السعودية تبنت القضية الفلسطينية من 1920 والبناء على إنجازاتها ضرورة للوساطات الناجحة
Saudi Arabia and Palestine friendship flags are waving in the sky. Double country Flag waving with mast. Saudi Arabian Palestine national flag for agreement.
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. رياض شريم
باحث رئيس بمعهد “ستراتيجيكس” للدراسات والأبحاث الاستراتيجية-عمّان
يشير الكاتب والمفكر الفلسطيني الراحل محمد عزة دروزة في مذكراته إلى أنّ ” اهتمامات الملك عبد العزيز آل سعود بالقضية الفلسطينية بدأت قبل توحيد نجد والحجاز، وظهر ذلك في إيواء كثير من الوطنيين من أبناء سوريا الذين لجؤوا إلى الجزيرة العربية منذ سنة 1920م،” وذلك في فترة الدولة السعودية الثالثة التي سبقت وحدة البلاد ضمن المملكة العربية السعودية في الثالث والعشرين من سبتمبر 1932م، ففي هذه الفترة ظهرت معالم الاهتمام السعودي المبكر بفلسطين والقضية الفلسطينية، حيث تمّ عقد “مؤتمر الجزيرة” عام 1922م، بحضور “مشاركين من فلسطين وسوريا، ومن كبار الشخصيات من الحجاج من مختلف البلاد العربية، وكان من أبرزهم الأمير ابن سويلم، رئيس بعثة الحج النجدية، مندوباً عن الملك عبد العزيز آل سعود، الذي أكدّ أنّ الملك لديه الدراية الكافية بما يدور في المنطقة من أحداث وتطورات” كما يشير الدبلوماسي المصري-السعودي حافظ وهبة في كتابه “جزيرة العرب في القرن العشرين”.
العلاقات السعودية – الفلسطينية تأسست بخطوات وثيقة من لحظتها، مروراً بالعديد من المحطات المبكرة البارزة، كلقاء بعثة الحج الفلسطينية بالملك عبد العزيز آل سعود عام 1930م، وتوسط حزب الاستقلال الفلسطيني والحاج أمين الحسيني في النزاع الحدودي بين السعودية واليمن بداية ثلاثينيات القرن الماضي، ولقاء وفد المجلس الإسلامي الأعلى بالملك عبد العزيز آل سعود عام 1935م، وصولاً إلى الزيارة التاريخية التي قام بها ولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز آل سعود لفلسطين في نفس العام، ومراسم الاستقبال الرسمية والشعبية التي حظي بها في كافة المدن والبلدات التي زارها، وزيارته للحرم القدسي وأداء الصلاة في المسجد الأقصى، وخطابه الذي أكدّ فيه “أنّ قضية فلسطين ومقدساتها ستكون في مقدم اهتماماته هو ووالده ورجال المملكة”، وهو ما انعكس في توجيهات الملك عبد العزيز آل سعود لأركان الحكومة السعودية بتقديم كل ما يلزم من معونات ومساعدات للشعب الفلسطيني خلال الثورة الكبرى التي اندلعت عام 1936م.
عام 1937م، شهد تنظيم لقاءات مهمة بين القيادة السعودية ممثلة بالملك عبد العزيز آل سعود والأميرين سعود بن عبد العزيز وفيصل بن عبد العزيز من ناحية، والحاج أمين الحسيني والوفد الفلسطيني المرافق له من ناحية ثانية، كما شهد العام 1939م، عقد مؤتمر لندن حول قضية فلسطين، والذي كان للملك عبد العزيز آل سعود دور فاعل في تنظيم الوفد الفلسطيني إليه، بالإضافة إلى مشاركة المملكة بوفد رفيع المستوى مثلّه الأميران فيصل بن عبد العزيز وخالد بن عبد العزيز، ثم لقاء الملك عبد العزيز آل سعود بالزعيم الفلسطيني جمال الحسيني في البحرين في نفس العام، وهو ما دفع ديفيد بن غوريون آنذاك للقول في مذكراته أنّ قوة الملك عبد العزيز آل سعود “تشكّل خطراً على حدود فلسطين وعلى اليهود فيها، وعلى المشروع الصهيوني عامة”.
دعم القضية الفلسطينية
تطورت سياسات المملكة العربية السعودية المتعلقة بالقضية الفلسطينية خلال نكبة عام 1948م، وإقامة دولة إسرائيل بمشاركة فرقة كاملة من الجيش العربي السعودي (زاد تعدادها عن ثلاثة آلاف ومئتي ضابط وجندي) في معارك فلسطين بأوامر مباشرة من الملك عبد العزيز آل سعود، وخاضت تلك الفرقة معارك ضارية إلى جانب قوات الجيش العربي المصري ضد القوات الإسرائيلية في جنوب فلسطين، ليتجاوز عدد الشهداء السعوديين في تلك الحرب 173 شهيداً، منهم 4 ضباط، و64 من رتب أخرى، و104 من المتطوعين.
كما كانت المملكة رائدة في الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني فور تأسيسها في العام 1964م، وساهمت في تعزيز مكانة المنظمة عربياً وإقليمياً ودولياً، والأهم: تقديم الدعم المادي الكبير لتأسيس “جيش التحرير الفلسطيني” من قبل منظمة التحرير الفلسطينية.
حرب عام 1967م، بدورها شهدت مشاركة فاعلة لقوات الجيش العربي السعودي إلى جانب قوات الجيش العربي الأردني، بالإضافة إلى المشاركة في حرب الاستنزاف التي أعقبت تلك الحرب وقادت إلى معركة الكرامة عام 1968م، وارتقى خلال الحربين مجموعة من شهداء القوات المسلحة السعودية، على رأسهم الملازم أول راشد بن عامر الغفيلي، وفي حرب أكتوبر عام 1973م، قامت المملكة العربية السعودية وعلى رأسها الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود بقيادة الخطوة الاستراتيجية الأهم بقطعها النفط عن الدول الغربية الداعمة لإسرائيل، وعملت على تقديم كل أشكال الدعم لمصر وسوريا، وشاركت القوات المسلحة السعودية بشكل مباشر في القتال إلى جانب قوات الجيش العربي السوري على جبهة الجولان، ليرتقي من تلك القوات عشرات المقاتلين الذين لا زالت مقبرة الشهداء في منطقة نجها بدمشق تشهد على بطولاتهم، أما في حرب لبنان عام 1982م، فقد أمر الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود وقتها بتزويد المقاتلين الفلسطينيين بالسلاح من مخازن الحرس الوطني السعودي لتعزيز صمودهم في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وهذا ما تمّ بالفعل.
جهود المملكة في طرح المبادرات لحل القضية الفلسطينية
شهدت أواسط عقد السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي تحولات سياسية بدأت في العام 1974م، بتبني منظمة التحرير الفلسطينية لبرنامج الحل السياسي الواقعي للقضية الفلسطينية (برنامج النقاط العشر)، ثم توقيع جمهورية مصر العربية لمعاهدة السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد في عام 1979م، وفي هذه الفترة تكثّفت سياسات المملكة العربية السعودية لحل القضية الفلسطينية بالطرق الدبلوماسية انسجاماً مع التحولات العربية والإقليمية والدولية، وبما يحافظ على الحد الأدنى من حقوق الشعب العربي الفلسطيني المشروعة، في ظل توظيف مكانة المملكة المتقدمة عربياً وإسلامياً وعالمياً لخدمة هذه السياسات.
في هذا السياق بادرت المملكة العربية السعودية عام 1981م، بتقديم مبادرة (الأمير فهد بن عبد العزيز) الشاملة لحل القضية الفلسطينية، والتي تأسست على انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967م، وإزالة كافة المستوطنات الإسرائيلية من تلك المنطقة، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في العودة، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس، ليتم تبني المبادرة من قبل القمة العربية الثانية عشرة التي انعقدت في مدينة فاس المغربية عام 1982م، بوصفها مبادرة عربية لتحقيق السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط.
الرفض الإسرائيلي للمبادرة، ثم توقيع منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاقيات أوسلو مع الحكومة الإسرائيلية عام 1993م، ثم تعّثر تلك الاتفاقيات بسبب المواقف الإسرائيلية ما أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية في الأراضي الفلسطينية (انتفاضة الأقصى)، دفع المملكة العربية السعودية لتقديم مبادرة أكثر عمقاً وشمولية وتطوراً عام 2002 م، من قبل (الأمير عبد الله بن العزيز)، والتي تبنتها الجامعة العربية رسمياً بوصفها “مبادرة السلام العربية” التي قامت على مبادئ الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة في الرابع من يونيو 1967م، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين وفقاً للقرار رقم 194، وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة على الأراضي المحتلة عام 67 عاصمتها القدس الشرقية، مقابل اعتبار الصراع العربي الإسرائيلي منتهياً، والدخول في اتفاقية سلام بين الدول العربية وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لكافة دول المنطقة، وإنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل.
ومن بعد تلك المبادرة، وعلى أساسها، تواصلت جهود المملكة العربية السعودية لحل القضية الفلسطينية، مع خطاب الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة والسبعين عام 2020م، بقوله: “إنّ السلام في الشرق الأوسط هو خيارنا الاستراتيجي، وواجبنا ألا ندخر جهداً للعمل نحو تحقيق الاستقرار والازدهار والتعايش بين شعوب المنطقة كافة”، وتأكيد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود خلال قمة دول بريكس عام 2023م، أنّ “السعودية تطالب بإطلاق عملية جادة وشاملة لحل القضية الفلسطينية”، ورفض ما يجري في قطاع غزه من “جرائم وحشية بحق المدنيين والأبرياء”، وتأكيد “موقف المملكة الثابت والراسخ بأن لا سبيل لتحقيق الأمن والاستقرار إلا بتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967م”.
كل ذلك وصولاً إلى الدور الرائد والمركزي للمملكة العربية السعودية في إطلاق “التحالف الدولي لحل الدولتين” باسم الدول العربية والإسلامية وعدد من الشركاء الدوليين خلال اجتماع وزاري بشأن القضية الفلسطينية على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والسبعين في سبتمبر 2024م، واستضافة الاجتماع الأول للتحالف في أكتوبر 2024م، فاستضافة القمة العربية الإسلامية غير العادية بشأن الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة في نوفمبر من نفس العام، ورئاسة المملكة بالشراكة مع فرنسا للاجتماعات التحضيرية للمؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية بمقر الأمم المتحدة خلال عام 2025م، واعتماد المؤتمر لوثيقته الختامية التي نصت على إنهاء الحرب في غزة، والتوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للصراع على أساس حل الدولتين في يوليو 2025م، ثم تتويج تلك الجهود بالقرار التاريخي للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025م، (إعلان نيويورك) بتبني حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتوالي الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية.
وبعد
خلال عقود الصراع العربي الإسرائيلي الطويلة لم تتوقف الجهود السعودية لدعم الشعب الفلسطيني بكافة السبل، وهي الجهود التي تطورت وصولاً لإطلاق أهم مبادرة دولية لحل القضية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام، وقيادة أكبر تحالف دولي لتحقيق تلك الرؤية، وهو الأمر الذي يؤسس قاعدة متينة للدول العربية والمجتمع الدولي للانطلاق منه لتنفيذ الحل السياسي السلمي للقضية الفلسطينية، بل وحل كافة القضايا الإقليمية والدولية العالقة عبر المبادرات والوساطات لفض فتيل النزاعات، وتخفيف التوتر بين الدول المتصارعة على النفوذ والهيمنة في المنطقة، وتهدئة التوترات البينية العربية، من خلال قيام المنظمات الإقليمية الفاعلة باستثمار هذه الإنجازات لبناء واقع عربي جديد يكون نواة لوساطات إقليمية ودولية مستقبلية.
فليس هناك من “مشكلة” غير قابلة للحل في عالم السياسة، وحل أزمات الشرق الأوسط بالطرق السلمية قد يكون أكثر سهولة من كثير من الأزمات الدولية الشائكة إذا توفرت الإرادة الجادّة والقيادة الحازمة و “القوة السياسية” القادرة على فرض الحد الأدنى من العدالة على الجميع، وهو ما ينسحب على الأزمات العربية في اليمن، والسودان، وسوريا، ولبنان، وليبيا، ما يفرض على “مجلس التعاون لدول الخليج العربية” و “جامعة الدول العربية” البدء بتشكيل فرق عمل دبلوماسية متخصصة لتلك الأزمات، وتقديم خطط عملية تضمن حلها بالطرق السلمية، وتوظيف كل وسائل الضغط الممكنة لإلزام الفرقاء العرب بتقديم التنازلات الكفيلة بلقاء الجميع في منطقة الحل الوسط التي تحقق مصالحهم وترفع من شأنهم بين الأمم، في عالم لا يرى إلا الأقوياء، وتاريخ لا يجامل الضعفاء.
