حرب تحرير الكويت منحت الأكراد فرصة السيطرة على السليمانية وأربيل ودهوك وتأسيس برلمان

21,March,2015,-,Turkey.,Flag,Of,Iraqi,Kurdistan,And

21 March 2015 - TURKEY. Flag of Iraqi Kurdistan and YPG. Million of kurdish during Newroz festival on Diyarbakir.

Getting your Trinity Audio player ready...

د. كمال عبد الله حسن الجاف

باحث أكاديمي ـ العراق


  تتضمن أفكار النظرية البنائية مبدأ التنبؤ بالمستقبل إضافة الى مبدئي الوصف والتحليل وبذلك تدعي أنها تتميز عن نظريات العلاقات الدولية الأخرى التي تختص بالوصف والتحليل فقط، وتستند مضمون النظرية على وصف وتحليل العلاقات الاجتماعية انطلاقاً من العلاقة بين الإنسان والآخر وصعوداً إلى واقع العلاقات بين دولة وأخرى في علاقاتها الدولية. أي يتم تحديد ملامح المستقبل من خلال فكرة ” أنا والآخر” في المجتمع نعاني من الأزمات والمشاكل، نفكر معاً ” أنا والآخر ” في تحديد بناء المستقبل في مجتمع خالٍ من المشاكل ويتحقق فيها المصالح والأمن والهوية للجميع للأغلبية والأقلية” استناداً إلى شعار” ماذا علينا أن نعمل معاً للمستقبل” ، وتتلخص الفكرة في أن الشعب يتكون من مكونات وتعددية أغلبية قومية ودينية وفيها أقلية قومية ودينية، و على هذه الفئات تحديد المصالح المشتركة والأمن والهوية الخصوصية لغرض بناء المستقبل والجميع مشاركون في هذا البناء كونه يضمن للجميع ديمومة الاستمرار والبقاء لاسيما فئة المكون ذات الأقلية العددية كونها ضمنت حماية خصوصية الهوية. وبذلك سيكون دور جميع المكونات عامل إيجابي لحماية أمن المصالح المشتركة وانعكاس ذلك على التطور والتقدم الاقتصادي والاستقرار السياسي والأمني والتعايش الاجتماعي.

  إن قضية الحقوق القومية للشعوب في المجتمعات ذات التعددية داخل الدولة الواحدة حالة واقعية وإن المطالبة بالحقوق القومية حالة طبيعية، وهذا يعتمد على مدى إدراك صانع القرار لأهمية حماية الوحدة الوطنية من خلال تحقيق المصالح المُشتركة وفقاً لمضمون الدستور وجعل أبناء جميع المكونات في حالة المساواة والعدالة وأن حقوقه مكفولة في ظل سلطة قانون الدولة، ويمكن الإشارة إلى حالة المواطن في سويسرا حيث يعيش المواطن الألماني والفرنسي دون التفكير بالعودة إلى ألمانيا أو فرنسا، وكذلك حال المواطن من الأصول الفرنسية في مقاطعة” كيبيك” الكندية حين تم تأمين حقوقه وفق القوانيين لذلك قرر التصويت على عدم الانفصال و البقاء داخل كندا في تسعينيات القرن العشرين، وهكذا فإن إقرار الحقوق القومية لأي شعب يمنح مواطنه الشعور بالاطمئنان على هويته القومية أو الدينية ومستقبل حياته في الوطن الواحد في ظل الدولة الوطنية.

   لقد تم تأسيس الدولة الحديثة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م، لغرض خدمة أمن المصالح لبريطانيا وفرنسا، حيث لم يتمكن الرئيس الأمريكي” ويلسن” من تحقيق مشروع مبادئه (14)، في استقلال الشعوب تحت مبرر أن هذه الشعوب لا تتمكن من إدارة شؤون نفسها لذلك تم فرض سياسة الانتداب، وانعكس ميدانياً تأثير الاتفاقية في تأسيس حدود هذه الدول التي أدت إلى تقسيم المناطق الجغرافية للقوميات بل وتقسيم القبيلة والعشيرة أو المدينة دون مراعاة للخصوصيات القومية والدينية والاجتماعية وبالتالي توزعت داخل كل دولة عدد من القوميات والأديان والطوائف، وأن النظم السياسية التي حكمت هذه الدول وفق سياسة مركزية لم تراعِ الخصوصية لهذه المكونات، الأمر الذي أدى إلى تشكيل جماعات وطنية مسلحة لمقاومة قوات الاحتلال العسكري البريطاني والفرنسي في أكثر من دولة.

  اندلعت طلائع الثورة ضد القوات البريطانية في العراق عام 1920م، والذي شارك فيه كافة مكونات الشعب والتي تسببت في إلحاق خسائر بشرية ومادية بتلك القوات، الأمر الذي فرض على الحكومة البريطانية إصدار قرار تأسيس دولة العراق الحديثة من الولايات الثلاث” الموصل وبغداد والبصرة” وتنصيب الأمير فيصل أبن الحسين ملكاً على العرش عام 1921م، الأمر الذي أثار حفيظة الشيخ ” محمود الحفيد” تجاه الحاكم البريطاني بعد أن اتفق معه بتشكيل حكومة كردية وبدوره قام بتنفيذ الاتفاق بتشكيل الحكومة وإعلان نفسه ملكاً، وانعكاس تداعيات ذلك على قيام الثورات والانتفاضات المُطالبة بالحقوق القومية للشعب الكردي خلال مراحل زمنية متعاقبة في القرن العشرين بقيادة كل من ” الشيخ محمود الحفيد وأحمد البارزاني والملا مصطفى البارزاني وجلال الطالباني” لاسيما تأثير إعلان جمهورية مهاباد بقيادة” القاضي محمد ” في إيران عام 1945م، ومن ثَمّ إسقاطها من قِبل القوات العسكرية الإيرانية عام 1946م.

  إن المتغيرات التي حدثت في العراق والإعلان عن مرحلة الإصلاح السياسي من قبل حكومة ” نوري السعيد” عام 1946م، منح الفرصة للنخب السياسية العربية والكردية العمل على تأسيس الأحزاب السياسية بهدف المشاركة في إدارة شؤون الحكم في العراق، لذلك بادرت النخبة السياسية الكردية إلى تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1946م، ليكون الطرف السياسي للمطالبة بحقوق الشعب الكردي بالوسائل السلمية والسياسية، لذلك كان للحزب والشخصيات الكردية دور مؤثر وفاعل في إنجاح الثورة بقيادة الزعيم “عبد الكريم قاسم” في14 تموز 1958م، وقد تجسد ذلك في مخاطبة السياسي والأديب ” إبراهيم أحمد”  عند تقديم التهاني إلى الزعيم باسم الشعب الكردي بأن ” تقدم الحركة القومية العربية عاملًا إيجابيًا لدعم الحركة القومية الكردية”، حيث تم إدراج المادة رقم (3) في دستور عام 1958م” الشعب العربي والكردي شركاء في الوطن ” وكان عاملاً مؤثراً لكسب دعم الشعب الكردي  للنظام الجمهوري في العراق.

  إن المتغيرات السياسية الداخلية والإقليمية لم تسمح بتجسيد مضمون الإقرار الدستوري بشكل يُحقق الشراكة والتعاون للوصول إلى حالة منح الحقوق القومية للشعب الكردي، الأمر الذي أدى إلى اندلاع ثورة الشعب ضد إجراءات الحكومة الشوفينية في سبتمبر 1961م، وحتى مارس 1970م، حيث تم الإعلان عن الاتفاق بين الحكومة الجديدة بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي التي سيطرت على الحُكم في يوليو/ تموز 1968م، مع قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، على إنهاء القتال ومعالجة القضية بالوسائل السلمية والسياسية بإعلان الحكم الذاتي للشعب الكردي في إدارة شؤون الحكم في المناطق ذات الأغلبية الكردية حيث تم بموجبه تعديل دستور العراق المؤقت لعام 1970م، وقد تضمن التعديل فقرات عديدة ولكن من أهمها المادة الرقم (5) حيث نصت” يتكون الشعب العراقي من قوميّتيّن رئيسيّتيّن هما القومية العربية والقومية الكردية ” فكانت خطوة متقدمة على مستوى المنطقة لإقرار الحقوق المشروعة للأقليات  كافة داخل الوحدة العراقية ، إلا أن الحكومة عملت دون تنفيذ مضمون الاتفاق، ما أدى لاندلاع النزاع المُسلح في مارس/آذار 1974 -1975م، حين لجأت الحكومة إلى إبرام اتفاقية الجزائر مع إيران لوقف دعمها اللوجستي لإنهاء القتال.

  بادرت النخبة السياسية الكردية إلى تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة” جلال الطالباني”  للإعلان عن الثورة الجديدة والكفاح المسلح للمطالبة بالحقوق القومية للأكراد عام 1976م، إلا أن المتغيرات التي رافقت حرب تحرير الكويت عام 1991م، منحت الفرصة للإعلان عن الانتفاضة الشعبية تحت قيادة ” الجبهة الكردستانية”  للسيطرة على أراضي المحافظات الثلاث” السليمانية وأربيل ودهوك” وإخراج القوات العسكرية والأمنية والمؤسسات الحكومية، والمبادرة بإجراء الانتخابات التشريعية لتأسيس برلمان في إقليم كردستان العراق بهدف تشكيل حكومة لإدارة شؤون الحكم في الإقليم ما بين عام 1992 – 2003م.

  إن تأسيس النظام الفيدرالي الديمقراطي بموجب بنود دستور العراق الدائم لعام 2005م، منح الفرصة لكافة أبناء الشعب ومن كافة المكونات التمتع بالحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الدستور، لاسيما الإقرار الدستوري بإقليم كردستان العراق ومنحه الصلاحيات في ممارسة دوره في إدارة شؤون حُكم الإقليم استناداً إلى نص المادة” 117، 120، 121″، ويُعَد هذا التشريع الدستوري مرحلة النضج لإدراك صانع القرار في التعامل بعقلانية وواقعية تجاه حقوق الشعب الكردي بل وفي التعامل مع التعددية القومية والدينية في العراق وفق نظام فيدرالي ديمقراطي توافقي يتحقق فيه الشراكة في اتخاذ القرارات المصيرية لتحقيق حالة الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والتعايش الاجتماعي لضمان مستقبل حقوق الشعب.

  إن التحديات التي واجهت النظام السياسي الجديد كانت صعبة ومعقدة بعد عام 2003م، ببروز ظاهرة الجماعات المتطرفة والمسلحة والإرهابية، التي شكلت عامل تهديد خطير في مواجهة المؤسسات الحكومية بهدف تعطيل مسار توجهها في إعادة إعمار البُنى التحتية ومشاريع التنمية المستدامة بالرغم من الدعم الأممي والأمريكي، إلا أن عدم قدرة صانع القرار في فهم خطورة وتعقيدات الظرف السياسي الداخلي والإقليمي، في اتخاذ القرار بالتنسيق مع الشركاء في الوطن والنظام السياسي بإعداد خطة استراتيجية لتوظيف القدرات البشرية والموارد الطبيعية في مساريّن الأول: في مشاريع إعادة الإعمار بهدف تأمين الخدمات الأساسية للمواطن والثاني: التنسيق التام للقدرات لمواجهة ظاهرة التطرف والإرهاب، إلا أن التركيز في توظيف الجهود في مواجهة الإرهاب دون الأخذ بنظر الاعتبار زيادة السكان الذي تسبب في زيادة نسبة الفقر والبطالة لاسيما في فئة الشباب وعدم القدرة في توفير الخدمات السياسية، الأمر الذي ضاعف من الأزمات والمشاكل التي يواجهها صانع القرار في النظام  بالتزامن مع انتشار ظاهرة الفساد المالي والإداري الذي استنزف نسبة كبيرة من موارد الدولة ، بالإضافة إلى الملفات العالقة مع حكومة إقليم كردستان في تطبيق المادة الدستورية رقم 140،  وقضية تصدير النفط والغاز وأمور تتعلق بحقوق قوات البيشمركة في الإقليم.

  إن المتغيرات السياسية والأمنية التي تعرضت لها المنطقة بعد أحداث7 أكتوبر 2023،  شكلت عامل تهديد خطير على الأمن الإقليمي لاسيما على الاستقرار السياسي والأمني في العراق، الأمر الذي يتطلب من صانع القرار إدراك تأثير هذه المتغيرات من خلال تَبَني استراتيجية التعاون على المستوى الداخلي والخارجي، فعلى المستوى الداخلي تتجسد مضمونها في التعاون مع كافة الشركاء من المكونات لاسيما المكون الكردي لما يمتلكه من مقومات في الإقليم لغرض تحديد عوامل التهديد الداخلية والخارجية وسُبل مواجهتها بالقدرات الوطنية والتعاون على المستوى الإقليمي كون التهديد عامل تهديد مشترك للأمن الإقليمي أولاً، وثانياً العمل على حملة إعمار ومشاريع لتأمين الخدمات الأساسية في محاولة لكسب الشعب، وثالثاً العمل على معالجة الملفات العالقة مع حكومة الإقليم لاسيما بعد إبرام الاتفاق الثلاثي في شهر سبتمبر 2025م، واستناداً إلى بنود دستور العراق2005م.

  إن إدراك صانع القرار في العراق للمتغيرات التي تحدث في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما اتفاقية السلام بإنهاء الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في شرم الشيخ المصرية في 13 أكتوبر 2025م، خطوة مُكملة لمشروع إعلان الدولة الفلسطينية التي حصلت على اعتراف أغلبية دول العالم بعد الدورة 80 للأمم المتحدة، أي أن المنطقة تشهد بداية مشروع السلام الإقليمي، الأمر الذي يتطلب أن يتم في العراق عملية الإسراع في اتخاذ القرارات الكفيلة بمعالجة المشاكل والأزمات للوصول إلى حالة من الاستقرار السياسي والأمني على المستوى الداخلي، وانعكاس ذلك على دوره ومكانته والانفتاح على المستوى الإقليمي، وليتم العمل باستراتيجية التعاون الإقليمي مع كافة الدول لاسيما دول الخليج العربي لغرض إنجاز مشاريع التنمية المستدامة لتحقيق المصالح المشتركة بالتزامن للتعاون الأمني لمواجهة ظاهرة الإرهاب لتحقيق حالة من الاستقرار الأمني الإقليمي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *