انسحاب القوات الأجنبية وولادة الحكومة العراقية المقبلة

::cck::1128::/cck::
::introtext::

لقد نجحت الولايات المتحدة بعد احتلالها العراق في جعل المنطقة العربية منطقة نفوذ أمريكية تعيد رسم خريطتها وتؤطر اقتصاداتها وتوجه سياساتها بصورة تصب وتخدم السياسات والاستراتيجيات، ومن ثم المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم، فلطالما كان العراق العقبة الكؤود، وعامل الكبح إزاء تلك الاستراتيجية في المنطقة العربية. لذا كان هدف تدمير العراق واحتلاله هدفاً نهائياً وخياراً وحيداً أمام السياسة الأمريكية، لأنه البلد الوحيد الذي لا تمتلك فيه الولايات المتحدة نفوذاً أو قدرة على التأثير بالمستوى الذي يضطر فيه صانع القرار السياسي العراقي للتخلي عن ثوابت سياسته الوطنية.

::/introtext::
::fulltext::

لقد نجحت الولايات المتحدة بعد احتلالها العراق في جعل المنطقة العربية منطقة نفوذ أمريكية تعيد رسم خريطتها وتؤطر اقتصاداتها وتوجه سياساتها بصورة تصب وتخدم السياسات والاستراتيجيات، ومن ثم المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم، فلطالما كان العراق العقبة الكؤود، وعامل الكبح إزاء تلك الاستراتيجية في المنطقة العربية. لذا كان هدف تدمير العراق واحتلاله هدفاً نهائياً وخياراً وحيداً أمام السياسة الأمريكية، لأنه البلد الوحيد الذي لا تمتلك فيه الولايات المتحدة نفوذاً أو قدرة على التأثير بالمستوى الذي يضطر فيه صانع القرار السياسي العراقي للتخلي عن ثوابت سياسته الوطنية.

ساهم الاحتلال عام 2003 في ريادة الولايات المتحدة للعالم ودفعها نحو بلورة نظام اقتصادي عالمي ساعدها على قيادته، وكان الدور الفعال في ذلك للمحافظين الجدد يقودهم بوش الابن الذي عزز من درجة الحمائية عن طريق عدة أساليب منها (زيادة معدلات الإنفاق العسكري والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة مع الاحتفاظ بقواعد متقدمة لتكون خط الهجوم (الدفاع الأولي) عن المصالح الأمريكية بدءاً من ممارسة التوسع في أوروبا عبر توسع حلف الأطلسي شرقاً وفي البلقان عام 1999 وفي أفغانستان 2001 وفي العراق 2003، وعلى هذا الأساس يعد العراق المحور الرئيسي في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية وخصوصاً بشكلها الاقتصادي.

يعد العراق المحور الرئيسي في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية وخصوصاً بشكلها الاقتصادي

لكن مجريات الأمور في العراق أكدت على مجموعة من الحقائق من أبرزها تدمير مقومات البنية الهيكلية للعراق والمرتكزات التي تقوم عليها الدولة بنظامها القائم، واستبداله بعراق مقسم ومنهك تمهيداً لتكريس الانقسام حسب رؤى مشروع (جو بايدن) وصولاً إلى الهيمنة والسيطرة على ثرواته النفطية، فمثلاً يشير الجدول إلى مدد نضوب النفط للدول المنتجة الرئيسية في العالم.

وفي ظل ضبابية المشهد السياسي العراقي وعدم انبثاق حكومة وطنية عراقية طبقاً للاستحقاق الانتخابي بعد مرور أكثر من ستة أشهر من إجراء الانتخابات الوطنية (7/3/2010) تأتي توقيتات تنفيذ الاتفاقية الأمنية والبدء في انسحاب القوات الأجنبية (الأمريكية) من المدن والأقضية الرئيسية في نهاية شهر أغسطس من العام الجاري على أن يستكمل هذا الانسحاب في نهاية عام 2011 لتلقي بظلالها على ولادة الحكومة العراقية المقبلة والتي تبدو في ضوء مجريات الأمور التي حدثت في بداية ونهاية الشهر الأخير والتي تتلخص في مسألتين الأولىإبقاء العراق تحت طائلة الفصل السابع لمدة عام آخر بعد مراجعة مجلس الأمن لتقرير ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق. والثانية، البدء في تطبيق اتفاقية سحب القوات الأجنبية (الأمريكية)، وخلاصة نتائج هاتين المسألتين استمرارية الوهم الذي سقط فيه عدد غير قليل من السياسيين في العراق بعد أن كانوا يعتقدون أن هذه الاتفاقية سوف تساعد العراق على إخراجه من الفصل الأخير المفروض بموجب القرار الدولي (661) عام 1990،ومعنى ذلك بقاء عام آخر من عدم الممارسة للسيادة الحقيقية على النطاق الدولي، وبقاء العراق دولة ذات سيادة تقع تحت الاحتلال الأمريكي بموجب القرار الدولي (1483).

إن هذه الأحداث ستكون محددات صعبة أمام ولادة حقيقية لحكومة وطنية تضم كافة مكونات الشعب العراقي ووفق الاستحقاق، وتجعل الجميع في انتظار حل اللغز الجديد للاحتلال والمتمثل في إنجاز العديد من المتطلبات التي فرضت على العراق في مطلع التسعينات من القرن المنصرم والتي تتلخص في الإسراع بحل الوضع الناشئ بين العراق والكويت وبالشكل الذي يرضي الأخيرة وفي المقابل سوف تحرجها أمام الشعب العراقي الذي دفع الكثير من التضحيات بسبب السياسات الخاطئة التي ارتكبها النظام السابق مع دولة الكويت الشقيقة، وهل بالفعل سوف تنسحب القوات الأجنبية (الأمريكية) من العراق حسب التوقيتات المعتمدة في (الاتفاقية الأمنية)؟

تخشى الولايات المتحدة على تجربة الديمقراطية في العراق من الفشل

إن سرعة الأحداث في العراق بلغت أعلى سخونتها بعد أن أخذت المدد القانونية تقترب من نهايتها لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة وتمسك الحكومة المنتهية ولايتها بالسلطة من دون مراقبة برلمانية، فالكتل الرئيسية لا تزال متمسكة بمطالبها ولا تتنازل عنها تحت أي ضغوط داخلية أو خارجية، وبالطبع الذي زاد من هذه الضبابية تكوين التحالفات قبل الدخول في مفاوضات تحديد الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية والحكومة والنواب)، والبعض من الأطراف أخذ يلعب على ترجيح طرف على حساب طرف بشرط تحقيق مصالح قومية ضيقة. وأخيراً الاتهامات المتبادلة بين القوائم الرئيسية الفائزة بأعلى الأصوات بتمثيلها لطائفة دون أخرى. ولا غرابة في ذلك فالنظام الجديد تم تأسيسه في الأصل على هذه القاعدة من قبل الحاكم المدني بول بريمر إلى جانب بعض بنود من الدستور التي تقبل أكثر من تفسير.

وفي النتيجة انعكست هذه التعقيدات على تدهور الوضع الأمني وتردي الخدمات العامة، وكان أول التلميحات للمخاطر القادمة ما جاء على لسان وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس بقوله إن الولايات المتحدة مستعدة لتعديل اتفاقية سحب القوات الأجنبية إذا رغبت الحكومة العراقية المقبلة، ولا عجب في ذلك لأنها في الحقيقة عبارة عن اتفاق مبدئي وهي أدنى درجة من المعاهدة، ومن ثم ليس من الضروري عرضها على الكونغرس الأمريكي، بل مجرد توقيع الحكومتين الأمريكية والعراقية عليها. هذا القول إنما جاء من الإحساس بالخوف من التسرع الكبير في سحب القوات العسكرية الأمريكية من المدن العراقية ومحاولة التمركز في مواقع بعيدة عنها خوفاً من أن تكون أهدافاً سهلة إلى من يعارض الوجود الأمريكي في العراق، وببساطة تخشى الولايات المتحدة على تجربة الديمقراطية في العراق من الفشل.

وتأسيساً على ذلك ستبقى الولايات المتحدة مساهمة بشكل مباشر في تحديد معالم النظام السياسي المستقبلي في العراق وبما يضمن وجود أصدقاء لها يمكن الاعتماد عليهم، وكدليل على ذلك التوسع الكبير في السفارة الأمريكية وجعلها (دولة داخل دولة) أو (حكومة خفية للعراق)، فهي تضم أكثر من (3000) دبلوماسي وأعضاء من (FBI) و(CIA) ووزارة الأمن الداخلي الأمريكية ومن كافة الاختصاصات إلى جانب الاحتفاظ بالعديد من القواعد العسكرية في شمال بغداد وجنوب العراق، وبناء شبكة من العلاقات المؤسسية مرسومة بمقتضى اتفاقيات دولية في مقدمتها تحرير التجارة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية.

إن المهم الحفاظ على أمن العراق وإنعاش اقتصاده من جديد، وفي هذا الوقت نعتقد أن الأكثر جدية التسليم بواقع حال العراق والحديث عن المسؤولية الأخلاقية التي يجب أن تتحملها الولايات المتحدة بعد تدميرها العراق من دون أي مبررات شرعية مثلما أسهمت بجدية مطلقة في صنع اليابان اليوم بعد خضوعها بصورة مباشرة للاحتلال الأمريكي إثر الهزيمة القاسية في الحرب العالمية الثانية، لكن الذي حصل بعد انتهاء هذه الحرب اضطلعت الولايات المتحدة بالدور الرئيسي في إعادة ترتيب أوضاع اليابان من خلال بلورة سلسلة من العلاقات الثنائية الوثيقة ذات أبعاد واتجاهات اقتصادية وأمنية وسياسية واضحة منحت تلك العلاقات طبيعة استثنائية، بدءاً من انتهاء عهد الاحتلال الأمريكي المباشر لليابان عندما وقعت (28) دولة بضمنها الولايات المتحدة على معاهدة سلام في سان فرانسيسكو في 8 ديسمبر1951، وفي اليوم ذاته وقعت الولايات المتحدة واليابان على معاهدة الأمن المتبادل التي استمر العمل بها حتى عام 1960، لكن المهم في هذه الاتفاقية التعديلات التي أجريت عليها بعد هذا العام تحت الضغط الشعبي الياباني والتي كانت راسخة في عقلية اليابانيين بعد أن بلغوا من القناعة التامة بأن استعادة حقوقهم في دولة كاملة السيادة لا تتم إلا عن طريق هذا التحالف، مع قناعة أخرى بأن هذا التحالف الجديد سوف يخدمهم في إيجاد السبل الحقيقية لتحقيق النهوض الاقتصادي.

بعد هذه المقاربة للاحتلال الأمريكي لليابان والعراق نعود إلى ما يهمنا عن حال العراق عندما وقعت حكومته (حكومة المالكي) اتفاقية سحب القوات الأجنبية من العراق في 17/11/2008 على أساس أن هناك أكثر من ثلاثين دولة أسهمت في الاحتلال وتضمنت الاتفاقية ثلاثين مادة، في حين لم توقع الولايات المتحدة منفردة مع العراق اتفاقية مماثلة كما حصل مع اليابان، مع التأكيد على أن هناك عدة فوارق بين حالتي الاحتلال الأمريكي إلى كل من اليابان والعراق ولا توجد أوجه للتشابه إطلاقاً، فشتان ما بين طبيعة الاقتصادين العراقي والياباني، إلا أن المهم هنا أن الحكومة العراقية المنتهية ولايتها أدركت عند التوقيع أن اتفاقية سحب القوات الأجنبية من العراق تتحقق في المادة (26) التي تعمل على إنجاز ما يلي:

* تمكين العراق من الاستمرار في تنمية اقتصاده عن طريق إعادة تأهيل البنى التحتية الاقتصادية العراقية.

* دعم العراق للتوصل إلى قرار شامل ونهائي بشأن مطالبات التعويضات التي ورثها العراق عن نظام (صدام حسين) وخصوصاً الكويت على أثر احتلالها من قبل النظام الأخير.

* استمرارية حماية الموارد المالية الناشئة من بيع النفط العراقي بما في ذلك صندوق تنمية العراق.

جملة القول الأخيرة أن الولايات المتحدة ترغب في رؤية حكومة عراقية جديدة لتتمكن من الانسحاب من العراق لعدة أسباب منها التكاليف الباهظة للحرب والصعوبات التي تواجه القوات الأمريكية والدولية في أفغانستان إلى جانب الوعود التي قطعتها الإدارة الأمريكية الحالية للانسحاب من العراق، ولا شك في مقدمتها قرب اليوم الذي يجب أن تدفع ثمن تدمير العراق مع القوات المتحالفة معها، وفي المقابل فإن هذه الحكومة تدرك المخاطر الداخلية والخارجية التي ستواجهها في حالة غياب الدعم الأمريكي، وبدا ذلك واضحاً في تصريحات المسؤولين العراقيين العسكريين والمدنيين على حد سواء وأبرزها ما قاله رئيس أركان الجيش العراقي الحالي العراق بحاجة إلى عشر سنوات أخرى أي حتى عام 2020م ليتمكن من الحفاظ على الأمن والاستقرار. وعلى الصعيد الخارجي تتربص دول الجوار العراقي للتدخل بشتى الوسائل في الشأن العراقي وأخذ البعض منها يطالب بتعويضات غير مشروعة ويعود السبب في ذلك إلى غياب حكومة عراقية قوية لا ترغب هذه الدول بولادتها.

::/fulltext::

araa73-7b4
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1128::/cck::
::introtext::

لقد نجحت الولايات المتحدة بعد احتلالها العراق في جعل المنطقة العربية منطقة نفوذ أمريكية تعيد رسم خريطتها وتؤطر اقتصاداتها وتوجه سياساتها بصورة تصب وتخدم السياسات والاستراتيجيات، ومن ثم المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم، فلطالما كان العراق العقبة الكؤود، وعامل الكبح إزاء تلك الاستراتيجية في المنطقة العربية. لذا كان هدف تدمير العراق واحتلاله هدفاً نهائياً وخياراً وحيداً أمام السياسة الأمريكية، لأنه البلد الوحيد الذي لا تمتلك فيه الولايات المتحدة نفوذاً أو قدرة على التأثير بالمستوى الذي يضطر فيه صانع القرار السياسي العراقي للتخلي عن ثوابت سياسته الوطنية.

::/introtext::
::fulltext::

لقد نجحت الولايات المتحدة بعد احتلالها العراق في جعل المنطقة العربية منطقة نفوذ أمريكية تعيد رسم خريطتها وتؤطر اقتصاداتها وتوجه سياساتها بصورة تصب وتخدم السياسات والاستراتيجيات، ومن ثم المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم، فلطالما كان العراق العقبة الكؤود، وعامل الكبح إزاء تلك الاستراتيجية في المنطقة العربية. لذا كان هدف تدمير العراق واحتلاله هدفاً نهائياً وخياراً وحيداً أمام السياسة الأمريكية، لأنه البلد الوحيد الذي لا تمتلك فيه الولايات المتحدة نفوذاً أو قدرة على التأثير بالمستوى الذي يضطر فيه صانع القرار السياسي العراقي للتخلي عن ثوابت سياسته الوطنية.

ساهم الاحتلال عام 2003 في ريادة الولايات المتحدة للعالم ودفعها نحو بلورة نظام اقتصادي عالمي ساعدها على قيادته، وكان الدور الفعال في ذلك للمحافظين الجدد يقودهم بوش الابن الذي عزز من درجة الحمائية عن طريق عدة أساليب منها (زيادة معدلات الإنفاق العسكري والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة مع الاحتفاظ بقواعد متقدمة لتكون خط الهجوم (الدفاع الأولي) عن المصالح الأمريكية بدءاً من ممارسة التوسع في أوروبا عبر توسع حلف الأطلسي شرقاً وفي البلقان عام 1999 وفي أفغانستان 2001 وفي العراق 2003، وعلى هذا الأساس يعد العراق المحور الرئيسي في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية وخصوصاً بشكلها الاقتصادي.

يعد العراق المحور الرئيسي في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية وخصوصاً بشكلها الاقتصادي

لكن مجريات الأمور في العراق أكدت على مجموعة من الحقائق من أبرزها تدمير مقومات البنية الهيكلية للعراق والمرتكزات التي تقوم عليها الدولة بنظامها القائم، واستبداله بعراق مقسم ومنهك تمهيداً لتكريس الانقسام حسب رؤى مشروع (جو بايدن) وصولاً إلى الهيمنة والسيطرة على ثرواته النفطية، فمثلاً يشير الجدول إلى مدد نضوب النفط للدول المنتجة الرئيسية في العالم.

وفي ظل ضبابية المشهد السياسي العراقي وعدم انبثاق حكومة وطنية عراقية طبقاً للاستحقاق الانتخابي بعد مرور أكثر من ستة أشهر من إجراء الانتخابات الوطنية (7/3/2010) تأتي توقيتات تنفيذ الاتفاقية الأمنية والبدء في انسحاب القوات الأجنبية (الأمريكية) من المدن والأقضية الرئيسية في نهاية شهر أغسطس من العام الجاري على أن يستكمل هذا الانسحاب في نهاية عام 2011 لتلقي بظلالها على ولادة الحكومة العراقية المقبلة والتي تبدو في ضوء مجريات الأمور التي حدثت في بداية ونهاية الشهر الأخير والتي تتلخص في مسألتين الأولىإبقاء العراق تحت طائلة الفصل السابع لمدة عام آخر بعد مراجعة مجلس الأمن لتقرير ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق. والثانية، البدء في تطبيق اتفاقية سحب القوات الأجنبية (الأمريكية)، وخلاصة نتائج هاتين المسألتين استمرارية الوهم الذي سقط فيه عدد غير قليل من السياسيين في العراق بعد أن كانوا يعتقدون أن هذه الاتفاقية سوف تساعد العراق على إخراجه من الفصل الأخير المفروض بموجب القرار الدولي (661) عام 1990،ومعنى ذلك بقاء عام آخر من عدم الممارسة للسيادة الحقيقية على النطاق الدولي، وبقاء العراق دولة ذات سيادة تقع تحت الاحتلال الأمريكي بموجب القرار الدولي (1483).

إن هذه الأحداث ستكون محددات صعبة أمام ولادة حقيقية لحكومة وطنية تضم كافة مكونات الشعب العراقي ووفق الاستحقاق، وتجعل الجميع في انتظار حل اللغز الجديد للاحتلال والمتمثل في إنجاز العديد من المتطلبات التي فرضت على العراق في مطلع التسعينات من القرن المنصرم والتي تتلخص في الإسراع بحل الوضع الناشئ بين العراق والكويت وبالشكل الذي يرضي الأخيرة وفي المقابل سوف تحرجها أمام الشعب العراقي الذي دفع الكثير من التضحيات بسبب السياسات الخاطئة التي ارتكبها النظام السابق مع دولة الكويت الشقيقة، وهل بالفعل سوف تنسحب القوات الأجنبية (الأمريكية) من العراق حسب التوقيتات المعتمدة في (الاتفاقية الأمنية)؟

تخشى الولايات المتحدة على تجربة الديمقراطية في العراق من الفشل

إن سرعة الأحداث في العراق بلغت أعلى سخونتها بعد أن أخذت المدد القانونية تقترب من نهايتها لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة وتمسك الحكومة المنتهية ولايتها بالسلطة من دون مراقبة برلمانية، فالكتل الرئيسية لا تزال متمسكة بمطالبها ولا تتنازل عنها تحت أي ضغوط داخلية أو خارجية، وبالطبع الذي زاد من هذه الضبابية تكوين التحالفات قبل الدخول في مفاوضات تحديد الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية والحكومة والنواب)، والبعض من الأطراف أخذ يلعب على ترجيح طرف على حساب طرف بشرط تحقيق مصالح قومية ضيقة. وأخيراً الاتهامات المتبادلة بين القوائم الرئيسية الفائزة بأعلى الأصوات بتمثيلها لطائفة دون أخرى. ولا غرابة في ذلك فالنظام الجديد تم تأسيسه في الأصل على هذه القاعدة من قبل الحاكم المدني بول بريمر إلى جانب بعض بنود من الدستور التي تقبل أكثر من تفسير.

وفي النتيجة انعكست هذه التعقيدات على تدهور الوضع الأمني وتردي الخدمات العامة، وكان أول التلميحات للمخاطر القادمة ما جاء على لسان وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس بقوله إن الولايات المتحدة مستعدة لتعديل اتفاقية سحب القوات الأجنبية إذا رغبت الحكومة العراقية المقبلة، ولا عجب في ذلك لأنها في الحقيقة عبارة عن اتفاق مبدئي وهي أدنى درجة من المعاهدة، ومن ثم ليس من الضروري عرضها على الكونغرس الأمريكي، بل مجرد توقيع الحكومتين الأمريكية والعراقية عليها. هذا القول إنما جاء من الإحساس بالخوف من التسرع الكبير في سحب القوات العسكرية الأمريكية من المدن العراقية ومحاولة التمركز في مواقع بعيدة عنها خوفاً من أن تكون أهدافاً سهلة إلى من يعارض الوجود الأمريكي في العراق، وببساطة تخشى الولايات المتحدة على تجربة الديمقراطية في العراق من الفشل.

وتأسيساً على ذلك ستبقى الولايات المتحدة مساهمة بشكل مباشر في تحديد معالم النظام السياسي المستقبلي في العراق وبما يضمن وجود أصدقاء لها يمكن الاعتماد عليهم، وكدليل على ذلك التوسع الكبير في السفارة الأمريكية وجعلها (دولة داخل دولة) أو (حكومة خفية للعراق)، فهي تضم أكثر من (3000) دبلوماسي وأعضاء من (FBI) و(CIA) ووزارة الأمن الداخلي الأمريكية ومن كافة الاختصاصات إلى جانب الاحتفاظ بالعديد من القواعد العسكرية في شمال بغداد وجنوب العراق، وبناء شبكة من العلاقات المؤسسية مرسومة بمقتضى اتفاقيات دولية في مقدمتها تحرير التجارة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية.

إن المهم الحفاظ على أمن العراق وإنعاش اقتصاده من جديد، وفي هذا الوقت نعتقد أن الأكثر جدية التسليم بواقع حال العراق والحديث عن المسؤولية الأخلاقية التي يجب أن تتحملها الولايات المتحدة بعد تدميرها العراق من دون أي مبررات شرعية مثلما أسهمت بجدية مطلقة في صنع اليابان اليوم بعد خضوعها بصورة مباشرة للاحتلال الأمريكي إثر الهزيمة القاسية في الحرب العالمية الثانية، لكن الذي حصل بعد انتهاء هذه الحرب اضطلعت الولايات المتحدة بالدور الرئيسي في إعادة ترتيب أوضاع اليابان من خلال بلورة سلسلة من العلاقات الثنائية الوثيقة ذات أبعاد واتجاهات اقتصادية وأمنية وسياسية واضحة منحت تلك العلاقات طبيعة استثنائية، بدءاً من انتهاء عهد الاحتلال الأمريكي المباشر لليابان عندما وقعت (28) دولة بضمنها الولايات المتحدة على معاهدة سلام في سان فرانسيسكو في 8 ديسمبر1951، وفي اليوم ذاته وقعت الولايات المتحدة واليابان على معاهدة الأمن المتبادل التي استمر العمل بها حتى عام 1960، لكن المهم في هذه الاتفاقية التعديلات التي أجريت عليها بعد هذا العام تحت الضغط الشعبي الياباني والتي كانت راسخة في عقلية اليابانيين بعد أن بلغوا من القناعة التامة بأن استعادة حقوقهم في دولة كاملة السيادة لا تتم إلا عن طريق هذا التحالف، مع قناعة أخرى بأن هذا التحالف الجديد سوف يخدمهم في إيجاد السبل الحقيقية لتحقيق النهوض الاقتصادي.

بعد هذه المقاربة للاحتلال الأمريكي لليابان والعراق نعود إلى ما يهمنا عن حال العراق عندما وقعت حكومته (حكومة المالكي) اتفاقية سحب القوات الأجنبية من العراق في 17/11/2008 على أساس أن هناك أكثر من ثلاثين دولة أسهمت في الاحتلال وتضمنت الاتفاقية ثلاثين مادة، في حين لم توقع الولايات المتحدة منفردة مع العراق اتفاقية مماثلة كما حصل مع اليابان، مع التأكيد على أن هناك عدة فوارق بين حالتي الاحتلال الأمريكي إلى كل من اليابان والعراق ولا توجد أوجه للتشابه إطلاقاً، فشتان ما بين طبيعة الاقتصادين العراقي والياباني، إلا أن المهم هنا أن الحكومة العراقية المنتهية ولايتها أدركت عند التوقيع أن اتفاقية سحب القوات الأجنبية من العراق تتحقق في المادة (26) التي تعمل على إنجاز ما يلي:

* تمكين العراق من الاستمرار في تنمية اقتصاده عن طريق إعادة تأهيل البنى التحتية الاقتصادية العراقية.

* دعم العراق للتوصل إلى قرار شامل ونهائي بشأن مطالبات التعويضات التي ورثها العراق عن نظام (صدام حسين) وخصوصاً الكويت على أثر احتلالها من قبل النظام الأخير.

* استمرارية حماية الموارد المالية الناشئة من بيع النفط العراقي بما في ذلك صندوق تنمية العراق.

جملة القول الأخيرة أن الولايات المتحدة ترغب في رؤية حكومة عراقية جديدة لتتمكن من الانسحاب من العراق لعدة أسباب منها التكاليف الباهظة للحرب والصعوبات التي تواجه القوات الأمريكية والدولية في أفغانستان إلى جانب الوعود التي قطعتها الإدارة الأمريكية الحالية للانسحاب من العراق، ولا شك في مقدمتها قرب اليوم الذي يجب أن تدفع ثمن تدمير العراق مع القوات المتحالفة معها، وفي المقابل فإن هذه الحكومة تدرك المخاطر الداخلية والخارجية التي ستواجهها في حالة غياب الدعم الأمريكي، وبدا ذلك واضحاً في تصريحات المسؤولين العراقيين العسكريين والمدنيين على حد سواء وأبرزها ما قاله رئيس أركان الجيش العراقي الحالي العراق بحاجة إلى عشر سنوات أخرى أي حتى عام 2020م ليتمكن من الحفاظ على الأمن والاستقرار. وعلى الصعيد الخارجي تتربص دول الجوار العراقي للتدخل بشتى الوسائل في الشأن العراقي وأخذ البعض منها يطالب بتعويضات غير مشروعة ويعود السبب في ذلك إلى غياب حكومة عراقية قوية لا ترغب هذه الدول بولادتها.

::/fulltext::
::cck::1128::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *