العولمة وثقافة المجتمع الخليجي

::cck::779::/cck::
::introtext::

يرى البعض أن العولمة هي محصلة التوظيف الرأسمالي للنتائج التي أرستها مسارات الصراع وسترسيها مستقبلاً وكرسها تضخم الشركات المتعددة الجنسية، وتوّجها احتكار التكنولوجيا والتدخل بين الاقتصاد والثقافة والسياسة بواسطة إيجاد شبكات ومجموعات مصالح، ومنظومة من القيم تعكس إرادة الهيمنة على العالم. 

::/introtext::
::fulltext::

يرى البعض أن العولمة هي محصلة التوظيف الرأسمالي للنتائج التي أرستها مسارات الصراع وسترسيها مستقبلاً وكرسها تضخم الشركات المتعددة الجنسية، وتوّجها احتكار التكنولوجيا والتدخل بين الاقتصاد والثقافة والسياسة بواسطة إيجاد شبكات ومجموعات مصالح، ومنظومة من القيم تعكس إرادة الهيمنة على العالم.

يدل هذا على أن العولمة تتجاوز خطوط الطول والعرض لتصل إلى أرجاء المعمورة مبشرة بثقافة واحدة يوجهها القطب الأكثر تقدماً علماً وابتكاراً والأكثر قوة تكنولوجياً، إنتاجاً وتسويقاً والأكثر هيمنة قارياً، سياسياً واقتصادياً وتسليحاً، ولا يمكن عزل هذا التصور عن واقع العالم العربي ومنه الواقع الخليجي، فالاتصال الواسع مع العالم الخارجي عبر تقنيات الاتصال بكل منظومتها المتعددة، أضحى واضحاً ومؤثراً في ثقافة الإنسان الخليجي ميولاً وسلوكاً، تأييداً ورفضاً، وإذا كان الإنسان بطبعه يميل نحو كل شي جديد، فإن العولمة هي أكثر من جديد من حيث الأبعاد والاتجاهات والتصورات والاتصال غير المحدود بين البشر. لذا ينبغي النظر إليها بدرجة عالية من الوعي والفهم لا سيما أنها تجاوزت تصورات الأفراد إلى تصورات مجتمعات ودول باتت تشعر بأنها مفروضة عليها في كل حقبة تجتازها مع غياب القدرة وإن صح التعبير الإرادة في تكوين مرتكزات التحصين في ظل غياب منظومة علمية وتكنولوجية وطنية سواء على صعيد الواقع العربي أو الواقع الخليجي رغم توافر الإمكانات البشرية والاقتصادية. وإذا كان البعض يرى أن ذلك كلة يأتي تحت ظروف متغيرة باتت تفرضها حقيقة غياب التوازن في هذا العالم المضطرب، فإن المسألة أكثر خطورة بالنسبة لثقافتنا العربية التي باتت مهددة بذلك التطور الكوني، كونها لا تمتلك القدرة والإرادة على الأقل في الظروف الحالية على تكوين رؤية مستقلة تجاه ما يحصل في العالم فما زال الصراع بين الجديد والقديم غير محسوم، بل إنه اتخذ أشكالاً معقدة مع تنامي ثقافة التشدد من دون وجود آليات التعامل مع حقائق العصر المادي، الأمر الذي يطيل من عمر التأخر ومن دون إيجاد البديل الذي يترجم رد الفعل ذلك بإرادة علمية تتعامل مع المؤسسات، تنافساً من أجل الارتقاء بالواقع المجتمعي العربي أو الخليجي نحو إثبات الذات بالإنجاز للبشرية وبنكران ذات منقطع النظير، لنتجاوز المقولة التي يرددها الكثير منا بأن نأخذ من الحضارة الغربية ما ينفعنا، أي اللب، ونترك ما دون ذلك، وهي مقولة ينقصها الجانب العملي أو الإجرائي، فالحضارة لا تؤخذ بهذه الطريقة إنما تأخذ بمحاسنها ومساوئها معاً، وتبقى عملية الإنجاز الذاتي هي التي تقرر قدر الاستفادة منها ثقافياً وعلمياً.

 أولاً: العولمة والاقتصاد الخليجي

لا شك في أن بروز العولمة في النسق الاقتصادي هو من أكثر أنساق المجتمع وضوحاً، ونظراً لأهمية الاقتصاد في توجيه التغيرات الثقافية والاجتماعية في المجتمعات الإنسانية كافة، فهو الركيزة الأساسية التي يبنى عليها البناء الاجتماعي بأنساقه المختلفة لا سيما إذا توفرت الإرادة والتخطيط العلمي القائم على أساس حساب احتياجات الإنسان ليس بأبعادها المادية فحسب إنما بأبعادها النفسية والاجتماعية والحضارية، فإذا حسب ذلك في مجتمعاتنا فإن تأثير العولمة في اقتصاداتنا سوف تأخذ مسار التفاعل الذي يمكن التعامل معه على أساس قدرة الاقتصاد الوطني على التأثير في الاقتصاد العالمي لا سيما أن المجتمع الخليجي يمتلك مفاتيح الطاقة في العالم باعتبارها عصب الاقتصاد، لكن ورغم أهمية ذلك تبقى مسألة تفعيل ذلك تحتاج إلى فهم أكبر لما يدور حولنا سواء من قبل مثقفينا أو مجتمعنا أو سياسيينا. فالعولمة ليست ظاهرة حديثة على الأقل بالنسبة للتاريخ الحديث، فهي ترجع في نظر البعض إلى ظهور نظام جديد جمع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية عام 1948 سمي نظام (الغات) في مجال التجارة العالمية، يقوم على أساس إلغاء الرسوم الجمركية أو تخفيضها بين هذه الدول وإيجاد وسائل جديدة في نشر التجارة الحرة. إن هذه الخطوة رسمت آفاقاً جديدة في التعامل بين هذه الأمم وفي رسم معالم الاقتصاد العالمي الحر.

وإذا كان ذلك قد أشر إلى ظهور نظام عالمي رأسمالي، فإن نظاماً اقتصادياً جديداً قد ظهر أيضاً يحمل فلسفة مضادة تماماً وهو النظام الاشتراكي الذي بقي يقارع النظام الأول ويحد من انتشاره عقوداً من الزمن قبل انهيار الاتحاد السوفييتي قلعة النظام الثاني. ولذلك فإن فهم القضية ينبغي أن يقوم اليوم على أساس فهم التعامل مع عولمة الاقتصاد على أساس التنمية الذاتية له وجعله منتجاً لكي يساهم بقدر معين في الاقتصاد العالمي عن طريق الاستثمار الواسع على المستوى المحلي والإقليمي والدولي بحيث يجعل الاقتصاد الخليجي حاضراً سواء في مجال تراكم رأس المال أو في زيادة الخبرات لشركات خليجية يجب أن تؤسس في الاختصاصات المختلفة، وتأتي أهمية ذلك كون الاقتصاد الخليجي اتخذ مساراً رأسمالياً منذ البداية، بغض النظر عن البنى الثقافية والسياسية لمجتمعات دول الخليج العربية، ولذلك فإن الدولة الخليجية ومنذ تأسيسها تعيش وضعاً اقتصادياً قائماً على فلسفة النظام الرأسمالي المروج الحالي لأنظمة العولمة، وبالتالي فإن تأثير العولمة في الاقتصاد الخليجي ينبغي أن يسير وفق الرؤية الخليجية الرأسمالية التي ميزت الاقتصاد الخليجي بأبنيته الاجتماعية والسياسية، وتبقى الخطورة التي تهدد هذا الاقتصاد أنه يعد اقتصاداً ريعياً يعتمد على النفط مصدراً أحادياً له، حيث اعتمدت عليه الدولة في إشباع حاجات أبنائها وبنت مرتكزاتها الخدمية إلا أن هذا لم يعد يكفي في ظل تنامي المخاطر السياسية وهيمنة الاقتصاد الحر حتى على الاقتصاد الذي يسير في فلكه في ضوء سياسة المصالح والربح وحساب المصالح السياسية كذلك، لذا كان انتباه القادة الخليجيين لهذه المسألة ضرورياً والتفكير في بناء اقتصاد يضع في حسبانه إيجاد مصادر جديدة للاقتصاد الخليجي بحيث يكون قادراً على التعامل مع عولمة الاقتصاد بتفاعل أكثر إيجابية، وما تجربة اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا المجال إلا شاهد على عالمية مساهمة الاقتصاد الخليجي اليوم، الأمر الذي يتطلب من دول الخليج العربية توظيف هذه التجربة ضمن منظومة السوق الخليجية المشتركة واتخاذ القرارات التي تعمل على بلورة سياسة اقتصادية مشتركة إزاء العولمة بطريقة تجعل الاقتصاد الخليجي مساهماً غير تابع. ويأتي ذلك بتبني استراتيجية علمية نهضوية تؤسس لهيئات علمية خليجية تكون قادرة وفق جدول زمني على نقل الاقتصاد من حالة الاستهلاك إلى حالة الإنتاج وفق منظور التنمية البشرية وبأبعادها المختلفة.

 ثانياً: العولمة والثقافة الخليجية

ينبغي التأكيد على أن الثقافة العربية عامة، والثقافة الخليجية خاصة، تعيش صراعاً بين القديم والجديد، وأن هناك إشكالية تحكم العلاقة بين العولمة والثقافة في المرحلة الحالية، وتتمثل في اتجاهين: الأول، يرى أن العولمة تشكل تهديداً خطيراً لهوية الثقافة العربية، وأنها تستهدف طمس مبادئها وقيمها، تلك الثقافة التي تجلت للعالم عصوراً من الحضارة، وأن وراء العولمة مخططاً خطيراً يستهدفها. أما الثاني فهو يرى أن العولمة أصبحت حقيقة واقعية ينبغي التعامل معها والاستجابة لها وإلا بقينا خارج التاريخ، وأن تعاملنا معها لا يهدد هويتنا وخصوصيتنا طالما أن العولمة تدعو إلى احترام ثقافة الإثنيات.

ولا شك في أن هذين الاتجاهين يمثلان توجهاً بدأ يظهر بدرجة وأخرى على الساحة الثقافية الخليجية ويتجليان بشكل خاص في مضامين الحلقات النقاشية التي تجري على المستويات الشعبية والعلمية وفي الأوساط الإعلامية المختلفة، وأن الخروج من هذا المأزق أو ذاك أمر ضروري كي تستطيع الثقافة الخليجية أن ترسم معالم المستقبل من خلال تشخيص الواقع بطريقة نقدية وموضوعية. فالمفهوم الأول يعد العولمة عدواً محدقاً بنا من دون أن يستطيع تقديم البديل الذي يخلص الأمة منه وبطريقة إجرائية تتعامل مع الظاهرة كمؤسسات، فبدل من ذلك تشيع السخط وتنذر بخطر بات قاب قوسين أو أدنى من دون امتلاك سلاح ناجع للتصدي للعولمة. أما المفهوم الثاني فيدعو إلى الاندماج معها وحتى الاستسلام لها، ويبقى الخروج من كلا المأزقين مرهوناً بفهم حقيقة ما يجري على الساحة العالمية ولا سيما في الجانب العلمي وما يحققه العالم يومياً من إنجازات علمية واكتشافات في المجالات المختلفة، فيظهر أن ذلك غائب نسبياً عنا إن لم يكن كلياً، وأن الحفاظ على ثقافتنا لا يأتي بالصراخ أو الخوف أو نصب العداء بقدر ما يكون باستطاعتنا تبني استراتيجية شاملة تكون قائمة على تبني العلم طريقاً حقيقياً في التعامل مع ما يجري في العالم من تطور وتقدم، ويكون ذلك خياراً أساسياً في التعامل مع العولمة وأنظمتها المختلفة. فالصد عما يجري في العالم من تغير ونصب العداء له على اعتباره يحمل أهدافاً أيديولوجية تستهدف وجودنا ونحن نائمون لا نمتلك الآليات العلمية سوى نبرة الكلام، وكذلك الدعوة إلى الاندماج في أنظمة العولمة وجعلها حقيقة واقعة، أمران يحتاجان إلى مراجعة، وكلا المفهومين لا يتفقان مع منطق التاريخ الذي يقر بعملية الإنجاز الحضاري لإثبات الوجود. إذاً ينبغي فهم العلاقة بين العولمة والثقافة الخليجية وفق منطق التاريخ وإلا أضحت تلك الثقافة في مهب الريح مع تصاعد وتيرة العولمة، ومن يدري ماذا سيحصل من تطور علمي وتقني بعد ألف عام منذ الآن؟ وأن ضخامة ذلك تبرز إذا علمنا أن الزمن الذي يفصلنا عن اكتشاف التلفاز على سبيل المثال لا يتجاوز المائة عام أو أقل، فانظر ماذا حصل من تطور اتصالاتي مرئي اليوم؟ وأن فهم تلك العلاقة وفق ذلك ينبغي الاعتراف الكامل بأننا في المرحلة الحالية مستهلكون غير منتجين، وأننا نعاني من مشكلات حقيقية في نظمنا التعليمية ونعاني أيضاً من مشكلة صراع الأجيال ومن ضياع الأجيال- إن صح التعبير-ومن عقد اجتماعية إزاء قضايا المرأة وحقوقها ونحو شخصية الرجل وكونه ذكورياً فله الأولوية في الأسرة والعمل وفي السياسة وفي التجارة، وأننا نعاني من تفضيل سماع القصص والروايات لأنها تذكرنا ببطولات غيرنا ونحن عاجزون عن الإنجاز أو نرى ما نتمناه من الإبداع في بطل روايتنا. ينبغي علينا أيضاً الاعتراف بفراغنا الثقافي، عندئذ نستطيع التفكر في وضع برنامج إنقاذ ثقافي سيقودنا إلى التعامل مع العولمة بصيغة إنجازية وليس بصيغة تهجمية أو استسلامية، وهذا ما يمكن أن تفعله الثقافة الخليجية وفق منطق التاريخ الذي لا يعرف المجاملة أو التزييف، فبالعلم وحده ننتصر بصمت ونرفد الإنسانية وعولمتها بإنجازات خلاقة تنفع البشرية من دون مقابل، وهكذا تبنى العلاقة بين العولمة والثقافة وفق قدرة الثقافة الخليجية على الإنجاز لا سيما أن إمكانية ذلك متوفرة إذا ما توفرت الإرادة السياسية والشعبية.

 ثالثاً: العولمة والسياسة

لا شك في أن منطقة الخليج العربية تواجه تحديات سياسية واقتصادية وثقافية، وتزداد خطورة ذلك نظراً لوقوعها في منطقة حيوية من العالم ولما تمثله أيضاً من أهم مصادر إنتاج الطاقة في العالم، ولا شك أيضاً في  أن النظم السياسية في الشرق عامة وفي المنطقة العربية كمنطقة منتجة للبداوة تتصف خلال التاريخ بالرمزية لقائدها أو زعيمها أو شيخها، وهكذا أضحت الدولة ومهما رفعت من شعارات الديمقراطية فإنها لا تستطيع الخروج من تراثيتها المتوارثة، ولعل ذلك يتناقض مع شعارات العولمة في دعوتها إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولعل هذا المدخل الذي تستخدمه العولمة في تهديد النظم السياسية ولا سيما تلك التي لا تتوافق مع تطلعاتها أو أنها تفكر في الخروج عن مساراتها سواء في الوقت الحاضر أو المستقبل، كما أن العولمة تشكل خطورة على النظم السياسية ولا سيما التي تضم إثنيات عرقية أو دينية أو مذهبية أو قبلية، فالعولمة تحمل عناصر تناقضها معها.

فهي في الوقت الذي تدعو فيه إلى ثقافة عالمية، فإنها تذكي الإثنيات الثقافية المختلفة في المجتمع وما يمكن أن ينتج عن ذلك من نزاعات أهلية في المجتمع الواحد مما يهدد وحدته الوطنية وهذا ما حصل في بعض المجتمعات النامية. لذا فإن إذكاء مثل تلك الإثنيات أو الدعوة إلى حقوق الإنسان أو الدعوة إلى الديمقراطية يمكن تشكل كلها تهديداً للنظم السياسية، وقد تستخدم تلك الدعوات كذريعة لتحقيق مصالح الدول الكبرى أو عامل ضغط على الدول من أجل تحقيق مصالح إقليمية أو دولية مختلفة، وأن مواجهة ذلك تضع الثقافة الخليجية أمام واقع جديد لا تستطيع الخروج منه إلا بتحقيق القرار السياسي المستقل، وأن مثل هذا القرار يكون ممكناً إذا امتلكت الدولة الخليجية زمام المبادرة سواء في المجال العلمي أو الاقتصادي، وما سعي بعض الدول الخليجية إلى توسيع علاقاتها مع أطراف دولية عدة إلا دليل وعي بحقيقة مخاطر العولمة السياسية.

ويبقى موقف الثقافة الخليجية من العولمة موقفاً متشككاً، ويظهر ذلك من خلال ما يدور في الساحة الثقافية الخليجية من آراء متصارعة بعضها يدعو إلى التجديد وتبني الأساليب الحديثة في الحياة، وموقف آخر متشدد تمتزج فيه القيم القبلية والدينية، فضلاً عن مواقف بين هذا وذاك، وتبقى المسألة بكاملها مسألة أزمة ثقافة تعيش في ظروف غير قادرة على تقديم جديد وسط تسارع الإنجازات العلمية والتقنية بشكل مذهل، الأمر الذي يتطلب مراجعة شاملة للواقع الثقافي الخليجي والخروج بحلول حقيقية تضع الثقافة على السكة كي تساهم بالحضارة الإنسانية، وأن إمكانية ذلك متوافرة وهي نابعة من أهمية المنطقة الخليجية في رسم خريطة العالم سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي لما تمتلكه من إمكانات اقتصادية ضخمة وموقع جغرافي فريد.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::779::/cck::
::introtext::

يرى البعض أن العولمة هي محصلة التوظيف الرأسمالي للنتائج التي أرستها مسارات الصراع وسترسيها مستقبلاً وكرسها تضخم الشركات المتعددة الجنسية، وتوّجها احتكار التكنولوجيا والتدخل بين الاقتصاد والثقافة والسياسة بواسطة إيجاد شبكات ومجموعات مصالح، ومنظومة من القيم تعكس إرادة الهيمنة على العالم. 

::/introtext::
::fulltext::

يرى البعض أن العولمة هي محصلة التوظيف الرأسمالي للنتائج التي أرستها مسارات الصراع وسترسيها مستقبلاً وكرسها تضخم الشركات المتعددة الجنسية، وتوّجها احتكار التكنولوجيا والتدخل بين الاقتصاد والثقافة والسياسة بواسطة إيجاد شبكات ومجموعات مصالح، ومنظومة من القيم تعكس إرادة الهيمنة على العالم.

يدل هذا على أن العولمة تتجاوز خطوط الطول والعرض لتصل إلى أرجاء المعمورة مبشرة بثقافة واحدة يوجهها القطب الأكثر تقدماً علماً وابتكاراً والأكثر قوة تكنولوجياً، إنتاجاً وتسويقاً والأكثر هيمنة قارياً، سياسياً واقتصادياً وتسليحاً، ولا يمكن عزل هذا التصور عن واقع العالم العربي ومنه الواقع الخليجي، فالاتصال الواسع مع العالم الخارجي عبر تقنيات الاتصال بكل منظومتها المتعددة، أضحى واضحاً ومؤثراً في ثقافة الإنسان الخليجي ميولاً وسلوكاً، تأييداً ورفضاً، وإذا كان الإنسان بطبعه يميل نحو كل شي جديد، فإن العولمة هي أكثر من جديد من حيث الأبعاد والاتجاهات والتصورات والاتصال غير المحدود بين البشر. لذا ينبغي النظر إليها بدرجة عالية من الوعي والفهم لا سيما أنها تجاوزت تصورات الأفراد إلى تصورات مجتمعات ودول باتت تشعر بأنها مفروضة عليها في كل حقبة تجتازها مع غياب القدرة وإن صح التعبير الإرادة في تكوين مرتكزات التحصين في ظل غياب منظومة علمية وتكنولوجية وطنية سواء على صعيد الواقع العربي أو الواقع الخليجي رغم توافر الإمكانات البشرية والاقتصادية. وإذا كان البعض يرى أن ذلك كلة يأتي تحت ظروف متغيرة باتت تفرضها حقيقة غياب التوازن في هذا العالم المضطرب، فإن المسألة أكثر خطورة بالنسبة لثقافتنا العربية التي باتت مهددة بذلك التطور الكوني، كونها لا تمتلك القدرة والإرادة على الأقل في الظروف الحالية على تكوين رؤية مستقلة تجاه ما يحصل في العالم فما زال الصراع بين الجديد والقديم غير محسوم، بل إنه اتخذ أشكالاً معقدة مع تنامي ثقافة التشدد من دون وجود آليات التعامل مع حقائق العصر المادي، الأمر الذي يطيل من عمر التأخر ومن دون إيجاد البديل الذي يترجم رد الفعل ذلك بإرادة علمية تتعامل مع المؤسسات، تنافساً من أجل الارتقاء بالواقع المجتمعي العربي أو الخليجي نحو إثبات الذات بالإنجاز للبشرية وبنكران ذات منقطع النظير، لنتجاوز المقولة التي يرددها الكثير منا بأن نأخذ من الحضارة الغربية ما ينفعنا، أي اللب، ونترك ما دون ذلك، وهي مقولة ينقصها الجانب العملي أو الإجرائي، فالحضارة لا تؤخذ بهذه الطريقة إنما تأخذ بمحاسنها ومساوئها معاً، وتبقى عملية الإنجاز الذاتي هي التي تقرر قدر الاستفادة منها ثقافياً وعلمياً.

 أولاً: العولمة والاقتصاد الخليجي

لا شك في أن بروز العولمة في النسق الاقتصادي هو من أكثر أنساق المجتمع وضوحاً، ونظراً لأهمية الاقتصاد في توجيه التغيرات الثقافية والاجتماعية في المجتمعات الإنسانية كافة، فهو الركيزة الأساسية التي يبنى عليها البناء الاجتماعي بأنساقه المختلفة لا سيما إذا توفرت الإرادة والتخطيط العلمي القائم على أساس حساب احتياجات الإنسان ليس بأبعادها المادية فحسب إنما بأبعادها النفسية والاجتماعية والحضارية، فإذا حسب ذلك في مجتمعاتنا فإن تأثير العولمة في اقتصاداتنا سوف تأخذ مسار التفاعل الذي يمكن التعامل معه على أساس قدرة الاقتصاد الوطني على التأثير في الاقتصاد العالمي لا سيما أن المجتمع الخليجي يمتلك مفاتيح الطاقة في العالم باعتبارها عصب الاقتصاد، لكن ورغم أهمية ذلك تبقى مسألة تفعيل ذلك تحتاج إلى فهم أكبر لما يدور حولنا سواء من قبل مثقفينا أو مجتمعنا أو سياسيينا. فالعولمة ليست ظاهرة حديثة على الأقل بالنسبة للتاريخ الحديث، فهي ترجع في نظر البعض إلى ظهور نظام جديد جمع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية عام 1948 سمي نظام (الغات) في مجال التجارة العالمية، يقوم على أساس إلغاء الرسوم الجمركية أو تخفيضها بين هذه الدول وإيجاد وسائل جديدة في نشر التجارة الحرة. إن هذه الخطوة رسمت آفاقاً جديدة في التعامل بين هذه الأمم وفي رسم معالم الاقتصاد العالمي الحر.

وإذا كان ذلك قد أشر إلى ظهور نظام عالمي رأسمالي، فإن نظاماً اقتصادياً جديداً قد ظهر أيضاً يحمل فلسفة مضادة تماماً وهو النظام الاشتراكي الذي بقي يقارع النظام الأول ويحد من انتشاره عقوداً من الزمن قبل انهيار الاتحاد السوفييتي قلعة النظام الثاني. ولذلك فإن فهم القضية ينبغي أن يقوم اليوم على أساس فهم التعامل مع عولمة الاقتصاد على أساس التنمية الذاتية له وجعله منتجاً لكي يساهم بقدر معين في الاقتصاد العالمي عن طريق الاستثمار الواسع على المستوى المحلي والإقليمي والدولي بحيث يجعل الاقتصاد الخليجي حاضراً سواء في مجال تراكم رأس المال أو في زيادة الخبرات لشركات خليجية يجب أن تؤسس في الاختصاصات المختلفة، وتأتي أهمية ذلك كون الاقتصاد الخليجي اتخذ مساراً رأسمالياً منذ البداية، بغض النظر عن البنى الثقافية والسياسية لمجتمعات دول الخليج العربية، ولذلك فإن الدولة الخليجية ومنذ تأسيسها تعيش وضعاً اقتصادياً قائماً على فلسفة النظام الرأسمالي المروج الحالي لأنظمة العولمة، وبالتالي فإن تأثير العولمة في الاقتصاد الخليجي ينبغي أن يسير وفق الرؤية الخليجية الرأسمالية التي ميزت الاقتصاد الخليجي بأبنيته الاجتماعية والسياسية، وتبقى الخطورة التي تهدد هذا الاقتصاد أنه يعد اقتصاداً ريعياً يعتمد على النفط مصدراً أحادياً له، حيث اعتمدت عليه الدولة في إشباع حاجات أبنائها وبنت مرتكزاتها الخدمية إلا أن هذا لم يعد يكفي في ظل تنامي المخاطر السياسية وهيمنة الاقتصاد الحر حتى على الاقتصاد الذي يسير في فلكه في ضوء سياسة المصالح والربح وحساب المصالح السياسية كذلك، لذا كان انتباه القادة الخليجيين لهذه المسألة ضرورياً والتفكير في بناء اقتصاد يضع في حسبانه إيجاد مصادر جديدة للاقتصاد الخليجي بحيث يكون قادراً على التعامل مع عولمة الاقتصاد بتفاعل أكثر إيجابية، وما تجربة اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا المجال إلا شاهد على عالمية مساهمة الاقتصاد الخليجي اليوم، الأمر الذي يتطلب من دول الخليج العربية توظيف هذه التجربة ضمن منظومة السوق الخليجية المشتركة واتخاذ القرارات التي تعمل على بلورة سياسة اقتصادية مشتركة إزاء العولمة بطريقة تجعل الاقتصاد الخليجي مساهماً غير تابع. ويأتي ذلك بتبني استراتيجية علمية نهضوية تؤسس لهيئات علمية خليجية تكون قادرة وفق جدول زمني على نقل الاقتصاد من حالة الاستهلاك إلى حالة الإنتاج وفق منظور التنمية البشرية وبأبعادها المختلفة.

 ثانياً: العولمة والثقافة الخليجية

ينبغي التأكيد على أن الثقافة العربية عامة، والثقافة الخليجية خاصة، تعيش صراعاً بين القديم والجديد، وأن هناك إشكالية تحكم العلاقة بين العولمة والثقافة في المرحلة الحالية، وتتمثل في اتجاهين: الأول، يرى أن العولمة تشكل تهديداً خطيراً لهوية الثقافة العربية، وأنها تستهدف طمس مبادئها وقيمها، تلك الثقافة التي تجلت للعالم عصوراً من الحضارة، وأن وراء العولمة مخططاً خطيراً يستهدفها. أما الثاني فهو يرى أن العولمة أصبحت حقيقة واقعية ينبغي التعامل معها والاستجابة لها وإلا بقينا خارج التاريخ، وأن تعاملنا معها لا يهدد هويتنا وخصوصيتنا طالما أن العولمة تدعو إلى احترام ثقافة الإثنيات.

ولا شك في أن هذين الاتجاهين يمثلان توجهاً بدأ يظهر بدرجة وأخرى على الساحة الثقافية الخليجية ويتجليان بشكل خاص في مضامين الحلقات النقاشية التي تجري على المستويات الشعبية والعلمية وفي الأوساط الإعلامية المختلفة، وأن الخروج من هذا المأزق أو ذاك أمر ضروري كي تستطيع الثقافة الخليجية أن ترسم معالم المستقبل من خلال تشخيص الواقع بطريقة نقدية وموضوعية. فالمفهوم الأول يعد العولمة عدواً محدقاً بنا من دون أن يستطيع تقديم البديل الذي يخلص الأمة منه وبطريقة إجرائية تتعامل مع الظاهرة كمؤسسات، فبدل من ذلك تشيع السخط وتنذر بخطر بات قاب قوسين أو أدنى من دون امتلاك سلاح ناجع للتصدي للعولمة. أما المفهوم الثاني فيدعو إلى الاندماج معها وحتى الاستسلام لها، ويبقى الخروج من كلا المأزقين مرهوناً بفهم حقيقة ما يجري على الساحة العالمية ولا سيما في الجانب العلمي وما يحققه العالم يومياً من إنجازات علمية واكتشافات في المجالات المختلفة، فيظهر أن ذلك غائب نسبياً عنا إن لم يكن كلياً، وأن الحفاظ على ثقافتنا لا يأتي بالصراخ أو الخوف أو نصب العداء بقدر ما يكون باستطاعتنا تبني استراتيجية شاملة تكون قائمة على تبني العلم طريقاً حقيقياً في التعامل مع ما يجري في العالم من تطور وتقدم، ويكون ذلك خياراً أساسياً في التعامل مع العولمة وأنظمتها المختلفة. فالصد عما يجري في العالم من تغير ونصب العداء له على اعتباره يحمل أهدافاً أيديولوجية تستهدف وجودنا ونحن نائمون لا نمتلك الآليات العلمية سوى نبرة الكلام، وكذلك الدعوة إلى الاندماج في أنظمة العولمة وجعلها حقيقة واقعة، أمران يحتاجان إلى مراجعة، وكلا المفهومين لا يتفقان مع منطق التاريخ الذي يقر بعملية الإنجاز الحضاري لإثبات الوجود. إذاً ينبغي فهم العلاقة بين العولمة والثقافة الخليجية وفق منطق التاريخ وإلا أضحت تلك الثقافة في مهب الريح مع تصاعد وتيرة العولمة، ومن يدري ماذا سيحصل من تطور علمي وتقني بعد ألف عام منذ الآن؟ وأن ضخامة ذلك تبرز إذا علمنا أن الزمن الذي يفصلنا عن اكتشاف التلفاز على سبيل المثال لا يتجاوز المائة عام أو أقل، فانظر ماذا حصل من تطور اتصالاتي مرئي اليوم؟ وأن فهم تلك العلاقة وفق ذلك ينبغي الاعتراف الكامل بأننا في المرحلة الحالية مستهلكون غير منتجين، وأننا نعاني من مشكلات حقيقية في نظمنا التعليمية ونعاني أيضاً من مشكلة صراع الأجيال ومن ضياع الأجيال- إن صح التعبير-ومن عقد اجتماعية إزاء قضايا المرأة وحقوقها ونحو شخصية الرجل وكونه ذكورياً فله الأولوية في الأسرة والعمل وفي السياسة وفي التجارة، وأننا نعاني من تفضيل سماع القصص والروايات لأنها تذكرنا ببطولات غيرنا ونحن عاجزون عن الإنجاز أو نرى ما نتمناه من الإبداع في بطل روايتنا. ينبغي علينا أيضاً الاعتراف بفراغنا الثقافي، عندئذ نستطيع التفكر في وضع برنامج إنقاذ ثقافي سيقودنا إلى التعامل مع العولمة بصيغة إنجازية وليس بصيغة تهجمية أو استسلامية، وهذا ما يمكن أن تفعله الثقافة الخليجية وفق منطق التاريخ الذي لا يعرف المجاملة أو التزييف، فبالعلم وحده ننتصر بصمت ونرفد الإنسانية وعولمتها بإنجازات خلاقة تنفع البشرية من دون مقابل، وهكذا تبنى العلاقة بين العولمة والثقافة وفق قدرة الثقافة الخليجية على الإنجاز لا سيما أن إمكانية ذلك متوفرة إذا ما توفرت الإرادة السياسية والشعبية.

 ثالثاً: العولمة والسياسة

لا شك في أن منطقة الخليج العربية تواجه تحديات سياسية واقتصادية وثقافية، وتزداد خطورة ذلك نظراً لوقوعها في منطقة حيوية من العالم ولما تمثله أيضاً من أهم مصادر إنتاج الطاقة في العالم، ولا شك أيضاً في  أن النظم السياسية في الشرق عامة وفي المنطقة العربية كمنطقة منتجة للبداوة تتصف خلال التاريخ بالرمزية لقائدها أو زعيمها أو شيخها، وهكذا أضحت الدولة ومهما رفعت من شعارات الديمقراطية فإنها لا تستطيع الخروج من تراثيتها المتوارثة، ولعل ذلك يتناقض مع شعارات العولمة في دعوتها إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولعل هذا المدخل الذي تستخدمه العولمة في تهديد النظم السياسية ولا سيما تلك التي لا تتوافق مع تطلعاتها أو أنها تفكر في الخروج عن مساراتها سواء في الوقت الحاضر أو المستقبل، كما أن العولمة تشكل خطورة على النظم السياسية ولا سيما التي تضم إثنيات عرقية أو دينية أو مذهبية أو قبلية، فالعولمة تحمل عناصر تناقضها معها.

فهي في الوقت الذي تدعو فيه إلى ثقافة عالمية، فإنها تذكي الإثنيات الثقافية المختلفة في المجتمع وما يمكن أن ينتج عن ذلك من نزاعات أهلية في المجتمع الواحد مما يهدد وحدته الوطنية وهذا ما حصل في بعض المجتمعات النامية. لذا فإن إذكاء مثل تلك الإثنيات أو الدعوة إلى حقوق الإنسان أو الدعوة إلى الديمقراطية يمكن تشكل كلها تهديداً للنظم السياسية، وقد تستخدم تلك الدعوات كذريعة لتحقيق مصالح الدول الكبرى أو عامل ضغط على الدول من أجل تحقيق مصالح إقليمية أو دولية مختلفة، وأن مواجهة ذلك تضع الثقافة الخليجية أمام واقع جديد لا تستطيع الخروج منه إلا بتحقيق القرار السياسي المستقل، وأن مثل هذا القرار يكون ممكناً إذا امتلكت الدولة الخليجية زمام المبادرة سواء في المجال العلمي أو الاقتصادي، وما سعي بعض الدول الخليجية إلى توسيع علاقاتها مع أطراف دولية عدة إلا دليل وعي بحقيقة مخاطر العولمة السياسية.

ويبقى موقف الثقافة الخليجية من العولمة موقفاً متشككاً، ويظهر ذلك من خلال ما يدور في الساحة الثقافية الخليجية من آراء متصارعة بعضها يدعو إلى التجديد وتبني الأساليب الحديثة في الحياة، وموقف آخر متشدد تمتزج فيه القيم القبلية والدينية، فضلاً عن مواقف بين هذا وذاك، وتبقى المسألة بكاملها مسألة أزمة ثقافة تعيش في ظروف غير قادرة على تقديم جديد وسط تسارع الإنجازات العلمية والتقنية بشكل مذهل، الأمر الذي يتطلب مراجعة شاملة للواقع الثقافي الخليجي والخروج بحلول حقيقية تضع الثقافة على السكة كي تساهم بالحضارة الإنسانية، وأن إمكانية ذلك متوافرة وهي نابعة من أهمية المنطقة الخليجية في رسم خريطة العالم سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي لما تمتلكه من إمكانات اقتصادية ضخمة وموقع جغرافي فريد.

::/fulltext::
::cck::779::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *