حل الدولتين يحظى بشرعية دولية واسعة لكن مقيدة بغياب الإرادة السياسية الأمريكية
WASHINGTON — March 4 2025: President Donald Trump enters the House Chamber
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. هاجد بن يحيى الأصلعي
كاتب ومحلل استراتيجي ـ المملكة العربية السعودية
أكثر من نصف قرن والقضية الفلسطينية تُعد من أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للجدل في النظام الدولي، مما جعل منها اختبارًا حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على إدارة النزاعات وصناعة السلام فقد ارتبطت منذ بدايتها بجملة من العوامل التاريخية والسياسية والأمنية، ومن بين الحلول المطروحة لإنهاء هذا الصراع المزمن برز حل الدولتين كأكثر الحلول التي حظيت بدعم أممي ودولي واسع، ويرتكز على إطار عام (انشاء دولة فلسطينية مستقلة تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها).
إلا أن هذا الحل ظل رهين التحديات الميدانية والسياسية والجيواستراتيجية رغم شرعيته الدولية وتبنيه من قبل معظم القوى الكبرى والمنظمات الدولية حيث فشلت الجهود المتكررة في تحويله إلى واقع ملموس، فقد اصطدم بمواقف متباينة بين الأطراف المعنية وبهيمنة المصالح الضيقة وبالتغيرات الإقليمية والدولية التي أعادت صياغة أولويات اللاعبين الرئيسيين في المنطقة.
التحديات التي تواجه حل الدولتين:
- الانقسام الفلسطيني الداخلي: حيث شكل انقسام الضفة الغربية عن قطاع غزة أخطر العوائق أمام أي تسوية سياسية، فمنذ 2007م، تسيطر حركة حماس على قطاع غزة والسلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح تدير الضفة الغربية، وهذا الانقسام في السلطة يضعف الموقف التفاوضي الفلسطيني ويفقد القيادة الفلسطينية القدرة على تمثيل جميع أطياف الشعب الفلسطيني، كما إنه يمنح إسرائيل مبرراً قوياً للتهرب من أي التزام حقيقي بحل الدولتين.
- السياسات الاستيطانية الإسرائيلية: تشكل السياسات الاستيطانية الإسرائيلية التحدي الأكبر أمام تنفيذ حل الدولتين فهي لا تقوض التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية، بل تسعى إلى تغيير الواقع الديمغرافي والسياسي بشكل يجعل أي تسوية مستقبلية شبه مستحيلة وتفرض وقائع جديدة قد تجعل من هذا الحل خياراً نظرياً غير قابل للتطبيق.
- غياب الإرادة الدولية الفاعلة: فعلى الرغم من صدور قرارات دولية عديدة تؤكد على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم إلا أن المجتمع الدولي لم ينجح في فرض تنفيذها على أرض الواقع، فالإدارات الأمريكية المتعاقبة اكتفت بإدارة الصراع بدل حله والإدارة الجديدة تدعم حل الدولتين في العلن إلا أن سياساتها الفعلية غالباً ما تنحاز لصالح إسرائيل ومنها استخدام حق النقض (الفيتو) عشرات المرات حال دون إلزام إسرائيل بقرارات مجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي يعلن دعمه لحل الدولتين ويقدم مساعدات للسلطة الفلسطينية لكنه يفتقر لأدوات ضغط حقيقية على إسرائيل بسبب غياب الوحدة السياسية والعسكرية داخل الاتحاد واعتماده جزئياً على العلاقات الاقتصادية مع تل أبيب، وبالنسبة للقوى الدولية الفاعلة الأخرى مثل روسيا والصين تطرح نفسها كوسطاء لكنها لا تملك القدرة على فرض مبادراتها بسبب حرب روسيا مع أوكرانيا ووضعها الاقتصادي والسياسي الذي لا يمكنها من لعب الدور الأكبر وانشغال الصين بملفاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع أمريكا جعل تدخلها في القضية محدوداً، ومن أسباب غياب الإرادة الدولية:
- أ- ارتباط أمن إسرائيل بالمصالح الغربية وخصوصاً الأمريكية جعل أي ضغوط حقيقية مستبعدة.
- ب- الانقسامات الدولية وهذا جعل التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا صعوبة تشكيل جبهة موحدة لفرض حل الدولتين.
- ت- انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى مثل التغير المناخي وأزمة الطاقة والحرب في أوكرانيا والتوترات في شرق آسيا وأمن الممرات البحرية . إلخ.
- التحولات الإقليمية وانشغال الدول العربية: وأبرز تلك التحولات الربيع العربي وما خلفه من تطورات جعلت من الحكومات الجديدة تولي كل تركيزها على الاستقرار الداخلي مما جعل القضية الفلسطينية تتراجع في سلم أولوياتها، وكذلك الحروب والصراعات الداخلية في سوريا واليمن وليبيا والعراق التي شهدت نزاعات مسلحة وحروباً أهلية استنزفت الموارد البشرية والاقتصادية، واتفاقيات ابراهام في 2020م، بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب والسودان جاءت بمعزل عن حل القضية الإسرائيلية، كل هذه التحولات عكست تراجع مركزية القضية الفلسطينية كشرط أساسي للعلاقات العربية الإسرائيلية.
القدرة الدولية على تنفيذ حل الدولتين:
- الأمم المتحدة: هي المرجعية الأساسية لحل الدولتين عبر قراراتها التاريخية مثل قرار242 الذي أكد مبدأ (الأرض مقابل السلام) و338 و2334 التي ترفض الاستيطان وتؤكد على حل الدولتين، هذا يمنح الأمم المتحدة مشروعية دولية قوية في طرح الحل والدفع باتجاهه من خلال الجمعية العامة بإصدار التوصيات اللازمة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وفرض حل الدولتين، وكذلك عن طريق مجلس الأمن وهو من يملك سلطة الإلزام، ولكن هذه السلطة معطلة بسبب الفيتو الأمريكي المتكرر لحماية إسرائيل، ولو نظرنا إلى القدرة الواقعية للأمم المتحدة على المستوى القانوني الرمزي لوجدناها قادرة على ترسيخ شرعية حل الدولتين ومنح فلسطين اعترافاً واسعاً، وعلى المستوى الإجرائي والتنفيذي نجد قدرة الأمم المتحدة ضعيفة جداً لأنها لا تملك أدوات الالزام بل تعتمد على إرادة الدول الكبرى، لذا تبقى قدرتها مرتبطة بمدى توافق القوى الدولية الكبرى وهو ما يجعلها أقرب إلى منبر شرعي وضاغط أكثر من كونها جهة منفذة للحل.
- الولايات المتحدة الأمريكية: وهي تعد اللاعب الدولي الأبرز في ملف القضية الفلسطينية وحل الدولتين، بحكم مكانتها السياسية والاقتصادية والعسكرية وعلاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل ومعظم الأطراف العربية ويمكن تناول قدرتها على تنفيذ حل الدولتين من خلال المكانة الأمريكية في النظام الدولي فهي الدولة الأكثر تأثيراً في العالم وعلى سبيل الخصوص في الشرق الأوسط حيث تملك شبكة تحالفات واسعة في المنطقة وبحكم موقعها الدائم في مجلس الأمن من حيث استخدام حق النقض لأي قرارات تصدر ، فهي تستطيع تمرير أي قرارات تصدر لحل الدولتين ولكن الأغلب فهي تستخدم هذا الإجراء لحماية إسرائيل !، وكذلك علاقتها بإسرائيل فهي الحليف الاستراتيجي الأقرب لها وتتلقى منها الدعم العسكري والاقتصادي المستمر والذي ينمح واشنطن قدرة هائلة على التأثير المباشر على السياسات الإسرائيلية إذا ما أرادت الضغط الجاد والمشاركة في الحلول وليس مراقبتها فقط.
- الاتحاد الأوروبي: يعد أحد أبرز الفاعلين الدوليين في القضية الفلسطينية، ولكن قدرته تتفاوت بين الدعم السياسي والاقتصادي، حيث يمثل قوة اقتصادية عظمى وشريكاً تجارياً رئيسياً لكل من إسرائيل والدول العربية، ومن الناحية السياسية ينظر للاتحاد الأوروبي أكثر توازناً في موقفه من الولايات المتحدة إذ تعترف معظم دول الاتحاد بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، كذلك يعطي ثقلاً إضافياً عبر التعددية الدبلوماسية ومشاركته الدائمة في المنظمات الدولية، وقد تبنى بشكل واضح حل الدولتين كخيار وحيد لتحقيق السلام العادل في المنطقة، ويمكن القول بأن دوره تكميلي للأمم المتحدة والولايات المتحدة لكنه يضفي شرعية دولية ويزيد من فرص الدفع بالحل إذا ما وجدت إرادة سياسية دولية متماسكة.
- روسيا والصين: قدرتهما على حل الدولتين يرتبط بمكانتهما كقوتين دوليتين تسعيان إلى موازنة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، ولكن دورهما يتفاوت بين التأثر السياسي والدبلوماسي وبين محدودية القدرة التنفيذية المباشرة، وكلاهما يستخدم القضية الفلسطينية لتعزيز صورته كمدافع عن القانون الدولي في مواجهة الانحياز الأمريكي لإسرائيل، وروسيا تدعم علناً حل الدولتين وتحتفظ بعلاقات مع جميع الفصائل الفلسطينية مما يمنحها مرونة سياسية، والصين تقدمت بمبادرة حل القضية في 2017م، وحرصت على إبراز دعمها للحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، وخلاصة القول في ذلك بأن كلتا الدولتين تملكان القدرة السياسية والدبلوماسية لحل الدولتين خصوصاً عبر مجلس الأمن واستخدام الفيتو لمنع إجهاض المشروع وعبر الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين، ولكن قدرتهما على تنفيذ الحل فعلياً على أرض الواقع محدودة بسبب ضعف التأثير المباشر على إسرائيل والحذر من دخول في صراع مفتوح مع الولايات المتحدة، وتركيزهما على ملفات استراتيجية أخرى ، لذلك يمكن اعتبارهما قوتين مساندتين لتعزيز شرعية الحل أكثر من كونهما قوتين قادرتين على فرضه.
- الدول العربية: تملك قدرة داعمه ومؤثرة على المستوى السياسي والاقتصادي والديني لتثبيت شرعية حل الدولتين، لكنها لا تملك أدوات تنفيذ مباشره لفرضه على إسرائيل، وسوف يكون أكثر فعالية عبر التنسيق الجماعي بدل الانقسام في الرؤى والأفكار والتحرك مع القوى الدولية الكبرى لإيجاد مظلة دولية ضاغطة لفرض الحل، واستخدام كافة أوراق الضغط الاقتصادية والدبلوماسية.
- المملكة العربية السعودية: تحتل المملكة العربية السعودية مكانة محورية في العالمين العربي والإسلامي بحكم ثقلها السياسي والديني والاقتصادي، وقد لعبت دوراً بارزاً في دعم القضية الفلسطينية منذ نشأة الصراع مؤكدة أن حل الدولتين هو الخيار الاستراتيجي الوحيد القابل للاستمرار لتحقيق السلام في الشرق الأوسط والعالم، ومع التحولات الإقليمية والدولية المعقدة أصبح الدور السعودي أكثر أهمية سواء في الحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية أو في الدفع نحو إعادة إحياء المفاوضات على أساس الشرعية الدولية.
وتأتي مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال القمة العربية في بيروت 2002م، باعتبارها أهم رؤية عربية جماعية لتحقيق حل الدولتين وما زالت تشكل حتى اليوم مرجعية أساسية في أي نقاش سياسي حول مستقبل الصراع، رغم رفض إسرائيل لها فإن المبادرة عززت صورة المملكة كقائدة للجهود السلمية الإقليمية والعالمية
ومن أهم الأحداث التي جعلت المملكة تعمل على الإصلاح والتدخل في أغلب الأحداث الفلسطينية هو الانقسام الفلسطيني في 2007م، فقد تم دعوة الفصائل الفلسطينية في مؤتمر مكة وجمعت الصف الفلسطيني وتم توحيد الكلمة للعمل مع الأطراف الدولية لحل الدولتين ولكن للأسف لم يتم الالتزام بما تم الاتفاق عليه في ذلك المؤتمر، ولم يجعل ذلك من المملكة أن تنأى بنفسها عن القضية أو تغير من أولوياتها في سلم الأهمية بل بقيت لاعباً محورياً في جهود المصالحة وقائداً للعمل على حل هذا الصراع على المستويين الإقليمي والدولي، حيث تمتلك المملكة أدوات هامة للتأثير في مسار حل الدولتين ومنها:
- أ- المكانة الدينية: هي إحدى ركائز قوة المملكة الناعمة وأداة استراتيجية لدعم القضية الفلسطينية، حيث تمتلك المملكة العربية السعودية مكانة دينية استثنائية بحكم احتضانها للحرمين الشريفين مما جعلها قبلة أكثر من مليار ونصف مسلم حول العالم، هذه المكانة لا تقتصر على البعد الديني فحسب بل تتجاوز إلى كونها ركيزة من ركائز الشرعية السياسية والوزن الاستراتيجي للمملكة في القضايا العربية والإسلامية، وفي سياق حل الدولتين تصبح المكانة الدينية أداة مؤثرة يمكن توظيفها للحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ودفع عملية السلام من خلال حل الدولتين إلى الأمام .
- ب- الثقل السياسي. يشكل الثقل السياسي للقيادة السعودية أحد اهم الأدوات القادرة على التأثير في مسار حل الدولتين إذا يمنح الرياض موقفاً فريداً لتكون ضامناً لمركزية القضية الفلسطينية ووسيطاً مناسباً بين مختلف الأطراف الدولية.
- ت- الاقتصاد: يمثل الاقتصاد أحد أبرز مقومات القوة الوطنية للمملكة حيث يعد الأكبر في العالم العربي والإسلامي ومن بين الاقتصادات الأكثر تأثيراً عالمياً بفضل مكانته في أسواق الطاقة واستثماراته الضخمة، وهذه المكانة الاقتصادية تمنح المملكة أدوات فعاله للتأثير في القضايا الإقليمية والدولية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وفي سياق حل الدولتين التي تعمل المملكة بكل طاقاتها لجعله واقعاً ملموساً يمكن للاقتصاد السعودي أن يتحول إلى عنصر دعم وضغط في آن واحد بما يسهم في تعزيز فرص التسوية العادلة.
- ث- التحالفات الدولية: تمثل التحالفات الدولية أحد أهم مرتكزات السياسة الخارجية السعودية حيث عملت الرياض منذ تأسيسها على بناء شبكة واسعة من العرقات المتوازنة مع القوى الكبرى، هذه التحالفات لم تكن مجرد علاقات ثنائية بل أدوات استراتيجية وظفتها المملكة لتعزيز أمنها الوطني وحماية استقرار المنطقة ودعم القضايا العربية والإسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وفي مسار حل الدولتين تصبح هذه التحالفات قناة ضغط ووسيلة تأثير في المواقف الدولية والإقليمية، فالعلاقات السعودية / الأمريكية علاقات استراتيجية ممتدة عبر التاريخ والدخول معها في الكثير من التحالفات تمنح المملكة نافذة للتأثير في القرارات الأمريكية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والمملكة تتمتع بعلاقات متوازنة مع الاتحاد الأوروبي وكذلك روسيا والصين من خلال علاقات متينة في الاقتصاد والأمن وغيرها ومن خلال تلك العلاقات تستطيع المملكة حشد موقف هذه القوى لدعم القضية الفلسطينية، ومشاركة المملكة في مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية يعزز من قدرتها لحشد التأييد الدولي لحل الدولتين، وشاهدنا مؤخراً تتويج تلك الجهود بإقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (إعلان نيويورك) المؤيد لحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بأغلبية 142 صوتاً، حيث يعتبر هذا الإعلان ثمرة مؤتمر دولي انعقد في الأمم المتحدة في يوليو الماضي استضافته السعودية وفرنسا عن الصراع المستمر منذ عقود.
وفي النهاية نجد أن حل الدولتين أصبح يحظى بشرعية قانونية وسياسية واسعة على المستوى الدولي وأصبحت القدرة الدولية قائمة من الناحية النظرية، ولكنها مقيدة عملياً بغياب الإرادة السياسية الفاعلة لدى القوى الكبرى وتحديداً الولايات المتحدة، ولذلك فإن أي تقدم في هذا المسار يستلزم توافقاً دولياً واسعاً، وإعادة بناء موقف عربي موحد إلى جانب معالجة الانقسام الفلسطيني الداخلي لتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لفرض الحل على أرض الواقع.
