قضية غجر العراق فقر وهوية وحقوق مواطنة وتهميش ولا يجدون اعترافًا من الدولة ولا قبولاً من المجتمع

image
Getting your Trinity Audio player ready...

 أ.د. حميد الهاشمي

باحث مختص بعلم اجتماع الأقليات ومؤلف كتاب (تكيُّف الغجر: دراسة اجتماعية لجماعات الكاولية في العراق) ـ العراق


يُعَدّ الغجر من أكثر شعوب الأرض تشرداً ومعاناة عبر التاريخ، إذ قلّما وُجدت جماعة بشرية واجهت مثل ما واجهوه من اضطهاد، ونبذ اجتماعي، وتشويه متواصل لصورتهم. فأينما حلّوا، كانت سمعتهم تسبقهم، خليطاً من الحقيقة والمبالغة، ومن الأسطورة والواقع. وغالباً ما يُنظر إليهم على أنهم ضيوف ثُقَلاء على المجتمعات التي يعيشون في كنفها، بسبب طبيعة حياتهم المتنقلة وأعمالهم غير التقليدية، فضلاً عن الصور النمطية التي التصقت بهم عبر قرون من التهميش.

  1. الغجر شعب يطارده سوء الفهم عبر التاريخ

هذه الصورة السلبية لم تقتصر على الخيال الشعبي، بل امتدت إلى المستويات الرسمية والمعرفية. ففي قاموس اللغة التشيخية الصادر في براغ عام 1952م، يُعرَّف الغجر بأنهم “شعب تائه يمتهن الكذب والسرقة ولا شغل له سوى الدجل والغش.” تعريف قاسٍ يعكس عمق التحيز ضدهم، رغم محاولاتهم الدائمة للتكيف مع المجتمعات التي يعيشون فيها. ولم تكن هذه النظرة حكراً على أوروبا، بل كانت جزءاً من مفهوم عالمي عن الغجر الذين طالهم الاضطهاد عبر التاريخ، وكانوا من ضحايا الإبادة النازية إلى جانب اليهود خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن الغجر يرون أنفسهم بعين مغايرة تماماً: فهم “سادة الأرض” كما يصفون أنفسهم، وشعب حرّ يمثل الحب والرومانسية والانطلاق من قيود الحياة المادية. ومع ذلك، يبقون من الشعوب القليلة في العالم التي لا تمتلك وطناً، إذ يتوزعون على قارات الأرض كافة، يعيشون على الهامش الثقافي والاجتماعي أينما وُجدوا.

  1. الأصل الهندي ومسارات الهجرة نحو الغرب

يتفق معظم الباحثين في علم الغجريات (Gypsology) على أن أصول الغجر تعود إلى شبه القارة الهندية، وأنهم هاجروا منها على شكل موجات نحو الغرب والشمال مروراً بالشرق الأوسط. وهم بذلك الشعب الوحيد تقريباً الذي خرج من الهند نحو أوروبا خلال الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، في مقابل حركات الهجرة الكثيفة من أوروبا إلى الهند. وما زال جزء من الغجر يعيش في الهند حتى اليوم، كما تنتشر تجمعاتهم في معظم بلدان العالم تقريباً.

رغم هذا الإجماع الأكاديمي على أصلهم الهندي، فإن تسمياتهم تختلف باختلاف البلدان التي يقيمون فيها. ففي العراق تُستخدم كلمة “الغجر” في السجلات الرسمية ووسائل الإعلام، بينما يُطلق عليهم عامة الناس في المناطق العربية العراقية اسم (الكاولية). وكانوا حتى ما قبل عام 2003م، يُعرفون بأنهم يمتهنون الغناء والرقص، وتلصق بهم تهمة البغاء، رغم أن كثيرين منهم كانوا يعملون في مهن فنية أو يدوية مشروعة.

  1. تسميات الغجر في العراق وتاريخ وجودهم

حتى أوائل السبعينيات ظل الغجر يعيشون حياة الترحال، قبل أن تمنحهم الحكومة العراقية الجنسية في مطلع الثمانينيات. ويرجّح الباحث حميد الهاشمي أن أصل التسمية (كاولية) يرتبط باسم الملك الهندي (كاول Chola)، استناداً إلى ما ذكره ول ديورانت في قصة الحضارة، إذ أشار إلى وجود (خادمات الله) في معابد الملك كولا عام 1004م، وكنّ يمارسن الرقص والطقوس الدينية بنَفَسٍ قدسي لا يُعدّ منافياً للأخلاق. ومن ثم، قد تكون التسمية (كاولية) مشتقة من اسم هذا الملك، كدلالة على جماعة هندية الأصل انحدرت من تلك الممارسات الطقوسية القديمة.

وفي شمال العراق، خاصة في المناطق الكردية، تُستخدم تسمية (القرج) لوصف جماعات تشترك في سمات الغجر وطبيعة عيشهم. ويرى الباحث بنيامين أن أصل الكلمة تركي، مشتق من (قره) أي (أسود)، وهو ما يربطها بالتسمية الفرنسية للغجر (تسيغان)، المرتبطة أيضاً بلون البشرة الداكن. أما الأب أنستاس الكرملي فيشير إلى أن اسمهم يُطلق على جماعة من (النور) الذين يقطنون أطراف الموصل وبعض مناطق بغداد.

أما أقدم تسمية تاريخية للغجر في العراق فهي (الزُّط)، إذ ورد ذكرهم في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي في القرن السابع الميلادي، حين جلب العرب جماعات من الزط بعد فتحهم للسند وأسكنوهم في جنوب العراق قرب كسكر مع حيواناتهم، خصوصاً الجاموس. وقد تمرد الزط لاحقاً على الدولة العباسية وقطعوا طريق التجارة في نهر دجلة، مما دفع الخليفة المأمون إلى محاربتهم. وبعد انتصار جيشه، نُقل كثير منهم إلى خانقين والثغور، ثم أُسر آخرون ونُقلوا إلى بيزنطة عام 855م، لتكون تلك الهجرة أول وصول موثّق للغجر إلى أوروبا عبر البوسفور.

  1. الغجر وثقافة التكيف مع البيئات المحلية

تتصف هذه الجماعات بقدرتها المدهشة على التكيف الثقافي والمظهري مع البيئات التي تعيش فيها. فهم يتحدثون العربية بطلاقة في المناطق العربية، والكردية في المناطق الكردية، ويتخذون الدين والمذهب السائد في محيطهم الاجتماعي. هذه المرونة جعلتهم (مرآة المجتمع) الذي يعيشون فيه، وإن بقوا في نظر الآخرين (الآخر المختلف).

ويمتاز الغجر في العراق بخصائص تجعلهم ثقافة فرعية داخل المجتمع العراقي:

  1. خصائص فيزيقية: بشرة سمراء ضاربة إلى الصفرة أو النحاس، شعر أسود فاحم، وعيون داكنة، وهي سمات هندية الأصل رغم تأثرها بالاختلاط.
  2. خصائص إثنية: انحدارهم من أصول هندية تؤكده لغتهم وثقافتهم.
  3. خصائص معيشية: امتهانهم لحرف هامشية مثل الغناء، والرقص، والحدادة، وصناعة الأدوات البسيطة.
  4. خصائص قيمية: ممارساتهم التي تُعدّ منافية للقيم الاجتماعية العراقية التقليدية.
  1. من المديح إلى التهميش: تحولات الصورة الاجتماعية

حتى مطلع السبعينيات، كان الغجر يعيشون حياة الترحال بين الأرياف وأطراف المدن، يمارسون الحدادة وصناعة السكاكين وقراءة الطالع، ويحيون حفلات الغناء والرقص. ومع استقرارهم في تجمعات قريبة من المدن، تراجعت مهنهم واقتصرت على الترفيه والموسيقى. وكان الأغنياء يدعون فرق الغجر لإحياء الأعراس والمناسبات، بل كانت المؤسسات الحكومية نفسها تستعين بهم في الاحتفالات الوطنية.

لكن ارتباط الغجر بالموسيقى والغناء، وما يفرضه الاختلاط بين الجنسين، جعلهم عرضةً للتحقير الاجتماعي، خصوصاً في المجتمعات المحافظة التي تنظر إلى الفنون بوصفها نشاطاً مشبوهاً. وفي ظل تلك النظرة، انحدرت بعض أنشطتهم إلى ما يشبه التسول أو ما يُعرف بـ(المديح) باستخدام الربابة، وهو فن شعبي يمتزج فيه الغناء بالشعر. ومع مرور الوقت، ارتبط الغناء بالرقص، ثم بشرب الخمر، وصولاً إلى الممارسات الجنسية مقابل المال، وهو ما رسّخ الصورة النمطية عنهم كمجتمع (لا أخلاقي).

ورغم أن الغجر يؤكدون أن نساءهم لا يعملن في البغاء، وإنما يقدمن مجالسة الرجال في الحفلات مقابل أجر مادي رمزي، فإن التباس الحدود بين المديح والغناء والاختلاط جعل من السهل إلصاق هذه التهمة بهم. ويقول بعضهم إن العاملات في البغاء هن النساء (الأجنبيات) أي من غير الغجر، اللواتي لجأن إلى قراهم بعد أن نبذهن ذووهن، أو هربن بحثاً عن (الحرية).

واقعاً لقد ساهم الغجر بإثراء الثقافة العراقية، سيما في مجال الفنون الموسيقي سواء صناعة بعض الآلات الموسيقية التقليدية أو العزف عليها. كذلك في مجال الغناء والرقص، برزت العديد من المطربات الغجريات سيما في التاريخ الفني المعاصر للعراق مثل وحيدة خليل، وحمدية صالح، وساجدة عبيد، وسورية حسين، وصبيحة ذياب، وغزلان، وممثلات مثل هند طالب، وراقصات اشتهرن جدًا مثل ملايين، وغيرهن الكثير.

  1. ما بعد 2003: العنف والتهجير وفقدان الهوية

التحول الأكبر في مصير الغجر في العراق جاء بعد عام 2003م، إذ أدت الفوضى الأمنية والتطرف الديني إلى استهداف قراهم وتهجيرهم قسراً، بذريعة أنهم يمارسون (حفلات لا أخلاقية). فتم إحراق مساكنهم ونهب ممتلكاتهم، واضطر الآلاف منهم إلى النزوح نحو المدن الكبرى أو إلى مناطق نائية. وتشير بعض التقديرات إلى أن أعدادهم تراجعت من نحو 200 ألف نسمة إلى أقل من 50 ألفاً اليوم، يعيش أغلبهم في فقر مدقع.

فقد الغجر مصادر رزقهم التقليدية، وأصبح أطفالهم ونساؤهم يتسولون في الشوارع والتقاطعات. ولم يجد الرجال سوى أعمال هامشية غير مستقرة. ومع غياب التعليم والوظائف، باتت بطالة الغجر بنيوية، ترتبط بالنبذ الاجتماعي والتمييز ضدهم. فلفظة (كاولي) تُستخدم في اللغة اليومية العراقية كشتيمة، ما يجعل كثيرين منهم يخفون هويتهم خشية الازدراء.

  1. بين إهمال الدولة ونضال الاعتراف

أما على الصعيد الرسمي، فلا يبدو الوضع أفضل حالاً. فالكثير منهم يواجه صعوبات في الحصول على البطاقة الوطنية الموحدة، وهو ما يحرمهم من أبسط حقوق المواطنة مثل الحصة التموينية، التي تمثل شريان الحياة للفقراء في العراق منذ التسعينيات. هذا الحرمان يطال أيضاً الخدمات الأساسية. فمناطقهم تفتقر إلى الماء الصالح للشرب، والكهرباء، وشبكات الصرف الصحي، والمدارس.

وفي الميدان التعليمي، يعاني أطفال الغجر من التهميش المزدوج: فمدارسهم أُغلقت بسبب التهجير أو عزوف المعلمين عن العمل فيها، وفي المدارس القريبة منهم يُطرد الأطفال أحياناً بسبب انتمائهم. هكذا يستمر تدوير الفقر والجهل جيلاً بعد جيل.

اليوم، تقلصت مناطق سكن الغجر إلى تجمعات محدودة مثل قرية الزهور (الفوّار سابقاً) في محافظة القادسية، وبعض ضواحي بغداد مثل كنعان وأبي غريب، إضافة إلى وجود محدود في البصرة والموصل. وعلى النقيض من ذلك، يقدم إقليم كردستان نموذجاً أكثر تقدماً في التعامل معهم، إذ أنشأت حكومة دهوك مجمعاً سكنياً خاصاً بالغجر يُعرف باسم أدار، يتميز ببنية تحتية جيدة ومدرسة وخدمات أساسية.

  1. نحو اعتراف بالهوية وحقوق المواطنة

إن قضية الغجر في العراق ليست مسألة فقر فحسب، بل هي مسألة هوية وحقوق مواطنة. فهم جزء من النسيج الاجتماعي العراقي، لكنهم ظلوا في الهوامش، لا يجدون اعترافاً كاملاً من الدولة ولا قبولاً من المجتمع. وتبقى معاناتهم مرآة تعكس هشاشة مفهوم المواطنة في بلد تتنازعه الهويات الفرعية والتمييز الطبقي والإثني.

لقد آن الأوان لفتح نقاش وطني جاد حول إدماج الغجر في المجتمع العراقي، ليس من باب الشفقة، بل من منطلق العدالة والمساواة. فالثقافة الغجرية، بما تحمله من موسيقى وشعر وغناء، هي جزء من الذاكرة الشعبية العراقية، لا يمكن إلغاؤها أو نسيانها.

إن الاعتراف بالاختلاف واحترام التنوع الثقافي هو الطريق الوحيد نحو مجتمع متوازن لا يُقصي أبناءه. فضلاً عن ذلك، فإن إنصافهم عبر التعليم والعمل وحقوق المواطنة التامة سيجنّب المجتمع أن يكونوا جزءاً من آلة الجريمة، سواء كضحايا أو فاعلين.

  1. مبادرات مدنية خجولة وأمل بالإنصاف

انطلقت خلال السنوات الأخيرة حملات لمنظمات المجتمع المدني، خصوصاً في الديوانية، تحت شعار (الغجر بشر)، دعت إلى إنصافهم ومنحهم حقوقهم الأساسية. وقد حققت بعض النتائج الإيجابية، مثل:

  • رفع كلمة غجري من السجلات الرسمية التي تميّزهم عن غيرهم.
  • تسهيل منحهم البطاقة الوطنية الموحدة.
  • إدراجهم ضمن الحصة التموينية.
  • إعادة فتح المدرسة الابتدائية في قرية الزهور.

لكن رغم هذه الخطوات، ما زال وضع الغجر في العراق صعباً، ويتطلب جهداً مشتركاً من الدولة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام التي يجب أن تركز على إنسانيتهم لا على وصمتهم.

  1. الخاتمة

يعتبر الغجر في العراق أحد الأقليات التي استوطنت البلد منذ قرون طويلة. وقد أصبحوا جزءاً من نسقه الثقافي خاصة. فبصمتهم واضحة في الحياة الاجتماعية والثقافية سيما البيئات المحلية التي عاشوا في كنفها، ناهيك عن الحضور الكبير في مجالات الموسيقى والغناء والرقص.

وبالرغم من تغير الظروف والواقع الذي يعيشه العراق الآن المتمثل بفرض قيود على نشاطات الغجر التقليدية، إلا أنه من واجب الدولة العراقية حمايتهم ومحاولة إدماجهم في المجتمع مع إمكانية الحفاظ على خصوصياتهم الثقافية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *