الدولة ترفض مفهوم الأقلية وتفضل روافد الهوية الوطنية والحقوقيون يرون استعماله للخصوصية

Group,Of,Moroccan,Amazigh,Men,And,Women,From,Imilchil,Performing

Group of Moroccan Amazigh men and women from Imilchil performing traditional music and dancing during the Roses Festival in the city of Kalaat Mgouna, Morocco in May 4th 2024.

Getting your Trinity Audio player ready...

د. محمد العمارتي

باحث أكاديمي وخبير في الاستشراق وتحالف الحضارات ـــــ   المملكة المغربية


تعرف الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية الأقلية بأنها “جماعة من الأفراد الذين يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقيًا أو قوميًا أو دينيًا أو لغويًا، وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثم يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة التمييزية”.

      وتعرفها اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بأنها “جماعات متوطنة في المجتمع تتمتع بتقاليد خاصة وخصائص إثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى بقية السكان في مجتمع ما وترغب في دوام المحافظة عليها”.

ومن خلال هذين التعريفين أعلاه تبرز عناصر أربعة ينبني عليها مفهوم الأقلية وهي:

  • العنصر الكمي (البعد الديمغرافي).
  • تميز الأقلية لغويًا أو دينيًا (البعد الثقافي).
  • اختلال ميزان القوى بين الأقلية والأكثرية وما ينتج عنه من حرمان وإقصاء.. (البعد الاجتماعي).
  • حرص الأقلية على بقاء خصوصيتها (البعد السياسي).

      ولكن لا ينطبق أي تعريف من هذين التعريفين بشكل كلي على الأمازيغ بالمغرب، فالبعد الديمغرافي للمفهوم لا ينطبق على الأمازيغ إطلاقًا، فهم أكثرية على اعتبار أن الأصل العرقي لأغلب ساكني الشمال الإفريقي أمازيغي. أما البعد الثقافي فينطبق عليهم جزئيًا حيث إن أكثرية الأمازيغ قد تعربت منذ دخول الإسلام إلى المغرب، في حين بقيت أقلية تتداول اللغة الأمازيغية وتختلف نسبتها حسب كل منطقة من مناطق المملكة..

الأمازيغية في المغرب: تاريخ وهوية

      تعود جذور الأمازيغ بالمغرب إلى آلاف السنين، حيث يحتفلون برأس السنة الأمازيغية (13 يناير) كتقليد ثقافي عريق، كما يشكلون جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية والتاريخية للبلاد.

     ويبرز توزيع اللهجات الأمازيغية بالمغرب عبر ثلاثة أنماط هي:

  • تشلحيت: تُستخدم في منطقة سوس، جنوب المغرب.
  • تامازيغت: تُستخدم في منطقة الأطلس المتوسط.
  • تاريفيت: تُستخدم في منطقة الريف، شمال المغرب.

كما أن الثقافة الأمازيغية ليست مجرد تراث، بل هي جزء من الهوية المغربية الحية، تظهر في الموسيقى، الرقص، اللباس، والتقاليد اليومية. والمهرجانات تمثل فرصة للحفاظ على التراث وإشراك الشباب في تعلم لغتهم وتقاليدهم.

دور الأمازيغ في تشكيل الهوية الوطنية للبلاد

      علاوة على ذلك، يمتلك هؤلاء بعدًا رمزيًا، حيث يمثلون رابطًا حيًا بين الماضي والحاضر. وجودهم يعزز شعور الانتماء الوطني، ويشكل أداة لفهم الهوية الوطنية بطريقة متكاملة، من ثم، فإن دورهم لا يقتصر على الوجود الاجتماعي فحسب، بل يشمل الوظيفة الأساسية لتشكيل الهوية الوطنية للبلاد، وجعلها عنصرًا حيًا وملموسًا في الحياة المعاصرة.

      وتُعتبر الحركة الأمازيغية في المغرب حركة ثقافية واجتماعية تسعى إلى تعزيز الهوية الأمازيغية وحمايتها. وتتراوح مطالبها بين الاعتراف الكامل باللغة الأمازيغية في التعليم والإعلام، وتطوير السياسات الثقافية التي تعكس التنوع الثقافي للمجتمع المغربي. على الرغم من التقدم الذي تحقق في بعض المجالات، إلا أن العديد من الناشطين يرون أن التحديات ما زالت قائمة، خاصة فيما يتعلق بتطبيق القوانين المتعلقة بالأمازيغية.

     فيما يتعلق بمفهوم “الأقلية”، يرى العديد من المفكرين والنشطاء الأمازيغ أن تصنيفهم كأقلية لا يعكس واقعهم التاريخي والثقافي. فهم أكثرية على اعتبار البعد الديمغرافي لكنهم أقلية على اعتبار السياسي والثقافي.

الأمازيغ والتحديات المستقبلية

     وعلى الرغم من التقدم الذي تحقق في بعض المجالات، فما زال الأمازيغ يواجهون تحديات في الحفاظ على لغتهم وثقافتهم. تتراوح هذه التحديات بين قلة الموارد المخصصة للتعليم الأمازيغي، والتمثيل المحدود في وسائل الإعلام، والافتقار إلى السياسات الحكومية. ومع ذلك، تظل الحركة الأمازيغية نشطة، تسعى إلى تحقيق الاعتراف الكامل بالهوية الأمازيغية وتعزيز مكانتها في المجتمع المغربي.

 حقوق الأقليات بين الاعتراف الدستوري والممارسة العملية

     شهد المغرب في السنوات الأخيرة، تطورات مهمة في مجال حماية حقوق الأقليات، خاصة مع إدخال تعليم اللغة الأمازيغية في بعض المدارس، وبعد إقرار الدستور الجديد في عام 2011م، الذي اعترف بالتنوع الثقافي واللغوي والديني للشعب المغربي، ونص على مبدأ المساواة وعدم التمييز بين جميع المواطنين. كما شهد المغرب إصلاحات قانونية وسياسية ومؤسساتية تهدف إلى تعزيز حقوق الأقليات، مثل إنشاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وتبني مشاريع قوانين تتعلق بالحريات الدينية والتعليم والمشاركة السياسية.

رؤية المملكة المغربية لمشكلة الأقليات في البلاد

      إن مسألة الأقليات في المغرب، وخاصة الأمازيغ واليهود وغيرهم، ارتبطت بالتحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها البلاد. يمكن تلخيص رؤية الدولة المغربية تجاه موضوع الأقليات في النقاط التالية:

  • الإطار الدستوري والقانوني

– دستور2011 م، مثّل نقطة تحول بارزة:

– نصّ في الديباجة على أن الهوية المغربية موحدة بانصهار مكوّناتها العربية-الأمازيغية-الصحراوية-الحسانية-الإفريقية-الأندلسية-اليهودية.

– اعترف لأول مرة بـالأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية، مع التزام الدولة بحمايتها وتطويرها.

– أكّد الدستور أيضًا على التعددية الثقافية والالتزام بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميًا.

      2- السياسة الثقافية واللغوية

– إطلاق المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM) كجهاز رسمي لتأهيل اللغة والثقافة الأمازيغية.

– تفعيل القانون التنظيمي لتعميم اللغة الأمازيغية في التعليم والإدارة (ولو ببطء).

3- الرؤية الملكية

– ركزت خطب الملك محمد السادس على أن الوحدة الوطنية لا تعني التنميط أو محو الخصوصيات، بل غنى التعددية.

– تشديد على أن الهوية المغربية ليست مبنية على “الأقلية/الأغلبية” بل على التكامل والانصهار التاريخي.

– موقف رسمي رافض لخطاب “الأقلية المضطهدة”، بل يُنظر إلى الأمازيغ كجزء أصيل من الأمة المغربية.

      4- التحديات الواقعية

– رغم الاعتراف الرسمي، هناك بطء في تنزيل القوانين الخاصة بالأمازيغية (خاصة في التعليم والإدارة).

– بروز خطاب حقوقي وجمعوي يطالب بـ “المزيد من المساواة والتمثيل” وعدم الاكتفاء بالرمزية.

وبذلك تتأسس رؤية المغرب لمشكلة الأقليات على:

  • دمج الأقليات ضمن الهوية الوطنية الجامعة.
  • رفض مفهوم الأقلية بالمعنى السياسي أو الانفصالي.
  • اعتماد مقاربة تدريجية في ترسيم الحقوق الثقافية واللغوية.
  • الحفاظ على التماسك الوطني كأولوية، مع الاعتراف بالتنوع باعتباره ثروة وليس تهديدًا.

مقارنة بين الخطاب الرسمي ومواقف الحركات الحقوقية حول موضوع الأقليات     بالمغرب

  • اللغة والهوية الأمازيغية
  • الخطاب الرسمي:
    • الأمازيغية مكوّن أصيل في الهوية المغربية.
    • الاعتراف بها لغة رسمية (2011م) وتأسيس مؤسسات لدعمها.
    • طرحها كعامل وحدة وليس تفرقة.
  • الحقوقيون:
    • يعتبرون الدولة تأخرت في الاعتراف بالأمازيغية.
    • ينتقدون بطء تطبيق الترسيم (في التعليم، الإعلام، القضاء).
    • يطالبون بسياسات أعمق لمكافحة التهميش اللغوي والثقافي.
  • التصور حول “الأقلية
  • الخطاب الرسمي:
    • يرفض استخدام مصطلح “أقلية”، ويؤكد أن الجميع جزء من هوية وطنية واحدة.
    • التركيز على الوحدة في التعدد بدل التمايز السياسي.
  • الحقوقيون:
    • لا يرون مشكلة في استعمال مصطلح “الأقليات”، بل يعتبرونه أداة قانونية وحقوقية للاعتراف بالخصوصيات.
    • يرون أن نفي وجود “أقليات” قد يؤدي إلى طمس مطالب مشروعة في التمثيل والمساواة.

وترى الدولة المغربية أن التعددية عنصر غنى، لكنها تُدار تحت سقف “الوحدة الوطنية” مع رفض أي تقسيم “أقليات/أغلبية”.

  • الحركات الحقوقية ترى أن الاعتراف موجود على مستوى الخطاب، لكن هناك فجوة بين النص الدستوري والتنفيذ الواقعي، وتطالب بإجراءات عملية لضمان المساواة والتمثيل.

نقاط الاختلاف والتباين

  • مصطلح “الأقليات“:

– الدولة: ترفض هذا المفهوم لأنه يوحي بالتقسيم والانفصال، وتفضل “روافد الهوية الوطنية”.

– الحقوقيون: يرون أن استعمال المصطلح ضروري لضمان الاعتراف الدولي والحقوقي بالخصوصيات.

  • الأمازيغية:

– الدولة: اعترفت بها رسميًا وتتحرك تدريجيًا في التعليم والإدارة.

– الحقوقيون: يعتبرون أن التطبيق بطيء جدًا وأن هناك مقاومة غير معلنة داخل مؤسسات الدولة.

    ومع كل هذا، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه الأقليات، تتعلق بتفعيل النصوص الدستورية والقانونية والتغلب على المعيقات العملية والثقافية والاجتماعية. فالأقليات تواجه صعوبات في التعليم والإعلام والثقافة واللغة والدين والتمثيل السياسي. بسبب بطء التشريعات أو إصلاحات مؤسساتية أو توعية مجتمعية.

وقد أبدت بعض الأقليات تطلعاتها للحصول على المزيد من الاعتراف والحماية والمشاركة والتمتع بحقوقها الجماعية والفردية، مثل الحق في استخدام لغتها والحفاظ على هويتها والتعبير عن ثقافتها والاحتفال بمناسبتها الخاصة، لذلك يتطلب تحقيق حقوق الأقليات في المغرب جهودًا متواصلة ومتعددة الأطراف، تشمل الدولة والمجتمع المدني والأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية والإعلامية والأكاديمية. ويتطلب ذلك تبني مقاربة شاملة ومتوازنة ومشاركة مسؤولة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *