أوباما وعالم خال من السلاح النووي.. آمال وصعوبات
::cck::873::/cck::
::introtext::
من المعروف أن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية تميز بين الدول المسلحة نووياً والأخرى التي لا تمتلك هذه الأسلحة؛ لكن كان المقصود أن يكون هذا التمييز مؤقتاً، فالمادة السادسة من المعاهدة تشير صراحةً إلى نزع التسلح النووي باعتباره هدفًا رئيسياً، وتدعو إلى ضرورة إجراء مفاوضات لإقرار وقف مبكر لسباق التسلح بين القوى النووية كخطوة على الطريق نحو إحراز الهدف الأكبر وهو عالم خال من الأسلحة النووية.
::/introtext::
::fulltext::
من المعروف أن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية تميز بين الدول المسلحة نووياً والأخرى التي لا تمتلك هذه الأسلحة؛ لكن كان المقصود أن يكون هذا التمييز مؤقتاً، فالمادة السادسة من المعاهدة تشير صراحةً إلى نزع التسلح النووي باعتباره هدفًا رئيسياً، وتدعو إلى ضرورة إجراء مفاوضات لإقرار وقف مبكر لسباق التسلح بين القوى النووية كخطوة على الطريق نحو إحراز الهدف الأكبر وهو عالم خال من الأسلحة النووية.
لا شك في أن سياسة الولايات المتحدة تجاه قضية نزع السلاح النووي تكتسب أهمية كبيرة كونها تمتلك التأثير الأكبر فيما تتخذه الدول الأخرى المسلحة نووياً من سياسات في هذا الصدد. وقد اتبعت الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة بوش الابن سياسات كان من شأنها عرقلة الجهود الرامية إلى اتخاذ خطوات متقدمة في قضايا نزع السلاح النووي، وهي سياسات لا يتسع المقام لذكرها بشكل تفصيلي، لكن ستتم الإشارة إليها بشكل سريع في نهاية المقال.

أما بالنسبة لإدارة الرئيس باراك أوباما، وخلال ما يقرب العام من توليها الحكم فقد اتخذت مجموعة من الخطوات اعتبرها البعض تبعث على التفاؤل وتجدد الآمال بشأن إنجاز خطوات ايجابية بالنسبة لقضايا نزع السلاح النووي وتحقق المبادرة التي أعلنها أوباما بشأن عالم خال من السلاح النووي، فيما رآها البعض الآخر خطوات استهلاكية لن تحدث تأثيراً حقيقياً في السياسة الأمريكية تجاه قضايا نزع السلاح النووي.
أوباما أكد أن الولايات المتحدة تتحرك قدماً نحو التصديق على معاهدة حظر التجارب النووية
وانطلاقاً مما سبق يستهدف هذا المقال تقديم قراءة تحليلية نقدية لأبرز الخطوات التي اتخذتها إدارة أوباما حتى الآن تجاه قضايا نزع السلاح النووي، وما تعنيه تلك الخطوات بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه هذا النوع من القضايا، وذلك على النحو التالي:
أولاً: خطوات إيجابية مهمة
حتى الآن، اتخذ الرئيس باراك أوباما ثلاث خطوات مهمة تجاه قضايا نزع السلاح النووي خلال السنة الماضية من حكمه، مثلت فارقاً مهماً عن السياسة التي اتبعها سلفه بوش الابن تجاه هذا النوع من القضايا، وتتمثل هذه الخطوات الثلاث فيما يلي:
1- خطاب براغ (إبريل 2009): منذ تولي الرئيس باراك أوباما الحكم، صرح في أكثر من مناسبة بأنه يدعو إلى نزع السلاح النووي ويريد عالماً خالياً من هذا النوع من السلاح، وقد أكد هذا الموقف بوضوح وبشكل رسمي وصريح في خطابه الذي ألقاه من براغ في إبريل عام 2009، حيث تضمن مجموعة من النقاط بشأن السياسة التي سوف تتبناها الولايات المتحدة من أجل عالم خال من السلاح النووي، يتمثل أبرزها فيما يلي:
* أكد أن بلاده ستقود مشروعاً دولياً للحد من انتشار الأسلحة النووية، وسيدعو كافة الدول التي تمتلك السلاح النووي حالياً إلى الاتفاقية التي يتوقع التوصل إليها مع روسيا لتخفيض الترسانة النووية بنهاية 2009.
* أكد على عزم الولايات المتحدة على التوصل لاتفاقية دولية تمنع إجراء أية تجارب للقنبلة النووية، وذلك بعد مرور خمسة عقود من المباحثات حول هذا الشأن من دون التوصل لأية نتائج.
* أكد أن بلاده ستقود الجهود الدولية لتقليص الاعتماد على السلاح النووي في الأمن القومي، كما أشار إلى أن الولايات المتحدة لن تعمل منفردة، ولكنها ستقود هذه الجهود.
* قدم أوباما مقترحاً لإنشاء بنك دولي للمواد التي تحتاجها التقنية النووية السلمية بحيث تكون متوافرة لكافة الدول التي ترغب في الاستخدام السلمي لهذه الطاقة، كما دعا إلى محاربة ما سماها السوق السوداء للمواد التي تستخدم في السلاح النووي، مشيراً إلى ضرورة وضع اتفاقية دولية لمنع تصنيع المواد التي تدخل في صناعة هذه القنابل.
منذ تولي باراك أوباما الحكم صرح في أكثر من مناسبة بأنه يدعو إلى نزع السلاح النووي
2- قرار مجلس الأمن رقم 1887 حول نزع السلاح النووي: على هامش الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للأمم المتحدة برئاسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما – وهي المرة الخامسة التي ينعقد فيها مجلس الأمن الدولي على مستوى الرؤساء منذ تأسيس المنظمة الدولية في 1945، وأوباما كان الرئيس الأمريكي الأول الذي يترأس جلسة للمجلس، صوّت مجلس الأمن الدولي بالإجماع على قرار تاريخي حول خفض الترسانة النووية في العالم. والمهم في الأمر أن هذا القرار الذي حمل رقم 1887/2009، كان برعاية الولايات المتحدة بالأساس ودعمته كل من الصين وروسيا، ليلقى بذلك دعماً سياسياً قوياً.
ويدعو القرار إلى تفعيل الجهود من أجل منع الانتشار النووي، وتعزيز مسألة نزع السلاح، وخفض مخاطر (الإرهاب النووي). ويؤكد القرار في المقدمة التزام مجلس الأمن (بالسعي وراء عالم أكثر أمناً من أجل الجميع وإيجاد ظروف أفضل للعالم من دون أسلحة نووية)، ويدعو كافة الدول إلى الانضمام لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، في إشارة إلى الدول غير المنضمّة إلى المعاهدة، مثل الهند وباكستان وإسرائيل. ويرى مراقبون أن التصويت بالإجماع على هذا القرار سيجعل منه وثيقة تأسيسية مهمة تجمع عناصر أساسية كانت قد اتفقت عليها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي في قرارات سابقة. كما أنه سيكون وثيقة جامعة ذات مرجعية في المؤتمر الدولي المزمع عقده العام المقبل 2010 حول الأمن النووي وتقوية دعائم المعاهدة الدولية للحد من انتشار الأسلحة النووية.
دعا أوباما إلى محاربة السوق السوداء للمواد التي تستخدم في السلاح النووي
وقد علق الرئيس أوباما على هذا القرار بالقول (إن القرار التاريخي الذي تبنيناه يكرس التزامنا المشترك بالهدف المتعلق بعالم خال من الأسلحة النووية.. إنه يجسد اتفاق مجلس الأمن على إطار أوسع للعمل من أجل خفض الخطر النووي). وأوضح أن الجهود الدولية ستسعى إلى تأمين كافة المواد النووية الضعيفة باستمرار في غضون أربع سنوات، مشدداً على أن (القانون الدولي ليس وعوداً فارغة، ويجب تطبيق الاتفاقيات). وختم الرئيس الأمريكي، الذي رعى القرار، بالقول (سنترك هذا الاجتماع مع تصميم متجدد من أجل تحقيق عالم خال من السلاح النووي)، وقد اعتبر الكثيرون أن هذه الخطوة تمثل تطبيقاً لبعض التعهدات التي قطعها على نفسه الرئيس الأمريكي في خطابه الذي ألقاه من براغ، على النحو المشار إليه آنفاً.
أحد التحديات الرئيسية أمام باراك أوباما هو أن يعلن صراحة تخلي إدارته عن تنفيذ الخطة النووية
3- خطاب أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: كانت الخطوة الثالثة والمهمة التي تطرق فيها الرئيس أوباما إلى قضايا نزع السلاح النووي، هي خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2009، حيث تضمن الخطاب أجزاء كبيرة حول نزع السلاح النووي، أكد خلالها أوباما على عدد من النقاط، يتمثل أبرزها فيما يلي:
* أقر بأن خطر الانتشار النووي يتفاقم من حيث المدى ودرجة التعقيد، وأنه إذا تم الإخفاق في اتخاذ إجراءات للحد من هذا الخطر، فستكون النتيجة وجود سباق على الأسلحة النووية في كل منطقة من مناطق العالم، وستزداد احتمالات الحروب وأعمال الإرهاب على نطاق يفوق القدرة على التخيل.
* أشار إلى ما تنص عليه معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، بشأن حق كافة الدول بأن تكون لديها طاقة نووية سلمية، وأن الدول التي لديها أسلحة نووية تقع على عاتقها مسؤولية الاتجاه نحو نزع تلك الأسلحة، وأن الدول التي ليست لديها أسلحة نووية تقع على عاتقها مسؤولية الإقلاع عن امتلاكها، وأن الأشهر الـ12 المقبلة يمكن أن تكون حاسمة في تحديد إن كانت تلك المعاهدة ستتعزز أم أنها سوف تتلاشى ببطء.
* أكد أن الولايات المتحدة ستسعى إلى إبرام اتفاق جديد مع روسيا حول إجراء تخفيض كبير لما لديها من رؤوس حربية استراتيجية ومنصات إطلاق، وأنها سوف تتحرك قدماً نحو التصديق على معاهدة حظر التجارب النووية، والعمل مع الأطراف الأخرى من أجل أن تصبح المعاهدة سارية المفعول بحيث تصبح التجارب النووية محظورة تماماً ودائماً، وكذلك مراجعة الوضع النووي بما يتيح المجال لإجراء تخفيضات أعمق وتضاؤل دور الأسلحة النووية، كما دعا كل الدول أن تبدأ المفاوضات في شهر يناير 2010 حول معاهدة تُنهي إنتاج المواد الانشطارية المستخدمة في تصنيع الأسلحة.
* أشار إلى استضافة الولايات المتحدة قمة خلال شهر إبريل 2010، تكرر التأكيد على مسؤولية كل دولة عن تأمين المواد النووية على أراضيها، ومساعدة من لا يستطيعون ذلك، وعدم السماح بألا يقع جهاز نووي واحد في يديّ متطرف عنيف من خلال العمل على تعزيز المؤسسات والمبادرات التي تكافح تهريب المواد النووية وسرقتها.
* كما أشار إلى أنه وضع أجندة شاملة تهدف إلى تحقيق عالم خال من الأسلحة النووية، وأن الولايات المتحدة أعلنت في موسكو أنها ستسعى –مع روسيا- في سبيل تحقيق تخفيض كبير في عدد الرؤوس (النووية) الاستراتيجية ووسائل إطلاقها، وأنه تم الاتفاق في مؤتمر نزع التسلح على خطة عمل للتفاوض على وقف إنتاج المواد الانشطارية للأسلحة النووية، كما أشار أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية الأمريكية ستكون أول ممثل أمريكي رفيع المستوى في المؤتمر السنوي لأعضاء معاهدة المنع الشامل للتجارب النووية.
هذه الخطوات كان لها دور كبير في منح باراك أوباما جائزة نوبل للسلام، رغم أنه لم يمر سوى اثني عشر شهراً فقط منذ توليه الحكم. ففي تعليلها لمنح الرئيس الأمريكي باراك أوباما جائزة نوبل للسلام للعام 2009، قررت لجنة الجائزة أنها لمست أهمية خاصة لرؤية أوباما وعمله من أجل عالم خالٍ من الأسلحة النووية، ولا سيما إعلانه في براغ (إبريل 2009) أنه ملتزم بنزع شامل للسلاح النووي في العالم، من خلال المصادقة على معاهدة الحظر التام للتجارب النووية، وتقليص الترسانات النووية الموجودة بما فيها الترسانة الأمريكية، وإقامة نظام جديد لوقف إنتاج المواد النووية. علاوة على ذلك، أشارت اللجنة إلى أن أوباما كان وراء تبني مجلس الأمن الدولي، في سبتمبر 2009، في جلسة ترأسها بنفسه وحضرها عدد من زعماء دول العالم، قراراً بالإجماع يدعو إلى نزع الأسلحة النووية وحظر انتشارها.
ثانياً: ماذا تعني هذه الخطوات؟
التساؤل الذي يثار الآن، هل معنى ما سبق أننا بصدد سياسة أمريكية جديدة تجاه قضايا نزع السلاح، تدفع إلى التزام الدول المسلحة نووياً بما نصت عليه معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية خاصة في مادتها السادسة التي تنص على نزع السلاح النووي، وبالتالي تتحقق المبادرة التي وعد بها أوباما بشأن عالم خال من الأسلحة النووية؟ الإجابة عن هذا التساؤل ترتبط بمجموعة مهمة من العوامل، إلا أن أبرزها يتمثل فيما يلي:
1- مدى تنفيذ السياسات على أرض الواقع
كما اتضح مما تقدم، فإن أوباما جاء بسياسة تجاه قضايا نزع السلاح النووي تلقى القبول والاستحسان من أعضاء المجتمع الدولي، لكنها مع ذلك تبقى على مستوى الخطاب السياسي فقط، والمهم هو التطبيق وتنفيذ تلك السياسات على أرض الواقع.
فعلى الرغم من أنه خلال الشهور الأولى من رئاسته، أكد الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن على ضرورة تقليص الترسانة النووية الأمريكية بشكل كبير، وأثبت صدق رغبته في توقيعه معاهدة تقليص القدرات الهجومية الاستراتيجية عام 2002 والتي تدعو للحد من حجم الترسانتين النوويتين الأمريكية والروسية من 6000 رأس نووي لكل منهما، إلى ما يتراوح بين 1700 و2200 لكل منهما خلال عشر سنوات؛ لكن هذه المعاهدة فضلاً عن أنها انطوت على عيوب خطيرة –لا يتسع المقام لذكرها-. لم يتم الالتزام بها. وعلى العكس من ذلك، سعت الولايات المتحدة إلى اتباع سياسة تهدف إلى تطوير أسلحة نووية جديدة في خرق واضح لأحكام معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وليس أدل على ذلك من أن متوسط الإنفاق الأمريكي على الأسلحة النووية بلغ عام 2008، 6,5 مليار دولار، في حين أنه أثناء فترة الحرب الباردة، كان متوسط الإنفاق الأمريكي على الأسلحة النووية 4,2 مليار دولار. أي أنه بعد قرابة عقدين على نهاية العداء النووي مع الاتحاد السوفييتي، تنفق واشنطن على الأسلحة النووية –حتى العام الماضي فقط 2008- أكثر مما كانت تنفق أثناء الحرب الباردة بمقدار الثلث، مع أخذ التضخم في الاعتبار.
صحيح أن باراك أوباما يختلف كثيراً عن سلفه الرئيس بوش الابن، لكن الاختلاف حتى الآن -خاصة تجاه القضية محل النقاش نزع السلاح النووي- يظل على مستوى الخطاب السياسي، ويبقى المعيار الأهم وهو إضفاء المصداقية على مفردات هذا الخطاب من خلال التنفيذ على أرض الواقع.
2- الموقف من الخطط النووية للإدارة السابقة
أحد المعايير المهمة التي سيتم من خلالها الحكم على السياسة النووية الأمريكية لباراك أوباما، هو مدى إمكانية تخلي الأخير عن الخطط النووية التي سبق وأقرتها الإدارة السابقة بشأن تطوير وزيادة عدد الأسلحة النووية الأمريكية، والتي –أي الخطط- اتخذ بشأنها بعض الخطوات التنفيذية الأولية بالفعل.
ومن أهم هذه الخطط على الإطلاق، مجمع 2030، لتحديث البنية التحتية للأسلحة النووية داخل الولايات المتحدة، وهذه الخطة كانت قد أعلنت عنها الإدارة الوطنية للأمن النووي التابعة لوزارة الطاقة في ظل إدارة بوش الابن، في إطار تقرير مراجعة الوضع النووي الذي أكد على الحاجة لإعادة تنشيط مجمع للأسلحة النووية تكون لديه القدرة على تصميم وتطوير وإنتاج رؤوس حربية جديدة استجابة لما وصفه بـ (المتطلبات الوطنية الجديدة)، وهو التقرير الذي نص صراحة أيضاً على أن (الأسلحة النووية تضطلع بدور جوهري في القدرات الدفاعية للولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها، حيث توفر خيارات موثوقاً بها لردع مجموعة واسعة النطاق من التهديدات، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل والقوات العسكرية التقليدية الضخمة).
ومجمع 2030، عبارة عن خطة على امتداد سنوات عدة لبناء منشآت جديدة وتحديث تلك القائمة بالفعل داخل كل من المواقع الثمانية الخاصة بإنتاج أسلحة نووية والتابعة للإدارة الوطنية الأمريكية للأمن النووي. وبناء على تقديرات قوة العمل المعنية بالبنية التحتية للأسلحة النووية التابعة للمجلس الاستشاري داخل الوزارة، فإن الاحتمال الأكبر أن تتجاوز تكلفة خطة (مجمع 2030 حاجز الـ 100 مليار دولار).
وبالتالي، فإن أحد التحديات الرئيسية أمام باراك أوباما، وتنفيذاً لما وعد به من خلال الخطابات التي سبقت الإشارة إليها، هو أن يعلن صراحة عن تخلي إدارته عن تنفيذ هذه الخطة، وأن يقر بدلاً منها خططاً تعمل على تخفيض الترسانة النووية الأمريكية، وأن يزيد من الموازنة الخاصة بالإنفاق على إجراءات تقليص كميات الأسلحة النووية ونوعيتها.

3- الموقف من الملف النووي الإسرائيلي
إحدى القضايا الساخنة التي تثار دائماً عند الحديث عن السياسة النووية الأمريكية هو الموقف من الملف النووي الإسرائيلي، خاصة أن ذلك له صلة كبيرة بدرجة المصداقية التي تلتصق بهذه السياسة من عدمها. ومن دون الخوض في تفاصيل السياسة التي اتبعتها الإدارات الأمريكية السابقة تجاه الملف النووي الإسرائيلي، فإن إدارة أوباما لكي تصبغ سياستها النووية المعلنة قدراً معقولاً من المصداقية في دعوتها لعالم خال من الأسلحة النووية، فإنها مطالبة باتخاذ موقف جديد من الأسلحة النووية الإسرائيلية، لكن يبدو أن معطيات الواقع الحالي لا تنبئ بحدوث تحول في الموقف الأمريكي من هذا القبيل.
جدير بالذكر أنه في مايو 2009، دعت نائبة وزيرة الخارجية الأمريكية روز غوتمولر كلاً من إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية إلى دعم معاهدة حظر الانتشار النووي. وعلى الرغم من أنها فقط قالت دعم المعاهدة وليس الانضمام إليها، إلا أن ذلك التصريح أثار عاصفة في إسرائيل، واعتبره الإسرائيليون تحولاً درامياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه برنامجها النووي، وأنه يشكل تطوراً خطيراً، مفاجئاً ومقلقاً، خاصة أنه لم يسبق أن طلب الأمريكيون ذلك، ولم يتم التنسيق مع الإسرائيليين بشكل مسبق حوله، وقيل إن مجرد ذكر اسم إسرائيل في قائمة الدول التي لديها سلاح نووي، مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية، يشكل خروجاً على السياسة الأمريكية الرسمية التي طالما أيدت الغموض الإسرائيلي في الموضوع النووي.
وإزاء ذلك، سارع مسؤولون أمريكيون إلى التصريح بأن الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي لن يمس بإسرائيل، ولن يوقع أي ضرر بالمصالح الإسرائيلية، كما تكررت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تعترف بالوضع الاستثنائي لكل من إسرائيل والهند وباكستان، التي تعتبر كلها اليوم دولاً حليفة مهمة لها أو كما يقال في الخطاب السياسي الأمريكي (دول نووية مسؤولة). وأكثر من ذلك، شهد شهر سبتمبر 2009 قيام إسرائيل والولايات المتحدة بالتوقيع على اتفاقية لزيادة التنسيق بينهما في قضية الأمن النووي، وقعها كل من المدير العام لهيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية، شاؤول حوريف، والمدير العام لمديرية الإشراف على أمان الأفران الذرية الأمريكية، ديل كلاين، وتمنح الاتفاقية الجديدة فرصة لإسرائيل للاطلاع على معظم المعلومات والترتيبات والتكنولوجيا الأكثر تطوراً في الولايات المتحدة في مجال الحفاظ على الأسلحة النووية.
وفي ضوء ذلك، فإن الموقف الأمريكي من الأسلحة النووية الإسرائيلية يعد بلا شك أحد المحكات الرئيسية في الحكم على مصداقية مبادرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بإيجاد عالم خال من الأسلحة النووية، والجهود الذي وعد ببذلها لتفعيل معاهدتي الحظر التام للتجارب النووية وإنتاج المواد النووية.
ولا شك في أن السياسة النووية التي سوف يتبعها الرئيس الأمريكي باراك أوباما سيكون لها تأثير كبير في قضايا الانتشار النووي، ليس فقط في معناها الرأسي المتعلق بزيادة حجم ونوعية الأسلحة النووية القائمة بالفعل لدى الدول النووية المعروفة، وإنما أيضاً سيكون لها تأثير في الانتشار النووي بمعناه الأفقي المتعلق بزيادة عدد الدول المالكة للسلاح النووي.
وكانت المشكلة بالنسبة للولايات المتحدة -في عهد الإدارة السابقة –والدول النووية الأخرى، هي أنها لا تنظر إلى أي تقدم على صعيد نزع التسلح النووي باعتباره يخلف أي تأثير حقيقي في قرار دولة أخرى بحيازة أو عدم حيازة سلاح نووي. ولذلك، لا تضم أجندات تلك الدول قضية نزع التسلح النووي أو الخطوات المرتبطة بتنفيذها على نحو جدي وكما نصت عليه معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
صحيح أنه قد لا يكون هناك ارتباط فوري وقوي بين سرعة تحرك الولايات المتحدة -والقوى النووية- نحو نزع التسلح النووي لديها، وتنامي الطموحات النووية بين الدول غير المسلحة نووياً -باعتبار أن أي دولة تتخذ قرارها بالتسلح نووياً تحت ضغوط ترتبط باعتبارات أمنية بالأساس- لكن يمكن القول في الوقت ذاته إنه إذا ما توافر توجه عام يدعم نزع التسلح النووي، فستبدو البيئة العالمية حينئذ أقل تهديداً للدول المحتمل تورطها في الانتشار النووي.
بمعنى آخر، على الرغم من أن عدم بذل جهود على صعيد نزع التسلح النووي ربما لا يشكل العامل الحافز وراء الانتشار النووي بالنسبة للدول غير النووية، إلا أنه يخلف بالفعل تأثيراً عاماً سلبياً على تنمية وتعزيز جهود منع الانتشار، وهو ما يعبر عنه أحد المحللين الأمريكيين بقوله (إذا ما استمرت القوى النووية في مطالبة الآخرين باتباع أقوالها، وليس أفعالها، فليس هناك ما يضمن أن رسالتها سيتم الإنصات إليها إلى الأبد).
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::873::/cck::
::introtext::
من المعروف أن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية تميز بين الدول المسلحة نووياً والأخرى التي لا تمتلك هذه الأسلحة؛ لكن كان المقصود أن يكون هذا التمييز مؤقتاً، فالمادة السادسة من المعاهدة تشير صراحةً إلى نزع التسلح النووي باعتباره هدفًا رئيسياً، وتدعو إلى ضرورة إجراء مفاوضات لإقرار وقف مبكر لسباق التسلح بين القوى النووية كخطوة على الطريق نحو إحراز الهدف الأكبر وهو عالم خال من الأسلحة النووية.
::/introtext::
::fulltext::
من المعروف أن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية تميز بين الدول المسلحة نووياً والأخرى التي لا تمتلك هذه الأسلحة؛ لكن كان المقصود أن يكون هذا التمييز مؤقتاً، فالمادة السادسة من المعاهدة تشير صراحةً إلى نزع التسلح النووي باعتباره هدفًا رئيسياً، وتدعو إلى ضرورة إجراء مفاوضات لإقرار وقف مبكر لسباق التسلح بين القوى النووية كخطوة على الطريق نحو إحراز الهدف الأكبر وهو عالم خال من الأسلحة النووية.
لا شك في أن سياسة الولايات المتحدة تجاه قضية نزع السلاح النووي تكتسب أهمية كبيرة كونها تمتلك التأثير الأكبر فيما تتخذه الدول الأخرى المسلحة نووياً من سياسات في هذا الصدد. وقد اتبعت الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة بوش الابن سياسات كان من شأنها عرقلة الجهود الرامية إلى اتخاذ خطوات متقدمة في قضايا نزع السلاح النووي، وهي سياسات لا يتسع المقام لذكرها بشكل تفصيلي، لكن ستتم الإشارة إليها بشكل سريع في نهاية المقال.

أما بالنسبة لإدارة الرئيس باراك أوباما، وخلال ما يقرب العام من توليها الحكم فقد اتخذت مجموعة من الخطوات اعتبرها البعض تبعث على التفاؤل وتجدد الآمال بشأن إنجاز خطوات ايجابية بالنسبة لقضايا نزع السلاح النووي وتحقق المبادرة التي أعلنها أوباما بشأن عالم خال من السلاح النووي، فيما رآها البعض الآخر خطوات استهلاكية لن تحدث تأثيراً حقيقياً في السياسة الأمريكية تجاه قضايا نزع السلاح النووي.
أوباما أكد أن الولايات المتحدة تتحرك قدماً نحو التصديق على معاهدة حظر التجارب النووية
وانطلاقاً مما سبق يستهدف هذا المقال تقديم قراءة تحليلية نقدية لأبرز الخطوات التي اتخذتها إدارة أوباما حتى الآن تجاه قضايا نزع السلاح النووي، وما تعنيه تلك الخطوات بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه هذا النوع من القضايا، وذلك على النحو التالي:
أولاً: خطوات إيجابية مهمة
حتى الآن، اتخذ الرئيس باراك أوباما ثلاث خطوات مهمة تجاه قضايا نزع السلاح النووي خلال السنة الماضية من حكمه، مثلت فارقاً مهماً عن السياسة التي اتبعها سلفه بوش الابن تجاه هذا النوع من القضايا، وتتمثل هذه الخطوات الثلاث فيما يلي:
1- خطاب براغ (إبريل 2009): منذ تولي الرئيس باراك أوباما الحكم، صرح في أكثر من مناسبة بأنه يدعو إلى نزع السلاح النووي ويريد عالماً خالياً من هذا النوع من السلاح، وقد أكد هذا الموقف بوضوح وبشكل رسمي وصريح في خطابه الذي ألقاه من براغ في إبريل عام 2009، حيث تضمن مجموعة من النقاط بشأن السياسة التي سوف تتبناها الولايات المتحدة من أجل عالم خال من السلاح النووي، يتمثل أبرزها فيما يلي:
* أكد أن بلاده ستقود مشروعاً دولياً للحد من انتشار الأسلحة النووية، وسيدعو كافة الدول التي تمتلك السلاح النووي حالياً إلى الاتفاقية التي يتوقع التوصل إليها مع روسيا لتخفيض الترسانة النووية بنهاية 2009.
* أكد على عزم الولايات المتحدة على التوصل لاتفاقية دولية تمنع إجراء أية تجارب للقنبلة النووية، وذلك بعد مرور خمسة عقود من المباحثات حول هذا الشأن من دون التوصل لأية نتائج.
* أكد أن بلاده ستقود الجهود الدولية لتقليص الاعتماد على السلاح النووي في الأمن القومي، كما أشار إلى أن الولايات المتحدة لن تعمل منفردة، ولكنها ستقود هذه الجهود.
* قدم أوباما مقترحاً لإنشاء بنك دولي للمواد التي تحتاجها التقنية النووية السلمية بحيث تكون متوافرة لكافة الدول التي ترغب في الاستخدام السلمي لهذه الطاقة، كما دعا إلى محاربة ما سماها السوق السوداء للمواد التي تستخدم في السلاح النووي، مشيراً إلى ضرورة وضع اتفاقية دولية لمنع تصنيع المواد التي تدخل في صناعة هذه القنابل.
منذ تولي باراك أوباما الحكم صرح في أكثر من مناسبة بأنه يدعو إلى نزع السلاح النووي
2- قرار مجلس الأمن رقم 1887 حول نزع السلاح النووي: على هامش الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للأمم المتحدة برئاسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما – وهي المرة الخامسة التي ينعقد فيها مجلس الأمن الدولي على مستوى الرؤساء منذ تأسيس المنظمة الدولية في 1945، وأوباما كان الرئيس الأمريكي الأول الذي يترأس جلسة للمجلس، صوّت مجلس الأمن الدولي بالإجماع على قرار تاريخي حول خفض الترسانة النووية في العالم. والمهم في الأمر أن هذا القرار الذي حمل رقم 1887/2009، كان برعاية الولايات المتحدة بالأساس ودعمته كل من الصين وروسيا، ليلقى بذلك دعماً سياسياً قوياً.
ويدعو القرار إلى تفعيل الجهود من أجل منع الانتشار النووي، وتعزيز مسألة نزع السلاح، وخفض مخاطر (الإرهاب النووي). ويؤكد القرار في المقدمة التزام مجلس الأمن (بالسعي وراء عالم أكثر أمناً من أجل الجميع وإيجاد ظروف أفضل للعالم من دون أسلحة نووية)، ويدعو كافة الدول إلى الانضمام لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، في إشارة إلى الدول غير المنضمّة إلى المعاهدة، مثل الهند وباكستان وإسرائيل. ويرى مراقبون أن التصويت بالإجماع على هذا القرار سيجعل منه وثيقة تأسيسية مهمة تجمع عناصر أساسية كانت قد اتفقت عليها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي في قرارات سابقة. كما أنه سيكون وثيقة جامعة ذات مرجعية في المؤتمر الدولي المزمع عقده العام المقبل 2010 حول الأمن النووي وتقوية دعائم المعاهدة الدولية للحد من انتشار الأسلحة النووية.
دعا أوباما إلى محاربة السوق السوداء للمواد التي تستخدم في السلاح النووي
وقد علق الرئيس أوباما على هذا القرار بالقول (إن القرار التاريخي الذي تبنيناه يكرس التزامنا المشترك بالهدف المتعلق بعالم خال من الأسلحة النووية.. إنه يجسد اتفاق مجلس الأمن على إطار أوسع للعمل من أجل خفض الخطر النووي). وأوضح أن الجهود الدولية ستسعى إلى تأمين كافة المواد النووية الضعيفة باستمرار في غضون أربع سنوات، مشدداً على أن (القانون الدولي ليس وعوداً فارغة، ويجب تطبيق الاتفاقيات). وختم الرئيس الأمريكي، الذي رعى القرار، بالقول (سنترك هذا الاجتماع مع تصميم متجدد من أجل تحقيق عالم خال من السلاح النووي)، وقد اعتبر الكثيرون أن هذه الخطوة تمثل تطبيقاً لبعض التعهدات التي قطعها على نفسه الرئيس الأمريكي في خطابه الذي ألقاه من براغ، على النحو المشار إليه آنفاً.
أحد التحديات الرئيسية أمام باراك أوباما هو أن يعلن صراحة تخلي إدارته عن تنفيذ الخطة النووية
3- خطاب أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: كانت الخطوة الثالثة والمهمة التي تطرق فيها الرئيس أوباما إلى قضايا نزع السلاح النووي، هي خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2009، حيث تضمن الخطاب أجزاء كبيرة حول نزع السلاح النووي، أكد خلالها أوباما على عدد من النقاط، يتمثل أبرزها فيما يلي:
* أقر بأن خطر الانتشار النووي يتفاقم من حيث المدى ودرجة التعقيد، وأنه إذا تم الإخفاق في اتخاذ إجراءات للحد من هذا الخطر، فستكون النتيجة وجود سباق على الأسلحة النووية في كل منطقة من مناطق العالم، وستزداد احتمالات الحروب وأعمال الإرهاب على نطاق يفوق القدرة على التخيل.
* أشار إلى ما تنص عليه معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، بشأن حق كافة الدول بأن تكون لديها طاقة نووية سلمية، وأن الدول التي لديها أسلحة نووية تقع على عاتقها مسؤولية الاتجاه نحو نزع تلك الأسلحة، وأن الدول التي ليست لديها أسلحة نووية تقع على عاتقها مسؤولية الإقلاع عن امتلاكها، وأن الأشهر الـ12 المقبلة يمكن أن تكون حاسمة في تحديد إن كانت تلك المعاهدة ستتعزز أم أنها سوف تتلاشى ببطء.
* أكد أن الولايات المتحدة ستسعى إلى إبرام اتفاق جديد مع روسيا حول إجراء تخفيض كبير لما لديها من رؤوس حربية استراتيجية ومنصات إطلاق، وأنها سوف تتحرك قدماً نحو التصديق على معاهدة حظر التجارب النووية، والعمل مع الأطراف الأخرى من أجل أن تصبح المعاهدة سارية المفعول بحيث تصبح التجارب النووية محظورة تماماً ودائماً، وكذلك مراجعة الوضع النووي بما يتيح المجال لإجراء تخفيضات أعمق وتضاؤل دور الأسلحة النووية، كما دعا كل الدول أن تبدأ المفاوضات في شهر يناير 2010 حول معاهدة تُنهي إنتاج المواد الانشطارية المستخدمة في تصنيع الأسلحة.
* أشار إلى استضافة الولايات المتحدة قمة خلال شهر إبريل 2010، تكرر التأكيد على مسؤولية كل دولة عن تأمين المواد النووية على أراضيها، ومساعدة من لا يستطيعون ذلك، وعدم السماح بألا يقع جهاز نووي واحد في يديّ متطرف عنيف من خلال العمل على تعزيز المؤسسات والمبادرات التي تكافح تهريب المواد النووية وسرقتها.
* كما أشار إلى أنه وضع أجندة شاملة تهدف إلى تحقيق عالم خال من الأسلحة النووية، وأن الولايات المتحدة أعلنت في موسكو أنها ستسعى –مع روسيا- في سبيل تحقيق تخفيض كبير في عدد الرؤوس (النووية) الاستراتيجية ووسائل إطلاقها، وأنه تم الاتفاق في مؤتمر نزع التسلح على خطة عمل للتفاوض على وقف إنتاج المواد الانشطارية للأسلحة النووية، كما أشار أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية الأمريكية ستكون أول ممثل أمريكي رفيع المستوى في المؤتمر السنوي لأعضاء معاهدة المنع الشامل للتجارب النووية.
هذه الخطوات كان لها دور كبير في منح باراك أوباما جائزة نوبل للسلام، رغم أنه لم يمر سوى اثني عشر شهراً فقط منذ توليه الحكم. ففي تعليلها لمنح الرئيس الأمريكي باراك أوباما جائزة نوبل للسلام للعام 2009، قررت لجنة الجائزة أنها لمست أهمية خاصة لرؤية أوباما وعمله من أجل عالم خالٍ من الأسلحة النووية، ولا سيما إعلانه في براغ (إبريل 2009) أنه ملتزم بنزع شامل للسلاح النووي في العالم، من خلال المصادقة على معاهدة الحظر التام للتجارب النووية، وتقليص الترسانات النووية الموجودة بما فيها الترسانة الأمريكية، وإقامة نظام جديد لوقف إنتاج المواد النووية. علاوة على ذلك، أشارت اللجنة إلى أن أوباما كان وراء تبني مجلس الأمن الدولي، في سبتمبر 2009، في جلسة ترأسها بنفسه وحضرها عدد من زعماء دول العالم، قراراً بالإجماع يدعو إلى نزع الأسلحة النووية وحظر انتشارها.
ثانياً: ماذا تعني هذه الخطوات؟
التساؤل الذي يثار الآن، هل معنى ما سبق أننا بصدد سياسة أمريكية جديدة تجاه قضايا نزع السلاح، تدفع إلى التزام الدول المسلحة نووياً بما نصت عليه معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية خاصة في مادتها السادسة التي تنص على نزع السلاح النووي، وبالتالي تتحقق المبادرة التي وعد بها أوباما بشأن عالم خال من الأسلحة النووية؟ الإجابة عن هذا التساؤل ترتبط بمجموعة مهمة من العوامل، إلا أن أبرزها يتمثل فيما يلي:
1- مدى تنفيذ السياسات على أرض الواقع
كما اتضح مما تقدم، فإن أوباما جاء بسياسة تجاه قضايا نزع السلاح النووي تلقى القبول والاستحسان من أعضاء المجتمع الدولي، لكنها مع ذلك تبقى على مستوى الخطاب السياسي فقط، والمهم هو التطبيق وتنفيذ تلك السياسات على أرض الواقع.
فعلى الرغم من أنه خلال الشهور الأولى من رئاسته، أكد الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن على ضرورة تقليص الترسانة النووية الأمريكية بشكل كبير، وأثبت صدق رغبته في توقيعه معاهدة تقليص القدرات الهجومية الاستراتيجية عام 2002 والتي تدعو للحد من حجم الترسانتين النوويتين الأمريكية والروسية من 6000 رأس نووي لكل منهما، إلى ما يتراوح بين 1700 و2200 لكل منهما خلال عشر سنوات؛ لكن هذه المعاهدة فضلاً عن أنها انطوت على عيوب خطيرة –لا يتسع المقام لذكرها-. لم يتم الالتزام بها. وعلى العكس من ذلك، سعت الولايات المتحدة إلى اتباع سياسة تهدف إلى تطوير أسلحة نووية جديدة في خرق واضح لأحكام معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وليس أدل على ذلك من أن متوسط الإنفاق الأمريكي على الأسلحة النووية بلغ عام 2008، 6,5 مليار دولار، في حين أنه أثناء فترة الحرب الباردة، كان متوسط الإنفاق الأمريكي على الأسلحة النووية 4,2 مليار دولار. أي أنه بعد قرابة عقدين على نهاية العداء النووي مع الاتحاد السوفييتي، تنفق واشنطن على الأسلحة النووية –حتى العام الماضي فقط 2008- أكثر مما كانت تنفق أثناء الحرب الباردة بمقدار الثلث، مع أخذ التضخم في الاعتبار.
صحيح أن باراك أوباما يختلف كثيراً عن سلفه الرئيس بوش الابن، لكن الاختلاف حتى الآن -خاصة تجاه القضية محل النقاش نزع السلاح النووي- يظل على مستوى الخطاب السياسي، ويبقى المعيار الأهم وهو إضفاء المصداقية على مفردات هذا الخطاب من خلال التنفيذ على أرض الواقع.
2- الموقف من الخطط النووية للإدارة السابقة
أحد المعايير المهمة التي سيتم من خلالها الحكم على السياسة النووية الأمريكية لباراك أوباما، هو مدى إمكانية تخلي الأخير عن الخطط النووية التي سبق وأقرتها الإدارة السابقة بشأن تطوير وزيادة عدد الأسلحة النووية الأمريكية، والتي –أي الخطط- اتخذ بشأنها بعض الخطوات التنفيذية الأولية بالفعل.
ومن أهم هذه الخطط على الإطلاق، مجمع 2030، لتحديث البنية التحتية للأسلحة النووية داخل الولايات المتحدة، وهذه الخطة كانت قد أعلنت عنها الإدارة الوطنية للأمن النووي التابعة لوزارة الطاقة في ظل إدارة بوش الابن، في إطار تقرير مراجعة الوضع النووي الذي أكد على الحاجة لإعادة تنشيط مجمع للأسلحة النووية تكون لديه القدرة على تصميم وتطوير وإنتاج رؤوس حربية جديدة استجابة لما وصفه بـ (المتطلبات الوطنية الجديدة)، وهو التقرير الذي نص صراحة أيضاً على أن (الأسلحة النووية تضطلع بدور جوهري في القدرات الدفاعية للولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها، حيث توفر خيارات موثوقاً بها لردع مجموعة واسعة النطاق من التهديدات، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل والقوات العسكرية التقليدية الضخمة).
ومجمع 2030، عبارة عن خطة على امتداد سنوات عدة لبناء منشآت جديدة وتحديث تلك القائمة بالفعل داخل كل من المواقع الثمانية الخاصة بإنتاج أسلحة نووية والتابعة للإدارة الوطنية الأمريكية للأمن النووي. وبناء على تقديرات قوة العمل المعنية بالبنية التحتية للأسلحة النووية التابعة للمجلس الاستشاري داخل الوزارة، فإن الاحتمال الأكبر أن تتجاوز تكلفة خطة (مجمع 2030 حاجز الـ 100 مليار دولار).
وبالتالي، فإن أحد التحديات الرئيسية أمام باراك أوباما، وتنفيذاً لما وعد به من خلال الخطابات التي سبقت الإشارة إليها، هو أن يعلن صراحة عن تخلي إدارته عن تنفيذ هذه الخطة، وأن يقر بدلاً منها خططاً تعمل على تخفيض الترسانة النووية الأمريكية، وأن يزيد من الموازنة الخاصة بالإنفاق على إجراءات تقليص كميات الأسلحة النووية ونوعيتها.

3- الموقف من الملف النووي الإسرائيلي
إحدى القضايا الساخنة التي تثار دائماً عند الحديث عن السياسة النووية الأمريكية هو الموقف من الملف النووي الإسرائيلي، خاصة أن ذلك له صلة كبيرة بدرجة المصداقية التي تلتصق بهذه السياسة من عدمها. ومن دون الخوض في تفاصيل السياسة التي اتبعتها الإدارات الأمريكية السابقة تجاه الملف النووي الإسرائيلي، فإن إدارة أوباما لكي تصبغ سياستها النووية المعلنة قدراً معقولاً من المصداقية في دعوتها لعالم خال من الأسلحة النووية، فإنها مطالبة باتخاذ موقف جديد من الأسلحة النووية الإسرائيلية، لكن يبدو أن معطيات الواقع الحالي لا تنبئ بحدوث تحول في الموقف الأمريكي من هذا القبيل.
جدير بالذكر أنه في مايو 2009، دعت نائبة وزيرة الخارجية الأمريكية روز غوتمولر كلاً من إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية إلى دعم معاهدة حظر الانتشار النووي. وعلى الرغم من أنها فقط قالت دعم المعاهدة وليس الانضمام إليها، إلا أن ذلك التصريح أثار عاصفة في إسرائيل، واعتبره الإسرائيليون تحولاً درامياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه برنامجها النووي، وأنه يشكل تطوراً خطيراً، مفاجئاً ومقلقاً، خاصة أنه لم يسبق أن طلب الأمريكيون ذلك، ولم يتم التنسيق مع الإسرائيليين بشكل مسبق حوله، وقيل إن مجرد ذكر اسم إسرائيل في قائمة الدول التي لديها سلاح نووي، مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية، يشكل خروجاً على السياسة الأمريكية الرسمية التي طالما أيدت الغموض الإسرائيلي في الموضوع النووي.
وإزاء ذلك، سارع مسؤولون أمريكيون إلى التصريح بأن الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي لن يمس بإسرائيل، ولن يوقع أي ضرر بالمصالح الإسرائيلية، كما تكررت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تعترف بالوضع الاستثنائي لكل من إسرائيل والهند وباكستان، التي تعتبر كلها اليوم دولاً حليفة مهمة لها أو كما يقال في الخطاب السياسي الأمريكي (دول نووية مسؤولة). وأكثر من ذلك، شهد شهر سبتمبر 2009 قيام إسرائيل والولايات المتحدة بالتوقيع على اتفاقية لزيادة التنسيق بينهما في قضية الأمن النووي، وقعها كل من المدير العام لهيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية، شاؤول حوريف، والمدير العام لمديرية الإشراف على أمان الأفران الذرية الأمريكية، ديل كلاين، وتمنح الاتفاقية الجديدة فرصة لإسرائيل للاطلاع على معظم المعلومات والترتيبات والتكنولوجيا الأكثر تطوراً في الولايات المتحدة في مجال الحفاظ على الأسلحة النووية.
وفي ضوء ذلك، فإن الموقف الأمريكي من الأسلحة النووية الإسرائيلية يعد بلا شك أحد المحكات الرئيسية في الحكم على مصداقية مبادرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بإيجاد عالم خال من الأسلحة النووية، والجهود الذي وعد ببذلها لتفعيل معاهدتي الحظر التام للتجارب النووية وإنتاج المواد النووية.
ولا شك في أن السياسة النووية التي سوف يتبعها الرئيس الأمريكي باراك أوباما سيكون لها تأثير كبير في قضايا الانتشار النووي، ليس فقط في معناها الرأسي المتعلق بزيادة حجم ونوعية الأسلحة النووية القائمة بالفعل لدى الدول النووية المعروفة، وإنما أيضاً سيكون لها تأثير في الانتشار النووي بمعناه الأفقي المتعلق بزيادة عدد الدول المالكة للسلاح النووي.
وكانت المشكلة بالنسبة للولايات المتحدة -في عهد الإدارة السابقة –والدول النووية الأخرى، هي أنها لا تنظر إلى أي تقدم على صعيد نزع التسلح النووي باعتباره يخلف أي تأثير حقيقي في قرار دولة أخرى بحيازة أو عدم حيازة سلاح نووي. ولذلك، لا تضم أجندات تلك الدول قضية نزع التسلح النووي أو الخطوات المرتبطة بتنفيذها على نحو جدي وكما نصت عليه معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
صحيح أنه قد لا يكون هناك ارتباط فوري وقوي بين سرعة تحرك الولايات المتحدة -والقوى النووية- نحو نزع التسلح النووي لديها، وتنامي الطموحات النووية بين الدول غير المسلحة نووياً -باعتبار أن أي دولة تتخذ قرارها بالتسلح نووياً تحت ضغوط ترتبط باعتبارات أمنية بالأساس- لكن يمكن القول في الوقت ذاته إنه إذا ما توافر توجه عام يدعم نزع التسلح النووي، فستبدو البيئة العالمية حينئذ أقل تهديداً للدول المحتمل تورطها في الانتشار النووي.
بمعنى آخر، على الرغم من أن عدم بذل جهود على صعيد نزع التسلح النووي ربما لا يشكل العامل الحافز وراء الانتشار النووي بالنسبة للدول غير النووية، إلا أنه يخلف بالفعل تأثيراً عاماً سلبياً على تنمية وتعزيز جهود منع الانتشار، وهو ما يعبر عنه أحد المحللين الأمريكيين بقوله (إذا ما استمرت القوى النووية في مطالبة الآخرين باتباع أقوالها، وليس أفعالها، فليس هناك ما يضمن أن رسالتها سيتم الإنصات إليها إلى الأبد).
::/fulltext::
::cck::873::/cck::
