نحو استراتيجية خليجية للتعامل مع الحوار الأمريكي-الإيراني
::cck::1228::/cck::
::introtext::
تعد المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه إيران والقائمة على سياسة اليد الممدودة أو الحوار أحد أبرز المتغيرات في السياسة الأمريكية ليس تجاه إيران فقط، لكن تجاه أمن الخليج بصفة عامة، نظراً لارتباط العلاقات بين إيران والولايات المتحدة بمعظم الملفات الساخنة في المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
تعد المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه إيران والقائمة على سياسة اليد الممدودة أو الحوار أحد أبرز المتغيرات في السياسة الأمريكية ليس تجاه إيران فقط، لكن تجاه أمن الخليج بصفة عامة، نظراً لارتباط العلاقات بين إيران والولايات المتحدة بمعظم الملفات الساخنة في المنطقة.
الأمر الملاحظ أن تلك السياسة الأمريكية الجديدة تجاه إيران لم تكن وليدة الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي فقط، لكنها بدت بعد ذلك ملمحاً مهماً من ملامح سياسته الخارجية أكد عليها في أكثر من مناسبة بعد فوزه في الانتخابات، وأكد عليها أيضاً في خطابه الذي أطلقه من جامعة القاهرة في إطار وضع أسس جديدة لعلاقات الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي، حيث أكد مجدداً مرة أخرى سياسة اليد الممدودة تجاه إيران.
ويحتم هذا المتغير على دول مجلس التعاون الخليجي –والدول العربية بشكل عام- أن تستعد لأي احتمالات قد يسفر عنها هذا الحوار سواء في حالة نجاحه أو إخفاقه، كما يجب أن تدرس كافة الجوانب المتعلقة بهذا المتغير الجديد في السياسة الأمريكية والذي بلا شك ستكون له تداعياته المباشرة وغير المباشرة على أمن الخليج. ومن ثم، يستهدف هذا المقال وضع بعض الأسس العامة التي يمكن البناء عليها في بلورة استراتيجية خليجية موحدة نحو التعامل مع الحوار الأمريكي-الإيراني، سواء نجح هذا الحوار بين الجانبين أو أخفق ووصل بهما إلى طريق مسدود. وسيتم التركيز في هذا السياق على ثلاث نقاط رئيسية، الأولى: الموقف الخليجي المعلن حتى الآن من الحوار الأمريكي-الإيراني. والثانية: السيناريوهان الرئيسيان اللذان قد يسفر عنهما الحوار (نجاح الحوار أو فشله). والثالثة: ملامح الاستراتيجية الخليجية للتعامل مع هذا الحوار سواء في حالة نجاحه أو فشله. ويمكن تناول تلك النقاط الثلاث على النحو التالي:
أولاً: الموقف الخليجي المعلن من الحوار الأمريكي-الإيراني
لا شك في أن أي حوار أمريكي مع إيران يهم دول الخليج العربية في المقام الأول، لأنه يمس صميم معادلة توازن القوى وقضية الأمن في منطقة الخليج. وعلى الرغم من أن تلك الدول تؤيد بشكل ثابت ومستمر حل الأزمة النووية الإيرانية دبلوماسياً وعن طريق الحوار السلمي بعيداً عن اللجوء إلى أي حل عسكري، فإن حوار الولايات المتحدة مع إيران يثير لدى تلك الدول هواجس ومخاوف حقيقية ومشروعة من أن يكون هذا الحوار على حساب مصالحها.
وقد عبرت تلك الدول عن مخاوفها بشكل علني من هذا الحوار، صحيح أنها رحبت بالتوجه الأمريكي الجديد نحو إيران، ودعت إلى حوار أمريكي – إيراني نزيه قائم على الاحترام المتبادل وحل الخلافات بين البلدين بالطرق الدبلوماسية، لكنها رفضت في الوقت ذاته أن يكون التقارب بين الولايات المتحدة وإيران على حساب مصالحها، وقال الأمين العام للمجلس عبدالرحمن العطية في تصريح صحفي في مايو 2009، عقب القمة التشاورية الحادية عشرة التي عقدت في الرياض رداً على سؤال عن موقف دول الخليج من التقارب الإيراني-الأمريكي (نحن نؤمن بالحوار. إلا أننا نأمل بأن أي حوار بين الدول ألا يكون على (حساب) مصالح دول مجلس التعاون الخليجي)، وأضاف (هناك تحرك أمريكي إيجابي نحو إيران نأمل ألا يكون على حساب الأمة العربية ومصالحها وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي).
دول مجلس التعاون ترفض أن يكون التقارب الإيراني-الأمريكي على حساب مصالحها
ثانياً: سيناريوهان رئيسيان للحوار الأمريكي-الإيراني
يجب ألا تكتفي دول مجلس التعاون الخليجي بالتعبير عن قلقها من هذا الحوار الأمريكي-الإيراني، وإنما يجب أن يكون هناك تفكير استراتيجي بشأن مستقبل هذا الحوار وتداعياته على مصالح تلك الدول وأمنها. وتنبع أهمية هذا النوع من التفكير من خطورة السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن يسفر عنها الحوار بين إيران والولايات المتحدة. فثمة سيناريوهان أساسيان يمكن أن يؤول إليهما الحوار الإيراني-الأمريكي، أولهما أن ينجح الحوار عبر تسوية شاملة تقتضي تخلي طهران عن برنامجها النووي والقبول بتعاون دولي إيراني مشترك وفق ضمانات معينة لإنتاج الوقود النووي للأغراض السلمية فقط، مقابل تثبيت رؤاها ومكانتها في مناطق النفوذ القريبة، والحد من الدعم الذي تقدمه للأطراف الأبعد، وتحديداً في المحيط المتوسطي، مع وعود، وربما تحركات، من إدارة أوباما لمحاولة التوصل إلى حلول سلمية للصراع العربي-الإسرائيلي.
وفي هذه الوضعية قد يأتي الإقرار بالنفوذ الإيراني على حساب الأطراف الخليجية باعتبار منطقة الخليج والعراق هما الأقرب لإيران جيوبوليتيكياً والأهم من الناحية الجيوسياسية والجيواقتصادية أيضاً.
أما السيناريو الثاني، فهو أن تتمسك إيران بخيارها النووي، ما يعني فشل الحوار على كافة المستويات والصعد الأخرى، وهو أيضاً وضع يشكل مأزقاً لدول الخليج، سواء لجأت الدول الغربية إلى انتهاج سياسة المواجهة الشاملة مع إيران، ومنها اعتماد الخيار العسكري، أو اضطرت إلى التعايش مع إيران كدولة نووية بحكم الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، لا يجوز للدول الخليجية أن تنتظر ما سيؤول إليه الحوار بين واشنطن وطهران ثم تتخذ ما تراه مناسباً من سياسات فيما بعد، بل لا بد أن تستعد مبكراً لكافة الاحتمالات الواردة، وأن تكون طرفاً وشريكاً في أي حوار، حتى إن لجأت إلى الحوار بشكل منفرد مع كل من الدولتين، وهذا يقتضي أن تكون هناك استراتيجية خليجية للتعامل مع الحوار الأمريكي-الإيراني على المديين القريب والبعيد.
ثالثاً: ملامح الاستراتيجية الخليجية للتعامل مع الحوار الأمريكي-الإيراني
يمكن طرح بعض الأفكار التي يمكن النقاش حولها بشأن ماهية الاستراتيجية التي يجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تبلورها في إطار تعاملها مع الحوار الأمريكي-الإيراني، سواء على المدى القريب أو المدى البعيد.
أ- استراتيجية قصيرة المدى
أولى وأهم الخطوات التي يجب أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي على وعي كبير بأهميتها هي أن تكون تلك الدول قريبة من مجريات هذا الحوار وعلى اطلاع بمساره، كما يجب أن تكون على اتصال دائم بكلا طرفيه. فمن ناحية، يجب على تلك الدول أن تكون لديها مستويات عليا من الحوار والتواصل مع الجانب الإيراني أيضاً، يتم في إطاره مناقشة القضايا التي تهم أمن الخليج والتي من المتوقع أن تكون موضوعاً للحوار بين إيران والولايات المتحدة، وإيصال وجهة النظر الخليجية بشأن مجمل هذه القضايا إلى الجانب الإيراني.
ومن ناحية أخرى، يجب على تلك الدول أن تقوم بمصارحة الجانب الأمريكي بمخاوفها وقلقها المشروعين إزاء التطورات المحتملة للحوار مع إيران، وخاصة ما يتعلق بإمكانية أن تستغل الأخيرة الحوار لاستكمال برنامجها النووي والوصول إلى مرحلة امتلاك السلاح النووي أو القدرة على تصنيعه خلال فترة زمنية قصيرة، أو أن يسفر هذا الحوار عن عقد (صفقة) بين الجانبين الخليجي والإيراني تكون على حساب مصالح الدول الخليجية.
وقد حاولت الولايات المتحدة بدورها أن تطمئن دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الصديقة لها في المنطقة بشأن مخاوفها من هذا الحوار، وبعثت رسائل متعددة لطمأنة هذه الدول بأن الحوار مع إيران لن يكون على حساب مصالحها. من ذلك على سبيل المثال جولة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس إلى المنطقة في يوليو 2009، التي شملت كلاً من مصر والسعودية، حيث أكد خلال هذه الجولة أن الهدف منها هو (تطمين مصر والسعودية وسائر دول الخليج بأن انفتاح واشنطن على إيران لن يكون على حساب مصالحها)، وأضاف في تصريح له خلال زيارته إلى مصر (إن إدارة الرئيس أوباما تبنت سياسة جديدة من الحوار مع إيران تتركز على تغيير السلوك الإيراني. إن النهج الأمريكي الجديد المتمثل في سياسة اليد الممدودة بالحوار تجاه إيران لا يتعارض مع العلاقات الأمنية والسياسية القوية التي تربط الولايات المتحدة بكل من مصر والسعودية وغيرهما من الأصدقاء القدامى في المنطقة. ويتعين على أصدقائنا في الشرق الأوسط أن يتأكدوا أن هذا الحوار لن يكون على حساب العلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة ودول المنطقة)
كما تحدث أيضاً عما وصفه بمخاوف مبالغ فيها بوجود صفقة كبيرة بين الولايات المتحدة وإيران على حساب الدول العربية، قائلاً إن (ذلك غير صحيح ولا أساس له وغير واقعي بالمطلق)، مؤكداً أنه لن يتم إبرام اتفاق في السر، قائلاً (سنبقي أصدقاءنا على اطلاع حول ما يحدث حتى لا يفاجأ أحد).
وقد جاءت هذه الجولة بعد جولة أخرى قام بها مستشار وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الخليج وجنوب غربي آسيا السفير دنيس روس في وفد ضم الجنرال جون ألن نائب قائد المنطقة المركزية الأمريكية، وهي جولة استهدفت أيضاً تطمين دول المنطقة بأن الحوار مع إيران لن يكون على حسابها ونفي الأنباء التي تتحدث عن صفقة بين إيران والولايات المتحدة تتجاهل مصالح دول المنطقة.
على دول المجلس أن تستعد لأي احتمالات قد يسفر عنها الحوار الأمريكي- الإيراني
ب- استراتيجية طويلة الأمد
يجب على دول مجلس التعاون الخليجي ألا تكتفي فقط بأن تكون قريبة من مجريات الحوار بين الجانبين الأمريكي والإيراني، كما أنه من المفترض ألا تعتمد أيضاً على التطمينات من جانب الولايات المتحدة، خاصة أن العلاقات الدولية لا تعترف إلا بلغة المصالح فقط. ومن ثم، فإن التفكير الاستراتيجي الخليجي يجب أن يأخذ في الاعتبار كافة الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة والتحسب لها، وهو تخطيط طويل المدى يجب ألا يعتمد على المؤشرات الراهنة فقط، بل أيضاً تلك التي يمكن أن تحدث في أي وقت حتى إن كانت نسبة احتمالات حدوثها ضعيفة.
ومن ثم، يثار تساؤل بشأن ما يجب أن تقوم عليه الاستراتيجية الخليجية، سواء في حالة التوصل إلى تسوية شاملة بين إيران والولايات المتحدة في إطار الحوار بين الجانبين، أو حتى في حال فشل هذا الحوار، وأصبحت دول المنطقة أمام أمر واقع وهو (إيران النووية)، باعتبار أن اللجوء إلى الخيار العسكري في حالة فشل الحوار أمر مستبعد بدرجة كبيرة على الأقل في الأمد القريب.
وفي هذا السياق، يمكن طرح بعض الأفكار العامة التي يمكن أن تخضع للنقاش والبحث للنظر في مدى واقعيتها ومدى إمكانية تطبيقها. ففي حالة تحقق سيناريو التسوية الشاملة بين إيران والولايات المتحدة، يرى بعض المراقبين أنه يمكن لدول الخليج ومنذ بداية وضوح معالم هذه التسوية أن تبادر إلى طرح صيغة لنظام أمن إقليمي جديد يقوم على الارتباط والتشارك بين كافة القوى القائمة في المنطقة، ويتضمن ذلك: اتفاقية تضمن حرمة انتهاك الحدود في المنطقة، ومعاهدة لضبط التسلح تستبعد فئات تسليحية محددة، وسوقاً مشتركة ومنطقة للتجارة الحرة، وآليات مشتركة لتأمين الإمدادات النفطية وحماية المداخل البحرية، وإنشاء آلية للتحكيم في النزاعات الإقليمية، والبدء في معالجة ملف الجزر الإماراتية ونقاط الخلاف الأخرى مع طهران.
وقد سبق للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أن قدم أمام القمة الخليجية في عام 2007 طرحاً مشابهاً لذلك، إلا أن على الدول الخليجية أن تكمل ما تغاضى عنه نجاد، وهو برنامج إيران النووي وإيجاد آليات لمنع التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية وحل قضية الجزر التي تحتلها إيران.
ولكن مدى واقعية هذا الطرح يعتمد على عامل مهم، يتمثل في تعزيز القدرات الخليجية العسكرية الذاتية ونقلها إلى طور التنفيذ الفعلي ووضع برامج ذاتية للدفاع عن النفس، فهذا العامل وحده يضمن أن يكون لدول الخليج العربية موقعها المناسب في هذه المنظومة الأمنية المقترحة، والذي من خلاله يمكن أن تحمي مصالحها وهي تمتلك القدرة على ذلك، لكن طرح هذه المنظومة في ظل عدم وجود قدرة ذاتية خليجية سيجعل من دول الخليج الطرف الأضعف فيها والمتلقي لشروط وإرادات الأطراف الأخرى، وفي مقدمتها إيران.
أما بالنسبة للاستعداد للسيناريو القائم على أن تصبح إيران (دولة نووية)، فيمكن القول إن فكرة التعايش مع إيران (النووية)، هي إحدى الأفكار التي باتت تتحدث عنها الكثير من الأدبيات الغربية، حتى قبل انتهاء فترة حكم الإدارة الأمريكية السابقة. ويجب على الدول الخليجية أيضاً وضع هذا السيناريو في الاعتبار، الذي يبدو الأكثر سوءاً بالنسبة لتلك الدول، لما سيحدثه ذلك من المزيد من خلخلة التوازن الاستراتيجي المختل أصلاً لصالح إيران.
وفي هذه الحالة، هناك خيارات عديدة مطروحة أمام دول الخليج للتفكير فيها، منها أن تدخل في إطار منظومة (مظلة نووية) أمريكية أو متعددة الأطراف لحماية أمنها، والدفاع عن حقوقها ونفوذها في منطقتها ومحيطها المباشر، وقد أشارت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى هذه الفكرة في تصريحات أدلت بها في مؤتمر صحفي في العاصمة التايلاندية بانكوك في يوليو 2009 بأن الولايات المتحدة تفكر جدياً في نشر مظلة دفاعية نووية لحمايةحلفائها في الشرق الأوسط، خصوصاً منطقة الخليج العربي ومصر وذلك في حالة إصرار إيران على مواصلة برنامجها النووي وتخصيب اليورانيوم، كما أن الخيار النووي السلمي الذي شرعت به دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل سيكون أداة مهمة تستطيع من خلالها هذه الدول تحقيق نوع من الردع مع إيران والحفاظ على مكانتها في المنطقة. صحيح أن البرنامج النووي الخليجي يقوم بالأساس على الاستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، إلا أنه يؤدي في الوقت ذاته وظيفة الردع طالما أن الطرف الآخر يعرف أن هذا البرنامج يمكن أن يتحول في ظل ظروف معينة إلى برنامج ذي طبيعة عسكرية.
ويطرح المراقبون إمكانية أن تلجأ دول الخليج كذلك إلى (تدويل) الأمن في منطقة الخليج، بالدخول في تحالفات مع دول قريبة سياسياً من طهران حتى تؤمن ذاتها من مخاطر نشوب أي صراعات مستقبلية بين الولايات المتحدة وإيران، لأن وجود السلاح النووي بحد ذاته لا يضمن منع نشوب حروب تقليدية، ولا يضمن أيضاً منع تفاقم الصراعات، كما يثبت من واقع تجارب الدول النووية، القديمة منها والحديثة والمعلنة منها وغير المعلنة.
إذاً هذه مجرد أفكار عامة مطروحة للبحث والنقاش في إطار الاستعداد الخليجي للتعامل مع الحوار الأمريكي-الإيراني. صحيح أن كل خيار من الخيارات المطروحة يتضمن منافع وتكلفة في الوقت ذاته، إلا أن السياسة الرشيدة يجب أن تقوم بدراسة كافة البدائل المطروحة وتتبنى الخيار الأفضل والأكثر تحقيقاً لمصالحها على المدى الطويل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1228::/cck::
::introtext::
تعد المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه إيران والقائمة على سياسة اليد الممدودة أو الحوار أحد أبرز المتغيرات في السياسة الأمريكية ليس تجاه إيران فقط، لكن تجاه أمن الخليج بصفة عامة، نظراً لارتباط العلاقات بين إيران والولايات المتحدة بمعظم الملفات الساخنة في المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
تعد المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه إيران والقائمة على سياسة اليد الممدودة أو الحوار أحد أبرز المتغيرات في السياسة الأمريكية ليس تجاه إيران فقط، لكن تجاه أمن الخليج بصفة عامة، نظراً لارتباط العلاقات بين إيران والولايات المتحدة بمعظم الملفات الساخنة في المنطقة.
الأمر الملاحظ أن تلك السياسة الأمريكية الجديدة تجاه إيران لم تكن وليدة الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي فقط، لكنها بدت بعد ذلك ملمحاً مهماً من ملامح سياسته الخارجية أكد عليها في أكثر من مناسبة بعد فوزه في الانتخابات، وأكد عليها أيضاً في خطابه الذي أطلقه من جامعة القاهرة في إطار وضع أسس جديدة لعلاقات الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي، حيث أكد مجدداً مرة أخرى سياسة اليد الممدودة تجاه إيران.
ويحتم هذا المتغير على دول مجلس التعاون الخليجي –والدول العربية بشكل عام- أن تستعد لأي احتمالات قد يسفر عنها هذا الحوار سواء في حالة نجاحه أو إخفاقه، كما يجب أن تدرس كافة الجوانب المتعلقة بهذا المتغير الجديد في السياسة الأمريكية والذي بلا شك ستكون له تداعياته المباشرة وغير المباشرة على أمن الخليج. ومن ثم، يستهدف هذا المقال وضع بعض الأسس العامة التي يمكن البناء عليها في بلورة استراتيجية خليجية موحدة نحو التعامل مع الحوار الأمريكي-الإيراني، سواء نجح هذا الحوار بين الجانبين أو أخفق ووصل بهما إلى طريق مسدود. وسيتم التركيز في هذا السياق على ثلاث نقاط رئيسية، الأولى: الموقف الخليجي المعلن حتى الآن من الحوار الأمريكي-الإيراني. والثانية: السيناريوهان الرئيسيان اللذان قد يسفر عنهما الحوار (نجاح الحوار أو فشله). والثالثة: ملامح الاستراتيجية الخليجية للتعامل مع هذا الحوار سواء في حالة نجاحه أو فشله. ويمكن تناول تلك النقاط الثلاث على النحو التالي:
أولاً: الموقف الخليجي المعلن من الحوار الأمريكي-الإيراني
لا شك في أن أي حوار أمريكي مع إيران يهم دول الخليج العربية في المقام الأول، لأنه يمس صميم معادلة توازن القوى وقضية الأمن في منطقة الخليج. وعلى الرغم من أن تلك الدول تؤيد بشكل ثابت ومستمر حل الأزمة النووية الإيرانية دبلوماسياً وعن طريق الحوار السلمي بعيداً عن اللجوء إلى أي حل عسكري، فإن حوار الولايات المتحدة مع إيران يثير لدى تلك الدول هواجس ومخاوف حقيقية ومشروعة من أن يكون هذا الحوار على حساب مصالحها.
وقد عبرت تلك الدول عن مخاوفها بشكل علني من هذا الحوار، صحيح أنها رحبت بالتوجه الأمريكي الجديد نحو إيران، ودعت إلى حوار أمريكي – إيراني نزيه قائم على الاحترام المتبادل وحل الخلافات بين البلدين بالطرق الدبلوماسية، لكنها رفضت في الوقت ذاته أن يكون التقارب بين الولايات المتحدة وإيران على حساب مصالحها، وقال الأمين العام للمجلس عبدالرحمن العطية في تصريح صحفي في مايو 2009، عقب القمة التشاورية الحادية عشرة التي عقدت في الرياض رداً على سؤال عن موقف دول الخليج من التقارب الإيراني-الأمريكي (نحن نؤمن بالحوار. إلا أننا نأمل بأن أي حوار بين الدول ألا يكون على (حساب) مصالح دول مجلس التعاون الخليجي)، وأضاف (هناك تحرك أمريكي إيجابي نحو إيران نأمل ألا يكون على حساب الأمة العربية ومصالحها وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي).
دول مجلس التعاون ترفض أن يكون التقارب الإيراني-الأمريكي على حساب مصالحها
ثانياً: سيناريوهان رئيسيان للحوار الأمريكي-الإيراني
يجب ألا تكتفي دول مجلس التعاون الخليجي بالتعبير عن قلقها من هذا الحوار الأمريكي-الإيراني، وإنما يجب أن يكون هناك تفكير استراتيجي بشأن مستقبل هذا الحوار وتداعياته على مصالح تلك الدول وأمنها. وتنبع أهمية هذا النوع من التفكير من خطورة السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن يسفر عنها الحوار بين إيران والولايات المتحدة. فثمة سيناريوهان أساسيان يمكن أن يؤول إليهما الحوار الإيراني-الأمريكي، أولهما أن ينجح الحوار عبر تسوية شاملة تقتضي تخلي طهران عن برنامجها النووي والقبول بتعاون دولي إيراني مشترك وفق ضمانات معينة لإنتاج الوقود النووي للأغراض السلمية فقط، مقابل تثبيت رؤاها ومكانتها في مناطق النفوذ القريبة، والحد من الدعم الذي تقدمه للأطراف الأبعد، وتحديداً في المحيط المتوسطي، مع وعود، وربما تحركات، من إدارة أوباما لمحاولة التوصل إلى حلول سلمية للصراع العربي-الإسرائيلي.
وفي هذه الوضعية قد يأتي الإقرار بالنفوذ الإيراني على حساب الأطراف الخليجية باعتبار منطقة الخليج والعراق هما الأقرب لإيران جيوبوليتيكياً والأهم من الناحية الجيوسياسية والجيواقتصادية أيضاً.
أما السيناريو الثاني، فهو أن تتمسك إيران بخيارها النووي، ما يعني فشل الحوار على كافة المستويات والصعد الأخرى، وهو أيضاً وضع يشكل مأزقاً لدول الخليج، سواء لجأت الدول الغربية إلى انتهاج سياسة المواجهة الشاملة مع إيران، ومنها اعتماد الخيار العسكري، أو اضطرت إلى التعايش مع إيران كدولة نووية بحكم الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، لا يجوز للدول الخليجية أن تنتظر ما سيؤول إليه الحوار بين واشنطن وطهران ثم تتخذ ما تراه مناسباً من سياسات فيما بعد، بل لا بد أن تستعد مبكراً لكافة الاحتمالات الواردة، وأن تكون طرفاً وشريكاً في أي حوار، حتى إن لجأت إلى الحوار بشكل منفرد مع كل من الدولتين، وهذا يقتضي أن تكون هناك استراتيجية خليجية للتعامل مع الحوار الأمريكي-الإيراني على المديين القريب والبعيد.
ثالثاً: ملامح الاستراتيجية الخليجية للتعامل مع الحوار الأمريكي-الإيراني
يمكن طرح بعض الأفكار التي يمكن النقاش حولها بشأن ماهية الاستراتيجية التي يجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تبلورها في إطار تعاملها مع الحوار الأمريكي-الإيراني، سواء على المدى القريب أو المدى البعيد.
أ- استراتيجية قصيرة المدى
أولى وأهم الخطوات التي يجب أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي على وعي كبير بأهميتها هي أن تكون تلك الدول قريبة من مجريات هذا الحوار وعلى اطلاع بمساره، كما يجب أن تكون على اتصال دائم بكلا طرفيه. فمن ناحية، يجب على تلك الدول أن تكون لديها مستويات عليا من الحوار والتواصل مع الجانب الإيراني أيضاً، يتم في إطاره مناقشة القضايا التي تهم أمن الخليج والتي من المتوقع أن تكون موضوعاً للحوار بين إيران والولايات المتحدة، وإيصال وجهة النظر الخليجية بشأن مجمل هذه القضايا إلى الجانب الإيراني.
ومن ناحية أخرى، يجب على تلك الدول أن تقوم بمصارحة الجانب الأمريكي بمخاوفها وقلقها المشروعين إزاء التطورات المحتملة للحوار مع إيران، وخاصة ما يتعلق بإمكانية أن تستغل الأخيرة الحوار لاستكمال برنامجها النووي والوصول إلى مرحلة امتلاك السلاح النووي أو القدرة على تصنيعه خلال فترة زمنية قصيرة، أو أن يسفر هذا الحوار عن عقد (صفقة) بين الجانبين الخليجي والإيراني تكون على حساب مصالح الدول الخليجية.
وقد حاولت الولايات المتحدة بدورها أن تطمئن دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الصديقة لها في المنطقة بشأن مخاوفها من هذا الحوار، وبعثت رسائل متعددة لطمأنة هذه الدول بأن الحوار مع إيران لن يكون على حساب مصالحها. من ذلك على سبيل المثال جولة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس إلى المنطقة في يوليو 2009، التي شملت كلاً من مصر والسعودية، حيث أكد خلال هذه الجولة أن الهدف منها هو (تطمين مصر والسعودية وسائر دول الخليج بأن انفتاح واشنطن على إيران لن يكون على حساب مصالحها)، وأضاف في تصريح له خلال زيارته إلى مصر (إن إدارة الرئيس أوباما تبنت سياسة جديدة من الحوار مع إيران تتركز على تغيير السلوك الإيراني. إن النهج الأمريكي الجديد المتمثل في سياسة اليد الممدودة بالحوار تجاه إيران لا يتعارض مع العلاقات الأمنية والسياسية القوية التي تربط الولايات المتحدة بكل من مصر والسعودية وغيرهما من الأصدقاء القدامى في المنطقة. ويتعين على أصدقائنا في الشرق الأوسط أن يتأكدوا أن هذا الحوار لن يكون على حساب العلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة ودول المنطقة)
كما تحدث أيضاً عما وصفه بمخاوف مبالغ فيها بوجود صفقة كبيرة بين الولايات المتحدة وإيران على حساب الدول العربية، قائلاً إن (ذلك غير صحيح ولا أساس له وغير واقعي بالمطلق)، مؤكداً أنه لن يتم إبرام اتفاق في السر، قائلاً (سنبقي أصدقاءنا على اطلاع حول ما يحدث حتى لا يفاجأ أحد).
وقد جاءت هذه الجولة بعد جولة أخرى قام بها مستشار وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الخليج وجنوب غربي آسيا السفير دنيس روس في وفد ضم الجنرال جون ألن نائب قائد المنطقة المركزية الأمريكية، وهي جولة استهدفت أيضاً تطمين دول المنطقة بأن الحوار مع إيران لن يكون على حسابها ونفي الأنباء التي تتحدث عن صفقة بين إيران والولايات المتحدة تتجاهل مصالح دول المنطقة.
على دول المجلس أن تستعد لأي احتمالات قد يسفر عنها الحوار الأمريكي- الإيراني
ب- استراتيجية طويلة الأمد
يجب على دول مجلس التعاون الخليجي ألا تكتفي فقط بأن تكون قريبة من مجريات الحوار بين الجانبين الأمريكي والإيراني، كما أنه من المفترض ألا تعتمد أيضاً على التطمينات من جانب الولايات المتحدة، خاصة أن العلاقات الدولية لا تعترف إلا بلغة المصالح فقط. ومن ثم، فإن التفكير الاستراتيجي الخليجي يجب أن يأخذ في الاعتبار كافة الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة والتحسب لها، وهو تخطيط طويل المدى يجب ألا يعتمد على المؤشرات الراهنة فقط، بل أيضاً تلك التي يمكن أن تحدث في أي وقت حتى إن كانت نسبة احتمالات حدوثها ضعيفة.
ومن ثم، يثار تساؤل بشأن ما يجب أن تقوم عليه الاستراتيجية الخليجية، سواء في حالة التوصل إلى تسوية شاملة بين إيران والولايات المتحدة في إطار الحوار بين الجانبين، أو حتى في حال فشل هذا الحوار، وأصبحت دول المنطقة أمام أمر واقع وهو (إيران النووية)، باعتبار أن اللجوء إلى الخيار العسكري في حالة فشل الحوار أمر مستبعد بدرجة كبيرة على الأقل في الأمد القريب.
وفي هذا السياق، يمكن طرح بعض الأفكار العامة التي يمكن أن تخضع للنقاش والبحث للنظر في مدى واقعيتها ومدى إمكانية تطبيقها. ففي حالة تحقق سيناريو التسوية الشاملة بين إيران والولايات المتحدة، يرى بعض المراقبين أنه يمكن لدول الخليج ومنذ بداية وضوح معالم هذه التسوية أن تبادر إلى طرح صيغة لنظام أمن إقليمي جديد يقوم على الارتباط والتشارك بين كافة القوى القائمة في المنطقة، ويتضمن ذلك: اتفاقية تضمن حرمة انتهاك الحدود في المنطقة، ومعاهدة لضبط التسلح تستبعد فئات تسليحية محددة، وسوقاً مشتركة ومنطقة للتجارة الحرة، وآليات مشتركة لتأمين الإمدادات النفطية وحماية المداخل البحرية، وإنشاء آلية للتحكيم في النزاعات الإقليمية، والبدء في معالجة ملف الجزر الإماراتية ونقاط الخلاف الأخرى مع طهران.
وقد سبق للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أن قدم أمام القمة الخليجية في عام 2007 طرحاً مشابهاً لذلك، إلا أن على الدول الخليجية أن تكمل ما تغاضى عنه نجاد، وهو برنامج إيران النووي وإيجاد آليات لمنع التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية وحل قضية الجزر التي تحتلها إيران.
ولكن مدى واقعية هذا الطرح يعتمد على عامل مهم، يتمثل في تعزيز القدرات الخليجية العسكرية الذاتية ونقلها إلى طور التنفيذ الفعلي ووضع برامج ذاتية للدفاع عن النفس، فهذا العامل وحده يضمن أن يكون لدول الخليج العربية موقعها المناسب في هذه المنظومة الأمنية المقترحة، والذي من خلاله يمكن أن تحمي مصالحها وهي تمتلك القدرة على ذلك، لكن طرح هذه المنظومة في ظل عدم وجود قدرة ذاتية خليجية سيجعل من دول الخليج الطرف الأضعف فيها والمتلقي لشروط وإرادات الأطراف الأخرى، وفي مقدمتها إيران.
أما بالنسبة للاستعداد للسيناريو القائم على أن تصبح إيران (دولة نووية)، فيمكن القول إن فكرة التعايش مع إيران (النووية)، هي إحدى الأفكار التي باتت تتحدث عنها الكثير من الأدبيات الغربية، حتى قبل انتهاء فترة حكم الإدارة الأمريكية السابقة. ويجب على الدول الخليجية أيضاً وضع هذا السيناريو في الاعتبار، الذي يبدو الأكثر سوءاً بالنسبة لتلك الدول، لما سيحدثه ذلك من المزيد من خلخلة التوازن الاستراتيجي المختل أصلاً لصالح إيران.
وفي هذه الحالة، هناك خيارات عديدة مطروحة أمام دول الخليج للتفكير فيها، منها أن تدخل في إطار منظومة (مظلة نووية) أمريكية أو متعددة الأطراف لحماية أمنها، والدفاع عن حقوقها ونفوذها في منطقتها ومحيطها المباشر، وقد أشارت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى هذه الفكرة في تصريحات أدلت بها في مؤتمر صحفي في العاصمة التايلاندية بانكوك في يوليو 2009 بأن الولايات المتحدة تفكر جدياً في نشر مظلة دفاعية نووية لحمايةحلفائها في الشرق الأوسط، خصوصاً منطقة الخليج العربي ومصر وذلك في حالة إصرار إيران على مواصلة برنامجها النووي وتخصيب اليورانيوم، كما أن الخيار النووي السلمي الذي شرعت به دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل سيكون أداة مهمة تستطيع من خلالها هذه الدول تحقيق نوع من الردع مع إيران والحفاظ على مكانتها في المنطقة. صحيح أن البرنامج النووي الخليجي يقوم بالأساس على الاستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، إلا أنه يؤدي في الوقت ذاته وظيفة الردع طالما أن الطرف الآخر يعرف أن هذا البرنامج يمكن أن يتحول في ظل ظروف معينة إلى برنامج ذي طبيعة عسكرية.
ويطرح المراقبون إمكانية أن تلجأ دول الخليج كذلك إلى (تدويل) الأمن في منطقة الخليج، بالدخول في تحالفات مع دول قريبة سياسياً من طهران حتى تؤمن ذاتها من مخاطر نشوب أي صراعات مستقبلية بين الولايات المتحدة وإيران، لأن وجود السلاح النووي بحد ذاته لا يضمن منع نشوب حروب تقليدية، ولا يضمن أيضاً منع تفاقم الصراعات، كما يثبت من واقع تجارب الدول النووية، القديمة منها والحديثة والمعلنة منها وغير المعلنة.
إذاً هذه مجرد أفكار عامة مطروحة للبحث والنقاش في إطار الاستعداد الخليجي للتعامل مع الحوار الأمريكي-الإيراني. صحيح أن كل خيار من الخيارات المطروحة يتضمن منافع وتكلفة في الوقت ذاته، إلا أن السياسة الرشيدة يجب أن تقوم بدراسة كافة البدائل المطروحة وتتبنى الخيار الأفضل والأكثر تحقيقاً لمصالحها على المدى الطويل.
::/fulltext::
::cck::1228::/cck::
