التعددية ليست خطأً التكوين بل الإدارة وبالعدالة والشفافية يتحول التنوع لتوازن يمنع اختراق الدولة
Hillah, Iraq - March 22, 2025: Hilla Museum showcases artifacts and maps of Iraqi heritage and culture
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ.د. إحسان الشمري
أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية ـ جامعة بغداد
العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة احتوى فضاءً متعدّدًا من المكونات المجتمعية والتي تعد نتيجة طبيعية لقرون من الديمغرافية البشرية التي مرت بها العديد من الدول العربية والإقليمية والغربية، وقد شملت هذه المكونات: عرب أكثريّة) أكراد) شمالًا وفي الإقليم) وعدد من الأقليّات التي تتنوّع ما بين عِرقي تركمان، شَبَك، أرمن، آشوريين/كلدان، وأصحاب البشرة السمراء) و(ديني/مذهبي) يزيديون، صابئة-مندائيون، مسيحيون بمختلف كنائسهم، أقلّيّات بهائية ويهودية حتى أربعينيات القرن الماضي وغيرها
اعترف الدستور لعام 2005م، بهذه التعدديّة في المادة (3) منه والتي تشير إلى أن: العراق بلدٌ متعدد القوميّات والأديان والمذاهب)، والعربية والكردية لغتان رسميّتان (المادة ٤ من الدستور العراقي) مع كفالة التعليم بلغاتٍ أخرى مثل التركمانية والسريانية والأرمنية، وهي صياغة دستورية ذات أثر عملي على حقوق التمثيل واللغة في التعليم والإدارة. يوفر هذا الإقرار القانونيّ نقطة مرجعيةٍ تضبط العلاقة بين الهويّات الأوّلية ومؤسّسات الدولة، لكن نجاحه ظلّ مرتهنًا بميزان القوة السياسي والأمني على الأرض.
- جغرافية المكونات:
تتوزع المكونات الدينية والعرقية على كامل مساحة العراق تقريبًا ويُظْهِر التوزيع الجغرافي للأقليات ؛ إحصائيًا، ظلّت البلاد من دون تعداد حديث طوال عقود، ما جعل الأرقام محلّ جدل سياسي ، تستخدم التقديرات أكثر من الإحصاءات الرسمية وتظهِر العرب 75–80%، الأكراد 15–20%، وسائر الأقليّات نحو 5%، مع التأكيد أنّ أرقام تعدادات 1967/1977/1987/1997 م، كانت مُسيسة وتجبر المُجيب على التعريف كـعربي أو كردي فقط، ما همش مكونات مثل التركمان (الذين يعدّون أنفسهم الثالث حجمًا) ، هذا الخلل الإحصائي ظل يُثقِل ملفات تقاسم السلطة والموارد. وفي العام2024 مُ، أعلن الموافقة عن الشروع بأول تعداد شامل منذ 1987 لمعالجة هذا الفراغ، رغم أنه خضع أيضاً للتأثيرات السياسية في بعض تفاصيله، وتركزت النتائج النهائية التي أعلنت عنها وزارة التخطيط في فبراير 2025على بيانات ديموغرافية عامة، مثل إجمالي عدد السكان وعدد الذكور والإناث، دون ذكر القومية والدين أو حتى نسب المكونات.
أما الجغرافيا السياسية للتنوع فيمتد التركمان من تلعفر غرب الموصل إلى كركوك وتوز خورماتو وخانقين فيما يعرف شعبيًا بـ«تركمن إيلي»، وبينهم أكثرية سنية وأقلية شيعية ، ويتوزع الشبك والطوائف المسيحية ( سريان/كلدان/آشوريون في سهل نينوى (تل كيف، الحمدانية/قره قوش، برطلة، بعشيقة) و الأيزيديون الذين هم خليط من الأكراد والعرب والفرس والأتراك، وتتراوح أعداد هذه الأقلية العرقية بين 500 ألف و700 ألف نسمة، ويتوزعون في محافظة نينوى: قضاء الشيخان، وبعشيقة، وبحزاني، وشنكال (سنجار)، وزمار والقوش، وفي محافظة دهوك: شاريا (سميل)، ومجمع خانك ومنطقة ديرةبون ؛ أما الصابئة يُقدَّر عددهم حاليًّا بـ15 ألف شخص يوجدون في بغداد والمحافظات الجنوبية ، وأصحاب البشرة السوداء يتركّزون في البصرة وجنوبها. هذه الخرائط ليست ساكنة فقد أعادت موجات التهجير 2006–2008م، ثم 2014ـ2017 م)،و داعش أعادت تشكيل التوزيعات وفتحت سجالات الهندسة الديموغرافية في نينوى وحول كركوك.
إن تاريخ العنف الجماعي في العراق يفسر هشاشة التعايش، فعدد كبير من الحوادث أثرت بشكل كبير على المكونات وانتشارها أو حتى بقاءها في العراق، فمجازر الأرمن وتهجير اليهود في أربعينيات القرن العشرين، مرورًا بالنزاع بين الحكومات والمكون الكردي وعمليات تهجيرهم والتي شملت تغييرًا ديمغرافيًا في كركوك، وحتى الوقت الحاضر الذي شهد تهجيرًا طائفيًا ( 2005_2010 ) م، وبعدها بأربع سنواتٍ كرس اجتياح داعش في يونيو 2014 م، منطق الفرز القسري وأنتج جراحًا مفتوحة تمثلت في الإبادة الجماعية لليزيديين في سنجار، الاسترقاق الجنسي لآلاف النساء، المقابر الجماعية، وخطف الآلاف، و كل محطة من هذه المحطات تركت أثرًا مستدامًا على الثقة بين المكوّنات وعلى حسابات الأمن والهوية في الدولة ؛ وعلى هذا الأساس كانت النتائج الديموغرافية ملموسة فقد هبطت أعداد المسيحيون من نحو 1.5 مليون قبل 2003 م، إلى أقل من 150–250 ألفا، وتقلص المندائيون إلى بضعة آلاف داخل العراق ، أما اليزيديون فما زالوا في ذات المصير ؛ في المقابل يصر التركمان على كونهم الثالث حجمًا سياسيًا واجتماعيًا، مع استمرار تهميش أصحاب البشرة السمراء في التمثيل والفرص .
- التعددية وتأثيرها على استقرار المجتمع والدولة:
تظهر التجربة العراقية أن التعددية ليست مصدر اضطرابٍ بحد ذاتها، بل إن طريقة إدارتها هي التي تحدد اتجاهها نحو الاستقرار أو التفكك، فالمحاصصة التي استخدمت منذ 2003 م، كآلية لتقاسم النفوذ بين المكونات تحولت عمليًا إلى هندسة فوقية ترضي النخب وتقصي القواعد الاجتماعية، فهي تنتج توازنًا سياسيًا هشًا لكنها تبقي مؤسسات الدولة منقسمة الولاءات وأصبحت تخضع لاصطفافات مكوناتية حزبية أكثر منها مهنية، ما جعل الدولة رهينة توافق النخب بدل أن تكون ضامنة لتكافؤ المواطنة. في المقابل، تمثل ما يعرف بالمناطق المتنازع عليها “كركوك، سنجار، سهل نينوى، خانقين ” اختبارًا حقيقيًا لفكرة الدولة الواحدة، فغياب تطبيق المادة (140) من دستور 2005 م، وتعثر برامج إعادة الإعمار وإعادة النازحين يعمق منطق الحدود الداخلية، ويحول العراق إلى جزرٍ إثنية ودينية شبه منفصلة في الولاء والإدارة ، لذا فإن هذا التنوع الممتد من حلبجة إلى سنجار إلى كركوك وديالى والعاصمة بغداد ، يؤكد أن التعددية ليست خطأً في التصميم بل في الإدارة ، فحين تكون المؤسسات عادلة وشفافة، يتحول التنوع إلى رأسمال توازني يصعب على الخارج اختراق الدولة. أما حين تدار الدولة بمنطق الغلبة والزبائنية، فإن الهويات نفسها تتحوّل إلى مضخات أزمات دائمة، فمن دستور 2005 م، إلى اتفاق سنجار 2020م، ومن نزوح 2014 م، إلى تعداد 2025م، يبقى سؤال التماسك الوطني معلقًا بين خياري المواطنة والسيطرة. مما يؤكد أن التعددية العراقية حين تدار بسياسات دمج ومواطنة وعدالة انتقالية حقيقية، تصبح مصدرًا توازنيًا داخل البيئة الإقليمية المضطربة. فالتنوع العراقي لا يقلل من قوة الدولة بل يزيد من مرونتها، شريطة أن تتحول مؤسساتها من أدوات تمثيل طائفي إلى أدوات إنفاذ قانون عادل.
إن السياسات الخاطئة في إدارة التنوع التي ولدت حالة من انعدام الثقة بين المكونات المجتمعية في العراق وفراغًا بنيويًا سمح للقوى الإقليمية (إيران وتركيا) بأن تستخدم هذه الجغرافيا كـوسيط لنفوذ سياسي وأمني، فباتت الهوية في تلك المناطق عملة جيوسياسية تتداول أكثر مما تحمي، فإيران لعبت على الورقة الطائفية للنفاذ والتحكم بالمكون الشيعي، فضلًا عن إنشاء كيانات رديفة للدولة “لحماية المكون”، مع تحفيز لعوامل أخرى اجتماعية واقتصادية، مما يؤثر على العلاقات المكوناتية في العراق. والأمر ذاته مع تركيا، فالصورة لا تقف عند دعم أنقرة التاريخي لبنى تركمانية أو اشتباكها مع امتدادات PKK داخل سنجار وقنديل، فالتسوية الأمنية التي أسست لمركز تنسيق مشترك في بغداد وتحويل بعشيقة إلى مركز تدريب تحت السيادة العراقية أعادت تعريف حماية المكونات باعتبارها وظيفة دولة.
- التنوع بين التحديات والمستقبل:
في ظل انقسامات اجتماعية حادة أسست لها الأحزاب السياسية في العراق، يبدو مستقبل التنوع المكوناتي في العراق محفوفًا بالعديد من التحديات، إذ يواجه التنوع مخاطر تهديد وجوده بسبب عودة الخطابات الإثنية والعرقية والطائفية مع الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2025 م، إذ اعتمدت بعض الكيانات الانتخابية خطابات للتأثير على المجتمعات المحلية غذت من خلالها مشاعر الضغينة والخلاف مما يُعرقل التعايش السلمي بين المكونات ويضعف الهوية الوطنية العراقية لصالح الهويات الفرعية ؛ كذلك فإن استمرار محاولات التذويب الثقافي بأجندات داخلية وخارجية يهدد بالتالي وجودها وهويتها ؛ والتهميش السياسي وتضييق فرص المشاركة في القرار الاتحادي قياسًا ببعض المكونات الأخرى، مما يضعف الإيمان لدى هذه المكونات بأهميتها السياسية ، كما أن هجرة الأقليات نتيجة التهديدات الأمنية والسياسية، فنشوب أي صراع يستند على العناوين المكوناتية يعد تحديًا لهذه الأقليات مما يدفعها إلى الهجرة ، كذلك فإن التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية تؤثر بشكل كبير على ديناميكيات التنوع، وتضاعف من حدة الاستقطاب الداخلي والاستقواء بالخارج مما يحول هذه المكونات إلى مجرد توابع لهذه الدول على حساب البلد ومصالحه العليا .
بالرغم من أن التنوع المكوناتي في العراق يمثل تحديًا كبيرًا ، إلا أنه يمكن أن يشكل مصدر قوة وفرصة لبناء دولة تعددية قائمة على قيم التعايش السلمي، ولتحقيق ذلك، يتطلب معالجة العديد من القضايا العالقة والتي أثرت على تحويل هذا التنوع إلى مصدر توتر للدولة ومنها : إصلاح النظام السياسي، وإعادة بنائه على أساس الكفاءة والمواطنة بدلًا من المحاصصة الطائفية والقومية، هذا المسار الاصلاحي يمكن أن يسهم في تقليص الصراعات الداخلية وتحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع مكونات المجتمع ؛ كذلك فإن عقود من انعدام الثقة يتطلب تعزيز الحوار الوطني مما يجعل هذا التنوع الاجتماعي مصدرًا للتعايش السلمي من خلال تبني سياسات تشجع على الحوار بين المكونات المختلفة والعمل على إشراك جميع الأطراف في عملية صنع القرار وبناء الثقة بين المكونات الاجتماعية ؛ كما أن وضع خطة وطنية في التعليم يمكن أن يودي دورًا محوريًا في نشر قيم التسامح والتعايش السلمي، مع الأخذ بنظر الاعتبار أهمية أن تلعب المؤسسات الإعلامية دورًا إيجابيًا في تعزيز هذه القيم بدلًا من إذكاء الصراعات والانقسامات، وفرض رقابة صارمة على كل وسيلة أو منصة تروج للخطابات الإثنية والطائفية؛ كما يعد العامل الاقتصادي والتنمية المستدامة وسيلة فعالة لتقليل التوترات بين المكونات المختلفة، إذ غالبًا ما تكون النزاعات السياسية والاجتماعية مرتبطة بشعور المكونات بالتهميش الاقتصادي والتمييز ، لذا فتحقيق العدالة الاقتصادية مهمة لخلق مجتمع متماسك ودولة قوية ترعى كل حقوق مكوناتها إن المعالجة هذه ستدفع نحو تعايش دائم ويرفع في ذات الوقت من تعزيز روح المواطنة والتفاهم وبما يغلق الباب أمام التدخلات الخارجية من العبث بالهويات الفرعية والمكوناتية.
مما تقدم، يتبين أن تحويل التنوّع العراقي إلى عامل استقرار بنيوي لا ظرفي، يتطلب إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس هندسة الوطنية لا هندسة الهويّات، فبدل أن تدار الولاءات عبر شبكات طائفية تتغذى من الامتيازات والرموز، ينبغي أن تعاد صياغتها ضمن منظومة مصالح وطنية موزعة بإنصاف، تجعل المشاركة في الدولة مجزية أكثر من الارتهان إلى المكون.
