جذور التونسيين متباينة لحدّ بعيد ومتجانسون لحدّ أكبر ويفتخرون بهذا التباين لحدّ الانسجام

Tunisia,,October,10/2019,Particular,Daily,Scene,In,A,Typical,And

Tunisia, October 10/2019 particular daily scene in a typical and traditional Tunisia market

Getting your Trinity Audio player ready...

د. خالد عبيد

أستاذ التاريخ السياسي المعاصر بالجامعة التونسية


تتميّز تونس بموقعها الاستراتيجي الهامّ إذ تطلّ على حوضيْ البحر الأبيض المتوسّط ويمكّنها ذلك من أن تكون لديها اليد الطولى متى كانت قادرة على ذلك للتحكّم في منطقةٍ بين الحوضيْن الشرقي والغربي لهذا البحر.

وهذا ما استوعبه جيّدا كلّ الوافدين على تونس من الفينيقيين إلى الفرنسيين، فكان وجودهم في تونس بغاية تثبيت أقدامهم فيها وخاصّة خارجها، فأنظارهم مشرئبّة يَمْنة ويسْرة بحثًا عن موْطئ قَدم ثابت لهم في كامل هذا الحوض انطلاقًا من تونس أحيانًا، كما كان الحال لقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، إذ بعد أن تمكّنوا من السيطرة على تونس وطرد قوات المحور منها نهائيًا في مايو 1943م، انطلقوا منها بداية من يوليو 1943م، كي يغزوا أوروبا عبر البحر بدءًا بإيطاليا، وتحكّموا بذلك في كلّ الطريق الرابط بين الحوض الشرقي والغربي للبحر الأبيض المتوسّط والذي تشكّل تونس مع إيطاليا طوْقه الكلّي.

تبدو هذه المقدّمة ضرورية كي نفهم بفضلها الأرضية التي تشكّلت فيها هذه التركيبة التي يتميّز بها المجتمع التونسي، تركيبة تقوم على التنوّع الكبير، والذي قد يبدو “هجينا” من أوّل وهلة ويدفع ولو ظاهريا إلى عدم التجانس المجتمعي وما يستتبعه من اختلافات فخلافات قد تصل إلى حدّ الصراع، والمفارقة أنّ هذا التنوّع مهما ازداد واشتدّ إلاّ وساهم أكثر في صهر السكّان في تونس وانصهارهم فيما بينهم!

وبحكم هذا الموقع تعدّ تونس بلدًا مفتوحًا، لذلك شهدت أرضها الكثير من الوافدين إمّا في شكل هجرات أو غزو، لكن الميزة الأساسية لكلّ هؤلاء هي الانصهار في “البوْتقة” التونسية تأثرًا وتأثيرًا، كما هو حال العرب المسلمين والأتراك وقبلهم القرطاجيين والرومان، ومَنْ لم يقدر من هؤلاء على “التَتوْنس”، يجد نفسه مضطرّا للمغادرة كما هو حال الفرنسيين والوندال والإسبان وغيرهم.

ولا يمكن لهذا الأمر إلاّ أن يدفع للتمازج بين حضارات مختلفة وتقاليد مغايرة، تمكّن ساكنو تونس من أن “يطوّعوها” ويدفعونها للتأقلم، فكان هذا النتاج المتمثل في مزيج حضاري تتفرّد به تونس، فسكّانها جذورهم مختلفة وبعيدة من قلب شبه الجزيرة العربية ومن إفريقيا جنوب الصحراء ومن شمال إفريقيا ومن كلّ ضفاف البحر الأبيض المتوسّط، لكن حدثت “توْليفة” صهرت الجميع في تونس.

لكن، لم يكن هذا التأقلم سهلا في البداية، إذ لم يتمكّن الرومان من تعبيد وجودهم في تونس إلاّ بعد مقاومة ضارية، ولم تتحقق “السلم الرومانية”  Pax Romanaإلاّ بعد لأْي كبير، وذات الأمر ينطبق على العرب المسلمين الذين وجدوا مقاومة شرسة لهم، وثمّة مجموعات تمكّنت من أن يكون لها موْطئ قدم في تونس دون صعوبات كبرى على غرار القرطاجيين الذين عملوا على تجنّب إثارة سكّان الأرض من البربر والأتراك العثمانيين الذين قُدّموا على أنّهم المنقذين لتونس من براثن الإسبان المسيحيين خلال القرن السادس عشر.

في الواقع، من الصعب تفسير دواعي رفض هذا الوافد أو قبول ذاك، قد يكون الأمر مرتبطًا بالظرفية وبالطريقة المعتمدة للتوغّل أو الانبثاث داخل الأرض، لكن الثابت على الأقلّ أنّه نتيجةً لهذا الامتزاج عبر القرون حدث الانسجام، وهنا المفارقة!

قد يبدو الأمر غريبًا، لكن هذا الذي حدث فعلًا! فجذور التونسيين متباينة إلى حدّ بعيد لكنّهم متجانسون إلى حدّ أكبر! بل ويفتخرون إلى الآن بهذا التباين إلى حدّ الانسجام! إذ لا يرى التونسي ضيْرًا في أن ينتسب إلى امبراطورية قرطاج أو روما عندما “كانت” في تونس، وفي ذات الوقت، ينتسب أيضًا إلى الأتراك وغيرهم حتى الفرنسيين، وتراه أيضًا يفتخر بكونه من البربر “الأمازيغ”، وفي الآن ذاته، لا يرى نفسه أيضًا إلاّ عربيًا مسلمًا! إنّه منتهى التناقض إلى حدّ الانسجام!

صحيحٌ أنّ تونس هي التي عُرّبت أكثر من باقي منطقة شمال إفريقيا وهذا راجع بالأساس إلى ما سمّي بـ “الهجرة الهلالية” أو الموجات البشرية من قبائل بني هلال وبني سليم العربية والتي انطلقت من مصر واستقرّت في تونس خلال القرن الحادي عشر، ومنذ ذلك التاريخ، يكاد تعريبها يكون مطلقًا إن لم نقل هو كذلك، وبالرغم من ذلك، تجد التونسي من قبْل والآن مفتخرًا بجذوره “البربرية”، ولا يرى تناقضًا أن يكون تونسيًا بربريًا عربيًا مسلمًا متوسّطيًا إفريقيًا، هذه هي السمة التونسية!

ولا يعني “تعريب” تونس منذ القرن الحادي عشر الميلادي أنّ البربر أو سكّان تونس الأوائل قد انقرضوا تمامًا، بل ظلّت مجموعات منهم محافظة على هويّتها ولغتها “الشلْحة” واستقرّت في المرتفعات التونسية التي لا تعدّ كذلك كثيرًا إذ لا تتجاوز أعلى نقطة ارتفاع في تونس 1544 مترًا، وقد كابدت هذه المجموعات كثيرًا كي تحافظ على خصوصيتها إلى الآن ولعلّ أشهرها مجموعة جبل وِسْلاَت القريبة من مدينة القيروان، التي بقيت في هذا الجبل الوعر وأقامت خمس قرى فيه، وكانت لا تخضع لأيّة سلطة بل وتقاومها إلى أن أجهزت عليها دولة البايات في القرن الثامن عشر الميلادي وأجبرتهم على الخروج من الجبل وفرّقتهم في كلّ أنحاء البلاد.

وبالرغم من أنّ هذه المجموعات قليلة للغاية، إلاّ أّنها منسجمة تمامًا في النسيج المجتمعي التونسي وانصهرت ضمنه، مثلها تقريبًا مثل المجموعات ذات الأصول الإفريقية التي تمّ جلبها منذ قرون إلى تونس في نطاق “تجارة القوافل”.

ربّما يعود أحد أسباب هذا التجانس بين مختلف روافد المجتمع التونسي إلى اعتمادها على ذات المذهب السنّي المالكي الذي يجمع الكلّ، كلّ التونسيين، وبات سمة مميّزة لهم، لذلك، لم يتمكّن الأتراك العثمانيون من فرض مذهبهم الحنفي عندما أتوا إلى تونس منذ القرن السادس عشر، وذلك بالرغم من كون مقاليد البلاد والعباد بأيديهم، كما لم يتمكّن الشيعة في تونس من أن يكون لهم موْطئ قدم بمجرّد أن غادر آخر خليفة فاطمي شيعي العاصمة المهدية في آخر القرن العاشر ميلادي في اتجاه العاصمة الجديدة القاهرة في مصر، وقد أُنهي وجودهم آنذاك في بِرَكٍ من الدماء.

وهذا لا يعني أنّ المجتمع التونسي يرفض الآخر أو يعمل على إنهاء وجوده ولو بالقتل، فما حدث هو أمر طارئ وقوس أُغْلق، لكن ربّما مغزاه أنّ ما يُفرض بالقوّة لا يمكن أن يُقبل بالقوّة، وهذه سمة المجتمع التونسي مرّة أخرى!

لهذا، واهمٌ من يعتقد أنّ تونس بإمكانها أن تكون وطنًا بديلًا للمهاجرين الأفارقة غير الشرعيين الذين توافدوا عليها بكثرة هذه السنوات، وأن يقع فرض الأمر الواقع عليها مثلما ترغب في ذلك بعض القوى الأوروبية، وذلك، ليس لأنّ المجتمع التونسي عنصري كما يُشاع دون وجه حقّ، بل لأنّ هؤلاء الأفارقة أعينهم في أوروبا وليس في تونس أو ليبيا أو غيرهما، وحتى إن استقرّوا إلى حينٍ، وهم يدركون أكثر من غيرهم أنّ وجودهم مؤقت ويتصرّفون وفْقا لذلك، وهو ما يدركه التونسيون أيضًا فقبلوا بهم ولو نسبيًا ريثما يقع إيجاد حلول جذرية لمعاناتهم.

وهذا، لأنّ الطرف الأوروبي هو الذي يدفع لتوطينهم في تونس أو غيرها من دول شمال إفريقيا حتى لا يضطرّ لقبولهم لديه، بينما لا دول العبور ولا هم يرغبون في ذلك، لذلك، اعتقادي أنّ المسألة ظرفية وستنتهي بزوال أسبابها خاصّة عندما يُتاح للطرف الأوروبي إيجاد حلول واقعية وحقيقية بالتنسيق مع الدول التي انطلق منها هؤلاء وتحديدًا دول جنوب الصحراء والساحل الإفريقي التي تشهد بين الفينة والأخرى توترات واضطرابات كبرى كما هو الحال حاليًا، خاصّة أمام التسابق المحموم لبعض الدول الكبرى من أجل الهيمنة على هذا المجال الحيوي، وازدياد خطر التيّارات السلفية التي ينتمي بعضها لتنظيم القاعدة والبعض الآخر إلى داعش.

لكن، هل ما يحدث في هذه المناطق سيكون له تأثير كبير على الوضع في تونس واستقرارها؟ الجواب بالتأكيد لا! وكلّ ما في الأمر ربّما تزايد عدد اللاجئين أمّا أن تتداعى تونس على وقع ما يحدث هناك فهذا مستحيل، وقد يكون الأمر مختلفًا في ليبيا بالنظر إلى أنّها هي الأقرب إلى هذه المناطق ولديها حدود مشتركة معها وهي، أي ليبيا، تشهد حالة عدم استقرار دائم ممّا يسمح لحدوث اختراقات وانفلاتات فيها قد تصل إلى حدّ محاولة فرض الأمر الواقع كما حدث سنة 2012م، في درنة الليبية أو 2015م، في منطقة سرت.

ويستدعي هذا الوضع أن يحكّم الليبيون أنفسهم من أجل تجاوز سريع لحالة “اللادولة” التي يعيشونها والتي دفعت للبعض من الأوروبيين إلى نعتها بـ “الدولة الفاشلة”

Failed State بينما كانت البعض من دولهم وراء هذه الوضعية الشاذة.

والواضح، أنّ الليبيين مرغمين على التوجّه من أجل إنهاء حالة الانقسام الدائم التي قد تنذر بعواقب خطيرة، والعمل على استحضار أنّهم قد تعوّدوا سابقًا بالنظام- الدولة في شكله القبلي من خلال حكم العائلة السنوسية إلى حدّ سنة 1969م، ثمّ شكل النظام –العسكر الذي تواصل إلى سنة 2011م، وأنّه عليهم العمل من أجل بناء الدولة الليبية المعاصرة تجنّبًا لترسّخ ظاهرة الميليشيات –الدويْلات التي تعيشها ليبيا حاليًا، وهي، أي هذه الظاهرة، إن تواصلت أكثر في الزمن، فالوارد أنّها قد تصبح أمرًا واقعًا يروق لكلّ من يستفيد منه.

لكن الخطر الحقيقي هنا، هو أنّ هذا الوضع قد يؤدّي – لا قدر الله- إلى انهيار كامل للكيان الليبي، فيصبح بالتالي عُرضةً للتنازع بين الطامعين من الاستعمار الجديد إلى التكفيريين..

واعتقادي أنّ الليبيين سيتمكّنون، إن آجلًا أو عاجلًا، من توحيد أنفسهم وإعادة تشكيل كيانهم على أسس صلبة.

ويبقى هذا الاعتقاد منتهى الأمل لكلّ المنطقة وخاصّة لتونس، فقد علّمنا التاريخ أنّ الاستقرار في ليبيا يوازيه استقرار في تونس وأنّ ذات المصير في ليبيا هو في تونس، لذلك ليس هناك من خيار للدولة التونسية إلاّ أن تدفع نحو الاستقرار والمصالحة بين الليبيين، لأنّ ذلك من شأنه أن يساهم في الاستقرار المجتمعي في تونس ويثبت أركان الدولة أكثر في تونس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *