العراق وأمريكا وإشكالية الأمن في المنطقة
::cck::1181::/cck::
::introtext::
بداية يمكن القول إن مشكلات المنطقة بدأت عندما شن العراق خلال الفترة (1980- 1990) حربين على دولتين من الدول المجاورة له،مشعلاً بذلك فتيل الصراع لسنوات طويلة تكبد خلالها- هو وغيره من الدول- من الخسائر البشرية والدمار الاقتصادي ما ليس له مثيل في التاريخ الحديث لمنطقة الخليج العربي.
::/introtext::
::fulltext::
بداية يمكن القول إن مشكلات المنطقة بدأت عندما شن العراق خلال الفترة (1980- 1990) حربين على دولتين من الدول المجاورة له،مشعلاً بذلك فتيل الصراع لسنوات طويلة تكبد خلالها- هو وغيره من الدول- من الخسائر البشرية والدمار الاقتصادي ما ليس له مثيل في التاريخ الحديث لمنطقة الخليج العربي.
كانت الحرب العراقية- الإيرانية مؤشراً إلى جدلية مهمة،فمصداقية إمكانات العراق تواجهت مع هواجس إيران واندفعت إسرائيل في تطويق تلك المصداقية من خلال الحرب،وكانت السياسة العربية في الخليج العربي حذرة من الحرب لا بسبب عواقبها غير المرتقبة حسب وإنما بسبب مآل العراق منها.
وبعد 1988 عبرت الكثير من الدول عتبة الحذر وجنحت إلى تأكيد الهواجس وبحثت في مسألة تأمين المواقع في وجه مصداقية العراق،وفي الوقت نفسه لم يكن ثمة مدعاة للعراق أن يعدل عن سياسته العربية التي لم يفرط فيها رغم الحرب التي كان من المرجح لها أن تطال الدول الخليجية برمتها إن لم يحسن العراق الدفاع عنها وقد فعل فبرهن بذلك على أنه عنصر استقرار للأمن لا عامل تهييج له،وكان جراء ذلك أن شهدت السنوات الثماني تقارباً عراقياً- خليجياً كان باعثه الحقيقي الامتنان الخليجي لموقف العراق باعتباره صمام الأمان الذي حافظ لها قصداً أو عفواً على بقائها نائية عن التوترات العنيفة التي تصدى لها وحده،بيد أن التقاء التحولات الجذرية في منظومة العلاقات الدولية وهيكلية توزيع القوة والتغيير الجيوبولتيكي في أوروبا بعد التفكك الأيديولوجي واحتدام المواجهة بين النظم السياسية والتيارات السياسية- الاجتماعية في دول العالم الثالث وغيرها أدت إلى غزو العراق لدولة الكويت،وكانت آثاره على الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية في العلاقات العربية- العربية والعلاقات العربية – الشرق أوسطية،فضلاً عن الانعكاسات الدولية لتلك الحرب واضحة بشكل كبير على المنطقة.
وكان تأثير حرب 1991 على العراق كارثياً فقد أسقطت الولايات المتحدة ودول التحالف ما بين 16 يناير وفبراير عام 1991 حوالي 90 ألف طن من القنابل على العراق،أي ما يعادل القوة التفجيرية لسبع قنابل ذرية من قنبلة هيروشيما. وتشير بعض التقارير إلى أن الدبابات الأمريكية والبريطانية أطلقت ما بين خمسة وستة آلاف قذيفة من اليورانيوم المنضب،وأطلقت الطائرات عشرات الآلاف من هذه القنابل،وسببت موت زهاء خمسين ألف طفل عراقي في الأشهر الثمانية الأولى من عام 1991 نتيجة لإصابتهم بأمراض مختلفة لم تكن معروفة سابقاً،واستعمل (النابالم) الذي أحرق الجنود العراقيين في الخنادق.
إلا أن انتهاء الحرب وهزيمة العراق وانسحابه من الكويت لم تؤد إلى إلغاء قوات التحالف العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق وخاصة الحكومة الأمريكية وزاد الرئيس بوش الأب فرض الحصار ليشمل كافة الجوانب ومتطلبات الحياة. كما تحول جزء كبير من العراق إلى بيئة ملوثة ونشطة إشعاعياً وتناثرت في الصحراء الكويتية والعراقية وفي مواقع مدنية كثيرة في نهاية الحرب أسلحة محطمة وألغام وذخيرة أخرى غير منفجرة وملوثات كيميائية وركام نشيط إشعاعياً.
كان طرد القوات العراقية من الكويت في عام 1991 بداية حقبة من المعاناة امتدت عقداً من الزمان بالنسبة إلى الشعب العراقي الذي عانى من جراء فرض الأمم المتحدة عليه أكثر نظم العقوبات شمولية في التاريخ وانتهاك سيادته بواسطة دوريات الطائرات التي كانت تحوم في سماء بلاده جنوباً وشمالاً والبتر الهائل لقدرة العراق على التفاعل بأي طريقة مع جاراته. لكن دولة العراق بقيت موجودة ومن ثم فقد وفرت بعض التوازن لأمن الخليج. وفي ما يخص إيران فقد كان الوجود المستمر للدولة العراقية وقيادتها يؤدي وظيفة ثقل مواز – رغم أنه ثقل أضعف إلى حد كبير- لأي احتمال لنشر النفوذ الإيراني في العراق ومنطقة الخليج. وعلى نحو مختلف كان وجود النظام العراقي يحافظ على الوضع القائم بطريقة مختلفة لأنه يضمن إدامة الولايات المتحدة لوجودها العسكري البارز في الخليج وانتشار قواعدها في كل من سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية والكويت. وبينما بدا الوجود الأمريكي ظاهرياً كمن يبحث عن احتواء النظام العراقي فقد كان هذا الوجود يسهم أيضاً في مواجهة أي خطر أمني محتمل على دول الخليج العربية يأتي من طهران.
تميز عقد التسعينات من القرن الماضي بغياب الإدراك العراقي لطبيعة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة
لقد تميز عقد التسعينات من القرن الماضي بغياب الإدراك العراقي لطبيعة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة،فقد اضطلعت الولايات المتحدة بحماية المصالح الغربية في المنطقة،ويوضح السفير بول وولفوويتز سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق بالقول: (ينبغي ملاحظة الجانب الإيجابي في سياستنا الفذة ما بعد الحرب (1991): الحجم والسعة اللذان لم يسبق لهما مثيل لعمليات توفير الطمأنينة التي أثبتت فاعليتها المؤثرة،ونظام العقوبات الذي أبقى العراق في عزلته ونجح في نضوب إيراداته النفطية،كما أن فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة تمكنت من الكشف عن جزء كبير من قدرة العراق التسليحية وكذلك إضعاف قبضة بغداد على الشمال والجنوب).
إذاً كان هدف السياسة الأمريكية هو عزل العراق إقليمياً ودولياً واحتواء قوته وقدرته على تهديد جيرانه كجزء من خطة إقليمية أوسع تعزز أنظمة مسالمة ومستقرة في الشرق الأوسط،وتطبيقاً لذلك سعت الولايات المتحدة إلى:
1- المحافظة على تحالف حرب الخليج واستمرار تماسكه والعزم والتصميم على ديمومة تماسكه كهدف مركزي للولايات المتحدة وتسهيل القيام برد سريع إزاء أية أزمة أخرى.
2- دعم تركيا باعتبارها طرفاً في التحالف وحليفاً استراتيجياً وينبغي أن تتلقى الدعم في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية وهي دولة حيوية لتعزيز مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.
3- تقوية ودعم المعارضة الداخلية كهدف بحد ذاته لزعزعة العراق نظاماً وقيادة.
4- الضمانة الوحيدة لموازنة القوة في الخليج هي احتفاظ الولايات المتحدة بقوات كافية في المنطقة لمنع أي من دول الخليج من الإمساك بزمام الهيمنة بالقوة.
وبالمقابل ازداد ارتباط النظام العربي بالولايات المتحدة عسكرياً،حيث استمرت في سعيها لزيادة وجودها العسكري في منطقة الخليج تحديداً خاصة بعد أن وجدت في غزو العراق للكويت وتأييد الأخيرة وبقية دول مجلس التعاون ومصر وسورية للتدخل الخارجي من أجل تحرير الكويت فرصة لتحقيق أهدافها الخاصة بتأمين تدفق نفط الخليج بأسعار معقولة من خلال القضاء على أية قوة إقليمية تسعى إلى تهديده ولا سيما العراق الذي تقرب من الاتحاد السوفييتي وحرم الولايات المتحدة من النفط العراقي فضلاً عن نزوعه إلى القيام بدور مؤثر في الخليج.
العراق بعد الغزو الأمريكي أصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية التي تنتسب لتنظيم القاعدة
فالكويت فضلت إبرام اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في 19 سبتمبر 1991 لضمان أمنها ضد أي تهديدات مستقبلية. وبموجب الاتفاقية تمركزت في الكويت قوات أمريكية راوح عديدها بين 5 و6 كتائب من المشاة الميكانيكية فضلاً عن عناصر دعم أخرى مساندة لها وعناصر قيادة وأجهزتها،فارتفع العدد إلى ما بين (3000 و5000) جندي أمريكي.
وكثفت المملكة العربية السعودية علاقاتها العسكرية مع واشنطن وسمحت بوجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها في حين رفضت تخزين معدات أمريكية فيها. وزاد إنفاقها العسكري الذي ذهب معظمه إلى الميزانية الأمريكية خلال المدة من أغسطس 1990 وحتى17 يناير 1991 ليتجاوز 18 مليار دولار منها 5.7 مليار دولار لحيازة نظام الدفاع الجوي (باتريوت) المضاد للصواريخ وصواريخ مضادة للدبابات ونظام إدارة نيران و8.1 مليار دولار لشراء دبابات من طراز(م-1ا1).
ونفذت واشنطن عدداً من الهجمات الجوية الخاطفة التي أنهكت العراق عسكرياً ومنها ما جاء كرد فعل على تعامل العراق مع تمرد الأكراد في الشمال في استجابة لدعوة بوش بالتمرد على الحكومة وشكلت قوة لإعادة الاستقرار في الشمال بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 688 في 15 إبريل1991 وبانسحاب تلك القوة في حزيران 1991 أعلنت عن (المنطقة الآمنة) شمال خط 36 التي حظر طيران الطائرات العسكرية العراقية فوقها.
وجاء التغيير الأكبر في موازين الأمن في المنطقة في مارس عام 2003 عندما تم التخلي عن سياسة الاحتواء في قضية العراق،وتم تطبيق إجراءات مناهضة لحظر انتشار الأسلحة: استبعدت قوة مشتركة من الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية تتألف من أقل من 200 مفتش وتكلف ربما 80 مليون دولار في السنة ليحل مكانها غزو عسكري وحوالي 300 ألف شخص يكلفون حوالي 80 مليار دولار سنوياً. وأظهرت هذه التجربة أن عملية منع انتشار الأسلحة باستخدام القوة العضلية يمكن تحقيقها في وقت قصير،لكنها أدت إلى العديد من المشكلات.

فمن غير المعقول أن يكون لأفراد أعضاء في مجلس الأمن الحق باتخاذ قرار التحرك العسكري لتنفيذ قرارات المجلس عندما لا يكون هذا الأخير مستعداً للتفويض بهذا التحرك.
علمية غزو العراق في 2003 أدت إلى تقويض أسس نظام الأمن الإقليمي في المنطقة
إن حق الدفاع عن النفس في حال الاعتداء معترف به وضروري تماماً كما في حالة اعتداء العراق على الكويت في عام 1990. لكن بعد 11 سبتمبر 2001 ارتأت إدارة بوش أنه في بعض الحالات يجب أن تتمتع الدولة بحق استعمال القوة مستبقة الاعتداء أي اتخاذ التدبير الاستباقي. والتحرك العسكري ضد العراق في عام 2003 لم يعزز قضية الحصول على حق التحرك الاستباقي.
لقد برز خيار آخر للدول التي أرادت العمل عسكرياً ضد العراق في ربيع عام 2003،فقد كان باستطاعتهم الاهتمام بمطالب المجلس بشأن الحصول على المزيد من الوقت للتفتيش. فدعم المجلس للعمل العسكري الاستباقي كان من شأنه أن يعطي الشرعية لهذا التحرك. ولكن بدلاً من ذلك دفع ثمناً باهظاً لهذا التحرك من خلال: شرعية التحرك المشتبه فيها وتضرر صدقية الحكومات التي سعت إليه وتقلص سلطة الأمم المتحدة.
وبعد الغزو الأمريكي للعراق 2003 تقوضت أسس نظام الأمن الإقليمي وتهدمت في السنوات التالية عقب تفكك بنية الدولة العراقية وفشل إعادة بناء البلاد واندلاع العديد من الحروب الأهلية فيها. ولم يعد بإمكان العراق الآن أداء دور حجر الزاوية الحميد في المحافظة على نظام الأمن الإقليمي سلمياً. وبدلاً من ذلك أصبح العراق دوامة للتغيير وأخذ يجذب إليه تورط القوى الخارجية الحريصة على ترويج مصالحها القومية الخاصة.
فالتهديد الذي كان يطرحه العراق على أمن الخليج قبل عام 2003 ينبغي أن يكون مختلفاً نوعياً عن التهديدات التي نبعت منه منذ عام 2003، حيث إن ذلك العام يعد خطاً فاصلاً ملائماً لمثل هذا التمييز. ومن المؤكد أنه يمكن طرح أن العراق بدلاً من أن يكون مصدر الاضطراب الإقليمي في تسعينات القرن العشرين فقد تم إلغاء دوره هذا بواسطة فرض سياسة الاحتواء المزدوج الأمريكية ونظام العقوبات الذي فرضته الأمم المتحدة منذ التسعينات. وعلى أي حال فإن النقطة ذات الأهمية الحاسمة تتمثل في أنه حتى مع فرض أقسى نظم العقوبات على العراق فقد بقيت الدولة والنظام قائمين مما جعل الوضع يختلف كثيراً عن الوضع الذي أعقب عام 2003 لأن الدولة العراقية ظلت قادرة على حرمان القوى المجاورة من التأثير في المجال السياسي الداخلي. وكما هو معروف جيداً فبعد عام2003 أصبح العراق ملاذاً آمناً للجماعات المنتسبة إلى تنظيم القاعدة،ومن المشكوك فيه بقدر كبير أنه كان
كذلك قبل ذلك التاريخ.
وإذا كان العراق قد شكل خلال العقود الماضية تهديداً لدول الخليج العربية وخصوصاً دولة الكويت،ونظراً إلى خلل التوازن العسكري كان العراق حتى قبل غزوه الكويت عام 1990 هاجساً أمنياً لهذه الدول،ومثّل نظام صدام حسين أكبر تهديد للأمن والاستقرار والرخاء لمنطقة الخليج بأسرها. إلا أن العراق مازال يشكل عامل عدم استقرار وتهديد للأمن الإقليمي،ولكن بطرق مختلفة عما كان في السابق.
فالعراق حالياً يشكل خطراً جدياً لدول مجلس التعاون الخليجي من ثلاثة مصادر: المصدر الأول كونه دولة فاشلة أو آيلة إلى الفشل ومصدر الخطر الثاني هو ما يشهده العراق من فرز طائفي ومذهبي بين السنة والشيعة وانعكاساته على المجتمعات في دول مجلس التعاون والدول العربية الأخرى. أما الخطر الثالث فهو أن يكون العراق ملهماً وحاضناً لعناصر الإرهاب والتطرف مثل تنظيم القاعدة والتنظيمات المتأثرة بأطروحاته والتي قد تهدد دول المجلس ومصالحها بسبب اصطفاف هذه الدول إلى جانب القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.
التهديد الذي كان يشكله العراق قبل 2003 يختلف تماماً عن التهديد الذي ينبعث منه الآن
لقد كان من المفترض بحسب تصور المحافظين الجدد أن يكون العراق هو القدوة والمثال الذي من خلاله سيتم صوغ المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية ويحولها إلى منطقة طيعة يقضى فيها على الإرهابيين وتنتشر فيها الديمقراطية وتهمش الدول المارقة وأن يشكل الرافعة لمرحلة هيمنة بلا منازع في المنطقة لأجيال قادمة. وأثبت تطور الأوضاع في العراق أن ذلك التنظير كان غارقاً في السطحية والمثالية،حيث يدحضه الواقع المؤلم الذي آل إليه العراق والذي لأصبح اليوم مزيجاً من ثلاثة مركبات دولة فاشلة وحرب اهلية وحرب إقليمية جزئية.
وقد تغير المستوى الإقليمي لأمن الخليج بقدر كبير بتغير النظام في العراق،ومن المؤكد أنه منذ عام 1980- إن لم يكن قبل ذلك- تم بناء أمن الخليج على وجود قوتين عسكريتين وسياستين أساسيتين إيران والعراق ووجود المملكة العربية السعودية كمكون رئيسي في النظام الاقتصادي العالمي ووجود دول الخليج الأخرى كدول مهمة مصدرة للنفط ترتبط بعلاقات بعيدة الأمد مع القوى الغربية وتحديداً المملكة المتحدة،لكن أيضاً الولايات المتحدة بصورة متزايدة. ومع الإزالة الفاعلة للعراق كقوة قادرة على فرض قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية في منطقة الخليج فقد تمت إزاحة المقابل الإقليمي الطبيعي للهيمنة الإيرانية المحتملة،وأصبحت الكيفية التي سوف يبنى بها هيكل الأمن الخليجي الإقليمي مصدر قلق للدول العربية خاصة.
واليوم لايزال العراق دولة ضعيفة وستبقى كذلك ما لم يحدث تغيير راديكالي في السياسة المتبعة لبناء الدولة وزيادة ملحوظة في الدعم المتعدد الجوانب وعلى الرغم من هذا الواقع فقد لأبلغ الشعب العراقي والعالم بأسره بأن تسلسل الاحداث يشير إلى بدء نهاية العنف الذي بات يهيمن على حياتهم. إن إسقاط النظام في 9 إبريل 2003 وتشكيل مجلس الحكم العراقي في يونيو واعتقال صدام في ديسمبر 2003 وتسليم السيادة للحكومة الانتقالية في يونيو 2004 اعلن عنها بوصفها مراحل فاصلة ستعكس التيار المؤاتي لحالة التمرد.
كما أن انتخابات2005 و2010 وغيرها وعوضاً عن إيقاف انزلاق البلد إلى الفوضى السياسية لم تغير أي من هذه الأحداث بشكل جوهري القوى الضمنية المحركة للوضع،بل استمرت حالة اللاأمن والعنف تهيمن على حياة العراقيين العاديين. والقاسم المشترك بين الادعاءات المثالية- إن لم تكن ساذجة- التي تناولت نقاط التحول العديدة التي برزت في الأعوام الماضية وبين الضجة الدعائية المحيطة بالانتخابات هو سوء فهم أساسي للمشكلات التي يواجهها العراق اليوم،ولا يمكن العثور على حل ما لم يتم تشخيص المشكلة بذاتها.
إن العراق اليوم بحاجة ماسة إلى دولة يعاد بناء مؤسساتها الحاكمة من الأساس بعيداً عن (البيروقراطية العسكرية والسياسية)،ولن يعتمد نجاح أو فشل قيام دولة عراقية جديدة مستقرة في نهاية المطاف على أي مرحلة فاصلة واحدة أو حدث إعلامي بل على جودة هذه المؤسسة الجديدة.
لقد ألحقت حرب العراق ضرراً فادحاً بالولايات المتحدة بما يتجاوز ساحة العراق نفسها،فقد فقدت واشنطن صورة أنها الطرف الأهم القادر على معالجة قضايا المنطقة وفرض حل في الشرق الأوسط،وباتت تبحث لها عن طريقة للخروج من العراق. وفي ظل حرب مستمرة في العراق وأخرى متوقعة مع إيران تبدو منطقة الخليج وسط اجواء الحربين قلقة ومتخوفة،وبما يشعرها بالعجز عن التأثير أو تغيير مسار الاحداث بما يحقق استقرار المنطقة وهذا ما
يعيد الحديث مجدداً عن إشكالية الأمن والاستقرار في المنطقة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1181::/cck::
::introtext::
بداية يمكن القول إن مشكلات المنطقة بدأت عندما شن العراق خلال الفترة (1980- 1990) حربين على دولتين من الدول المجاورة له،مشعلاً بذلك فتيل الصراع لسنوات طويلة تكبد خلالها- هو وغيره من الدول- من الخسائر البشرية والدمار الاقتصادي ما ليس له مثيل في التاريخ الحديث لمنطقة الخليج العربي.
::/introtext::
::fulltext::
بداية يمكن القول إن مشكلات المنطقة بدأت عندما شن العراق خلال الفترة (1980- 1990) حربين على دولتين من الدول المجاورة له،مشعلاً بذلك فتيل الصراع لسنوات طويلة تكبد خلالها- هو وغيره من الدول- من الخسائر البشرية والدمار الاقتصادي ما ليس له مثيل في التاريخ الحديث لمنطقة الخليج العربي.
كانت الحرب العراقية- الإيرانية مؤشراً إلى جدلية مهمة،فمصداقية إمكانات العراق تواجهت مع هواجس إيران واندفعت إسرائيل في تطويق تلك المصداقية من خلال الحرب،وكانت السياسة العربية في الخليج العربي حذرة من الحرب لا بسبب عواقبها غير المرتقبة حسب وإنما بسبب مآل العراق منها.
وبعد 1988 عبرت الكثير من الدول عتبة الحذر وجنحت إلى تأكيد الهواجس وبحثت في مسألة تأمين المواقع في وجه مصداقية العراق،وفي الوقت نفسه لم يكن ثمة مدعاة للعراق أن يعدل عن سياسته العربية التي لم يفرط فيها رغم الحرب التي كان من المرجح لها أن تطال الدول الخليجية برمتها إن لم يحسن العراق الدفاع عنها وقد فعل فبرهن بذلك على أنه عنصر استقرار للأمن لا عامل تهييج له،وكان جراء ذلك أن شهدت السنوات الثماني تقارباً عراقياً- خليجياً كان باعثه الحقيقي الامتنان الخليجي لموقف العراق باعتباره صمام الأمان الذي حافظ لها قصداً أو عفواً على بقائها نائية عن التوترات العنيفة التي تصدى لها وحده،بيد أن التقاء التحولات الجذرية في منظومة العلاقات الدولية وهيكلية توزيع القوة والتغيير الجيوبولتيكي في أوروبا بعد التفكك الأيديولوجي واحتدام المواجهة بين النظم السياسية والتيارات السياسية- الاجتماعية في دول العالم الثالث وغيرها أدت إلى غزو العراق لدولة الكويت،وكانت آثاره على الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية في العلاقات العربية- العربية والعلاقات العربية – الشرق أوسطية،فضلاً عن الانعكاسات الدولية لتلك الحرب واضحة بشكل كبير على المنطقة.
وكان تأثير حرب 1991 على العراق كارثياً فقد أسقطت الولايات المتحدة ودول التحالف ما بين 16 يناير وفبراير عام 1991 حوالي 90 ألف طن من القنابل على العراق،أي ما يعادل القوة التفجيرية لسبع قنابل ذرية من قنبلة هيروشيما. وتشير بعض التقارير إلى أن الدبابات الأمريكية والبريطانية أطلقت ما بين خمسة وستة آلاف قذيفة من اليورانيوم المنضب،وأطلقت الطائرات عشرات الآلاف من هذه القنابل،وسببت موت زهاء خمسين ألف طفل عراقي في الأشهر الثمانية الأولى من عام 1991 نتيجة لإصابتهم بأمراض مختلفة لم تكن معروفة سابقاً،واستعمل (النابالم) الذي أحرق الجنود العراقيين في الخنادق.
إلا أن انتهاء الحرب وهزيمة العراق وانسحابه من الكويت لم تؤد إلى إلغاء قوات التحالف العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق وخاصة الحكومة الأمريكية وزاد الرئيس بوش الأب فرض الحصار ليشمل كافة الجوانب ومتطلبات الحياة. كما تحول جزء كبير من العراق إلى بيئة ملوثة ونشطة إشعاعياً وتناثرت في الصحراء الكويتية والعراقية وفي مواقع مدنية كثيرة في نهاية الحرب أسلحة محطمة وألغام وذخيرة أخرى غير منفجرة وملوثات كيميائية وركام نشيط إشعاعياً.
كان طرد القوات العراقية من الكويت في عام 1991 بداية حقبة من المعاناة امتدت عقداً من الزمان بالنسبة إلى الشعب العراقي الذي عانى من جراء فرض الأمم المتحدة عليه أكثر نظم العقوبات شمولية في التاريخ وانتهاك سيادته بواسطة دوريات الطائرات التي كانت تحوم في سماء بلاده جنوباً وشمالاً والبتر الهائل لقدرة العراق على التفاعل بأي طريقة مع جاراته. لكن دولة العراق بقيت موجودة ومن ثم فقد وفرت بعض التوازن لأمن الخليج. وفي ما يخص إيران فقد كان الوجود المستمر للدولة العراقية وقيادتها يؤدي وظيفة ثقل مواز – رغم أنه ثقل أضعف إلى حد كبير- لأي احتمال لنشر النفوذ الإيراني في العراق ومنطقة الخليج. وعلى نحو مختلف كان وجود النظام العراقي يحافظ على الوضع القائم بطريقة مختلفة لأنه يضمن إدامة الولايات المتحدة لوجودها العسكري البارز في الخليج وانتشار قواعدها في كل من سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية والكويت. وبينما بدا الوجود الأمريكي ظاهرياً كمن يبحث عن احتواء النظام العراقي فقد كان هذا الوجود يسهم أيضاً في مواجهة أي خطر أمني محتمل على دول الخليج العربية يأتي من طهران.
تميز عقد التسعينات من القرن الماضي بغياب الإدراك العراقي لطبيعة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة
لقد تميز عقد التسعينات من القرن الماضي بغياب الإدراك العراقي لطبيعة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة،فقد اضطلعت الولايات المتحدة بحماية المصالح الغربية في المنطقة،ويوضح السفير بول وولفوويتز سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق بالقول: (ينبغي ملاحظة الجانب الإيجابي في سياستنا الفذة ما بعد الحرب (1991): الحجم والسعة اللذان لم يسبق لهما مثيل لعمليات توفير الطمأنينة التي أثبتت فاعليتها المؤثرة،ونظام العقوبات الذي أبقى العراق في عزلته ونجح في نضوب إيراداته النفطية،كما أن فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة تمكنت من الكشف عن جزء كبير من قدرة العراق التسليحية وكذلك إضعاف قبضة بغداد على الشمال والجنوب).
إذاً كان هدف السياسة الأمريكية هو عزل العراق إقليمياً ودولياً واحتواء قوته وقدرته على تهديد جيرانه كجزء من خطة إقليمية أوسع تعزز أنظمة مسالمة ومستقرة في الشرق الأوسط،وتطبيقاً لذلك سعت الولايات المتحدة إلى:
1- المحافظة على تحالف حرب الخليج واستمرار تماسكه والعزم والتصميم على ديمومة تماسكه كهدف مركزي للولايات المتحدة وتسهيل القيام برد سريع إزاء أية أزمة أخرى.
2- دعم تركيا باعتبارها طرفاً في التحالف وحليفاً استراتيجياً وينبغي أن تتلقى الدعم في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية وهي دولة حيوية لتعزيز مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.
3- تقوية ودعم المعارضة الداخلية كهدف بحد ذاته لزعزعة العراق نظاماً وقيادة.
4- الضمانة الوحيدة لموازنة القوة في الخليج هي احتفاظ الولايات المتحدة بقوات كافية في المنطقة لمنع أي من دول الخليج من الإمساك بزمام الهيمنة بالقوة.
وبالمقابل ازداد ارتباط النظام العربي بالولايات المتحدة عسكرياً،حيث استمرت في سعيها لزيادة وجودها العسكري في منطقة الخليج تحديداً خاصة بعد أن وجدت في غزو العراق للكويت وتأييد الأخيرة وبقية دول مجلس التعاون ومصر وسورية للتدخل الخارجي من أجل تحرير الكويت فرصة لتحقيق أهدافها الخاصة بتأمين تدفق نفط الخليج بأسعار معقولة من خلال القضاء على أية قوة إقليمية تسعى إلى تهديده ولا سيما العراق الذي تقرب من الاتحاد السوفييتي وحرم الولايات المتحدة من النفط العراقي فضلاً عن نزوعه إلى القيام بدور مؤثر في الخليج.
العراق بعد الغزو الأمريكي أصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية التي تنتسب لتنظيم القاعدة
فالكويت فضلت إبرام اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في 19 سبتمبر 1991 لضمان أمنها ضد أي تهديدات مستقبلية. وبموجب الاتفاقية تمركزت في الكويت قوات أمريكية راوح عديدها بين 5 و6 كتائب من المشاة الميكانيكية فضلاً عن عناصر دعم أخرى مساندة لها وعناصر قيادة وأجهزتها،فارتفع العدد إلى ما بين (3000 و5000) جندي أمريكي.
وكثفت المملكة العربية السعودية علاقاتها العسكرية مع واشنطن وسمحت بوجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها في حين رفضت تخزين معدات أمريكية فيها. وزاد إنفاقها العسكري الذي ذهب معظمه إلى الميزانية الأمريكية خلال المدة من أغسطس 1990 وحتى17 يناير 1991 ليتجاوز 18 مليار دولار منها 5.7 مليار دولار لحيازة نظام الدفاع الجوي (باتريوت) المضاد للصواريخ وصواريخ مضادة للدبابات ونظام إدارة نيران و8.1 مليار دولار لشراء دبابات من طراز(م-1ا1).
ونفذت واشنطن عدداً من الهجمات الجوية الخاطفة التي أنهكت العراق عسكرياً ومنها ما جاء كرد فعل على تعامل العراق مع تمرد الأكراد في الشمال في استجابة لدعوة بوش بالتمرد على الحكومة وشكلت قوة لإعادة الاستقرار في الشمال بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 688 في 15 إبريل1991 وبانسحاب تلك القوة في حزيران 1991 أعلنت عن (المنطقة الآمنة) شمال خط 36 التي حظر طيران الطائرات العسكرية العراقية فوقها.
وجاء التغيير الأكبر في موازين الأمن في المنطقة في مارس عام 2003 عندما تم التخلي عن سياسة الاحتواء في قضية العراق،وتم تطبيق إجراءات مناهضة لحظر انتشار الأسلحة: استبعدت قوة مشتركة من الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية تتألف من أقل من 200 مفتش وتكلف ربما 80 مليون دولار في السنة ليحل مكانها غزو عسكري وحوالي 300 ألف شخص يكلفون حوالي 80 مليار دولار سنوياً. وأظهرت هذه التجربة أن عملية منع انتشار الأسلحة باستخدام القوة العضلية يمكن تحقيقها في وقت قصير،لكنها أدت إلى العديد من المشكلات.

فمن غير المعقول أن يكون لأفراد أعضاء في مجلس الأمن الحق باتخاذ قرار التحرك العسكري لتنفيذ قرارات المجلس عندما لا يكون هذا الأخير مستعداً للتفويض بهذا التحرك.
علمية غزو العراق في 2003 أدت إلى تقويض أسس نظام الأمن الإقليمي في المنطقة
إن حق الدفاع عن النفس في حال الاعتداء معترف به وضروري تماماً كما في حالة اعتداء العراق على الكويت في عام 1990. لكن بعد 11 سبتمبر 2001 ارتأت إدارة بوش أنه في بعض الحالات يجب أن تتمتع الدولة بحق استعمال القوة مستبقة الاعتداء أي اتخاذ التدبير الاستباقي. والتحرك العسكري ضد العراق في عام 2003 لم يعزز قضية الحصول على حق التحرك الاستباقي.
لقد برز خيار آخر للدول التي أرادت العمل عسكرياً ضد العراق في ربيع عام 2003،فقد كان باستطاعتهم الاهتمام بمطالب المجلس بشأن الحصول على المزيد من الوقت للتفتيش. فدعم المجلس للعمل العسكري الاستباقي كان من شأنه أن يعطي الشرعية لهذا التحرك. ولكن بدلاً من ذلك دفع ثمناً باهظاً لهذا التحرك من خلال: شرعية التحرك المشتبه فيها وتضرر صدقية الحكومات التي سعت إليه وتقلص سلطة الأمم المتحدة.
وبعد الغزو الأمريكي للعراق 2003 تقوضت أسس نظام الأمن الإقليمي وتهدمت في السنوات التالية عقب تفكك بنية الدولة العراقية وفشل إعادة بناء البلاد واندلاع العديد من الحروب الأهلية فيها. ولم يعد بإمكان العراق الآن أداء دور حجر الزاوية الحميد في المحافظة على نظام الأمن الإقليمي سلمياً. وبدلاً من ذلك أصبح العراق دوامة للتغيير وأخذ يجذب إليه تورط القوى الخارجية الحريصة على ترويج مصالحها القومية الخاصة.
فالتهديد الذي كان يطرحه العراق على أمن الخليج قبل عام 2003 ينبغي أن يكون مختلفاً نوعياً عن التهديدات التي نبعت منه منذ عام 2003، حيث إن ذلك العام يعد خطاً فاصلاً ملائماً لمثل هذا التمييز. ومن المؤكد أنه يمكن طرح أن العراق بدلاً من أن يكون مصدر الاضطراب الإقليمي في تسعينات القرن العشرين فقد تم إلغاء دوره هذا بواسطة فرض سياسة الاحتواء المزدوج الأمريكية ونظام العقوبات الذي فرضته الأمم المتحدة منذ التسعينات. وعلى أي حال فإن النقطة ذات الأهمية الحاسمة تتمثل في أنه حتى مع فرض أقسى نظم العقوبات على العراق فقد بقيت الدولة والنظام قائمين مما جعل الوضع يختلف كثيراً عن الوضع الذي أعقب عام 2003 لأن الدولة العراقية ظلت قادرة على حرمان القوى المجاورة من التأثير في المجال السياسي الداخلي. وكما هو معروف جيداً فبعد عام2003 أصبح العراق ملاذاً آمناً للجماعات المنتسبة إلى تنظيم القاعدة،ومن المشكوك فيه بقدر كبير أنه كان
كذلك قبل ذلك التاريخ.
وإذا كان العراق قد شكل خلال العقود الماضية تهديداً لدول الخليج العربية وخصوصاً دولة الكويت،ونظراً إلى خلل التوازن العسكري كان العراق حتى قبل غزوه الكويت عام 1990 هاجساً أمنياً لهذه الدول،ومثّل نظام صدام حسين أكبر تهديد للأمن والاستقرار والرخاء لمنطقة الخليج بأسرها. إلا أن العراق مازال يشكل عامل عدم استقرار وتهديد للأمن الإقليمي،ولكن بطرق مختلفة عما كان في السابق.
فالعراق حالياً يشكل خطراً جدياً لدول مجلس التعاون الخليجي من ثلاثة مصادر: المصدر الأول كونه دولة فاشلة أو آيلة إلى الفشل ومصدر الخطر الثاني هو ما يشهده العراق من فرز طائفي ومذهبي بين السنة والشيعة وانعكاساته على المجتمعات في دول مجلس التعاون والدول العربية الأخرى. أما الخطر الثالث فهو أن يكون العراق ملهماً وحاضناً لعناصر الإرهاب والتطرف مثل تنظيم القاعدة والتنظيمات المتأثرة بأطروحاته والتي قد تهدد دول المجلس ومصالحها بسبب اصطفاف هذه الدول إلى جانب القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.
التهديد الذي كان يشكله العراق قبل 2003 يختلف تماماً عن التهديد الذي ينبعث منه الآن
لقد كان من المفترض بحسب تصور المحافظين الجدد أن يكون العراق هو القدوة والمثال الذي من خلاله سيتم صوغ المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية ويحولها إلى منطقة طيعة يقضى فيها على الإرهابيين وتنتشر فيها الديمقراطية وتهمش الدول المارقة وأن يشكل الرافعة لمرحلة هيمنة بلا منازع في المنطقة لأجيال قادمة. وأثبت تطور الأوضاع في العراق أن ذلك التنظير كان غارقاً في السطحية والمثالية،حيث يدحضه الواقع المؤلم الذي آل إليه العراق والذي لأصبح اليوم مزيجاً من ثلاثة مركبات دولة فاشلة وحرب اهلية وحرب إقليمية جزئية.
وقد تغير المستوى الإقليمي لأمن الخليج بقدر كبير بتغير النظام في العراق،ومن المؤكد أنه منذ عام 1980- إن لم يكن قبل ذلك- تم بناء أمن الخليج على وجود قوتين عسكريتين وسياستين أساسيتين إيران والعراق ووجود المملكة العربية السعودية كمكون رئيسي في النظام الاقتصادي العالمي ووجود دول الخليج الأخرى كدول مهمة مصدرة للنفط ترتبط بعلاقات بعيدة الأمد مع القوى الغربية وتحديداً المملكة المتحدة،لكن أيضاً الولايات المتحدة بصورة متزايدة. ومع الإزالة الفاعلة للعراق كقوة قادرة على فرض قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية في منطقة الخليج فقد تمت إزاحة المقابل الإقليمي الطبيعي للهيمنة الإيرانية المحتملة،وأصبحت الكيفية التي سوف يبنى بها هيكل الأمن الخليجي الإقليمي مصدر قلق للدول العربية خاصة.
واليوم لايزال العراق دولة ضعيفة وستبقى كذلك ما لم يحدث تغيير راديكالي في السياسة المتبعة لبناء الدولة وزيادة ملحوظة في الدعم المتعدد الجوانب وعلى الرغم من هذا الواقع فقد لأبلغ الشعب العراقي والعالم بأسره بأن تسلسل الاحداث يشير إلى بدء نهاية العنف الذي بات يهيمن على حياتهم. إن إسقاط النظام في 9 إبريل 2003 وتشكيل مجلس الحكم العراقي في يونيو واعتقال صدام في ديسمبر 2003 وتسليم السيادة للحكومة الانتقالية في يونيو 2004 اعلن عنها بوصفها مراحل فاصلة ستعكس التيار المؤاتي لحالة التمرد.
كما أن انتخابات2005 و2010 وغيرها وعوضاً عن إيقاف انزلاق البلد إلى الفوضى السياسية لم تغير أي من هذه الأحداث بشكل جوهري القوى الضمنية المحركة للوضع،بل استمرت حالة اللاأمن والعنف تهيمن على حياة العراقيين العاديين. والقاسم المشترك بين الادعاءات المثالية- إن لم تكن ساذجة- التي تناولت نقاط التحول العديدة التي برزت في الأعوام الماضية وبين الضجة الدعائية المحيطة بالانتخابات هو سوء فهم أساسي للمشكلات التي يواجهها العراق اليوم،ولا يمكن العثور على حل ما لم يتم تشخيص المشكلة بذاتها.
إن العراق اليوم بحاجة ماسة إلى دولة يعاد بناء مؤسساتها الحاكمة من الأساس بعيداً عن (البيروقراطية العسكرية والسياسية)،ولن يعتمد نجاح أو فشل قيام دولة عراقية جديدة مستقرة في نهاية المطاف على أي مرحلة فاصلة واحدة أو حدث إعلامي بل على جودة هذه المؤسسة الجديدة.
لقد ألحقت حرب العراق ضرراً فادحاً بالولايات المتحدة بما يتجاوز ساحة العراق نفسها،فقد فقدت واشنطن صورة أنها الطرف الأهم القادر على معالجة قضايا المنطقة وفرض حل في الشرق الأوسط،وباتت تبحث لها عن طريقة للخروج من العراق. وفي ظل حرب مستمرة في العراق وأخرى متوقعة مع إيران تبدو منطقة الخليج وسط اجواء الحربين قلقة ومتخوفة،وبما يشعرها بالعجز عن التأثير أو تغيير مسار الاحداث بما يحقق استقرار المنطقة وهذا ما
يعيد الحديث مجدداً عن إشكالية الأمن والاستقرار في المنطقة.
::/fulltext::
::cck::1181::/cck::
