نحو مفهوم جديد للمصالحة الفلسطينية والشراكة السياسية
::cck::1230::/cck::
::introtext::
لم يكن الأمر بحاجة إلى خطاب خالد مشعل يوم الحادي عشر من شهر أكتوبر الماضي، ولا إلى خطاب الرئيس محمود عباس في اليوم التالي في مدينة جنين، لننفض اليد من أية مراهنة على نجاح المصالحة الموعودة. فعندما يعود خالد مشعل للمربع الأول ويؤكد على أن لا بديل عن تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر، وأن المقاومة هي الخيار الاستراتيجي الوحيد لحركة حماس، فإنما لا يريد المصالحة أو لا يرى إمكانية لها.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن الأمر بحاجة إلى خطاب خالد مشعل يوم الحادي عشر من شهر أكتوبر الماضي، ولا إلى خطاب الرئيس محمود عباس في اليوم التالي في مدينة جنين، لننفض اليد من أية مراهنة على نجاح المصالحة الموعودة. فعندما يعود خالد مشعل للمربع الأول ويؤكد على أن لا بديل عن تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر، وأن المقاومة هي الخيار الاستراتيجي الوحيد لحركة حماس، فإنما لا يريد المصالحة أو لا يرى إمكانية لها.
لو كان خالد مشعل يرى إمكانية للمصالحة بما هي عودة الأمور إلى ما كانت عليه، لأبقى الباب موارباً للحلول، لكن وحيث إنه لا يريدها فقد فضَّل أن يكسب الشارع والجمهور العربي والإسلامي الذي بدأ يثير تساؤلات حول نهج (حماس) ومدى ثباتها على مواقفها. أيضاً لم يكن الأمر بحاجة إلى خطأ طلب تأجيل تقرير غولدستون لتعلن حماس تهربها من المصالحة الوطنية وتطلب تأجيل جلسة التوقيع على المصالحة، ولم تكن مصر بحاجة إلى طلب حماس بالتأجيل لتوافق بسرعة وتعلن التأجيل، وما كان من الضروري كل هذه المناورات والاتهامات المكشوفة والمبطنة للفلسطينيين بأنهم سبب فشل المصالحة ليعلن الوزير أبو الغيط أن لا فرص للمصالحة، قبل أن يتراجع ويمنح مهلة أيام للطرفين (المشاغبين اللذين لا يعرفان مصالح وطنهما) للتوقيع على الورقة المصرية –مجرد توقيع–. فأبو الغيط والحكومة المصرية يعلمان جيداً أنه لا توجد إمكانية لنجاح مصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل أحداث يونيو 2007. كما لم يكن تهرب حماس من المصالحة وتردد الموقف المصري مفاجئاً لمتنفذين في السلطة وفي تنظيم (فتح) ولا بالنسبة لأصحاب القرار في واشنطن وتل أبيب وعواصم عربية.
إن حركة حماس لم تكن بالأساس تريد مصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه من حكومة وسلطة واحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة ملتزمتين بنهج التسوية بما يترتب على ذلك من تخليها عن السلطة والحكومة في قطاع غزة، ولم تكن ترغب في الاحتكام للعملية الانتخابية مرة أخرى. كما أن مصر لم تكن جادة في احتضانها لجلسات الحوار وفيما تطرح من أوراق للمصالحة، فآخر ورقة كانت واضحة أنها خضوع للأمر الواقع وتكريس للانقسام مع إيجاد آليات لتنظيمه وتمريره بشكل متدرج، أيضاً فإن قيادات في السلطة الفلسطينية وعواصم عربية وأجنبية كانت تدرك حقيقة ما يجري، كانت تدرك أن كل الحديث عن الحوار والمصالحة الوطنية منذ أحداث منتصف يونيو 2007 حتى اليوم كان مجرد تخدير للجمهور الفلسطيني وكسباً للوقت لإخفاء الفشل والعجز، إن لم يكن التواطؤ المبطن، الأمر الذي أتاح الفرصة لحركة حماس لتكريس سلطتها في القطاع ولتعويد الناس على التكيف مع واقع الانقسام. ولأن كل هذه الأطراف كانت مشاركة في مخطط فصل غزة عن الضفة أو تعلم به وعاجزة عن وقف مساره، فإنها تخفي حقيقة ما يجري بشعارات كبيرة عن رغبتها في المصالحة الوطنية وفي تحميل كل طرف من الأطراف الأخرى مسؤولية فشل المصالحة. وفي الوقت نفسه كانت كل الأطراف المشار إليها تغذي حالة الانقسام بطرق متعددة بعضها معلن ومكشوف وبعضها خفي، فلا يُعقل أن حكومة حركة حماس تعيش ثلاث سنوات على أموال ومتطلبات حياة لحوالي مليون ونصف المليون من السكان من خلال ما يأتيها عبر الأنفاق ومن دون علم مصر وإسرائيل وواشنطن. كما أن استمرار السلطة في رام الله بدفع رواتب ومساعدات أو كما يقولون إن 58 في المائة من ميزانية السلطة يذهب إلى غزة ليس بدافع الواجب الوطني أو الإنساني بل بأمر من الدول المانحة وخصوصاً واشنطن حتى تتمكن حركة حماس من حكم قطاع غزة وتثبت وجودها فيه، فقرار بهذا الحجم -58 في المائة من الميزانية لغزة- لا يستطيع سلام فياض اتخاذه منفرداً.
لا داعي لمزيد من البحث عن تبريرات للتهرب من مصالحة بمفاهيم وأسس غير قابلة للتحقق الآن
صحيح أننا حتى آخر لحظة كنا نؤكد على المطالبة بإنجاح حوارات المصالحة ونحذر من النتائج الوخيمة لفشل المصالحة ولكن ذلك حتى نبقي جذوة الأمل متقدة عند الجمهور. كنا نعلم حقيقة ما يجري وأن لا جدوى من كل جلسات الحوار، وندرك أن قادة كباراً في التنظيمات الفلسطينية التي شاركت في جلسات الحوار وكل من احتضن هذه الحوارات من دول عربية وخصوصاً مصر، كانوا يدركون الحقيقة –وقد كتبنا أكثر من مقال حول الموضوع- حقيقة أن ما جرى ليس مجرد خلاف سياسي بين فتح وحماس يمكن حله بمصالحة على الطريقة العربية أو بمحاصصة وزارية ووظيفية، بل كان توظيفاً لهذا الخلاف من طرف إسرائيل ودول إقليمية وقيادات سياسية فلسطينية للبناء عليه لتنفيذ مخطط بديل عن المشروع الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي يقول بدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين، مخطط تقاسم ما أنجزته التسوية وما تبقى من المشروع الوطني ولو كشعارات، بما يرضي كل الأطراف المشاركة :إرضاء حماس بمنحها سلطة ضعيفة ومحاصرة في قطاع غزة، وإرضاء رموز نافذة في السلطة بمنحهم امتيازات ومناصب في الضفة، بالإضافة إلى الدفعات المسبقة على الحساب التي قبضوها خلال سنوات السلطة لتنفيذ هذا المخطط، أما الدول العربية المشاركة مباشرة، وهي مصر والأردن وقطر، فكان لكل منها دور ولكل منها نصيب، وكل من يدرك حقيقة علاقة هذه الأنظمة بواشنطن وإسرائيل يعلم ما هو الثمن، هذا ناهيك عن إسرائيل التي هيأت كل الشروط والظروف المناسبة لواقعة الانقسام، فالانقسام أعفاها من أي استحقاقات تتعلق بالانسحاب من الأراضي المحتلة كما تنص الاتفاقيات الموقعة ومنحها مزيداً من الوقت لتستكمل مشروعها الاستيطاني والتهويدي في الضفة والقدس.
إذاً ما جرى ويجري ليس مجرد خلاف بين فتح ومعها السلطة من جانب وحماس من جانب آخر، حتى الصورة التي راجت حول كون الخلاف يدور بين مشروع إسلامي تقوده حركة حماس ومشروع وطني تقوده حركة فتح، لا تعكس الواقع تماماً أو لا تعبر عن كل المشهد، بل كانت تسويقاً للخلاف يخفي حقيقة المخطط، ويضفي شرعية ما على كل طرف، حيث يسمح لحماس بأن تزعم بأنها تمثل المشروع الإسلامي الجهادي، ويسمح لحركة فتح والسلطة للزعم بأنهما يمثلان المشروع الوطني.
ما جرى ويجري هو تسوية سياسية خفية شارك فيها بشكل مباشر أو غير مباشر- بعلم ومشاركة من البعض وبجهل من آخرين – مَن يُفترض أنهم أعداء: قيادات من فتح والمنظمة والسلطة، وقيادات من حماس، وإسرائيل وواشنطن، ولعبت أنظمة عربية دور (العراب) وخصوصاً مصر التي تكفلت بفتح والسلطة، وقطر التي تكفلت بحركة حماس. كانت هذه التسوية في حالة كمون، ولكن محل تفكير في مراكز القرار الإسرائيلي منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، وانتقلت من االتفكير إلى التنفيذ عندما فشلت حوارات كامب ديفيد واندلعت الانتفاضة عام 2000، وباتت تطبخ على نار هادئة عام 2002 عندما تمت محاصرة ياسر عرفات بالمقاطعة وأخيراً تم تخريجها تحت عناوين مخادعة، كالقول بالحسم العسكري بالنسبة لحماس والانقلاب بالنسبة لحركة فتح، فيما الحقيقة أنه لم يكن لا حسماً ولا انقلاباً بل تسوية أمر واقع غير معلنة.
واشنطن معنية باستمرار حالة الانقسام لأن مصالحها تتلاقى مع المصلحة الإسرائيلية
وحتى آخر لحظة كان يراودنا الأمل بأن تكون رؤيتنا للأمر غير صحيحة، وأن المصلحة الوطنية والانحياز للوطن وللشعب سيتغلبان على أي حسابات ضيقة عند الأحزاب السياسية، لكن للأسف فإن القوى الدافعة نحو الانقسام والمستفيدة منه أقوى من قوى المصالحة والمصلحة الوطنية، حيث كانت سيرورة الأحداث وموازين القوى تخدم هذا التوجه. كان كل يوم يمر على حماس وهي في السلطة يبعدها عن نهج المقاومة وعن المصالحة الوطنية، حيث كان عليها أن تختار بين السلطة والمقاومة، وبين السلطة والمصالحة، وقد خيرتها تل أبيب وواشنطن بين الأمرين أكثر من مرة وبطرق مباشرة وغير مباشرة، ويبدو أنها اختارت السلطة. كان كل يوم يمر على الانقسام يُنتج ويؤسس في قطاع غزة ولدى حماس في الخارج نخباً جديدة ومكاسب وارتباطات وواقعاً يجعل التراجع أكثر صعوبة، أيضاً كان كل يوم يمر على السلطة في الضفة إلا ويجعلها أكثر ضعفاً وبالتالي أكثر ارتهاناً للشروط الأمريكية والإسرائيلية وأكثر مسايرة لهما على طاولة المفاوضات، وأيضاً أكثر توافقاً مع واقع الانقسام، ولم يكن تعثر مفاوضات التسوية ببعيد عن الموضوع، بل كان مقصوداً ومدروساً من طرفي معادلة المفاوضات لفسح المجال لتسوية الانقسام لتتوطد، حتى حركة فتح وبعد مؤتمرها السادس أفرزت قيادات متنفذة في اللجنة المركزية معنية باستمرار الانقسام.
ولذلك لم تكن كل الذرائع التي تتقدم بها فتح وحماس لتبرير عدم نجاح الحوارات أو للتهرب من المصالحة أو لتبرير الانقسام وما ترتب عليه من تداعيات في الضفة وغزة صحيحة، والقائلون بها كانوا يدركون أنهم يكذبون على الشعب، فلا الانفلات الأمني والاغتيالات والاعتقالات قبل (الانقلاب) كانت سبباً فيما حدث، ولا الانتخابات ونتائجها كانت سببا فيما جرى، بل كانت جزءاً من المخطط، كما لم يكن التنسيق الأمني لحكومة فياض مع إسرائيل، ولا تدخل الأطراف الخارجية ولا الاعتقالات المتبادلة ولا تقرير غولدستون.. إلخ، السبب في إعاقة المصالحة، هذه تداعيات لمواقف وسياسات كانت معدة مسبقاً، وكان لا بد لهذه التداعيات أن تحدث، وبالتالي فهذه نتائج وليست سبباً. لقد لعبت كل الأطراف المشاركة برضاها أو عجزاً وقهراً، دورها بإتقان لخداع الشعب وتمرير التسوية القائمة (تسوية الانقسام)، وإسرائيل العقل المدبر والداعم لوجستياً للانقسام تراقب وتوجه الأمور لتستمر حالة الانقسام إن لم يكن إلى ما لا نهاية فعلى الأقل لتوظف هذا الانقسام إلى حين استكمال مخططاتها الاستيطانية والتهويدية في الضفة والقدس ولتعيق مسار السلام لأطول فترة ممكنة، كما أن واشنطن معنية باستمرار حالة الانقسام لأن مصالحها تتلاقى مع المصلحة الإسرائيلية ولأنها لا تجد ضغوطاً جادة من العرب والمسلمين عليها، بل وجدت كل مسايرة وخضوع، والموقف الأمريكي الأخير أكد ذلك، فما إن لاحت فرص لمجرد التوقيع على الورقة المصرية للمصالحة حتى طالبت واشنطن بضرورة أن تؤسس هذه المصالحة على الاعتراف بشروط الرباعية، فيما لم تطلب من حماس في ظل الانقسام لا الاعتراف بشروط الرباعية ولا الاعتراف بإسرائيل، بل كانت الوفود الأمريكية تتوافد على غزة وتقابل مسؤولين في حماس بالإضافة إلى اللقاءات الخارجية.
حركة فتح وبعد مؤتمرها السادس أفرزت قيادات متنفذة في اللجنة المركزية معنية باستمرار الانقسام
ليس بالضرورة أن تكون الأطراف الفلسطينية والعربية تمارس الخيانة الوطنية والقومية، فهي لجأت إلى المشاركة في هذا المخطط- التسوية غير المعلنة أو تسوية الانقسام-أو السكوت عنها، عندما استشعرت صعوبة نجاح المشروع الوطني وأيضاً صعوبة تطبيق حتى الاتفاقيات الموقعة، وبالتالي لجأ كل طرف إلى الحصول على أكبر قدر من المغانم قبل أن يغرق المركب، وذوو النوايا الحسنة أملوا بأن يؤدي تصرفهم إلى منع مزيد من تآكل الحقوق الفلسطينية، لكن هذه الأطراف كان من الممكن أن تستدرك الأمر باكراً، بألا توظف الدول العربية والإسلامية القضية الفلسطينية لخدمة أجندة سياسية خاصة بها، وألا تعزز حالة الانقسام خدمة لهذه الأجندة، وأن تقوم الفصائل الفلسطينية بتشكيل قيادة وحدة وطنية والتوافق على خيار واحد موحد: إما المقاومة بكل أشكالها أو التسوية السياسية على أسس صحيحة، لكن للأسف فضلت هذه الأنظمة مصالحها مع واشنطن وتل أبيب، كل منها بمبرراته الخاصة، فيما انساقت الفصائل لتغليب مصلحتها الحزبية الضيقة. وكانت النتيجة أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد راهناً.
لقد جرى ما جرى (ووقع الفاس بالراس) كما يقول المثل، فهل سيبقى الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة يدفع ثمن الانقسام من دمه وراحته وحقوقه التي تتآكل كل يوم بفعل الاستيطان، إلى ما لا نهاية؟ وهل سيبقى هذا الشعب مخدوعاً بمناورات ومهاترات ودجل حديث الحوار والمصالحة وهو يشاهد أن ما يجري على الأرض سواء في الضفة أو غزة يتعارض كلياً مع حديث المصالحة وروحها؟ لقد انكشفت ورقة التوت وبانت العورة، وتبين أن كل المشاركين في الحوارات غير صادقين وأنهم أعجز – عجز غياب القدرة أو عجز غياب الإرادة- من أن ينجزوا مصالحة وطنية تعيد الاعتبار للمشروع الوطني وتضع إسرائيل في الزاوية. وبالتالي يجب الكف عن الحديث الممجوج عن الحوار والمصالحة بالصياغات والمفاهيم السابقة، ولا داعي لمزيد من البحث عن تبريرات للتهرب من مصالحة بمفاهيم وأسس غير قابلة للتحقق الآن.
إن مصر، كما فتح وحماس، تدرك أن لا مصالحة إلا مرتبطة بالتسوية السياسية، فلا ينُتظر أن تؤسِس المصالحة التي ترعاها المخابرات المصرية، حكومة مقاومة أو حكومة تنقلب على السلطة والتزاماتها، وحتى مصر لن ترعى أو تقبل بمصالحة تؤدي إلى هذه النتيجة، وحيث إنه لا يوجد أفق لنجاح تسوية خطة خريطة الطريق أو أية تسوية سياسية ناجزة، فلا مصالحة فلسطينية تؤسِس لسلطة وحكومة واحدة في الضفة وغزة وإلى أن تظهر تسوية سياسية جديدة وجادة وقابلة للتنفيذ وتلبي ولو الحد الأدنى من الحقوق السياسية للفلسطينيين، أو تتوفر شروط مقاومة حقيقية، فإن تسوية الأمر الواقع، أي تسوية الانقسام، ستستمر بمفاعيلها المدمرة، وحتى لا تستمر بهذا الشكل وحتى لا تزيد من حالة الكراهية والعداء بين أبناء الشعب الواحد وبما يمكن إسرائيل من استغلال هذه الحالة لتنفرد بكل طرف على حدة، يجب التفكير بمصالحة جديدة وشراكة سياسية جديدة تتعامل مؤقتاً مع هذا الواقع للانقسام، مصالحة تعمل على تحويل الانقسام إلى تقاسم وظيفي وطني.
بعد كل ما جرى لا داعي لأن تستمر الأطراف الفلسطينية المشاركة باللعبة بالضحك على الشعب والزعم بأنها تسعى إلى مصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه، ولا داعي أيضاً بأن يستمر كل طرف بتحميل الطرف اللآخر مسؤولية إفشال المصالحة. لقد آن الأوان لتصارح القوى السياسية – خصوصاً فتح وحماس- الشعب بالحقيقة وتُوقف حملات التحريض والتخوين والتكفير وتصيِّد أخطاء بعضها بعضاً، والبدء بمرحلة جديدة حتى إن كانت صعبة على النفس، مرحلة التفكير في مصالحة لكن ضمن مفهوم جديد وأسس وطنية جديدة خارج استحقاقات التسوية واستحقاقات الصراع على السلطة، مصالحة تؤسس لمشروع وطني يتعامل مؤقتاً مع واقع الانقسام. مشروع وطني جديد ليس مشروع سلطة وحكومة، بل مشروع حركة تحرر وطني، مشروع يشكل بديلاً عن نهج التدمير الذاتي الذي تمارسه الفصائل بحق قضيتنا وشعبنا. هذا المشروع حتى يكون وطنياً بالفعل يجب أن يكون مشروع الكل الفلسطيني في الداخل والخارج، وهذا يتطلب تفعيل دور نصف الشعب الفلسطيني الذي رُكن على الرف منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، وأن يضع هذا المشروع على سلم اهتماماته رفع الحصار عن قطاع غزة ومواجهة الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس. إن مدخل هذا المشروع ليس بالضرورة الانتخابات التشريعية والرئاسية وليس التوافق على حكومة وحدة وطنية، بل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتستوعب الكل الفلسطيني، فإذا تمكنا من بناء منظمة التحرير على أسس جديدة وبقيادة جديدة فسيكون حل بقية القضايا أيسر كثيراً، حيث لن تنجح أية مصالحة أو شراكة سياسية أو مشروع وطني إن بقي أي فصيل فلسطيني خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية. والورقة المصرية يمكن البناء عليها بعد تعديلها، ونعتقد أن أهم ما في الورقة المصرية أنها لحظت أهمية تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية مع انتخابات المجلس الوطني.

القوى الدافعة نحو الانقسام والمستفيدة منه أقوى من قوى المصالحة والمصلحة الوطنية
ونعلم أن ذلك مهمة صعبة وشاقة، لكن مصير الشعوب لا يرتهن بمصير نخب سياسية أو بموازين قوى آنية أو بارتكاسات عابرة، بل بإرادة الصمود والبقاء عند الشعب، فلنعتبر أن ما جرى انتكاسة لحركة التحرر الفلسطينية الراهنة وفشل لمشروع وطني لم تأت الرياح بما تمكنه من الإقلاع، وحيث إن (لكل جواد كبوة) فيمكن للشعب وقواه الحية أن يتجاوزوا ويتغلبوا على المحنة، فتاريخ صراعنا مع المخطط الصهيوني لم يبدأ اليوم ومع منظمة التحرير بل أقدم من ذلك، ومن الواضح أنه صراع مفتوح على المستقبل.
ليست هذه دعوة إلى شرعنة الانقسام أو تكريسه، بل دعوة إلى وقف المهاترات حول المصالحة الوطنية والتعامل بواقعية مع ما جرى ومحاولة تجاوزه بأقل الخسائر الممكنة، إن لم نبادر كفلسطينيين للأمر، فقد يتم توقيع الورقة المصرية لكنها لن تنفذ، وآنذاك قد ندخل في جولة جديدة من الصراع الدامي في الضفة وغزة، ليس مع إسرائيل بل مع بعضنا بعضاً، وقد يمتد هذا الصراع الدامي للتجمعات الفلسطينية في الخارج، وآنذاك لن يكون هناك لا مشروع مقاومة ولا مشروع سلام.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1230::/cck::
::introtext::
لم يكن الأمر بحاجة إلى خطاب خالد مشعل يوم الحادي عشر من شهر أكتوبر الماضي، ولا إلى خطاب الرئيس محمود عباس في اليوم التالي في مدينة جنين، لننفض اليد من أية مراهنة على نجاح المصالحة الموعودة. فعندما يعود خالد مشعل للمربع الأول ويؤكد على أن لا بديل عن تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر، وأن المقاومة هي الخيار الاستراتيجي الوحيد لحركة حماس، فإنما لا يريد المصالحة أو لا يرى إمكانية لها.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن الأمر بحاجة إلى خطاب خالد مشعل يوم الحادي عشر من شهر أكتوبر الماضي، ولا إلى خطاب الرئيس محمود عباس في اليوم التالي في مدينة جنين، لننفض اليد من أية مراهنة على نجاح المصالحة الموعودة. فعندما يعود خالد مشعل للمربع الأول ويؤكد على أن لا بديل عن تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر، وأن المقاومة هي الخيار الاستراتيجي الوحيد لحركة حماس، فإنما لا يريد المصالحة أو لا يرى إمكانية لها.
لو كان خالد مشعل يرى إمكانية للمصالحة بما هي عودة الأمور إلى ما كانت عليه، لأبقى الباب موارباً للحلول، لكن وحيث إنه لا يريدها فقد فضَّل أن يكسب الشارع والجمهور العربي والإسلامي الذي بدأ يثير تساؤلات حول نهج (حماس) ومدى ثباتها على مواقفها. أيضاً لم يكن الأمر بحاجة إلى خطأ طلب تأجيل تقرير غولدستون لتعلن حماس تهربها من المصالحة الوطنية وتطلب تأجيل جلسة التوقيع على المصالحة، ولم تكن مصر بحاجة إلى طلب حماس بالتأجيل لتوافق بسرعة وتعلن التأجيل، وما كان من الضروري كل هذه المناورات والاتهامات المكشوفة والمبطنة للفلسطينيين بأنهم سبب فشل المصالحة ليعلن الوزير أبو الغيط أن لا فرص للمصالحة، قبل أن يتراجع ويمنح مهلة أيام للطرفين (المشاغبين اللذين لا يعرفان مصالح وطنهما) للتوقيع على الورقة المصرية –مجرد توقيع–. فأبو الغيط والحكومة المصرية يعلمان جيداً أنه لا توجد إمكانية لنجاح مصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل أحداث يونيو 2007. كما لم يكن تهرب حماس من المصالحة وتردد الموقف المصري مفاجئاً لمتنفذين في السلطة وفي تنظيم (فتح) ولا بالنسبة لأصحاب القرار في واشنطن وتل أبيب وعواصم عربية.
إن حركة حماس لم تكن بالأساس تريد مصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه من حكومة وسلطة واحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة ملتزمتين بنهج التسوية بما يترتب على ذلك من تخليها عن السلطة والحكومة في قطاع غزة، ولم تكن ترغب في الاحتكام للعملية الانتخابية مرة أخرى. كما أن مصر لم تكن جادة في احتضانها لجلسات الحوار وفيما تطرح من أوراق للمصالحة، فآخر ورقة كانت واضحة أنها خضوع للأمر الواقع وتكريس للانقسام مع إيجاد آليات لتنظيمه وتمريره بشكل متدرج، أيضاً فإن قيادات في السلطة الفلسطينية وعواصم عربية وأجنبية كانت تدرك حقيقة ما يجري، كانت تدرك أن كل الحديث عن الحوار والمصالحة الوطنية منذ أحداث منتصف يونيو 2007 حتى اليوم كان مجرد تخدير للجمهور الفلسطيني وكسباً للوقت لإخفاء الفشل والعجز، إن لم يكن التواطؤ المبطن، الأمر الذي أتاح الفرصة لحركة حماس لتكريس سلطتها في القطاع ولتعويد الناس على التكيف مع واقع الانقسام. ولأن كل هذه الأطراف كانت مشاركة في مخطط فصل غزة عن الضفة أو تعلم به وعاجزة عن وقف مساره، فإنها تخفي حقيقة ما يجري بشعارات كبيرة عن رغبتها في المصالحة الوطنية وفي تحميل كل طرف من الأطراف الأخرى مسؤولية فشل المصالحة. وفي الوقت نفسه كانت كل الأطراف المشار إليها تغذي حالة الانقسام بطرق متعددة بعضها معلن ومكشوف وبعضها خفي، فلا يُعقل أن حكومة حركة حماس تعيش ثلاث سنوات على أموال ومتطلبات حياة لحوالي مليون ونصف المليون من السكان من خلال ما يأتيها عبر الأنفاق ومن دون علم مصر وإسرائيل وواشنطن. كما أن استمرار السلطة في رام الله بدفع رواتب ومساعدات أو كما يقولون إن 58 في المائة من ميزانية السلطة يذهب إلى غزة ليس بدافع الواجب الوطني أو الإنساني بل بأمر من الدول المانحة وخصوصاً واشنطن حتى تتمكن حركة حماس من حكم قطاع غزة وتثبت وجودها فيه، فقرار بهذا الحجم -58 في المائة من الميزانية لغزة- لا يستطيع سلام فياض اتخاذه منفرداً.
لا داعي لمزيد من البحث عن تبريرات للتهرب من مصالحة بمفاهيم وأسس غير قابلة للتحقق الآن
صحيح أننا حتى آخر لحظة كنا نؤكد على المطالبة بإنجاح حوارات المصالحة ونحذر من النتائج الوخيمة لفشل المصالحة ولكن ذلك حتى نبقي جذوة الأمل متقدة عند الجمهور. كنا نعلم حقيقة ما يجري وأن لا جدوى من كل جلسات الحوار، وندرك أن قادة كباراً في التنظيمات الفلسطينية التي شاركت في جلسات الحوار وكل من احتضن هذه الحوارات من دول عربية وخصوصاً مصر، كانوا يدركون الحقيقة –وقد كتبنا أكثر من مقال حول الموضوع- حقيقة أن ما جرى ليس مجرد خلاف سياسي بين فتح وحماس يمكن حله بمصالحة على الطريقة العربية أو بمحاصصة وزارية ووظيفية، بل كان توظيفاً لهذا الخلاف من طرف إسرائيل ودول إقليمية وقيادات سياسية فلسطينية للبناء عليه لتنفيذ مخطط بديل عن المشروع الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي يقول بدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين، مخطط تقاسم ما أنجزته التسوية وما تبقى من المشروع الوطني ولو كشعارات، بما يرضي كل الأطراف المشاركة :إرضاء حماس بمنحها سلطة ضعيفة ومحاصرة في قطاع غزة، وإرضاء رموز نافذة في السلطة بمنحهم امتيازات ومناصب في الضفة، بالإضافة إلى الدفعات المسبقة على الحساب التي قبضوها خلال سنوات السلطة لتنفيذ هذا المخطط، أما الدول العربية المشاركة مباشرة، وهي مصر والأردن وقطر، فكان لكل منها دور ولكل منها نصيب، وكل من يدرك حقيقة علاقة هذه الأنظمة بواشنطن وإسرائيل يعلم ما هو الثمن، هذا ناهيك عن إسرائيل التي هيأت كل الشروط والظروف المناسبة لواقعة الانقسام، فالانقسام أعفاها من أي استحقاقات تتعلق بالانسحاب من الأراضي المحتلة كما تنص الاتفاقيات الموقعة ومنحها مزيداً من الوقت لتستكمل مشروعها الاستيطاني والتهويدي في الضفة والقدس.
إذاً ما جرى ويجري ليس مجرد خلاف بين فتح ومعها السلطة من جانب وحماس من جانب آخر، حتى الصورة التي راجت حول كون الخلاف يدور بين مشروع إسلامي تقوده حركة حماس ومشروع وطني تقوده حركة فتح، لا تعكس الواقع تماماً أو لا تعبر عن كل المشهد، بل كانت تسويقاً للخلاف يخفي حقيقة المخطط، ويضفي شرعية ما على كل طرف، حيث يسمح لحماس بأن تزعم بأنها تمثل المشروع الإسلامي الجهادي، ويسمح لحركة فتح والسلطة للزعم بأنهما يمثلان المشروع الوطني.
ما جرى ويجري هو تسوية سياسية خفية شارك فيها بشكل مباشر أو غير مباشر- بعلم ومشاركة من البعض وبجهل من آخرين – مَن يُفترض أنهم أعداء: قيادات من فتح والمنظمة والسلطة، وقيادات من حماس، وإسرائيل وواشنطن، ولعبت أنظمة عربية دور (العراب) وخصوصاً مصر التي تكفلت بفتح والسلطة، وقطر التي تكفلت بحركة حماس. كانت هذه التسوية في حالة كمون، ولكن محل تفكير في مراكز القرار الإسرائيلي منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، وانتقلت من االتفكير إلى التنفيذ عندما فشلت حوارات كامب ديفيد واندلعت الانتفاضة عام 2000، وباتت تطبخ على نار هادئة عام 2002 عندما تمت محاصرة ياسر عرفات بالمقاطعة وأخيراً تم تخريجها تحت عناوين مخادعة، كالقول بالحسم العسكري بالنسبة لحماس والانقلاب بالنسبة لحركة فتح، فيما الحقيقة أنه لم يكن لا حسماً ولا انقلاباً بل تسوية أمر واقع غير معلنة.
واشنطن معنية باستمرار حالة الانقسام لأن مصالحها تتلاقى مع المصلحة الإسرائيلية
وحتى آخر لحظة كان يراودنا الأمل بأن تكون رؤيتنا للأمر غير صحيحة، وأن المصلحة الوطنية والانحياز للوطن وللشعب سيتغلبان على أي حسابات ضيقة عند الأحزاب السياسية، لكن للأسف فإن القوى الدافعة نحو الانقسام والمستفيدة منه أقوى من قوى المصالحة والمصلحة الوطنية، حيث كانت سيرورة الأحداث وموازين القوى تخدم هذا التوجه. كان كل يوم يمر على حماس وهي في السلطة يبعدها عن نهج المقاومة وعن المصالحة الوطنية، حيث كان عليها أن تختار بين السلطة والمقاومة، وبين السلطة والمصالحة، وقد خيرتها تل أبيب وواشنطن بين الأمرين أكثر من مرة وبطرق مباشرة وغير مباشرة، ويبدو أنها اختارت السلطة. كان كل يوم يمر على الانقسام يُنتج ويؤسس في قطاع غزة ولدى حماس في الخارج نخباً جديدة ومكاسب وارتباطات وواقعاً يجعل التراجع أكثر صعوبة، أيضاً كان كل يوم يمر على السلطة في الضفة إلا ويجعلها أكثر ضعفاً وبالتالي أكثر ارتهاناً للشروط الأمريكية والإسرائيلية وأكثر مسايرة لهما على طاولة المفاوضات، وأيضاً أكثر توافقاً مع واقع الانقسام، ولم يكن تعثر مفاوضات التسوية ببعيد عن الموضوع، بل كان مقصوداً ومدروساً من طرفي معادلة المفاوضات لفسح المجال لتسوية الانقسام لتتوطد، حتى حركة فتح وبعد مؤتمرها السادس أفرزت قيادات متنفذة في اللجنة المركزية معنية باستمرار الانقسام.
ولذلك لم تكن كل الذرائع التي تتقدم بها فتح وحماس لتبرير عدم نجاح الحوارات أو للتهرب من المصالحة أو لتبرير الانقسام وما ترتب عليه من تداعيات في الضفة وغزة صحيحة، والقائلون بها كانوا يدركون أنهم يكذبون على الشعب، فلا الانفلات الأمني والاغتيالات والاعتقالات قبل (الانقلاب) كانت سبباً فيما حدث، ولا الانتخابات ونتائجها كانت سببا فيما جرى، بل كانت جزءاً من المخطط، كما لم يكن التنسيق الأمني لحكومة فياض مع إسرائيل، ولا تدخل الأطراف الخارجية ولا الاعتقالات المتبادلة ولا تقرير غولدستون.. إلخ، السبب في إعاقة المصالحة، هذه تداعيات لمواقف وسياسات كانت معدة مسبقاً، وكان لا بد لهذه التداعيات أن تحدث، وبالتالي فهذه نتائج وليست سبباً. لقد لعبت كل الأطراف المشاركة برضاها أو عجزاً وقهراً، دورها بإتقان لخداع الشعب وتمرير التسوية القائمة (تسوية الانقسام)، وإسرائيل العقل المدبر والداعم لوجستياً للانقسام تراقب وتوجه الأمور لتستمر حالة الانقسام إن لم يكن إلى ما لا نهاية فعلى الأقل لتوظف هذا الانقسام إلى حين استكمال مخططاتها الاستيطانية والتهويدية في الضفة والقدس ولتعيق مسار السلام لأطول فترة ممكنة، كما أن واشنطن معنية باستمرار حالة الانقسام لأن مصالحها تتلاقى مع المصلحة الإسرائيلية ولأنها لا تجد ضغوطاً جادة من العرب والمسلمين عليها، بل وجدت كل مسايرة وخضوع، والموقف الأمريكي الأخير أكد ذلك، فما إن لاحت فرص لمجرد التوقيع على الورقة المصرية للمصالحة حتى طالبت واشنطن بضرورة أن تؤسس هذه المصالحة على الاعتراف بشروط الرباعية، فيما لم تطلب من حماس في ظل الانقسام لا الاعتراف بشروط الرباعية ولا الاعتراف بإسرائيل، بل كانت الوفود الأمريكية تتوافد على غزة وتقابل مسؤولين في حماس بالإضافة إلى اللقاءات الخارجية.
حركة فتح وبعد مؤتمرها السادس أفرزت قيادات متنفذة في اللجنة المركزية معنية باستمرار الانقسام
ليس بالضرورة أن تكون الأطراف الفلسطينية والعربية تمارس الخيانة الوطنية والقومية، فهي لجأت إلى المشاركة في هذا المخطط- التسوية غير المعلنة أو تسوية الانقسام-أو السكوت عنها، عندما استشعرت صعوبة نجاح المشروع الوطني وأيضاً صعوبة تطبيق حتى الاتفاقيات الموقعة، وبالتالي لجأ كل طرف إلى الحصول على أكبر قدر من المغانم قبل أن يغرق المركب، وذوو النوايا الحسنة أملوا بأن يؤدي تصرفهم إلى منع مزيد من تآكل الحقوق الفلسطينية، لكن هذه الأطراف كان من الممكن أن تستدرك الأمر باكراً، بألا توظف الدول العربية والإسلامية القضية الفلسطينية لخدمة أجندة سياسية خاصة بها، وألا تعزز حالة الانقسام خدمة لهذه الأجندة، وأن تقوم الفصائل الفلسطينية بتشكيل قيادة وحدة وطنية والتوافق على خيار واحد موحد: إما المقاومة بكل أشكالها أو التسوية السياسية على أسس صحيحة، لكن للأسف فضلت هذه الأنظمة مصالحها مع واشنطن وتل أبيب، كل منها بمبرراته الخاصة، فيما انساقت الفصائل لتغليب مصلحتها الحزبية الضيقة. وكانت النتيجة أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد راهناً.
لقد جرى ما جرى (ووقع الفاس بالراس) كما يقول المثل، فهل سيبقى الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة يدفع ثمن الانقسام من دمه وراحته وحقوقه التي تتآكل كل يوم بفعل الاستيطان، إلى ما لا نهاية؟ وهل سيبقى هذا الشعب مخدوعاً بمناورات ومهاترات ودجل حديث الحوار والمصالحة وهو يشاهد أن ما يجري على الأرض سواء في الضفة أو غزة يتعارض كلياً مع حديث المصالحة وروحها؟ لقد انكشفت ورقة التوت وبانت العورة، وتبين أن كل المشاركين في الحوارات غير صادقين وأنهم أعجز – عجز غياب القدرة أو عجز غياب الإرادة- من أن ينجزوا مصالحة وطنية تعيد الاعتبار للمشروع الوطني وتضع إسرائيل في الزاوية. وبالتالي يجب الكف عن الحديث الممجوج عن الحوار والمصالحة بالصياغات والمفاهيم السابقة، ولا داعي لمزيد من البحث عن تبريرات للتهرب من مصالحة بمفاهيم وأسس غير قابلة للتحقق الآن.
إن مصر، كما فتح وحماس، تدرك أن لا مصالحة إلا مرتبطة بالتسوية السياسية، فلا ينُتظر أن تؤسِس المصالحة التي ترعاها المخابرات المصرية، حكومة مقاومة أو حكومة تنقلب على السلطة والتزاماتها، وحتى مصر لن ترعى أو تقبل بمصالحة تؤدي إلى هذه النتيجة، وحيث إنه لا يوجد أفق لنجاح تسوية خطة خريطة الطريق أو أية تسوية سياسية ناجزة، فلا مصالحة فلسطينية تؤسِس لسلطة وحكومة واحدة في الضفة وغزة وإلى أن تظهر تسوية سياسية جديدة وجادة وقابلة للتنفيذ وتلبي ولو الحد الأدنى من الحقوق السياسية للفلسطينيين، أو تتوفر شروط مقاومة حقيقية، فإن تسوية الأمر الواقع، أي تسوية الانقسام، ستستمر بمفاعيلها المدمرة، وحتى لا تستمر بهذا الشكل وحتى لا تزيد من حالة الكراهية والعداء بين أبناء الشعب الواحد وبما يمكن إسرائيل من استغلال هذه الحالة لتنفرد بكل طرف على حدة، يجب التفكير بمصالحة جديدة وشراكة سياسية جديدة تتعامل مؤقتاً مع هذا الواقع للانقسام، مصالحة تعمل على تحويل الانقسام إلى تقاسم وظيفي وطني.
بعد كل ما جرى لا داعي لأن تستمر الأطراف الفلسطينية المشاركة باللعبة بالضحك على الشعب والزعم بأنها تسعى إلى مصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه، ولا داعي أيضاً بأن يستمر كل طرف بتحميل الطرف اللآخر مسؤولية إفشال المصالحة. لقد آن الأوان لتصارح القوى السياسية – خصوصاً فتح وحماس- الشعب بالحقيقة وتُوقف حملات التحريض والتخوين والتكفير وتصيِّد أخطاء بعضها بعضاً، والبدء بمرحلة جديدة حتى إن كانت صعبة على النفس، مرحلة التفكير في مصالحة لكن ضمن مفهوم جديد وأسس وطنية جديدة خارج استحقاقات التسوية واستحقاقات الصراع على السلطة، مصالحة تؤسس لمشروع وطني يتعامل مؤقتاً مع واقع الانقسام. مشروع وطني جديد ليس مشروع سلطة وحكومة، بل مشروع حركة تحرر وطني، مشروع يشكل بديلاً عن نهج التدمير الذاتي الذي تمارسه الفصائل بحق قضيتنا وشعبنا. هذا المشروع حتى يكون وطنياً بالفعل يجب أن يكون مشروع الكل الفلسطيني في الداخل والخارج، وهذا يتطلب تفعيل دور نصف الشعب الفلسطيني الذي رُكن على الرف منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، وأن يضع هذا المشروع على سلم اهتماماته رفع الحصار عن قطاع غزة ومواجهة الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس. إن مدخل هذا المشروع ليس بالضرورة الانتخابات التشريعية والرئاسية وليس التوافق على حكومة وحدة وطنية، بل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتستوعب الكل الفلسطيني، فإذا تمكنا من بناء منظمة التحرير على أسس جديدة وبقيادة جديدة فسيكون حل بقية القضايا أيسر كثيراً، حيث لن تنجح أية مصالحة أو شراكة سياسية أو مشروع وطني إن بقي أي فصيل فلسطيني خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية. والورقة المصرية يمكن البناء عليها بعد تعديلها، ونعتقد أن أهم ما في الورقة المصرية أنها لحظت أهمية تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية مع انتخابات المجلس الوطني.

القوى الدافعة نحو الانقسام والمستفيدة منه أقوى من قوى المصالحة والمصلحة الوطنية
ونعلم أن ذلك مهمة صعبة وشاقة، لكن مصير الشعوب لا يرتهن بمصير نخب سياسية أو بموازين قوى آنية أو بارتكاسات عابرة، بل بإرادة الصمود والبقاء عند الشعب، فلنعتبر أن ما جرى انتكاسة لحركة التحرر الفلسطينية الراهنة وفشل لمشروع وطني لم تأت الرياح بما تمكنه من الإقلاع، وحيث إن (لكل جواد كبوة) فيمكن للشعب وقواه الحية أن يتجاوزوا ويتغلبوا على المحنة، فتاريخ صراعنا مع المخطط الصهيوني لم يبدأ اليوم ومع منظمة التحرير بل أقدم من ذلك، ومن الواضح أنه صراع مفتوح على المستقبل.
ليست هذه دعوة إلى شرعنة الانقسام أو تكريسه، بل دعوة إلى وقف المهاترات حول المصالحة الوطنية والتعامل بواقعية مع ما جرى ومحاولة تجاوزه بأقل الخسائر الممكنة، إن لم نبادر كفلسطينيين للأمر، فقد يتم توقيع الورقة المصرية لكنها لن تنفذ، وآنذاك قد ندخل في جولة جديدة من الصراع الدامي في الضفة وغزة، ليس مع إسرائيل بل مع بعضنا بعضاً، وقد يمتد هذا الصراع الدامي للتجمعات الفلسطينية في الخارج، وآنذاك لن يكون هناك لا مشروع مقاومة ولا مشروع سلام.
::/fulltext::
::cck::1230::/cck::
