قراءة في الأزمة المالية العالمية: وسبل المواجهة خليجياً

::cck::1208::/cck::
::introtext::

قيل الكثير في الأزمة المالية العالمية وعن الأسباب الحقيقية لها، لكن تبقى السياسات النقدية المتساهلة في مطلع القرن الحالي وسهولة الاقتراض في قطاع العقارات وأيضاً سهولة التوريق (التسنيد) للديون والرغبات الجامحة للمواطن الأمريكي في امتلاك دار للسكن تسهل الأمر للمضاربة داخل القطاع، وقد شجع ذلك على تحسين مستوى الأجور والدخول بالإضافة إلى سهولة تسنيد الأقساط المتقلبة تبعاً لسعر الفائدة. 

::/introtext::
::fulltext::

قيل الكثير في الأزمة المالية العالمية وعن الأسباب الحقيقية لها، لكن تبقى السياسات النقدية المتساهلة في مطلع القرن الحالي وسهولة الاقتراض في قطاع العقارات وأيضاً سهولة التوريق (التسنيد) للديون والرغبات الجامحة للمواطن الأمريكي في امتلاك دار للسكن تسهل الأمر للمضاربة داخل القطاع، وقد شجع ذلك على تحسين مستوى الأجور والدخول بالإضافة إلى سهولة تسنيد الأقساط المتقلبة تبعاً لسعر الفائدة.

إن المخيف في هذه الأزمة تلك التداعيات التي لا يزال العالم يمسي ويصبح فيها مترافقة مع المزيد من الخوف والشك في القدرات الاقتصادية لأكبر دول العالم ضخامة وسلطة على الاقتصاد العالمي. وما يميز هذه الأزمة عن سابقتها هو أن الأزمات السابقة كانت تصطبغ بصبغة الشحة في العرض السلعي، لكن هذه المرة كانت مختلفة عما سبقتها من أزمات، إذ اتصفت بتوافر العرض السلعي مع هامشية الطلب عليه وهو ما سجل حدثاً جديداً لعلماء الاقتصاد، وأرجع بهم الأحداث إلى أزمة (1929 – 1932) وهو ما سبب الذعر العالمي الذي حصل على نطاق جعل من المعالجات أشبه بالخيال للحد من آثارها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي الوقت نفسه بدا واضحاً أنه لا يمكن التكهن متى تبدأ عوارض الشفاء بشكل يبعث الثقة مرة أخرى في آليات النظام المالي والمصرفي العالمي.

المنظومة الرأسمالية على مدى تاريخها كانت حاملة لمساحة من الاضطراب والتنافس كما يحمل السحاب المطر 

وتأسيساً على ذلك بدأ البنك الفيدرالي في الولايات المتحدة والبنوك المركزية في أوروبا واليابان وأستراليا ودول أخرى بضخ الموجة تلو الموجة من السيولة بعدة طرق في مقدمتها شراء الأسهم والسندات المتعثرة على أمل تحسين أسعارها ومن ثم سرعة إعادة الثقة لأسواق المال والمؤسسات التجارية والاستثمارية وشركات التأمين وبيوت المال والسمسرة، ولعل التشريع الأمريكي لمعالجة الأزمة في مقدمة تلك السياسات المالية عندما تم تخويل وزير الخزانة العمل ضمن نطاق 700 مليار دولار، وبلغت أقصى الإجراءات في بريطانيا عندما أممت بعض مؤسساتها، وفعل البعض الكثير من الدفع في اتجاه تخفيض أسعار الفائدة بين البنوك المحلية. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه لماذا كل هذه الأفعال الإجبارية، الدمج القسري للمصارف والبنوك أو أحياناً في دفع المؤسسات الخاسرة إلى إعلان الإفلاس والترحيب الرسمي بذلك من أجل إعادة الهيكلة لهذه المؤسسات، إن كل ذلك يأتي في سياق الشعور بالخطر من قبل الجميع بالصورة التي قد تجعل هذه الأزمة سبباً في الدفع باتجاه الاحتراب، فالتاريخ يقول إن المنظومة الرأسمالية على مدى تاريخها كانت حاملة لمساحة من الاضطراب والتنافس كما يحمل السحاب المطر، فكلما تصاعد أتون الأزمة لابد أن نتوقع حدوث حرب (حتى إن تم افتعالها) وتاريخ أمريكا على الأقل هو الدليل الساطع والقاطع بشكل عام لما بعد الحرب الكونية الثانية وفي القرن الجديد ما بعد أحداث 11/9/2001 وما تلاها من احتلال سافر لأفغانستان والعراق.

 دول مجلس التعاون الخليجي وسبل المواجهة

في البدء لا بد من القول إن دول مجلس التعاون الخليجي فرضت نفسها كاقتصادات لها دور مميز في العلاقات الدولية بعد تصحيح أسعار نفطها عام 1973، وأخذت حينها بناصية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بعد امتلاكها عوائدها النفطية، ونجحت في إعادة بناء الهياكل الاقتصادية في محاولة لتنويع مصادر نواتجها المحلية، وبقيت هذه المجموعة العربية تلعب أدواراً مهمة على الصعيدين الإقليمي والدولي في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم سواء كمجهزة للاقتصاد العالمي بالطاقة من النفط والغاز، ومن ثم ثبات موقفها من التطورات الاقتصادية والسياسية التي حدثت في طبيعة الصراع القائم بين الشرق والغرب آنذاك. وتمتلك هذه المجموعة العربية العديد من إمكانات القوة الاقتصادية وبالتالي الاستراتيجية التي تؤهلها أن تكون بطليعة الاقتصادات الرئيسية في العالم، وفي مقدمة ذلك امتلاكها احتياطيات مؤكدة من النفط والغاز تبلغ 36 في المائة و22 في المائة من الاحتياطيات العالمية على التوالي، كذلك تمتعها بنظم رفاهية سخية وترابط اجتماعي قائم على صلات القرابة الأسرية والقبلية.

خفضت السلطات النقدية في دول مجلس التعاون أسعار الفائدة للمحافظة على استقرار صرف عملاتها المثبتة مقابل الدولار 

وفي ظل مختلف جوانب العولمة على أثر انبثاق النظام الاقتصادي العالمي وتحول العالم كما يقال إلى قرية واحدة، فإنه لم يسلم أحد من تأثيرات الأزمة المالية الراهنة، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي من خلال قنوات عدة ، أولها أن كافة عملاتها ترتبط بالدولار الأمريكي ما عدا دولة الكويت وبالتالي فإن ما يحصل في الولايات المتحدة لا بد أن ينعكس على دول المجلس كذلك لأن نفطها يسعر بالدولار الأمريكي، وهناك قناة التجارة الخارجية مع الولايات المتحدة باعتبارها الشريك التجاري الثاني بعد الاتحاد الأوروبي وبنسبة 30 في المائة لعام 2007، ناهيك عن ضخامة الاستثمارات الخليجية الحكومية والخاصة فيها، وأخيراً لعبت حرية حركة رؤوس الأموال بين الأسواق المالية بفعل تكنولوجيا الاتصالات في دول المجلس وبين مثيلاتها في أوروبا والولايات المتحدة، عندما سمحت القوانين النافذة للأجانب وفروع المصارف الأجنبية بالعمل في محيط متحرر من القيود المالية على اختلاف أنواعها مع درجة الانكشاف العالية على الخارج وفي أقصى الدرجات، وعند انفجار هذه الأزمة انسحبت كل هذه الأطراف من الأسواق المالية الخليجية، بالإضافة إلى كل ما ورد فإن نسبة كبيرة من المستثمرين المحليين يتعاملون في العديد من الأدوات المالية الجديدة (المشتقات باختلاف أنواعها) وهم لا يفهمونها جيداً.

تشير البيانات إلى تركز معظم التبادل التجاري البيني لدول المجلس بين الدول المتجاورة 

وللحد من آثار الأزمة المالية العالمية خفضت السلطات النقدية في دول مجلس التعاون الخليجي أسعار الفائدة للمحافظة على استقرار صرف عملاتها المثبتة مقابل الدولار، إلى جانب تقديم التمويلات الطارئة للبنوك واتباع سياسة توسعية في مجال الإنفاق العام، ولا نعتقد أن ذلك كاف لمواجهة ما هو قادم من تأثيرات الأزمة. ولذلك نطرح هنا مجموعة من الإجراءات والسبل لهذا الغرض:

 أولاً: لابد من الأخذ في الاعتبار التطورات الاقتصادية في العالم والقناعة بأن تصرفات الأمس تختلف عما يحصل اليوم، إذ إن التخفيض لأسعار الفائدة يعني الاستمرار في توسع السياسة النقدية، وبالتالي يكون لزاماً مراقبة الفجوة بين القروض والودائع المصرفية للمحافظة على حجم مستوياتها في ظل انخفاض أسعار النفط، وفي هذه النقطة يقول المختصون في الشأن الخليجي إن التصرف لابد أن يكون عكس ذلك، لأن الفائدة الدولية في العقود الأخيرة من القرن المنصرم هي عكس اليوم في ظل انبثاق عملة اليورو في 1/1/2001 وبزوغ اقتصادات قوية في آسيا، وفي أمريكا الجنوبية مثل الأرجنتين والبرازيل، أي بمعنى أن رفع الفائدة كان الأجدر القيام به، وهذا بالتأكيد غير ممكن لربط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي، أو بعبارة أخرى أن دول مجلس التعاون عليها أن تفعل ما تقوم به الولايات المتحدة.

 ثانياً: حسم الجدل الدائر حول السياسات الأساسية التي ينبغي اعتمادها للتعامل مع التراكمات المالية السيادية لدول المجلس والتي تكونت من الفوائض الكبيرة في الحسابات الجارية لموازين المدفوعات والتي يطلق عليها تسمية صناديق الثروة السيادية، إذ لابد من قراءة جديدة لدورها وما ينبغي أن يكون بعد حصول الأزمة المالية وكالآتي:

1-الشفافية في الحسابات الحكومية والحسابات الخارجية.

2-تحديد الأهداف المتعددة لهذه الصناديق ودرجة اقترابها من المخاطر وآفاق الاستثمار عبر الأمد الطويل.

3-التأكيد على العائد (Raton) بدلاً من التركيز على مسألة السيولة (Liquidity).

4-ينبغي أن يكون دورها على صعيد السياسات المالية باعتبارها صناديق متعددة الأطراف سواء لأغراض الاستقرار وبسيولة نسبية عالية أو لأغراض استثمار الاحتياجات الأجنبية وفقاً لحاجة السياسة النقدية وأيضاً بسيولة نسبية عالية.

 ثالثاً: عكس اتجاهات الاستثمار الخليجية على الأقل في الأمد المتوسط في حالة صعوبة القيام بذلك في الأمد القصير، فقد أثبتت الأزمة على ضرورة تدوير الاستثمارات الخليجية في الخارج نحو القطاعات السلعية بدلاً من التعاملات التجارية والخدمية السريعة، ويكون ذلك في اتجاهين الأول: محلياً وهنا تمتلك كل من السعودية والإمارات والبحرين قاعدة صناعية متطورة وقادرة على المنافسة. والاتجاه الثاني: عربياً ولدينا دول عربية تمتلك قاعدة زراعية مثل سوريا والسودان والمغرب وأخرى لديها قدرات صناعية ناجحة مثل مصر والأردن ونعتقد أن دولاً عربية مثل موريتانيا وجزر القمر لديها إمكانات واعدة في نجاح الاستثمارات الخارجية في الثروات الطبيعية والزراعية (الحديد والثروة السمكية)، ويبقى العراق في انتظار فرص استثمارية واعدة لامتلاكه تنوعاً في ثرواته الطبيعية فهي تتوزع بين الكبريت والفوسفات والفلزات المعدنية الأخرى، ناهيك عن إمكانات جيدة في القطاع الزراعي ولا شك في أن الأولوية لابد من منحها إلى شقيقاته من الدول المجاورة وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي.

 رابعاً: تنظيم العمالة الأجنبية الوافدة إلى منطقة الخليج بشكل مدروس، خصوصاً بعد اكتمال معظم البنى الارتكازية الأساسية إلى جانب إحلال العمالة الوطنية والعربية محلها.

خامسا:ً العمل على تعزيز التجارة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي باتجاهين: الأول زيادة نسبة التجارة الخليجية البينية (Intra – Trade)، إذ تشير البيانات إلى تركز معظم التبادل التجاري البيني لدول المجلس بين الدول المتجاورة، فعلى سبيل المثال 62  في المائة من الصادرات البينية لدولة قطر تتجه إلى دولة الإمارات، و72 في المائة من الواردات البينية لسلطنة عمان مصدرها الإمارات. والاتجاه الثاني، النهوض بالتجارة (العربية – العربية) وهنا تمتلك كل من السعودية والإمارات هذه الفرصة، فالأولى بلغت نسبة مساهمتها في الصادرات البينية العربية نحو 26  في المائة و15,2  في المائة عام 2007 على التوالي، وأخيراً تبقى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى الوعاء الذي لابد أن يستوعب كل ذلك بعد تفعيلها إلى سوق عربية مشتركة.

::/fulltext::

gold-7bb
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1208::/cck::
::introtext::

قيل الكثير في الأزمة المالية العالمية وعن الأسباب الحقيقية لها، لكن تبقى السياسات النقدية المتساهلة في مطلع القرن الحالي وسهولة الاقتراض في قطاع العقارات وأيضاً سهولة التوريق (التسنيد) للديون والرغبات الجامحة للمواطن الأمريكي في امتلاك دار للسكن تسهل الأمر للمضاربة داخل القطاع، وقد شجع ذلك على تحسين مستوى الأجور والدخول بالإضافة إلى سهولة تسنيد الأقساط المتقلبة تبعاً لسعر الفائدة. 

::/introtext::
::fulltext::

قيل الكثير في الأزمة المالية العالمية وعن الأسباب الحقيقية لها، لكن تبقى السياسات النقدية المتساهلة في مطلع القرن الحالي وسهولة الاقتراض في قطاع العقارات وأيضاً سهولة التوريق (التسنيد) للديون والرغبات الجامحة للمواطن الأمريكي في امتلاك دار للسكن تسهل الأمر للمضاربة داخل القطاع، وقد شجع ذلك على تحسين مستوى الأجور والدخول بالإضافة إلى سهولة تسنيد الأقساط المتقلبة تبعاً لسعر الفائدة.

إن المخيف في هذه الأزمة تلك التداعيات التي لا يزال العالم يمسي ويصبح فيها مترافقة مع المزيد من الخوف والشك في القدرات الاقتصادية لأكبر دول العالم ضخامة وسلطة على الاقتصاد العالمي. وما يميز هذه الأزمة عن سابقتها هو أن الأزمات السابقة كانت تصطبغ بصبغة الشحة في العرض السلعي، لكن هذه المرة كانت مختلفة عما سبقتها من أزمات، إذ اتصفت بتوافر العرض السلعي مع هامشية الطلب عليه وهو ما سجل حدثاً جديداً لعلماء الاقتصاد، وأرجع بهم الأحداث إلى أزمة (1929 – 1932) وهو ما سبب الذعر العالمي الذي حصل على نطاق جعل من المعالجات أشبه بالخيال للحد من آثارها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي الوقت نفسه بدا واضحاً أنه لا يمكن التكهن متى تبدأ عوارض الشفاء بشكل يبعث الثقة مرة أخرى في آليات النظام المالي والمصرفي العالمي.

المنظومة الرأسمالية على مدى تاريخها كانت حاملة لمساحة من الاضطراب والتنافس كما يحمل السحاب المطر 

وتأسيساً على ذلك بدأ البنك الفيدرالي في الولايات المتحدة والبنوك المركزية في أوروبا واليابان وأستراليا ودول أخرى بضخ الموجة تلو الموجة من السيولة بعدة طرق في مقدمتها شراء الأسهم والسندات المتعثرة على أمل تحسين أسعارها ومن ثم سرعة إعادة الثقة لأسواق المال والمؤسسات التجارية والاستثمارية وشركات التأمين وبيوت المال والسمسرة، ولعل التشريع الأمريكي لمعالجة الأزمة في مقدمة تلك السياسات المالية عندما تم تخويل وزير الخزانة العمل ضمن نطاق 700 مليار دولار، وبلغت أقصى الإجراءات في بريطانيا عندما أممت بعض مؤسساتها، وفعل البعض الكثير من الدفع في اتجاه تخفيض أسعار الفائدة بين البنوك المحلية. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه لماذا كل هذه الأفعال الإجبارية، الدمج القسري للمصارف والبنوك أو أحياناً في دفع المؤسسات الخاسرة إلى إعلان الإفلاس والترحيب الرسمي بذلك من أجل إعادة الهيكلة لهذه المؤسسات، إن كل ذلك يأتي في سياق الشعور بالخطر من قبل الجميع بالصورة التي قد تجعل هذه الأزمة سبباً في الدفع باتجاه الاحتراب، فالتاريخ يقول إن المنظومة الرأسمالية على مدى تاريخها كانت حاملة لمساحة من الاضطراب والتنافس كما يحمل السحاب المطر، فكلما تصاعد أتون الأزمة لابد أن نتوقع حدوث حرب (حتى إن تم افتعالها) وتاريخ أمريكا على الأقل هو الدليل الساطع والقاطع بشكل عام لما بعد الحرب الكونية الثانية وفي القرن الجديد ما بعد أحداث 11/9/2001 وما تلاها من احتلال سافر لأفغانستان والعراق.

 دول مجلس التعاون الخليجي وسبل المواجهة

في البدء لا بد من القول إن دول مجلس التعاون الخليجي فرضت نفسها كاقتصادات لها دور مميز في العلاقات الدولية بعد تصحيح أسعار نفطها عام 1973، وأخذت حينها بناصية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بعد امتلاكها عوائدها النفطية، ونجحت في إعادة بناء الهياكل الاقتصادية في محاولة لتنويع مصادر نواتجها المحلية، وبقيت هذه المجموعة العربية تلعب أدواراً مهمة على الصعيدين الإقليمي والدولي في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم سواء كمجهزة للاقتصاد العالمي بالطاقة من النفط والغاز، ومن ثم ثبات موقفها من التطورات الاقتصادية والسياسية التي حدثت في طبيعة الصراع القائم بين الشرق والغرب آنذاك. وتمتلك هذه المجموعة العربية العديد من إمكانات القوة الاقتصادية وبالتالي الاستراتيجية التي تؤهلها أن تكون بطليعة الاقتصادات الرئيسية في العالم، وفي مقدمة ذلك امتلاكها احتياطيات مؤكدة من النفط والغاز تبلغ 36 في المائة و22 في المائة من الاحتياطيات العالمية على التوالي، كذلك تمتعها بنظم رفاهية سخية وترابط اجتماعي قائم على صلات القرابة الأسرية والقبلية.

خفضت السلطات النقدية في دول مجلس التعاون أسعار الفائدة للمحافظة على استقرار صرف عملاتها المثبتة مقابل الدولار 

وفي ظل مختلف جوانب العولمة على أثر انبثاق النظام الاقتصادي العالمي وتحول العالم كما يقال إلى قرية واحدة، فإنه لم يسلم أحد من تأثيرات الأزمة المالية الراهنة، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي من خلال قنوات عدة ، أولها أن كافة عملاتها ترتبط بالدولار الأمريكي ما عدا دولة الكويت وبالتالي فإن ما يحصل في الولايات المتحدة لا بد أن ينعكس على دول المجلس كذلك لأن نفطها يسعر بالدولار الأمريكي، وهناك قناة التجارة الخارجية مع الولايات المتحدة باعتبارها الشريك التجاري الثاني بعد الاتحاد الأوروبي وبنسبة 30 في المائة لعام 2007، ناهيك عن ضخامة الاستثمارات الخليجية الحكومية والخاصة فيها، وأخيراً لعبت حرية حركة رؤوس الأموال بين الأسواق المالية بفعل تكنولوجيا الاتصالات في دول المجلس وبين مثيلاتها في أوروبا والولايات المتحدة، عندما سمحت القوانين النافذة للأجانب وفروع المصارف الأجنبية بالعمل في محيط متحرر من القيود المالية على اختلاف أنواعها مع درجة الانكشاف العالية على الخارج وفي أقصى الدرجات، وعند انفجار هذه الأزمة انسحبت كل هذه الأطراف من الأسواق المالية الخليجية، بالإضافة إلى كل ما ورد فإن نسبة كبيرة من المستثمرين المحليين يتعاملون في العديد من الأدوات المالية الجديدة (المشتقات باختلاف أنواعها) وهم لا يفهمونها جيداً.

تشير البيانات إلى تركز معظم التبادل التجاري البيني لدول المجلس بين الدول المتجاورة 

وللحد من آثار الأزمة المالية العالمية خفضت السلطات النقدية في دول مجلس التعاون الخليجي أسعار الفائدة للمحافظة على استقرار صرف عملاتها المثبتة مقابل الدولار، إلى جانب تقديم التمويلات الطارئة للبنوك واتباع سياسة توسعية في مجال الإنفاق العام، ولا نعتقد أن ذلك كاف لمواجهة ما هو قادم من تأثيرات الأزمة. ولذلك نطرح هنا مجموعة من الإجراءات والسبل لهذا الغرض:

 أولاً: لابد من الأخذ في الاعتبار التطورات الاقتصادية في العالم والقناعة بأن تصرفات الأمس تختلف عما يحصل اليوم، إذ إن التخفيض لأسعار الفائدة يعني الاستمرار في توسع السياسة النقدية، وبالتالي يكون لزاماً مراقبة الفجوة بين القروض والودائع المصرفية للمحافظة على حجم مستوياتها في ظل انخفاض أسعار النفط، وفي هذه النقطة يقول المختصون في الشأن الخليجي إن التصرف لابد أن يكون عكس ذلك، لأن الفائدة الدولية في العقود الأخيرة من القرن المنصرم هي عكس اليوم في ظل انبثاق عملة اليورو في 1/1/2001 وبزوغ اقتصادات قوية في آسيا، وفي أمريكا الجنوبية مثل الأرجنتين والبرازيل، أي بمعنى أن رفع الفائدة كان الأجدر القيام به، وهذا بالتأكيد غير ممكن لربط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي، أو بعبارة أخرى أن دول مجلس التعاون عليها أن تفعل ما تقوم به الولايات المتحدة.

 ثانياً: حسم الجدل الدائر حول السياسات الأساسية التي ينبغي اعتمادها للتعامل مع التراكمات المالية السيادية لدول المجلس والتي تكونت من الفوائض الكبيرة في الحسابات الجارية لموازين المدفوعات والتي يطلق عليها تسمية صناديق الثروة السيادية، إذ لابد من قراءة جديدة لدورها وما ينبغي أن يكون بعد حصول الأزمة المالية وكالآتي:

1-الشفافية في الحسابات الحكومية والحسابات الخارجية.

2-تحديد الأهداف المتعددة لهذه الصناديق ودرجة اقترابها من المخاطر وآفاق الاستثمار عبر الأمد الطويل.

3-التأكيد على العائد (Raton) بدلاً من التركيز على مسألة السيولة (Liquidity).

4-ينبغي أن يكون دورها على صعيد السياسات المالية باعتبارها صناديق متعددة الأطراف سواء لأغراض الاستقرار وبسيولة نسبية عالية أو لأغراض استثمار الاحتياجات الأجنبية وفقاً لحاجة السياسة النقدية وأيضاً بسيولة نسبية عالية.

 ثالثاً: عكس اتجاهات الاستثمار الخليجية على الأقل في الأمد المتوسط في حالة صعوبة القيام بذلك في الأمد القصير، فقد أثبتت الأزمة على ضرورة تدوير الاستثمارات الخليجية في الخارج نحو القطاعات السلعية بدلاً من التعاملات التجارية والخدمية السريعة، ويكون ذلك في اتجاهين الأول: محلياً وهنا تمتلك كل من السعودية والإمارات والبحرين قاعدة صناعية متطورة وقادرة على المنافسة. والاتجاه الثاني: عربياً ولدينا دول عربية تمتلك قاعدة زراعية مثل سوريا والسودان والمغرب وأخرى لديها قدرات صناعية ناجحة مثل مصر والأردن ونعتقد أن دولاً عربية مثل موريتانيا وجزر القمر لديها إمكانات واعدة في نجاح الاستثمارات الخارجية في الثروات الطبيعية والزراعية (الحديد والثروة السمكية)، ويبقى العراق في انتظار فرص استثمارية واعدة لامتلاكه تنوعاً في ثرواته الطبيعية فهي تتوزع بين الكبريت والفوسفات والفلزات المعدنية الأخرى، ناهيك عن إمكانات جيدة في القطاع الزراعي ولا شك في أن الأولوية لابد من منحها إلى شقيقاته من الدول المجاورة وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي.

 رابعاً: تنظيم العمالة الأجنبية الوافدة إلى منطقة الخليج بشكل مدروس، خصوصاً بعد اكتمال معظم البنى الارتكازية الأساسية إلى جانب إحلال العمالة الوطنية والعربية محلها.

خامسا:ً العمل على تعزيز التجارة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي باتجاهين: الأول زيادة نسبة التجارة الخليجية البينية (Intra – Trade)، إذ تشير البيانات إلى تركز معظم التبادل التجاري البيني لدول المجلس بين الدول المتجاورة، فعلى سبيل المثال 62  في المائة من الصادرات البينية لدولة قطر تتجه إلى دولة الإمارات، و72 في المائة من الواردات البينية لسلطنة عمان مصدرها الإمارات. والاتجاه الثاني، النهوض بالتجارة (العربية – العربية) وهنا تمتلك كل من السعودية والإمارات هذه الفرصة، فالأولى بلغت نسبة مساهمتها في الصادرات البينية العربية نحو 26  في المائة و15,2  في المائة عام 2007 على التوالي، وأخيراً تبقى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى الوعاء الذي لابد أن يستوعب كل ذلك بعد تفعيلها إلى سوق عربية مشتركة.

::/fulltext::
::cck::1208::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *