيسية المستندة للشرعية والمواثيق الدولية فإن حدود الجدوى من الاعتراف ستبقى حتما مرهونة بالمستويات الرمزية التي ورغم ما تحمله من إيجابيات إلا أنها تبقى خارج اطار المحددات المباشرة واللازمة للتسوية النهائية القائمة على أساس “حل الدولتين” كأداة ينظر لها المخلّص المنتظر من الازمة وجذورها.
