استمرار الوساطة السعودية رغم التحديات التزام استراتيجي تجاه القرن الإفريقي والصومال باعتباره من الأمن الإقليمي

"saudi,Arabian,Flag,Fluttering,Proudly,In,Riyadh,Near,Kingdom,Tower,

"Saudi Arabian Flag Fluttering Proudly in Riyadh Near Kingdom Tower, Capturing the National Spirit Amidst Modern Cityscape and Sunny Skies"،ksa flag, Riyadh,capital ،Saudi National Day،

Getting your Trinity Audio player ready...

د. إدريس محمود إدريس

استاذ العلوم السياسية – جامعة سيمد – مقديشو – الصومال


تسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى لعب أدوار متزايدة في حل النزاعات الإقليمية، مستفيدة من ثقلها السياسي والاقتصادي. وتُعد الأزمة الصومالية واحدة من أبرز الأزمات المزمنة في منطقة القرن الإفريقي، بما تحمله من تداعيات على الأمن البحري، والاستقرار الإقليمي، والمصالح الخليجية في البحر الأحمر. يهدف هذا المقال إلى دراسة الجهود الخليجية في الوساطة لحل الأزمة الصومالية وتحليل النجاحات والتحديات التي واجهت هذه الجهود، مع تقييم مدى فعاليتها في ظل التنافس الدولي على الصومال، وغياب استراتيجية خليجية موحدة. توصلت الدراسة إلى أن الوساطة الخليجية تحمل فرصًا واعدة إذا ما تمت صياغتها ضمن رؤية جماعية وشاملة تدمج الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والإنسانية.

خلفية عن الأزمة الصومالية

بدأت الأزمة الصومالية مع انهيار الدولة المركزية عام 1991م، إثر سقوط نظام محمد سياد بري، حيث دخلت البلاد في مرحلة من الفوضى السياسية والانفلات الأمني وعدم الاستقرار. وأخذت الأزمة في التصاعد نتيجة استمرار الصراعات العشائرية والتدخلات الخارجية، والانقسامات السياسية والكوارث الطبيعية وقد أضافت التهديدات الإرهابية التي تقودها حركة الشباب بُعدًا آخر للأزمة، حيث باتت تشكل تهديدًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بل وتمتد آثارها إلى أمن الخليج العربي. ورغم التحسن النسبي في الحالة الأمنية والسياسية خلال العقد الأخير، إلا أن البلاد ماتزال تواجه تحديات كبيرة في بناء دولة مستقرة موحدة وماتزال تعاني من مشاكل وتحديات أمنية وسياسية واقتصادية، خصوصاً نتيجة استمرار نشاط حركة الشباب، وتوتر العلاقات بين الحكومة المركزية والولايات الإقليمية مثل بونتلاند وجوبالاند، بالإضافة إلى الأزمات الإنسانية الخانقة الناجمة عن النزوح والجفاف وتوقف الإنتاج.

أهمية الصومال الاستراتيجية

يتميز الصومال بموقعه الجغرافي على القرن الإفريقي وبإطلالته على المحيط الهندي وخليج عدن والبحر الأحمر ما يمنحه مكانة استراتيجية وأمنية متقدمة في معادلات الأمن الإقليمي والتجارة الدولية، خصوصاً بالنسبة لدول الخليج العربي التي ترتبط بالصومال بعلاقات تاريخية وجغرافية ودينية وثقافية وثيقة. لقد كان الصومال عبر التاريخ وما يزال حتى وقتنا الحاضر محط أنظار وأطماع وتنافس دولي وإقليمي، لأهميته الاستراتيجية وكونه يشكل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأحد البوابات الرئيسية التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط وإفريقيا ويتحكم في خطوط الملاحة التي تمر عبر باب المندب نحو قناة السويس، كما يشكل نقطة انطلاق حيوية للاستثمارات والأنشطة الاقتصادية العابرة للقارات، بالإضافة إلى أنه يزخر بثروات طبيعية هائلة واحتياطات كبيرة من النفط والغاز، إلى جانب ثروات سمكية وزراعية ما يزيد من أهمية استقرار البلاد لاستثمار هذه الثروات.

الأهمية الاستراتيجية للصومال بالنسبة لدول الخليج

الأمن القومي وممرات الطاقة: يشكل الصومال جزءًا من الامتداد الطبيعي للأمن الخليجي، إذ يقع على الضفة المقابلة لليمن والمملكة العربية السعودية عبر البحر. أي اضطراب في الصومال قد ينعكس مباشرة على أمن الملاحة في باب المندب، وهو شريان رئيسي لتجارة النفط الخليجي.

الفرص الاقتصادية والاستثمارية: تسعى دول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات وقطر، إلى تعزيز وجودها الاقتصادي في الموانئ والبنى التحتية الصومالية. وحالياً مشاريع تطوير الموانئ مثل “بربرة” و”بوصاصو” و”مقديشو” تعدّ جزءاً من سباق النفوذ الاقتصادي بين هذه الدول وغيرها.

البعد الإنساني والديني: ترتبط الصومال ودول الخليج بروابط دينية وثقافية عميقة، إذ يشكّل الإسلام والمذهب السني جسراً طبيعياً بين الطرفين. كما لعبت المؤسسات الخيرية الخليجية دوراً بارزاً في دعم التعليم والإغاثة في الصومال.

المعادلة الجيوسياسية الجديدة: في ظل التنافس الدولي في القرن الإفريقي بين الولايات المتحدة والصين وتركيا وإيران، تمثل الصومال ساحة حساسة لتوازن القوى. لذلك، تسعى دول الخليج لتثبيت حضورها بما يحفظ مصالحها الأمنية والسياسية.

وخلال الفترة الماضية التي تجاوزت الثلاثة عقود ظهرت العديد من المحاولات تقودها قوى إقليمية ودولية لإيجاد حل شامل يضع الصومال على طريق الاستقرار والتنمية. وفي هذا السياق، برزت دول الخليج العربي كأطراف فاعلة في دعم جهود الوساطة، إذ حرصت على توظيف ثقلها السياسي والاقتصادي والديني للمساهمة في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الصوماليين.

الجهود الخليجية في الوساطة لحل الأزمة الصومالية

لقد أدركت دول الخليج أهمية الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي عامة والصومال خاصة، بحكم موقعه الاستراتيجي على أهم الممرات البحرية الدولية وارتباطه الطبيعي بأمن واستقرار المنطقة. هذا الإدراك دفع هذه الدول إلى تعزيز حضورها السياسي والإنساني في الصومال، ودفعها من أجل بذل الجهود والتدخل لنزع فتيل الأزمة عبر قنوات الحوار، حيث تحركت العواصم الخليجية منذ بداية الأزمة وكثفت جهودها من أجل الوساطة، وانخرطت في العديد من القضايا الشائكة للوصول إلى حلول بالطرق السلمية، وقدمت الدعم والمساندة وأسهمت في تخفيف معاناة الشعب الصومالي، بل وعملت على حشد الدعم العربي والإقليمي والدولي لإنهاء حالة عدم الاستقرار. وفي هذا السياق يربط الكثير من الباحثين في العلاقات الدولية أمن واستقرار الصومال بأمن دول الخليج العربية بل يعتبر البعض الاهتمام بأمن واستقرار الصومال ضرورة استراتيجية وحاجة أمنية للدول الخليجية وليست خيارًا ثانويًا أو اهتمامًا عابرًا. فلا يمكن عزل اهتمام الخليج بالوساطة في الصومال عن البعد الأمني والاقتصادي والإنساني. فاستقرار الصومال ينعكس مباشرة على أمن الملاحة البحرية، وعلى أمن واستقرار المنطقة وعلى فرص الاستثمار في الموانئ والطاقة والزراعة والثروة الحيوانية.

وعمومًا تفاوتت جهود الدول الخليجية في الوساطة لحل الأزمة الصومالية، وقد تصدرت المملكة العربية السعودية المشهد، حيث لعبت دور الوسيط في أكثر من مناسبة، مستفيدة من ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي وعلاقاتها الواسعة مع الأطراف الصومالية والإقليمية. كما انخرطت دولة قطر عبر مبادرات وساطة سياسية ورعاية حوارات داخلية، بينما ركزت الإمارات العربية المتحدة على دعم البنية التحتية والمشاريع الخدمية، وقدمت الكويت مساعدات إنسانية وتعليمية، بينما ساهمت سلطنة عمان ومملكة البحرين عبر الجانب الإنساني والتعامل التجاري.

هذا التنوع في جهود وأدوار ومساعي دول الخليج في الصومال ينظر إليه البعض نظرة إيجابية ويعتبره تكاملًا حيث يمنح الجهود زخمًا أكبر وثقلًا إضافيًا لأنها تغطي جوانب متنوعة تشمل السياسة والتجارة والأمن والتعليم وغيرها في آن واحد، بينما ينظر إليها آخرون نظرة سلبية لأنها خلقت حالة من التنافس والاستقطاب وأدت الى تشتيت الجهود وقللت من فعالية المبادرات ونتائجها المرجوة في كثير من الأحيان.

السعودية: وسيط محايد وداعم إنساني وشريك استراتيجي

وقد برزت المملكة العربية السعودية كأحد الاعبين الرئيسيين في جهود الوساطة بالصومال باستضافتها العديد من القاءات التي جمعت قيادات صومالية مختلفة وسعت لتقريب وجهات النظر بينهم، كما بادرت لمدّ جسور التواصل مع الحكومة الفيدرالية والأقاليم المختلفة بهدف تحقيق مصالحة شاملة تُنهي الانقسامات الداخلية وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي. وقد تميزت الرياض بأن طرحت نفسها كوسيط محايد يحظى بثقة الأطراف الصومالية، مستفيدة من ثقلها ومكانتها السياسية والاقتصادية والدينية إلى جانب سجلها الواضح في دعم الاستقرار الإقليمي. وقد أكدت المملكة مرارًا وتكرارًا دعمها لوحدة وسيادة الصومال واستقراره السياسي. وحرصت على دعم الصومال في المحافل الدولية، ومنها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. ونتيجة لذلك فقد تولدت قناعة لدى بعض السياسيين الصوماليين بأن المملكة تمتلك ميزة فريدة كوسيط كونها لا تسعى إلى مكاسب سياسية ضيقة، بل تقدم نفسها كقوة استقرار وداعم للتنمية. وهناك العديد من الأطراف الصومالية تنظر إلى المملكة بثقة أكبر مقارنة بدول خليجية أخرى.

كما عززت المملكة جهودها السياسية ببرامج إنسانية وتنموية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي نفذ مشاريع في مجالات الصحة والتعليم والغذاء، بالإضافة إلى إنشاء مراكز طبية متنقلة ومستشفيات ميدانية، علاوة إلى المساهمة في دعم برامج مكافحة الجوع وسوء التغذية، وتقديم قروضً ومِنحًا لمشاريع تنموية في مختلف مناطق الصومال. جدير بالذكر أيضًا أن الثروة الحيوانية الصومالية تصدّر بكميات كبيرة إلى السعودية، خاصة في مواسم الحج، مما يعزز الاقتصاد الصومالي. كل هذا وغيره ساهم في ترسيخ صورة المملكة كطرف يسعى لتحقيق مصلحة الشعب الصومالي بشكل مباشر، وساهم في تهيئة بيئة أكثر تقبلاً لمساعي الوساطة السياسية.

في السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام المملكة العربية السعودية بمنطقة القرن الإفريقي والصومال، وما يجري فيها من تحديات وتهديدات تواجه أمنها الإقليمي، وعليه لم يعُدْ يقتصر دورها على أن يكون مجرد ردود أفعال للأحداث الجارية هناك، وإنما بدأت تبني مبادرات تأتي منطلقة من رؤية إستراتيجية حديثة وطموحة؛ تهدف إلى تحقيق مزيدٍ من المكاسب التي تخدم المصالح المشتركة، وتُعزِّز دورها الإقليمي الإيجابي، والتأثير على الساحة الدولية بشكلٍ عامٍ، بالإضافة إلى دورها البنّاء في المنطقة المحيطة بها.

وبفضل المقومات الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والدينية، تمتلك المملكة القدرة على أن تكون لاعبًا مؤثرًا إقليميًّا، ويأتي ملف القرن الإفريقي والصومال ضمن هذا السياق؛ حيث تبْرُزُ السياسة الخارجية السعودية في هذه المنطقة كاستراتيجية تمتاز بالتنوع والشمولية، وتعكس توجهات المملكة نحو تحقيق أهدافها ورؤيتها الطموحة نحو المستقبل، ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة مزيدًا من التحرُّك السعودي نحو الانفتاح على منطقة القرن الإفريقي عمومًا وتعزيز جهودها في الوساطة لحل الأزمة في الصومال.

تحديات أمام الوساطة الخليجية

رغم الجهود المكثفة، ما تزال الوساطة الخليجية في الصومال تواجه تحديات كثيرة منها على سبيل المثال الانقسامات الداخلية بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم مما يعقد المشهد الداخلي الصومالي، وتأثير تدخلات القوى الدولية والإقليمية الأخرى، بالإضافة إلى التباين في المواقف بين الدول الخليجية نفسها مما يخلق معادلات صعبة ومعقدة إذ تتداخل فيها الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية. ما يجعل الوساطة الخليجية تواجه تحديات في الموازنة بين هذه التباينات، لكن استمرارها يبقى عنصرًا إيجابيًا فالوساطة الخليجية وخصوصًا السعودية لم تتوقف ولديها فرص واعدة لإحداث اختراق في الأزمة الصومالية. لكن النجاح يتطلب توافقًا داخليًا صوماليًا أولاً، إلى جانب تنسيق أكبر بين الأطراف التي تسعى من أجل الوساطة وحل الأزمة، فالحل في الصومال لا يمكن أن يقوم على القوة العسكرية أو بالتدخلات الخارجية. بل عبر وساطة صادقة ترافقها مشاريع تنموية تعيد الثقة للشعب.

وفي الختام: يبقى مستقبل الصومال مرهونًا بمدى قدرة القوى المحلية على التوصل إلى توافق داخلي شامل، في ظل دعم إقليمي ودولي متوازن وجهود حثيثة للتوسط وإنهاء الصراع. وفي هذا السياق، تبدو الوساطة الخليجية – وعلى رأسها السعودية – أحد أهم المسارات الواعدة التي يمكن أن تسهم في تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء دولة صومالية قوية وإعادة البناء وتحقيق الاستقرار. ورغم التحديات، فإن استمرار جهود الوساطة يعتبر التزامًا خليجيًا استراتيجيًا تجاه القرن الإفريقي والصومال، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن الإقليمي الخليجي والعربي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *