التنظيمات المسلحة مرتبطة بالتركيبة المجتمعية وتوزيع الثروة بالانتماءات القبلية في جنوب السودان

Magnified,View,Of,South,Sudan,On,A,Map,,Highlighting,Juba

Magnified view of South Sudan on a map, highlighting Juba and surrounding borders, symbolizing war, crime, conflict and ongoing civil war challenges shaping the nation’s fragile political landscape.

Getting your Trinity Audio player ready...

أ.تيكواج فيتر

باحث دكتوراه في العلوم السياسية “متخصص في الدراسات الإفريقية”ـ جنوب السودان


يعد التنوع الإثني السمة الرئيسية في معظم الدول الإفريقية، نتيجة لما ترتب على جغرافية الدولة الإفريقية خلال الفترة الاستعمارية، التي شهدت تقسيمَ القارة الإفريقية إلى دولٍ تضم جماعاتٍ متنوعةً إثنيًا ولغويًا وثقافيًا داخل حدودها الجغرافية. هذا التنوع والتعدد أفرزَ ظهور أقلياتٍ، وبعضُها يتمتعُ بأغلبيةٍ، سواء كانت إثنيةً أو لغويةً أو دينيةً. في حالةِ جنوب السودان، أكدت معظمُ الدراسات التي تناولت الوضع الاجتماعي والسياسي، ووفقًا لإحصاءات التعداد السكاني قبل الاستقلال عن السودان، أن الدينكا والنوير والشلك على التوالي تتمتعُ بأغلبيةٍ إثنيةٍ، وتُصنَّفُ باقي الجماعات الإثنية بأنها تمثل الأقلياتَ في جنوب السودان.

وبناءً على ذلك، يسعى هذا المقال إلى عرض التركيبة السكانية والمجتمعية والتوزيع الجغرافي في جنوب السودان، وتحليل انعكاس التركيبة السكانية والمجتمعية على العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية، على النحو التالي:

المبحث الأول: التركيبة السكانية والتوزيع الجغرافي في جنوب السودان:

يمكن تناول التركيبة السكانية والتوزيع الجغرافي في جنوب السودان، كما يلي:

أولاً: التركيبة السكانية والمجتمعية في جنوب السودان:

منذ الاستقلال عام ٢٠١١م، لم تجرِ حكومة جنوب السودان مسحًا ميدانيًا للتعداد السكاني، حيث كان آخر تعداد لسكان جنوب السودان تم إجراؤه في عام ٢٠٠٨م، قبل الانفصال عن السودان، وهو التعداد الخامس للسودان منذ الاستقلال عام ١٩٥٦م، الذي قدر عدد سكان جنوب السودان بـ ٨.٢٦.٤٩٠ مليون نسمة.

وتعود أسباب عدم إجراء تعداد سكاني منذ الاستقلال في جنوب السودان إلى ظروف الحرب التي اندلعت منذ أواخر عام ٢٠١٣م، واستمرار حالة انعدام الأمن والاستقرار في مختلف ولايات جنوب السودان. ومن ثم، ظل يتم الاعتماد على تقديرات التعداد السكاني التي تصدر عن الأمم المتحدة أو الأجهزة التابعة لها أو في التقارير التي تصدرها مؤسسات الدولة في جنوب السودان بالاعتماد على بيانات من أجهزة الأمم المتحدة والمواقع الإلكترونية غير الرسمية التي تصدر إحصاءات تقديرية دورية رغم عدم دقتها وعدم اعتمادها على بيانات رسمية أو بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية، على سبيل المثال:

  • ورد في تقرير منظمة الأغذية والزراعة التابع للأمم المتحدة عام ٢٠١٣م، بأن عدد سكان جنوب السودان يقدر بـ ١١.٣ مليون نسمة، حيث اعتبرت منظمة الأغذية والزراعة أن جنوب السودان هي الدولة الأكثر نموًا في عدد السكان في إفريقيا وشهدت بمعدل نمو ٤.١٪؜ خلال الفترة من ٢٠١٢-٢٠١٣م.
  • وفي التقرير الصادر في عام ٢٠١٨م، عن وزارة البيئة والغابات في جنوب السودان، ذكرت أن تعداد سكان جنوب السودان يقدر بأنه ١٣.١٢٣.٣٨٥ مليون نسمة منذ عام ٢٠١٧م، ويوضح الشكل رقم (١) أن من المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى أكثر من ١٣ مليون خلال عام ٢٠١٨م. حيث اعتمدت الوزارة في هذا التقرير على موقع Trading Economics الإلكتروني.


شكل رقم (١) يوضح اتجاهات السكان في جنوب السودان

  • في أبريل ٢٠٢٣م، أصدر مكتب الإحصاء الوطني في جنوب السودان تقرير تقديري لسكان جنوب السودان بعنوان: “مسح تقدير سكان جنوب السودان ٢٠٢١م: تقرير موجز لتقديرات نموذجية – South Sudan Population Estimation Survey 2021: Summary Report Modeled Estimates”، وأكد رئيس مكتب الإحصاء الوطني أنه تم التوصل لهذه التقديرات باستخدام صور الأقمار الصناعية وأدوات تحديد المواقع الجغرافية وأدوات إحصائية لتقدير عدد سكان جنوب السودان وتوزيعهم الجغرافي، بسبب انعدام الأمن والموارد الضرورية لإجراء مسح ميداني للتعداد السكاني. وحدد هذا التقرير الموجز أن سكان جنوب السودان يقدر بـ ١٢.٤٤٤.٠١٨ مليون نسمة في عام ٢٠٢١م.

أما من ناحية التركيبة المجتمعية (الاجتماعية)، تشير الدراسات أن جنوب السودان يتكون من قبائل تنقسم إلى ثلاث مجموعات إثنية النيليون Nilotic group والنيليون الحاميون Nilo-Hamatic group والسودانيون Sudanese group، وفي إطار هذه المجموعات الإثنية يتكون جنوب السودان من ٦٤ قبيلة؛ القبائل النيلية هي: الدينكا والنوير والشلك ومورلي وكاشيبو وجيه وانيواك واشولي ومابان وكوما ولوه (جور) وبانقو وباي وقولو اندري وفورجي وشود (جور) وكارا ونقورقويل وغيرها. أما مجموعة النيليون الحاميون تضم؛ باري ومنداري وكاكوا وفوجولو ونيانقوارا وكوكو ولوتوكا ولوكويا وتبوسا وبويا ولوبيتي وتينيت وديدينقا. بينما المجموعة السودانية تضم؛ كريش وبلاندا وباندا وندوقو وازاندي ومادي واولوبو وموروس وموندو وباكا وافوكايا وماكاراكا، حيث تقع معظم هذه القبائل التابعة للثلاثة مجموعات في ولايات الاستوائية (ولاية شرق الاستوائية، ولاية الاستوائية الوسطى ولاية غرب الاستوائية).

ثانيًا: التوزيع الجغرافي للتركيبة السكانية والمجتمعية:

يتوزع سكان جنوب السودان على الولايات العشرة (أعالي النيل، جونقلي، البحيرات، الوحدة وغرب بحر الغزال وشمال بحر الغزال وواراب وشرق استوائية والاستوائية الوسطى وغرب استوائية) وثلاث إداريات (أبيي وروينق وبيبور الكبرى)، ومعظم السكان يتركزون في المناطق الريفية فمنذ الاستقلال في عام ٢٠١١م، حتى عام ٢٠١٧م، ظلت نسبة السكان في المناطق الريفية تقدر بأكثر من ٨٠٪؜ وفي المناطق الحضرية أقل من ٢٠٪؜ كما يوضح الجدول رقم (١).


جدول رقم (١) نسبة السكان في الريف والحضر خلال الفترة ٢٠١١ – ٢٠١٧م

ومن حيث أعداد الأفراد المنتمين لقبائل جنوب السودان تأتي الدينكا في المرتبة الأولى وتليها النوير ومن ثم الشلك، إذ تعد هذه القبائل الثلاثة هي الأكبر (Majority) في جنوب السودان، حيث تتوزع قبيلة الدينكا في أربع ولايات (أعالي النيل وجونقلي وشمال بحر الغزال وواراب)، وفي إداريتي أبيي وروينق، وقبيلة النوير في ثلاث ولايات أعالي النيل والوحدة وجونقلي أما الشلك (الشلو) في ولاية أعالي النيل فحسب.


وتتمثل الأقليات (Minorities) في جنوب السودان على سبيل المثال وليس الحصر؛ كوما ومابان في ولاية أعالي، وانيواك وجيه في ولاية جونقلي، والعديد من الأقليات في ولايات شرق الاستوائية والاستوائية الوسطى وغرب الاستوائية، من بينها بوري ولوبوتي ولانقو في ولاية غرب الاستوائية، ولوبوارا في ولاية الاستوائية الوسطى، وافوكايا في ولاية غرب الاستوئية. ومعظم تلك القبائل يشكلون أقليات على مستوى جنوب السودان.

خريطة رقم (١) توضح التوزيع الجغرافي لقبائل جنوب السودان

وبالعودة إلى تقدير السكان الذي صدر عن مكتب الإحصاء الوطني في عام ٢٠٢٣م، لعدد سكان جنوب السودان في ٢٠٢١م، وتوزيعهم الجغرافي كما يوضح الجدول رقم (٢)، نلاحظ أن سكان ولاية واراب يشكلون الأغلبية بـ ٢.٦٣٩.٤٨٤ نسمة أي نسبة (٢١.٢١٪؜) من إجمالي السكان، وتضم هذه الولاية قبيلة الدينكا فحسب، وتليها ولاية شمال بحر الغزال بـ ١.٩٢٤.٣٤٢ مليون نسمة (١٥.٤٦٪؜)، وتضم الدينكا فحسب أيضًا. والولاية الثالثة من حيث الأغلبية السكانية هي ولاية الاستوائية الوسطى بما يقدر بـ ١.٣٢٤.٥٢١ مليون نسمة (١٠.٦٤٪؜)، وتضم العديد أكثر من ٨ قبائل، والباري من أكبر القبائل فيها وتتمتع بمشاركة سياسية كبيرة، وتمثل قبيلة لوبوارا الحدودية مع أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية من الأقليات في هذه الولاية وعلى مستوى جنوب السودان أيضًا. الولاية الرابعة هي البحيرات وتضم قبيلة الدينكا فحسب وعدد سكانها قدر بـ ١.٢٦٥.٤٦٣ مليون نسمة (١٠.١٦٪؜)، ومن ثم فإن مجموعة سكان الولايات التي تضم الدينكا فحسب وفقًا لتقديرات مكتب الإحصاء الوطني تقدر ٦.١٩٧.٦٧٠ ميلون نسمة (٤٩.٨٠٪؜) بدون إضافة الذين في ولاية أعالي النيل وولاية جونقلي. لذلك، قوبلت هذه التقديرات بالرفض من قبل المعارضة واعتبرتها محاولة مبكرة من الحزب الحاكم – الحركة الشعبية لتحرير السودان في الحكومة (SPLM-IG) – لتزوير الانتخابات التي كان يفترض أن يتم إجراؤها بنهاية الفترة الانتقالية التي نص عليها اتفاق السلام المنشط الذي وقع عام ٢٠١٨م. ومن ثم، تم تمديدها لأكثر من مرة.


جدول رقم (٢) يوضح تقديرات سكان جنوب السودان في العشرة ولايات والثلاث إداريات

المبحث الثاني: انعكاس التركيبة السكانية والمجتمعية على العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية:

إن للتركيبة السكانية والمجتمعية تأثيرات كبيرة انعكست على طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية يمكن تناولها من خلال النقاط التالية:

أولاً: انعكاس التركيبة السكانية والمجتمعية على العلاقات السياسية:

على المستوى السياسي ارتبط الصراع السياسي في جنوب السودان بوجود دوافع سياسية ذات طابع قبلي، وتبني خطاب رفض فرض هيمنة وسيطرة قبيلة معينة على السلطة في الدولة، حيث يرى البعض أن معظم الأحزاب السياسية -إن لم يكن جميعها- تكاد لا تعبر سوى عن واجهات قبلية بالرغم من وجود عضوية من باقي المجتمعات المكونة لجنوب السودان، إلا أن تأثير القبيلة التي ينتمي إليها رؤساء الأحزاب أو التنظميات والحركات السياسية، غالبًا ما يكون هو سمة معظم الأحزاب والحركات السياسية في جنوب السودان.

لا سيما أن الكثير من بيانات الاستقالات سوى من الحزب الحاكم (الحركة الشعبية لتحرير السودان في الحكومة) أو الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة وغيرها من التنظيمات والحركات السياسية التي صدرت منذ عام ٢٠١٣م، ذكرت أن أحد الأسباب الدافعة للاستقالة هو هيمنة الأعضاء الذين ينتمون إلى قبيلة رئيس الحزب على الحزب. كما أن القيادات السياسية ينظر إليها كقيادت للمجتمعات القبلية، ويمثلون المجتمعات التي ينتمون إليها. ومن ثم، فإن القيادات السياسية يعتمدون على الدعم الذي يحظون به من المجتمعات التي ينحدرون منها. وهو ما يترتب عليه ضعف تأثير القيادات التي تنتمي للأقليات.

ثانيًا: انعكاس التركيبة السكانية والمجتمعية على العلاقات الاقتصادية:

إن الاقتصاد يعد أداة هامة ضمن أدوات السيطرة والحفاظ على السلطة، وبما أن الصراع السياسي يتسم بالطابع القبلي في جنوب السودان، فإن التركيبة المجتمعية لها إنعكاسها وتأثيرها على العلاقات الاقتصادية، الذي يتمثل في توزيع الثروة والموارد الاقتصادية التي تتمتع بها الدولة، ويظهر بشكل جلي في توزيع المناصب والوظائف العامة في الدولة في المؤسسات الحكومية المختلفة، ولا سيما في المؤسسات الاقتصادية والمالية.

ثالثًا: انعكاس التركيبة السكانية والمجتمعية على العلاقات العسكرية:

ارتبطت العلاقات العسكرية في جنوب السودان بظهور حركات مسلحة خارج نطاق سيطرة الدولة، ومعظمها اتسمت بأنها تشكلت كرد فعل لسياسات الدولة ضد الجماعات القبلية، حيث إن الميليشيات التي تكونت نتيجة للتمرد ضد سياسات الحكومة، تتخذ طابعًا قبليًا وليست لها أهداف سياسية وطنية وإنما هي مطالب قبلية، تتمثل في الشعور بالإقصاء السياسي والتهميش الاقتصادي والاجتماعي على أساس قبلي. وكذلك، أعمال العنف التي يعاني منها جنوب السودان بسبب انتشار الميليشيات والجماعات المسلحة التي تقوم بشن غارات مسلحة بهدف الاستيلاء ونهب الموارد الاقتصادية (المواشي وغيرها) ترتبط بالانتماءات المحلية (القبلية والعشائرية)، حيث إن معظم أعمال العنف المسلح تكون بين القبائل وبعضها البعض.

خاتمة:

مما سبق، يمكن القول إن جنوب السودان يتمتع بتنوع اجتماعي وثقافي كبير، ويضم أكثر من ٦٤ قبيلة تعد الدينكا والنوير والشلك من أكبر القبائل التي تتمتع بالأغلبية والأكثر تعدادًا، حيث تنتشر قبيلتي الدينكا والنوير في أكثر من ولاية، بينما تتركز قبيلة الشلك وتوجد في ولاية أعالي النيل فحسب. كذلك، تشير بعض الدراسات أن المورلي ضمن أكبر القبائل في جنوب السودان. بينما باقي القبائل الأخرى تشكل الأقليات ولا سيما التي في ولايات شرق الاستوائية والاستوائية وغرب الاستوائية. وتجدر الإشارة إلى أن القبائل تنقسم أيضًا إلى عشائر (Clans).

وتنعكس التركيبة المجتمعية على العلاقات البينية بين قبائل جنوب السودان على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، حيث يمكن ملاحظة ذلك من خلال ارتباط الصراعات السياسية من أجل السيطرة على السلطة والموارد الاقتصادية، بطبيعة التركيبة المجتمعية في جنوب السودان قبل وبعد الانفصال عن السودان في عام ٢٠١١م. كما تتسم الصراعات السياسية باستخدام العنف المسلح ضد القبائل وبعضها البعض، ومن ثم انعكست التركيبة المجتمعية في تركيبة التنظيمات المسلحة التي تنتشر في مختلف ولايات جنوب السودان على أسس قبلية. وكذلك، على المستوى الاقتصادي يرتبط توزيع الثروة الاقتصادية بالانتماءات القبلية. هذا بالإضافة إلى ارتباط غارات نهب المواشي بالجماعات القبلية ضد بعضها البعض.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *