حقوق العمالة المهاجرة وإشكاليات نظام الكفالة في الخليج

::cck::1152::/cck::
::introtext::

إذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد أذنت بفتح ملف الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان في الخليج واسعاً، فإن من جملة الفضاءات الحقوقية التي كان لها أن تحظى بجدل واهتمام كبيرين، فضاء حريات العمالة الأجنبية في الخليج، وحقوقها الإنسانية.

::/introtext::
::fulltext::

إذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد أذنت بفتح ملف الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان في الخليج واسعاً، فإن من جملة الفضاءات الحقوقية التي كان لها أن تحظى بجدل واهتمام كبيرين، فضاء حريات العمالة الأجنبية في الخليج، وحقوقها الإنسانية.

إن القراءات التي حاولت سبر هذا الملف كانت ولا تزال، محكومة بالعديد من العوامل والمؤثرات التي إما أن تكون مرتكزة على مصالح دول الخليج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة، أو منحازة إلى ما حوته العديد من النداءات والمطالبات الدولية بتحسين أوضاع العمالة الوافدة/المهاجرة في الخليج، العربية منها والأجنبية على حد سواء.

 مساحات النقد لأوضاع العمالة

إن تخوم إشكاليات هذا الملف متشعبة، مفتوحة بلا حدود، وتتركز أهم الانتقادات الصادرة عن المؤسسات والهيئات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان لدول الخليج في النقاط التالية:

أولاً: إشكالية الوضع الاعتباري وما يترتب عليها:

تصر دول الخليج العربية على اعتبار العمالة الأجنبية الموجودة على أراضيها عمالة (وافدة)، بمعنى أنها عمالة مؤقتة. فيما تؤكد المنظمات والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان على ضرورة وضعها في سياق العمالة (المهاجرة) مماثلة لنظيرتها في القارتين الأوروبية والأمريكية. وما بين أن تكون هذه العمالة (وافدة) أو (مهاجرة)، تختلف وجهات النظر، وتتمايز فضاءات المطالبات الحقوقية والعمالية.

وتتخوف دول الخليج العربية من أن يكون قبولها باعتبار العمالة الأجنبية فيها عمالة مهاجرة، إيذاناً بإعطاء هذه العمالة حق الحصول على الجنسيات الخليجية وفق قرارات الشرعية الدولية والمواثيق الدولية المختصة بحقوق العمال المهاجرين، وهو ما سيتسبب بالتأكيد في الإخلال بالتركيبة السكانية في بعض دول الخليج، خصوصاً تلك التي يفوق تعداد العمالة الأجنبية فيها تعداد مواطنيها. وهو أيضاً، ما سيفتح الباب واسعاً أمام هجرات جماعية كبرى من دول شرق آسيا وإفريقيا تجاه دول الخليج، ولا يخفى على أحد، خطر القبول باحتضان مثل هذه الهجرات، وما سيترتب عليها.

العمالة الأجنبية في الخليج ستبقى المحرك الحقيقي لاقتصادات دول المنطقة دائماً

إن مخاوف دول الخليج التي تبدو مبررة في هذا السياق، يعكر صفوها ضعف القوانين والتشريعات العمالية فيها، وهو ما يجعل من المطالبات الدولية تستند إلى الكثير من الوقائع التي يظهر فيها أصحاب العمل الخليجيين في أسوأ صورة لأرباب العمل حول العالم. وهو أيضاً، ما يستكمله شح وندرة وأحياناً (انعدام) الأطر التنظيمية للعمالة الأجنبية.

ثانياً: نظام الكفيل وتهمة (الرق الجديد):

لا يخلو تقرير حقوقي دولي من الإشارة السلبية لنظام (الكفيل) المعمول به في دول الخليج حالياً، وإذا كانت مملكة البحرين قد خطت أولى الخطوات تجاه إلغاء هذا النظام، فإن الدول الخليجية الكبرى تدرك جيداً، صعوبة القفز على هذا النظام وما سيترتب على ذلك من فوضى (العمالة السائبة) التي ستكون بالتأكيد الظاهرة الأقوى في حال تم إقرار إلغاء نظام الكفيل في دول الخليج كافة.

وعلى الرغم من التبريرات والدفوعات الحكومية الخليجية تجاه نجاعة نظام الكفيل، تؤكد التقارير الحقوقية الدولية أن نظام الكفيل هو أشبه ما يكون بالإعادة المؤدبة للرق. خصوصاً أن دول الخليج قاطبة، شهدت ولا تزال، العديد من الممارسات اللاإنسانية تجاه العمالة الأجنبية تبعاً لهذا النظام، منها سياسة (السخرة) للعمالة الأجنبية وتسريح العمالة السائبة مقابل الالتزام بدفع مرتبات شهرية مجزية لأصحاب الأعمال، والمنع من السفر، وغيرها. وهو في المحصلة، ما يزيد الوضع الحقوقي للعمالة الأجنبية كارثية وسوءاً.

ثالثاً: الحريات الشخصية والدينية:

باستثناء البحرين ودولة الإمارات نسبياً، تبرز إشكالية الحريات الشخصية والدينية للعمالة الأجنبية في دول الخليج كافة، وهو ما ينسحب على الحريات الشخصية والدينية عامة. إذ لا تزال بعض الدول الخليجية تمنع بعض العمال الأجانب من ممارسة حرياتهم الشخصية والدينية غير الإسلامية، وهو ما سجلته العديد من التقارير الإقليمية والدولية في حقوق الإنسان. ولا ترتبط هذه الانتقادات بمتبعي الديانات السماوية وحسب، بل تشمل غير الدينيين والهندوس وغيرها من الديانات والاعتقادات.

وترتبط في هذا السياق، الحقوق العمالية للخادمات في الخليج، وهي أكثر الفئات تعرضاً للأذى والمنع من ممارسة الحريات الشخصية والدينية، وصولاً إلى منعهن من الحق في الإجازات الأسبوعية والسنوية الاعتيادية.

رابعاً: القوانين التنظيمية والقضاء العادل:

تتباين دول الخليج بين بعضها البعض، في اكتمال البنى القانونية والتنظيمية للعمالة الأجنبية فيها، وهو ما يتصل أيضاً بانعدام وجود المحاكم المختصة بفض المنازعات العمالية في بعض الدول، وتتهم التقارير الدولية بعض دول الخليج في هذا السياق باعتمادها سياسة (التسفير الإلزامي) التعسفي وغير العادل للعمالة الأجنبية من دون الوفاء بحقوقها العمالية.

تطالب المنظمات الحقوقية الدولية بإيجاد أطر قانونية وتنظيمية للعمل في دول الخليج

لقد سجلت المنظمات الحقوقية الدولية العديد من الشكاوى التي تقدم بها العديد من العمال الأجانب في دول الخليج، وخلصت في العديد من التقارير المتخصصة في هذا السياق إلى أن دول الخليج لا تلتزم بالعديد من المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق العمال، على الرغم من أن بعض دول الخليج العربية كانت قد وقعت بالفعل على بعض هذه المعاهدات وتعهدت الالتزام بما ورد فيها.

وتطالب المنظمات الحقوقية الدولية بإيجاد أطر قانونية وتنظيمية للعمل في دول الخليج، وبتوفير المحاكم المتخصصة والمستقلة لفك المنازعات القضائية والعمالية، وهو ما توفر فعلاً في بعض التجارب الخليجية، وما لا يزال حبيس فضاء (الفكرة) في أخرى.

خامساً: سلوكيات أصحاب العمل (السيد الخليجي):

في ظل الفراغ القانوني والتنظيمي ورجعيته وضعفه من جهة، واعتماد نظام الكفيل من جهة أخرى، يأتي العامل الخامس متسقاً والتحليل السيكولوجي للشخصية الخليجية عامة. وهو ما يحيل بالضرورة إلى سياسات التعنيف والضرب وحبس الحريات الشخصية والجسدية والاعتداء اللفظي للعديد من فئات العمالة الأجنبية الرخيصة في الخليج. وهو بالمحصلة عامل من أهم عوامل النقد التي ارتكزت عليها تقارير منظمات حقوق الإنسان.

وتراهن تلك التقارير، على أن في إكمال مشروع التنظيم العمالي وإنهاء نظام الكفيل وإقرار المحاكم العمالية المتخصصة، فرصة للحد من هذه الظاهرة. كما تؤكد هذه التقارير على ضرورة البدء فعلياً في برامج توعوية إعلامية وثقافية تسلط الضوء على تلك الممارسات غير الإنسانية وغير الأخلاقية في التعامل مع هذه الشرائح الدنيا من العمالة الأجنبية.

 تضارب الأولويات

لم تستطع العديد من الاجتماعات لوزراء العمل الخليجيين صياغة رؤية مشتركة للتعامل مع أوضاع العمالة الأجنبية المهاجرة إلى دول الخليج العربية. فالأولويات مختلفة، والمصالح والتهديدات متباينة بين دول خليجية باتت تعتبر معدلات العمالة الأجنبية خطراً يجب الحد منه (الإمارات/ قطر/ البحرين) لأسباب عدة، ليس أقلها تهديد نسبة التركيبة السكانية والوقوع في التزامات التجنيس لهذه العمالة، وبين دول أخرى، ترتكز في قراءاتها لهذا الملف على تحسين ظروف المعيشة لهذه العمالة وضمان القدر المعقول والمقبول من الحريات والحقوق، ليس أكثر.

هذه الاختلافات جعلت من هذا الملف في بعض السياقات سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في سياقات أخرى. وهو بالتالي، ما تسبب في تباين المعالجات وتناقضها بين تجربة خليجية وأخرى.

فالبحرين التي تعتبر الأكثر تقدماً واهتماماً بحلحلة هذا الملف، أدركت ضرورة ترفيع هذا الملف ليكون إصلاحه والتعامل معه كعنصر رئيسي من عناصر مشروع كبير قاده ولي العهد نائب القائد الأعلى لقوة دفاع البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة تحت مسمى (مشروع إصلاح سوق العمل)، وهو ما انتهى أخيراً بإقرار حرية انتقال العامل الأجنبي وإلغاء نظام (الكفيل).

إن هذا القرار الذي من المنتظر أن يبدأ العمل به مطلع أغسطس 2009 المقبل لاقى العديد من الممانعات والاعتراضات من أصحاب العمل البحرينيين، وهو اختبار جدي لإصرار الدولة على المضي قدماً في إصلاح أوضاع العمالة الأجنبية في البحرين، لا بهدف الالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية وحسب، ولكن بهدف إيجاد بيئة عمل صحية ومتساوية للعمالتين الوطنية والأجنبية، على حد سواء.

لا شك في أن الآونة الأخيرة التي شهدت تراجعاً في مد الدمقرطة في الخليج، ألقت بظلالها على التحركات التي كانت قد بدأت بجدية في سبيل إصلاح وتصحيح أوضاع العمالة الأجنبية في الخليج. وهو ما تبعه تراجع العديد من الدول الخليجية عن تنفيذ العديد من الالتزامات التي تعهدت الوفاء بها. كما أن الأزمة المالية الأخيرة أسهمت، بشكل أو آخر، في موجات تسريح الآلاف من العمال الأجانب هنا وهناك. إلا أن هذا لا يعني انتهاء هذا الملف، فالعمالة الأجنبية في الخليج ستبقى المحرك الحقيقي لاقتصادات دول المنطقة دائماً، وهو ما يجعل من مناقشات أوضاعها وتموضعاتها حاجة ملحة، اليوم وغداً.

 معوقات الإصلاح

تتعدد معوقات الإصلاح لأوضاع العمالة الأجنبية في دول الخليج العربية داخلياً وخارجياً، ومنها:

1- المخاوف الخليجية من أن يكون التزامها بالقرارات والمواثيق الدولية بوابة لتجنيس العمالة الأجنبية فيها، مما سيؤدي لمخاطر مستقبلية سياسية واجتماعية وثقافية عليها.

2- مخاوف دول الخليج من نزوح هجرات جماعية للعمالة الأجنبية، خصوصاً العمالة الرخيصة تجاه دولها، وهو ما سيتسبب في الإخلال بالنظام الاقتصادي والاجتماعي فيها.

3- عدم إنجاز مشروع (الدولة) في بعض النماذج الخليجية، مما يجعل من هذه الدولة عاجزة عن الدخول في مراهنة القدرة على إيجاد تنظيم بديل عن نظام (الكفيل).

4- المخاوف المتصاعدة من تضاعف نسب البطالة في العمالة الوطنية في بعض دول الخليج العربية جراء ارتفاع تكلفتها مقارنة بالعمالة الأجنبية عامة.

5- اعتبار بعض دول الخليج إقرار الحريات العامة وحقوق الإنسان للعمالة الأجنبية مفتاحاً بيد الدول الغربية لمناقشة الحريات العامة السياسية والدينية في دول الخليج من باب أوسع، بخلاف الارتدادات والنتائج التي تتعلق بالنسبة للمواطن الخليجي نفسه، خاصة في ما يتعلق بالحريات الشخصية له.

6- اعتبار دول الخليج العربية فتح الباب واسعاً أمام الحريات الدينية والشخصية للعمالة الأجنبية خطراً على العديد من القواعد التأسيسية الدينية والأخلاقية لها.

7- العوامل الاجتماعية والثقافية الموروثة في المجتمعات الخليجية، ويتصل هذا العامل بفئة العمالة المنزلية والمهن الدنيا من العمالة المهاجرة للخليج.

8- الهاجس الأمني.

 

::/fulltext::

worker3-16f
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1152::/cck::
::introtext::

إذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد أذنت بفتح ملف الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان في الخليج واسعاً، فإن من جملة الفضاءات الحقوقية التي كان لها أن تحظى بجدل واهتمام كبيرين، فضاء حريات العمالة الأجنبية في الخليج، وحقوقها الإنسانية.

::/introtext::
::fulltext::

إذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد أذنت بفتح ملف الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان في الخليج واسعاً، فإن من جملة الفضاءات الحقوقية التي كان لها أن تحظى بجدل واهتمام كبيرين، فضاء حريات العمالة الأجنبية في الخليج، وحقوقها الإنسانية.

إن القراءات التي حاولت سبر هذا الملف كانت ولا تزال، محكومة بالعديد من العوامل والمؤثرات التي إما أن تكون مرتكزة على مصالح دول الخليج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة، أو منحازة إلى ما حوته العديد من النداءات والمطالبات الدولية بتحسين أوضاع العمالة الوافدة/المهاجرة في الخليج، العربية منها والأجنبية على حد سواء.

 مساحات النقد لأوضاع العمالة

إن تخوم إشكاليات هذا الملف متشعبة، مفتوحة بلا حدود، وتتركز أهم الانتقادات الصادرة عن المؤسسات والهيئات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان لدول الخليج في النقاط التالية:

أولاً: إشكالية الوضع الاعتباري وما يترتب عليها:

تصر دول الخليج العربية على اعتبار العمالة الأجنبية الموجودة على أراضيها عمالة (وافدة)، بمعنى أنها عمالة مؤقتة. فيما تؤكد المنظمات والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان على ضرورة وضعها في سياق العمالة (المهاجرة) مماثلة لنظيرتها في القارتين الأوروبية والأمريكية. وما بين أن تكون هذه العمالة (وافدة) أو (مهاجرة)، تختلف وجهات النظر، وتتمايز فضاءات المطالبات الحقوقية والعمالية.

وتتخوف دول الخليج العربية من أن يكون قبولها باعتبار العمالة الأجنبية فيها عمالة مهاجرة، إيذاناً بإعطاء هذه العمالة حق الحصول على الجنسيات الخليجية وفق قرارات الشرعية الدولية والمواثيق الدولية المختصة بحقوق العمال المهاجرين، وهو ما سيتسبب بالتأكيد في الإخلال بالتركيبة السكانية في بعض دول الخليج، خصوصاً تلك التي يفوق تعداد العمالة الأجنبية فيها تعداد مواطنيها. وهو أيضاً، ما سيفتح الباب واسعاً أمام هجرات جماعية كبرى من دول شرق آسيا وإفريقيا تجاه دول الخليج، ولا يخفى على أحد، خطر القبول باحتضان مثل هذه الهجرات، وما سيترتب عليها.

العمالة الأجنبية في الخليج ستبقى المحرك الحقيقي لاقتصادات دول المنطقة دائماً

إن مخاوف دول الخليج التي تبدو مبررة في هذا السياق، يعكر صفوها ضعف القوانين والتشريعات العمالية فيها، وهو ما يجعل من المطالبات الدولية تستند إلى الكثير من الوقائع التي يظهر فيها أصحاب العمل الخليجيين في أسوأ صورة لأرباب العمل حول العالم. وهو أيضاً، ما يستكمله شح وندرة وأحياناً (انعدام) الأطر التنظيمية للعمالة الأجنبية.

ثانياً: نظام الكفيل وتهمة (الرق الجديد):

لا يخلو تقرير حقوقي دولي من الإشارة السلبية لنظام (الكفيل) المعمول به في دول الخليج حالياً، وإذا كانت مملكة البحرين قد خطت أولى الخطوات تجاه إلغاء هذا النظام، فإن الدول الخليجية الكبرى تدرك جيداً، صعوبة القفز على هذا النظام وما سيترتب على ذلك من فوضى (العمالة السائبة) التي ستكون بالتأكيد الظاهرة الأقوى في حال تم إقرار إلغاء نظام الكفيل في دول الخليج كافة.

وعلى الرغم من التبريرات والدفوعات الحكومية الخليجية تجاه نجاعة نظام الكفيل، تؤكد التقارير الحقوقية الدولية أن نظام الكفيل هو أشبه ما يكون بالإعادة المؤدبة للرق. خصوصاً أن دول الخليج قاطبة، شهدت ولا تزال، العديد من الممارسات اللاإنسانية تجاه العمالة الأجنبية تبعاً لهذا النظام، منها سياسة (السخرة) للعمالة الأجنبية وتسريح العمالة السائبة مقابل الالتزام بدفع مرتبات شهرية مجزية لأصحاب الأعمال، والمنع من السفر، وغيرها. وهو في المحصلة، ما يزيد الوضع الحقوقي للعمالة الأجنبية كارثية وسوءاً.

ثالثاً: الحريات الشخصية والدينية:

باستثناء البحرين ودولة الإمارات نسبياً، تبرز إشكالية الحريات الشخصية والدينية للعمالة الأجنبية في دول الخليج كافة، وهو ما ينسحب على الحريات الشخصية والدينية عامة. إذ لا تزال بعض الدول الخليجية تمنع بعض العمال الأجانب من ممارسة حرياتهم الشخصية والدينية غير الإسلامية، وهو ما سجلته العديد من التقارير الإقليمية والدولية في حقوق الإنسان. ولا ترتبط هذه الانتقادات بمتبعي الديانات السماوية وحسب، بل تشمل غير الدينيين والهندوس وغيرها من الديانات والاعتقادات.

وترتبط في هذا السياق، الحقوق العمالية للخادمات في الخليج، وهي أكثر الفئات تعرضاً للأذى والمنع من ممارسة الحريات الشخصية والدينية، وصولاً إلى منعهن من الحق في الإجازات الأسبوعية والسنوية الاعتيادية.

رابعاً: القوانين التنظيمية والقضاء العادل:

تتباين دول الخليج بين بعضها البعض، في اكتمال البنى القانونية والتنظيمية للعمالة الأجنبية فيها، وهو ما يتصل أيضاً بانعدام وجود المحاكم المختصة بفض المنازعات العمالية في بعض الدول، وتتهم التقارير الدولية بعض دول الخليج في هذا السياق باعتمادها سياسة (التسفير الإلزامي) التعسفي وغير العادل للعمالة الأجنبية من دون الوفاء بحقوقها العمالية.

تطالب المنظمات الحقوقية الدولية بإيجاد أطر قانونية وتنظيمية للعمل في دول الخليج

لقد سجلت المنظمات الحقوقية الدولية العديد من الشكاوى التي تقدم بها العديد من العمال الأجانب في دول الخليج، وخلصت في العديد من التقارير المتخصصة في هذا السياق إلى أن دول الخليج لا تلتزم بالعديد من المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق العمال، على الرغم من أن بعض دول الخليج العربية كانت قد وقعت بالفعل على بعض هذه المعاهدات وتعهدت الالتزام بما ورد فيها.

وتطالب المنظمات الحقوقية الدولية بإيجاد أطر قانونية وتنظيمية للعمل في دول الخليج، وبتوفير المحاكم المتخصصة والمستقلة لفك المنازعات القضائية والعمالية، وهو ما توفر فعلاً في بعض التجارب الخليجية، وما لا يزال حبيس فضاء (الفكرة) في أخرى.

خامساً: سلوكيات أصحاب العمل (السيد الخليجي):

في ظل الفراغ القانوني والتنظيمي ورجعيته وضعفه من جهة، واعتماد نظام الكفيل من جهة أخرى، يأتي العامل الخامس متسقاً والتحليل السيكولوجي للشخصية الخليجية عامة. وهو ما يحيل بالضرورة إلى سياسات التعنيف والضرب وحبس الحريات الشخصية والجسدية والاعتداء اللفظي للعديد من فئات العمالة الأجنبية الرخيصة في الخليج. وهو بالمحصلة عامل من أهم عوامل النقد التي ارتكزت عليها تقارير منظمات حقوق الإنسان.

وتراهن تلك التقارير، على أن في إكمال مشروع التنظيم العمالي وإنهاء نظام الكفيل وإقرار المحاكم العمالية المتخصصة، فرصة للحد من هذه الظاهرة. كما تؤكد هذه التقارير على ضرورة البدء فعلياً في برامج توعوية إعلامية وثقافية تسلط الضوء على تلك الممارسات غير الإنسانية وغير الأخلاقية في التعامل مع هذه الشرائح الدنيا من العمالة الأجنبية.

 تضارب الأولويات

لم تستطع العديد من الاجتماعات لوزراء العمل الخليجيين صياغة رؤية مشتركة للتعامل مع أوضاع العمالة الأجنبية المهاجرة إلى دول الخليج العربية. فالأولويات مختلفة، والمصالح والتهديدات متباينة بين دول خليجية باتت تعتبر معدلات العمالة الأجنبية خطراً يجب الحد منه (الإمارات/ قطر/ البحرين) لأسباب عدة، ليس أقلها تهديد نسبة التركيبة السكانية والوقوع في التزامات التجنيس لهذه العمالة، وبين دول أخرى، ترتكز في قراءاتها لهذا الملف على تحسين ظروف المعيشة لهذه العمالة وضمان القدر المعقول والمقبول من الحريات والحقوق، ليس أكثر.

هذه الاختلافات جعلت من هذا الملف في بعض السياقات سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في سياقات أخرى. وهو بالتالي، ما تسبب في تباين المعالجات وتناقضها بين تجربة خليجية وأخرى.

فالبحرين التي تعتبر الأكثر تقدماً واهتماماً بحلحلة هذا الملف، أدركت ضرورة ترفيع هذا الملف ليكون إصلاحه والتعامل معه كعنصر رئيسي من عناصر مشروع كبير قاده ولي العهد نائب القائد الأعلى لقوة دفاع البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة تحت مسمى (مشروع إصلاح سوق العمل)، وهو ما انتهى أخيراً بإقرار حرية انتقال العامل الأجنبي وإلغاء نظام (الكفيل).

إن هذا القرار الذي من المنتظر أن يبدأ العمل به مطلع أغسطس 2009 المقبل لاقى العديد من الممانعات والاعتراضات من أصحاب العمل البحرينيين، وهو اختبار جدي لإصرار الدولة على المضي قدماً في إصلاح أوضاع العمالة الأجنبية في البحرين، لا بهدف الالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية وحسب، ولكن بهدف إيجاد بيئة عمل صحية ومتساوية للعمالتين الوطنية والأجنبية، على حد سواء.

لا شك في أن الآونة الأخيرة التي شهدت تراجعاً في مد الدمقرطة في الخليج، ألقت بظلالها على التحركات التي كانت قد بدأت بجدية في سبيل إصلاح وتصحيح أوضاع العمالة الأجنبية في الخليج. وهو ما تبعه تراجع العديد من الدول الخليجية عن تنفيذ العديد من الالتزامات التي تعهدت الوفاء بها. كما أن الأزمة المالية الأخيرة أسهمت، بشكل أو آخر، في موجات تسريح الآلاف من العمال الأجانب هنا وهناك. إلا أن هذا لا يعني انتهاء هذا الملف، فالعمالة الأجنبية في الخليج ستبقى المحرك الحقيقي لاقتصادات دول المنطقة دائماً، وهو ما يجعل من مناقشات أوضاعها وتموضعاتها حاجة ملحة، اليوم وغداً.

 معوقات الإصلاح

تتعدد معوقات الإصلاح لأوضاع العمالة الأجنبية في دول الخليج العربية داخلياً وخارجياً، ومنها:

1- المخاوف الخليجية من أن يكون التزامها بالقرارات والمواثيق الدولية بوابة لتجنيس العمالة الأجنبية فيها، مما سيؤدي لمخاطر مستقبلية سياسية واجتماعية وثقافية عليها.

2- مخاوف دول الخليج من نزوح هجرات جماعية للعمالة الأجنبية، خصوصاً العمالة الرخيصة تجاه دولها، وهو ما سيتسبب في الإخلال بالنظام الاقتصادي والاجتماعي فيها.

3- عدم إنجاز مشروع (الدولة) في بعض النماذج الخليجية، مما يجعل من هذه الدولة عاجزة عن الدخول في مراهنة القدرة على إيجاد تنظيم بديل عن نظام (الكفيل).

4- المخاوف المتصاعدة من تضاعف نسب البطالة في العمالة الوطنية في بعض دول الخليج العربية جراء ارتفاع تكلفتها مقارنة بالعمالة الأجنبية عامة.

5- اعتبار بعض دول الخليج إقرار الحريات العامة وحقوق الإنسان للعمالة الأجنبية مفتاحاً بيد الدول الغربية لمناقشة الحريات العامة السياسية والدينية في دول الخليج من باب أوسع، بخلاف الارتدادات والنتائج التي تتعلق بالنسبة للمواطن الخليجي نفسه، خاصة في ما يتعلق بالحريات الشخصية له.

6- اعتبار دول الخليج العربية فتح الباب واسعاً أمام الحريات الدينية والشخصية للعمالة الأجنبية خطراً على العديد من القواعد التأسيسية الدينية والأخلاقية لها.

7- العوامل الاجتماعية والثقافية الموروثة في المجتمعات الخليجية، ويتصل هذا العامل بفئة العمالة المنزلية والمهن الدنيا من العمالة المهاجرة للخليج.

8- الهاجس الأمني.

 

::/fulltext::
::cck::1152::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *