السوق الخليجية المشتركة وآفاق التكامل الاقتصادي الخليجي

::cck::1051::/cck::
::introtext::

بدايةً، يُعَرف التكامل الاقتصادي بأنه عملية اعتماد متبادل بين اقتصاديات مجموعة من الدول، بينها عوامل جغرافية وسياسية واجتماعية مشتركة، بدرجات مختلفة وعلى أسس معينة، تهدف من خلاله تلك الدول إلى زيادة ودعم قدراتها الاقتصادية والاجتماعية، وتسهيل عملية التنمية والاستفادة من الميزة النسبية التي تتمتع بها الدول الأخرى. وتتعدد أشكال هذا التكامل ما بين نظام تفضيلي إلى مشروعات مشتركة واتحاد جمركي ومنطقة تجارة حرة إلى سوق موحدة.

::/introtext::
::fulltext::

بدايةً، يُعَرف التكامل الاقتصادي بأنه عملية اعتماد متبادل بين اقتصاديات مجموعة من الدول، بينها عوامل جغرافية وسياسية واجتماعية مشتركة، بدرجات مختلفة وعلى أسس معينة، تهدف من خلاله تلك الدول إلى زيادة ودعم قدراتها الاقتصادية والاجتماعية، وتسهيل عملية التنمية والاستفادة من الميزة النسبية التي تتمتع بها الدول الأخرى. وتتعدد أشكال هذا التكامل ما بين نظام تفضيلي إلى مشروعات مشتركة واتحاد جمركي ومنطقة تجارة حرة إلى سوق موحدة.

وتعد دول مجلس التعاون الخليجي النموذج العربي الوحيد الذي استطاع أن يخطو خطوات ملموسة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي بين دوله الأعضاء، على الرغم من التحديات العديدة التي واجهها في مسيرته داخلياً وخارجياً، وعلى كافة الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية. فقد استطاعت دول مجلس التعاون الخليجي التوصل إلى إقامة منطقة التجارة الحرة في عام 1983، ثم الاتحاد الجمركي في الأول من يناير 2003، ثم السوق الخليجية المشتركة التي انطلقت في الأول من يناير عام 2008، ومن المفترض إطلاق العملة الخليجية الموحدة والعمل على استكمال مقومات الاتحاد النقدي.

بعد تحقيق العملة الموحدة يمكن لصورة السوق الخليجية المشتركة أن تكتمل

ويهدف هذا المقال إلى تحليل وتقييم واحدة من أهم خطوات التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، وهي السوق الخليجية المشتركة، التي توصلت إليها دول مجلس التعاون الخليجي  بناء على إعلان الدوحة الذي صدر عن الجلسة الختامية للدورة الـ 28 للمجلس الأعلى للتعاون بين دول الخليج العربية التي عقدت نهاية عام 2007، وسيتم التركيز في هذا السياق على ثلاثة محاور رئيسية، أولها: التعريف بالسوق الخليجية المشتركة، وثانيها: أهم مزاياها وعوائدها بالنسبة للتكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، وثالثها: أهم التحديات التي تقف حائلاً دون تفعيلها. 

أولاً: التعريف بالسوق الخليجية المشتركة

لم تكن السوق الخليجية المشتركة وليدة العامين الماضيين فقط، وإنما سبقتها خطوات تمهيدية مهمة وفرت لها الأجواء المناسبة لانطلاقها في بداية عام 2008، فقد اتخذ مجلس التعاون الخليجي في السنوات الماضية العديد من التدابير والخطوات لتهيئة الأمور من أجل إنشاء السوق الخليجية المشتركة. ومن أبرز تلك الخطوات: البرنامج الزمني الذي أقره المجلس الأعلى في دورته الثالثة والعشرين (ديسمبر 2002) بشأن استكمال متطلبات هذه السوق المشتركة، والسماح لجميع مواطني الدول الأعضاء في المجلس بتملك العقار والأسهم ومزاولة الأنشطة التجارية واتباع الدول الأعضاء في المجلس السياسات والأنظمة الموحدة في المجالات الاقتصادية والتجارية والصناعية والمالية فضلاً عن بدء العمل بالاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون اعتباراً من الأول من مارس 2005، وكذلك حرية تنقل الأفراد ورؤوس الأموال بين دول المجلس، ثم المرحلة الثانية وهي حرية تنقل البضائع الوطنية دون عوائق جمركية بشرط وجود القيمة المضافة بأكثر من 40 في المائة والمنشأ 51 في المائة، ثم مرحلة الاتحاد الجمركي وهي نقطة الدخول الواحدة للسلع ورفع الحواجز والجمارك بين دول المجلس.

وتستند السوق الخليجية المشتركة إلى المبدأ الذي نصت عليه المادة الثالثة من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بأن يعامل مواطنو دول المجلس ـ الطبيعيون والاعتباريون ـ في أي دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية، لا سيما مزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية وممارسة المهن والحرف، وتداول وشراء الأسهم، وتأسيس الشركات والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية والتأمين الاجتماعي والتقاعد وتملك العقار، وتنقل رؤوس الأموال والمعاملة الضريبية، بالإضافة إلى الاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والتنقل والإقامة.

هناك حاجة ماسة لتعديل القوانين في دول مجلس التعاون الخليجي لتتوافق مع متطلبات السوق

وبناء على ذلك، تهدف هذه الخطوة التكاملية المهمة إلى إيجاد سوق واحدة يتم من خلالها استفادة مواطني دول المجلس من الفرص المتاحة في الاقتصاد الخليجي وفتح مجال أوسع من الاستثمار البيني والأجنبي، كما تهدف إلى تعظيم الفوائد الناجمة عن اقتصاديات الحجم ورفع الكفاءة في الإنتاج وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وتحسين الوضع التفاوضي لدول المجلس وتعزيز مكانتها الفاعلة والمؤثرة بين التجمعات الاقتصادية والدولية. 

ثانياً: عوائد السوق الخليجية المشتركة بالنسبة للتكامل الاقتصادي الخليجي

لا شك أن السوق الخليجية المشتركة تعد واحدة من أبرز وأهم مراحل التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يترتب عليها الكثير من العوائد والمزايا التي تسرع من وتيرة تحقيق هذا التكامل، خاصة أنها تعزز أسس التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي بصورة بنّاءة، حيث تنحسر القطرية لصالح الإقليمية، وتنتقل الجنسية من جنسية متعددة إلى جنسية خليجية واحدة تتيح لأصحابها الحصول على نفس الحقوق والامتيازات التي يحصل عليها الفرد الخليجي في موطنه. وهناك بالإضافة إلى ذلك العديد من العوائد المترتبة على قيام هذه السوق بالنسبة لتعزيز أسس التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، لعل أبرزها ما يلي:

1- السماح للاقتصادات الخليجية بالاستفادة من حرية انتقال العمالة ورؤوس الأموال وتأسيس الشركات والتملك، بكل ما يعنيه ذلك من وجود سوق كبيرة تستطيع أن تدعم إقامة شركات ضخمة قادرة على المنافسة عالمياً منطلقة من السوق الإقليمية الجديدة. ومن المنتظر أن تصبح المنطقة أكثر جذباً الآن للاستثمارات الأجنبية للاستفادة من مزايا هذه السوق الكبيرة.

2- تعزيز معدلات التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجي. فحجم التبادل التجاري الحالي بين دول المجلس لا يتجاوز ما بين 15 إلى 20 في المائة من إجمالي التبادل التجاري الخارجي لها، وهي نسبة متواضعة قياساً بدول الاتحاد الأوروبي التي تبلغ نسبة التبادل التجاري حوالي 50 في المائة. ومن ثم، فإن قيام السوق الخليجية المشتركة من شأنه تقليص هذه الفجوة بين الدول الخليجية.

3- حماية الأسواق الخليجية من المنافسة الخارجية، فهذه السوق تؤدي إلى زيادة حجم الإنتاج وانخفاض التكاليف والأسعار وإيجاد سوق كبيرة تمكن الدول الأعضاء فيها من الوقوف في وجه السلع والمنتجات الأجنبية. كما يمكن أن تؤدي هذه السوق أيضاً إلى توطين المليارات من الأموال الخليجية الموجودة بالخارج داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، وخلق المزيد من فرص العمل لمواطني دول المجلس.

4- تعزيز الاستثمارات الخليجية المتبادلة، فالسوق الخليجية المشتركة تفتح خيارات أوسع أمام المستثمرين الخليجيين بعد استبعادهم من فئة (الأجانب)، حيث سيكون بمقدورهم الحصول على حصص أكبر في الأسواق الخليجية الأخرى بحكم ما لديهم من سيولة تبحث عن فرص، وهو ما يعزز من الاستثمارات المتبادلة بين دول المجلس، ويصنع مناخاً من المنافسة يعود خيرها على المواطن الخليجي من حيث ضمان انسياب السلع بين دول مجلس التعاون الخليجي، والاهتمام بجودة السلع والخدمات المقدمة.

5- تبادل المزايا النسبية بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تعتبر السوق الخليجية المشتركة فرصة مهمة لتبادل المزايا النسبية لكل دولة مع غيرها من دول المجلس، فيمكن لمواطنين خليجيين الاستفادة من تطور الخدمات، خاصة في مجالات التعليم والصحة الموجودة ببعض دول مجلس التعاون، كما أن هناك دولاً لديها قواعد صناعية من أبرزها المملكة العربية السعودية، يمكن لدول أخرى الاستفادة منها، في حين تتمتع كل من الإمارات والكويت وقطر والبحرين بالجودة في قطاع الخدمات.

6- زيادة سرعة معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى التشغيل والإنتاج، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وإيجاد فرص عمل جديدة للعمالة الوطنية وتنمية مهاراتهم وقدراتهم الذاتية وزيادة الاهتمام بتحسين الأوضاع الاجتماعية للدول الأعضاء.

7- تعزيز القوة التفاوضية لدول المجلس في المحافل الدولية كمفاوض واحد وكقوة اقتصادية واحدة تتحدث باسم واحد، واستفادة دول المجلس جميعها من أي امتيازات اقتصادية تحصل عليها السوق المشتركة. 

ثالثاً: التحديات أمام السوق الخليجية المشتركة

على الرغم من أن تكتل الدول الخليجية في سوق مشتركة يحمل مزايا أبعد بكثير من التي يمكن أن يتم تصورها عند الحديث عن مجرد اندماج اقتصادي، لأننا نتحدث هنا عن دول تشترك في اللغة والدين والثقافة والتاريخ، كما تلتقي مع بعضها في حدود مشتركة أو على الأقل قريبة جداً، إلا أنه لاتزال توجد الكثير من التحديات التي تقف عقبة أمام تفعيل هذه السوق المشتركة وجني ثمارها، وعدم التغلب على هذه التحديات يجعل من السوق المشتركة خطوة تكاملية منقوصة أو غير مكتملة، وتتمثل أبرز تلك التحديات فيما يلي:

1- البيروقراطية، حيث تنتشر بشكل واسع في الدوائر الحكومية والرسمية  بدول المجلس، في حين أن خطوة مهمة مثل السوق الخليجية المشتركة يتطلب تفعيلها وجود نوع من المرونة خاصة في النواحي الإدارية والإجرائية. 

2- التشريعات، فهناك حاجة ماسة لتعديل القوانين في دول مجلس التعاون الخليجي لتتوافق مع متطلبات السوق، خاصة وأن بعض دول المجلس لاتزال مكتفية بتطبيق تشريعاتها الخاصة التي قد لا تتواءم مع متطلبات السوق.

3- الخلافات الموجودة بشأن العملة الخليجية الموحدة والمقرر أن تبدأ عام 2010، خاصة في ظل وجود عمان والإمارات خارج هذه العملة. فالفروق بين العملات من دولة إلى أخرى يخلق اختلالات نقدية، ولكن بعد تحقيق العملة الموحدة يمكن لصورة السوق الخليجية المشتركة أن تكتمل.

4- يتمثل التحدي الأكبر للسوق الخليجية الوليدة في تشابه هياكل الإنتاج في الدول الخليجية، حيث تعتمد في اقتصاديتها بصورة شبه كلية على البترول باستثناء السعودية التي عرفت طريقها للتصنيع، وهذا يحتم على تلك الدول إعادة هيكلة الإنتاج بصورة تكاملية تحقق التخصصات ذات الميزة النسبية. 

في ضوء ما سبق، يمكن القول إنه على الرغم من أن إطلاق مشروع السوق الخليجية المشتركة يعد إنجازاً لمرحلة مهمة من مراحل التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لم تترجم حتى الآن على أرض الواقع إلى خطوات ملموسة مع تزايد العقبات البيروقراطية وعدم وجود آلية مؤسسية تابعة للمجلس تمتلك صلاحية متابعة وتنفيذ القرارات الصادرة عنه، وهو ما يجعلها خطوة مهمة ولكنها منقوصة أو غير مكتملة.

::/fulltext::

boket-e24
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1051::/cck::
::introtext::

بدايةً، يُعَرف التكامل الاقتصادي بأنه عملية اعتماد متبادل بين اقتصاديات مجموعة من الدول، بينها عوامل جغرافية وسياسية واجتماعية مشتركة، بدرجات مختلفة وعلى أسس معينة، تهدف من خلاله تلك الدول إلى زيادة ودعم قدراتها الاقتصادية والاجتماعية، وتسهيل عملية التنمية والاستفادة من الميزة النسبية التي تتمتع بها الدول الأخرى. وتتعدد أشكال هذا التكامل ما بين نظام تفضيلي إلى مشروعات مشتركة واتحاد جمركي ومنطقة تجارة حرة إلى سوق موحدة.

::/introtext::
::fulltext::

بدايةً، يُعَرف التكامل الاقتصادي بأنه عملية اعتماد متبادل بين اقتصاديات مجموعة من الدول، بينها عوامل جغرافية وسياسية واجتماعية مشتركة، بدرجات مختلفة وعلى أسس معينة، تهدف من خلاله تلك الدول إلى زيادة ودعم قدراتها الاقتصادية والاجتماعية، وتسهيل عملية التنمية والاستفادة من الميزة النسبية التي تتمتع بها الدول الأخرى. وتتعدد أشكال هذا التكامل ما بين نظام تفضيلي إلى مشروعات مشتركة واتحاد جمركي ومنطقة تجارة حرة إلى سوق موحدة.

وتعد دول مجلس التعاون الخليجي النموذج العربي الوحيد الذي استطاع أن يخطو خطوات ملموسة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي بين دوله الأعضاء، على الرغم من التحديات العديدة التي واجهها في مسيرته داخلياً وخارجياً، وعلى كافة الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية. فقد استطاعت دول مجلس التعاون الخليجي التوصل إلى إقامة منطقة التجارة الحرة في عام 1983، ثم الاتحاد الجمركي في الأول من يناير 2003، ثم السوق الخليجية المشتركة التي انطلقت في الأول من يناير عام 2008، ومن المفترض إطلاق العملة الخليجية الموحدة والعمل على استكمال مقومات الاتحاد النقدي.

بعد تحقيق العملة الموحدة يمكن لصورة السوق الخليجية المشتركة أن تكتمل

ويهدف هذا المقال إلى تحليل وتقييم واحدة من أهم خطوات التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، وهي السوق الخليجية المشتركة، التي توصلت إليها دول مجلس التعاون الخليجي  بناء على إعلان الدوحة الذي صدر عن الجلسة الختامية للدورة الـ 28 للمجلس الأعلى للتعاون بين دول الخليج العربية التي عقدت نهاية عام 2007، وسيتم التركيز في هذا السياق على ثلاثة محاور رئيسية، أولها: التعريف بالسوق الخليجية المشتركة، وثانيها: أهم مزاياها وعوائدها بالنسبة للتكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، وثالثها: أهم التحديات التي تقف حائلاً دون تفعيلها. 

أولاً: التعريف بالسوق الخليجية المشتركة

لم تكن السوق الخليجية المشتركة وليدة العامين الماضيين فقط، وإنما سبقتها خطوات تمهيدية مهمة وفرت لها الأجواء المناسبة لانطلاقها في بداية عام 2008، فقد اتخذ مجلس التعاون الخليجي في السنوات الماضية العديد من التدابير والخطوات لتهيئة الأمور من أجل إنشاء السوق الخليجية المشتركة. ومن أبرز تلك الخطوات: البرنامج الزمني الذي أقره المجلس الأعلى في دورته الثالثة والعشرين (ديسمبر 2002) بشأن استكمال متطلبات هذه السوق المشتركة، والسماح لجميع مواطني الدول الأعضاء في المجلس بتملك العقار والأسهم ومزاولة الأنشطة التجارية واتباع الدول الأعضاء في المجلس السياسات والأنظمة الموحدة في المجالات الاقتصادية والتجارية والصناعية والمالية فضلاً عن بدء العمل بالاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون اعتباراً من الأول من مارس 2005، وكذلك حرية تنقل الأفراد ورؤوس الأموال بين دول المجلس، ثم المرحلة الثانية وهي حرية تنقل البضائع الوطنية دون عوائق جمركية بشرط وجود القيمة المضافة بأكثر من 40 في المائة والمنشأ 51 في المائة، ثم مرحلة الاتحاد الجمركي وهي نقطة الدخول الواحدة للسلع ورفع الحواجز والجمارك بين دول المجلس.

وتستند السوق الخليجية المشتركة إلى المبدأ الذي نصت عليه المادة الثالثة من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بأن يعامل مواطنو دول المجلس ـ الطبيعيون والاعتباريون ـ في أي دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية، لا سيما مزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية وممارسة المهن والحرف، وتداول وشراء الأسهم، وتأسيس الشركات والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية والتأمين الاجتماعي والتقاعد وتملك العقار، وتنقل رؤوس الأموال والمعاملة الضريبية، بالإضافة إلى الاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والتنقل والإقامة.

هناك حاجة ماسة لتعديل القوانين في دول مجلس التعاون الخليجي لتتوافق مع متطلبات السوق

وبناء على ذلك، تهدف هذه الخطوة التكاملية المهمة إلى إيجاد سوق واحدة يتم من خلالها استفادة مواطني دول المجلس من الفرص المتاحة في الاقتصاد الخليجي وفتح مجال أوسع من الاستثمار البيني والأجنبي، كما تهدف إلى تعظيم الفوائد الناجمة عن اقتصاديات الحجم ورفع الكفاءة في الإنتاج وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وتحسين الوضع التفاوضي لدول المجلس وتعزيز مكانتها الفاعلة والمؤثرة بين التجمعات الاقتصادية والدولية. 

ثانياً: عوائد السوق الخليجية المشتركة بالنسبة للتكامل الاقتصادي الخليجي

لا شك أن السوق الخليجية المشتركة تعد واحدة من أبرز وأهم مراحل التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يترتب عليها الكثير من العوائد والمزايا التي تسرع من وتيرة تحقيق هذا التكامل، خاصة أنها تعزز أسس التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي بصورة بنّاءة، حيث تنحسر القطرية لصالح الإقليمية، وتنتقل الجنسية من جنسية متعددة إلى جنسية خليجية واحدة تتيح لأصحابها الحصول على نفس الحقوق والامتيازات التي يحصل عليها الفرد الخليجي في موطنه. وهناك بالإضافة إلى ذلك العديد من العوائد المترتبة على قيام هذه السوق بالنسبة لتعزيز أسس التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، لعل أبرزها ما يلي:

1- السماح للاقتصادات الخليجية بالاستفادة من حرية انتقال العمالة ورؤوس الأموال وتأسيس الشركات والتملك، بكل ما يعنيه ذلك من وجود سوق كبيرة تستطيع أن تدعم إقامة شركات ضخمة قادرة على المنافسة عالمياً منطلقة من السوق الإقليمية الجديدة. ومن المنتظر أن تصبح المنطقة أكثر جذباً الآن للاستثمارات الأجنبية للاستفادة من مزايا هذه السوق الكبيرة.

2- تعزيز معدلات التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجي. فحجم التبادل التجاري الحالي بين دول المجلس لا يتجاوز ما بين 15 إلى 20 في المائة من إجمالي التبادل التجاري الخارجي لها، وهي نسبة متواضعة قياساً بدول الاتحاد الأوروبي التي تبلغ نسبة التبادل التجاري حوالي 50 في المائة. ومن ثم، فإن قيام السوق الخليجية المشتركة من شأنه تقليص هذه الفجوة بين الدول الخليجية.

3- حماية الأسواق الخليجية من المنافسة الخارجية، فهذه السوق تؤدي إلى زيادة حجم الإنتاج وانخفاض التكاليف والأسعار وإيجاد سوق كبيرة تمكن الدول الأعضاء فيها من الوقوف في وجه السلع والمنتجات الأجنبية. كما يمكن أن تؤدي هذه السوق أيضاً إلى توطين المليارات من الأموال الخليجية الموجودة بالخارج داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، وخلق المزيد من فرص العمل لمواطني دول المجلس.

4- تعزيز الاستثمارات الخليجية المتبادلة، فالسوق الخليجية المشتركة تفتح خيارات أوسع أمام المستثمرين الخليجيين بعد استبعادهم من فئة (الأجانب)، حيث سيكون بمقدورهم الحصول على حصص أكبر في الأسواق الخليجية الأخرى بحكم ما لديهم من سيولة تبحث عن فرص، وهو ما يعزز من الاستثمارات المتبادلة بين دول المجلس، ويصنع مناخاً من المنافسة يعود خيرها على المواطن الخليجي من حيث ضمان انسياب السلع بين دول مجلس التعاون الخليجي، والاهتمام بجودة السلع والخدمات المقدمة.

5- تبادل المزايا النسبية بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تعتبر السوق الخليجية المشتركة فرصة مهمة لتبادل المزايا النسبية لكل دولة مع غيرها من دول المجلس، فيمكن لمواطنين خليجيين الاستفادة من تطور الخدمات، خاصة في مجالات التعليم والصحة الموجودة ببعض دول مجلس التعاون، كما أن هناك دولاً لديها قواعد صناعية من أبرزها المملكة العربية السعودية، يمكن لدول أخرى الاستفادة منها، في حين تتمتع كل من الإمارات والكويت وقطر والبحرين بالجودة في قطاع الخدمات.

6- زيادة سرعة معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى التشغيل والإنتاج، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وإيجاد فرص عمل جديدة للعمالة الوطنية وتنمية مهاراتهم وقدراتهم الذاتية وزيادة الاهتمام بتحسين الأوضاع الاجتماعية للدول الأعضاء.

7- تعزيز القوة التفاوضية لدول المجلس في المحافل الدولية كمفاوض واحد وكقوة اقتصادية واحدة تتحدث باسم واحد، واستفادة دول المجلس جميعها من أي امتيازات اقتصادية تحصل عليها السوق المشتركة. 

ثالثاً: التحديات أمام السوق الخليجية المشتركة

على الرغم من أن تكتل الدول الخليجية في سوق مشتركة يحمل مزايا أبعد بكثير من التي يمكن أن يتم تصورها عند الحديث عن مجرد اندماج اقتصادي، لأننا نتحدث هنا عن دول تشترك في اللغة والدين والثقافة والتاريخ، كما تلتقي مع بعضها في حدود مشتركة أو على الأقل قريبة جداً، إلا أنه لاتزال توجد الكثير من التحديات التي تقف عقبة أمام تفعيل هذه السوق المشتركة وجني ثمارها، وعدم التغلب على هذه التحديات يجعل من السوق المشتركة خطوة تكاملية منقوصة أو غير مكتملة، وتتمثل أبرز تلك التحديات فيما يلي:

1- البيروقراطية، حيث تنتشر بشكل واسع في الدوائر الحكومية والرسمية  بدول المجلس، في حين أن خطوة مهمة مثل السوق الخليجية المشتركة يتطلب تفعيلها وجود نوع من المرونة خاصة في النواحي الإدارية والإجرائية. 

2- التشريعات، فهناك حاجة ماسة لتعديل القوانين في دول مجلس التعاون الخليجي لتتوافق مع متطلبات السوق، خاصة وأن بعض دول المجلس لاتزال مكتفية بتطبيق تشريعاتها الخاصة التي قد لا تتواءم مع متطلبات السوق.

3- الخلافات الموجودة بشأن العملة الخليجية الموحدة والمقرر أن تبدأ عام 2010، خاصة في ظل وجود عمان والإمارات خارج هذه العملة. فالفروق بين العملات من دولة إلى أخرى يخلق اختلالات نقدية، ولكن بعد تحقيق العملة الموحدة يمكن لصورة السوق الخليجية المشتركة أن تكتمل.

4- يتمثل التحدي الأكبر للسوق الخليجية الوليدة في تشابه هياكل الإنتاج في الدول الخليجية، حيث تعتمد في اقتصاديتها بصورة شبه كلية على البترول باستثناء السعودية التي عرفت طريقها للتصنيع، وهذا يحتم على تلك الدول إعادة هيكلة الإنتاج بصورة تكاملية تحقق التخصصات ذات الميزة النسبية. 

في ضوء ما سبق، يمكن القول إنه على الرغم من أن إطلاق مشروع السوق الخليجية المشتركة يعد إنجازاً لمرحلة مهمة من مراحل التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لم تترجم حتى الآن على أرض الواقع إلى خطوات ملموسة مع تزايد العقبات البيروقراطية وعدم وجود آلية مؤسسية تابعة للمجلس تمتلك صلاحية متابعة وتنفيذ القرارات الصادرة عنه، وهو ما يجعلها خطوة مهمة ولكنها منقوصة أو غير مكتملة.

::/fulltext::
::cck::1051::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *