مجلس التعاون الخليجي ومسألة التطبيع مع إسرائيل
::cck::1236::/cck::
::introtext::
تعدّ مسألة التطبيع العربي، وخاصة التطبيع الخليجي مع إسرائيل من المسائل السياسية والشعبية الحساسة التي تثير جدلاً واسعاً وتلقي بتساؤلات كثيرة على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية لستة عقود من الزمن.
::/introtext::
::fulltext::
تعدّ مسألة التطبيع العربي، وخاصة التطبيع الخليجي مع إسرائيل من المسائل السياسية والشعبية الحساسة التي تثير جدلاً واسعاً وتلقي بتساؤلات كثيرة على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية لستة عقود من الزمن. والأسباب مختلفة لا حصر لها في مقدمتها سياسات التجييش العقائدي والسياسي والعسكري العربي ضد إسرائيل، وخطاب التحريض الإعلامي المتواصل لكراهية إسرائيل والمناداة بمواجهتها وتدميرها أو رميها إلى البحر، كما كان يقول البعض، كتسويق سياسي متعمد في حقب زمنية معينة كان لا بد من اللجوء إليها واستخدامها بل وتوظيفها بتوسع في حركة الصراع العربي-الإسرائيلي.
إن حركات التعبئة السياسية العربية العامة ضد الوجود الإسرائيلي بل واليهودي تعمقت جذورها في نفوس جميع أفراد شعوب المنطقة العربية بعد عمليات التوجيه والتحريك السياسي والعقدي والإعلامي ضد إسرائيل والذي تعرضت لهثقافة شعوب المنطقة من قياداتها السياسية لأسباب مختلفة أيضاً تبدأ من استخدام إسرائيل كشماعة تعلق عليها كافة الخطايا والتجاوزات والأخطاء السياسية العربية، وتوجيه الغضب العربي العارم ضد عدو خارجي، وتنتهي بإسكات كل من يتحدث أو يتساءل عن مسببات المبالغ المالية الباهظة التي أنفقت على شراء السلاح وتخزينه وعدم استخدامه.
لقد تغيرت الأوضاع الدولية والإقليمية السياسية والعسكرية والاقتصادية بعد عام 1979م تحديداً على المستوى المصري-الإسرائيلي بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، لينهار الاتحاد السوفييتي ويتفكك ويتحول النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية لتتبوأ الولايات المتحدة الأمريكية عرش السياسة القيادية العالمية. بمعنى أدق لم يعد للدول العربية الغطاء السياسي العالمي ولا حتى الإقليمي للمضي قدماً في سياسات التعبئة السياسية والعسكرية والعقدية العامة ضد إسرائيل بعد أن تعرضت كافة الدول العربية للضغوط السياسية الأمريكية المكثفة (الحليف الأقوى المخلص لإسرائيل) لتحقيق السلام مع إسرائيل.
تلعب دول مجلس التعاون دوراً رئيسياً في احتواء حركة الصراعات الفلسطينية-الفلسطينية منذ عام 1982م
إن دول مجلس التعاون الخليجي ليست استثناء لهذه القاعدة السياسية العربية لا سيما أن الدول الخليجية تمتلك إمكانيات مادية اقتصادية هائلة كانت للتعبئة الشعبية العامة ضد إسرائيل حصص مالية لا حصر لها ولا بأس بها استخدمت كوسيلة لتحقيق غايات عدة. كما لا يمكن للدول الخليجية أن تبقى استثناء عن القاعدة السياسية الدولية والإقليمية الجديدة التي تمخضت عن حركة التطورات السياسية العالمية التي أشرنا إليها على مستوى النظام الدولي.
ومع هذا بقيت الكراهية العربية والخليجية العامة والتامة لإسرائيل على ما هي عليه ليس بفعل التراكمات السياسية والعقدية والإعلامية التي أشرنا إليها فحسب، وإنما كرد فعل للسياسات الإسرائيلية القمعية والوحشية ضد الشعب الفلسطيني. وهذا ما يفسر معضلة الأحجية السياسية التي نحن في صدد التعامل معها، فتغيير مشاعر الشعوب وتوجهاتها أصعب بكثير من تغيير مواقف وسياسات القيادات السياسية للدول.
نظرة تحليلية شاملة إلى الواقع السياسي الخليجي
مضت حوالي سبعة وعشرين عاماً من تاريخ إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية مما يعني أنه من المفترض في تلك الحقبة الطويلة من الزمن أن يحقق المجلس الشيء الكثير من حيث عاملي الكم والنوع على كافة مستويات تفاعله وتعامله (المحلية والإقليمية والدولية) وذلك بتطبيق مقاييس الحكم الموضوعية على حركة وفاعلية ومنجزات المؤسسات السياسية الخليجية الرسمية.
وهذه المقدمة النقدية الكلية لا تعني ضرورة الدخول في تقييم شامل وكلي لفاعلية أداء المجلس ومنجزاته على هذه المستويات الثلاثة، ولكن الذي يهمنا هنا تحديداً في هذا الطرح أن نتعرض لمسألة إمكانية التطبيع الخليجي مع إسرائيل، هذا إذا جاز لنا القول بإمكانية حدوث ذلك التطبيع في ظل تشتت الأوضاع العربية الراهنة بفعل الخلافات العربية-العربية من جهة، ومن جهة أخرى بعد اندلاع الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني العنيف الذي أصاب الحكومات والمجتمعات العربية والخليجية الشعبية تحديداً بخيبة أمل وإحباط شديدين، وبعد تعثر مفاوضات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، وأخيراً بعد أن أثبت الخليجيون أنهم فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.
والذي نود قوله هنا في هذا الطرح أن المنطقة برمتها – بعد الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني، والخلاف اللبناني-اللبناني من جهة، ومن جهة أخرى الخلاف اللبناني-السوري، ناهيك عن الخلاف العربي-السوري والخلاف المصري-الفلسطيني (تحديداً مع حركة حماس على المعابر)- تقف على فوهة بركان ثائر خاصة بعد أن تفاقمت حدة الصراع والعنف بين حركة حماس من غزة وبين إسرائيل.
وإذا ما وضعنا في الاعتبار التخوف الخليجي من إمكانية تحقيق السلام، ناهيك عن التطبيع مع إسرائيل وعدم قدرتها على تفكيك ومن ثم تغيير مشاعر شعوبها 360 درجة تجاه إسرائيل، فإن العملية برمتها تبقى رهينة تطورات الأوضاع السياسية الحالية، ناهيك عن بقائها على حالها حتى يتحقق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي أولاً وقبل كل شيء.
إلى جانب كل ما سبق فإن بروز عوامل الإرهاب والتطرف والغلو التي تغلي أتونها في المنطقة بفعل سياسات الماضي وخلافاته وصراعاته وبفضل الكم النفسي الشعبي الذي تركته مخلفات الماضي في نفوس شعوب المنطقة برمتها، فإن من المفترض أن يغدو مجلس التعاون الخليجي العمق الاستراتيجي الوحيد لكل الدول العربية عامة ودول الخليج العربية خاصة، أياً كانت مواقعها تحديداً في قضيتي دعم الشعب الفلسطيني ومحاولات حسم الصراع العربي مع إسرائيل بالطبع بالوسائل السلمية.
حرصت الدول الخليجية العربية على تقديم الدعم المادي بشكل متواصل للشعب الفلسطيني
وتؤكد حقائق تفاعلات مجلس التعاون لدول الخليج العربية مع القضية الفلسطينية ومواقفه وسياساته من إسرائيل تحركه من موقعه السياسي الاستراتيجي هذا على مستويات ثلاثة: المستوى الخليجي-الفلسطيني، المستوى الخليجي-العربي-الإسرائيلي، والمستوى الخليجي-الدولي، وذلك بغية التوصل إلى إيجاد حل سلمي سياسي شامل وعادل للقضية الفلسطينية من شأنه القضاء على كافة مصادر العنف والصراع في المنطقة، وتحقيق السلام مع إسرائيل انطلاقاً من ضرورة تنفيذ المبادرة العربية التي تشير في أحد بنودها إلى تطبيع عربي شامل وكامل مع إسرائيل.
هذا الوضع برمته مرهون فيما لو تمكن الجميع من تحييد التدخلات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة في كل حركات وتحركات وأجندة سياسات وخلافات وصراعات المنطقة العربية التي تستثمرها القيادة الإيرانية بشكل جيد كعامل مساند لها في خلافها حول منشآتها النووية مع العالم الغربي عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة.
المستوى الخليجي-الفلسطيني
لم تخل بيانات قمة واحدة من كافة قمم مجلس التعاون الخليجي منذ إنشائه عام 1981 م وحتى قمة الدوحة الأخيرة من الإشارات السياسية المستمرة إلى حتمية دعم القضية الفلسطينية ومناصرة الشعب الفلسطيني وتأييده بشكل مطلق والعمل على استرجاع حقوقه الشرعية المغتصبة كاملة دون انتقاص. ولهذا حرصت الدول الخليجية العربية على تقديم الدعم المادي بشكل متواصل للشعب الفلسطيني بغية دعمه في مواقفه الصامدة تجاه السياسات الإسرائيلية العسكرية والاستيطانية. بل يمكن القول إن كافة القمم الخليجية لمجلس التعاون من دون استثناء تضع القضية الفلسطينية في مقدمة أجندتها السياسية ملمحة إلى خطورة التعنت والعدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني، ورافضة لكافة أشكال ومستويات السياسات الإسرائيلية القمعية والقهرية التي تتبعها في الأراضي الفلسطينية بداية من عمليات التهويد وبناء الجدار الفاصل، ونهاية بالحصار الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية. كما تلعب دول مجلس التعاون الخليجي دوراً رئيسياً في احتواء حركة الصراعات الفلسطينية-الفلسطينية منذ عام 1982م وحتى اليوم خاصة بين حركتي فتح وحماس. وتتضح هذه الحقيقة في استضافة المملكة العربية السعودية في مكة المكرمة للحوار الفلسطيني-الفلسطيني، والزيارات المتكررة للقيادات الفلسطينية إلى المملكة للتباحث وإجراء المشاورات في كل ما يستجد من مستجدات على الساحة الفلسطينية أو على الساحة الفلسطينية-الإسرائيلية.
غدت دول مجلس التعاون الخليجي العمق الاستراتيجي الوحيد تقريباً للقضية الفلسطينية
وكإشارة واضحة إلى دعمها الاستراتيجي للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني تمسكت الدول الخليجية بمواقفها السياسية المتقاربة من رفض تحقيق أي مستوى من مستويات السلام، وبالطبع التطبيع مع إسرائيل، إلا بعد أن تقبل إسرائيل بالمبادرة العربية ويتحقق السلام الشامل العادل في المنطقة بعد حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة كاملة. بمعنى أوضح غدت دول مجلس التعاون الخليجي العمق الاستراتيجي الوحيد تقريباً للقضية الفلسطينية بعد أن تم توقيع اتفاقية سلام مصرية-إسرائيلية، ومن ثم اتفاقية سلام أردنية-إسرائيلية حيدتا الدولتين من حركة الصراع العربي-الإسرائيلي.
المستوى الخليجي-العربي-الإسرائيلي
ربما يمكن القول من واقع تصعيد الأحداث السياسية والعسكرية الحالية في فلسطين عامة وخاصة في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس إن العلاقات الخليجية-العربية- الإسرائيلية بلغت ذروتها من التوتر حتى بعد انتهاء مؤتمر أنابوليس الذي عقد مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية بين بعض الدول العربية الرئيسية وإسرائيل بحضور أمريكي. فتشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في مؤتمر أنابوليس لا يختلف عن تشدد نتنياهو أو باراك بل جميع من سبقهم من القيادات الإسرائيلية. فتصميم أولمرت على المضي قدماً في معالجة السلام العربي-الإسرائيلي وتصحيح مساره وفقاً للممنظور الإسرائيلي لا بد أن يتحقق وفقاً لمصالح إسرائيل وأهدافها، وهو أمر يقلق الجميع في المنطقة بل وفي العالم بأسره.
صحيح أن أولمرت يريد أن يعيد من جديد لغة الحوار والمفاوضات والمقايضة الدبلوماسية مع فلسطين وربما مع سوريا، لكن وفقاً لمنظومة إسرائيلية سياسية متشددة ومخطط إسرائيلي ثابت لا يخفى على الجميع. ومن هنا تذكرنا مواقف أولمرت بموقف نتنياهو تحديداً فكلاهما يؤمن بأن مسيرة السلام مع الفلسطينيين والعرب يجب تصحيحها وفقاً لتوجهات وإرادة ومصالح الشعب الإسرائيلي. هذا ما قاله نتنياهو تحديداً في رسالته للعاهل الأردني (لو كانت هناك في مايو 1996 م مسيرة سلام ناجحة ونشطة لما كان الجمهور الإسرائيلي انتخبني لرئاسة الحكومة، لقد انتخبت لقيادة إسرائيل بسبب تذمر الجمهور الإسرائيلي من المسيرة الفاشلة التي أدت إلى أعمال إرهابية).
ومن الواضح تبعاً لذلك أن المحادثات الخليجية-العربية-الإسرائيلية بصفة عامة، والمحادثات الفلسطينية-الإسرائيلية بصفة خاصة وصلت بفعل التعنت الإسرائيلي إلى طريق مسدود على المستويين الدبلوماسي والسياسي مما ينذر باحتمالات اندلاع أزمة سياسية جديدة في المنطقة برمتها نتيجة لارتفاع حدة الغضب والاستياء الشعبي الفلسطيني من السياسات الإسرائيلية التي بدورها قد تؤدي إلى مواجهات دموية جديدة، إذ إن إسرائيل تنتهج سياسة تصلب في المواقف مع تراجع منظم ومدروس عن الالتزام باتفاقيات السلام التي توصلت إليها حكوماتها السابقة بزعامة إسحاق رابين ومن ثم شيمون بيريز تحت إشراف ورعاية الدول الكبرى مع الفلسطينيين عامة ومن ثم الدول العربية خاصة دول مجلس التعاون. ويتضح من ذلك أن الهدف الإسرائيلي الرئيسي هو تجميد عملية السلام تارة، وعرقلتها تارة أخرى، سواء عن طريق اتخاذ قرارات تعسفية أو اعتباطية في حق الشعب الفلسطيني والأراضي الفلسطينية المحتلة وفي حق مقررات السلام وذلك كلما لاحت في الأفق بوادر انفراج دبلوماسي تبشر بقرب التوصل إلى حلول عادلة ومقبولة من قبل جميع الأطراف المعنية. كما أن إسرائيل مستمرة في تنفيذ مؤامراتها المتعلقة بالتوطين والتهويد وتستمرئ فرض المزيد من الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والعسكرية على القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بهدف إجهاده وإضعافه وانتزاع المزيد من التنازلات والتضحيات منه، فالتعنت والتصلب الإسرائيليان ينطلقان من منطق القوة العسكرية وفرض الأمر الواقع بموجبها.
ومرة أخرى لم تخل بيانات كافة القمم الخليجية من التنديد بالسياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة في الوقت ذاته الذي تدعو فيه إسرائيل إلى تنفيذ كل بنود اتفاقيات السلام التي وقعتها مع السلطة الفلسطينية منذ اتفاقية كل من أوسلو ومدريد وحتى محادثات أنابوليس. لذا فإن الخيار الوحيد المتاح الذي تدرك وجوده دول مجلس التعاون الخليجي هو خيار تفعيل كافة السبل والوسائل الدبلوماسية السلمية من خلال الوسيطين الأمريكي والأوروبي لتحقيق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، وهذا أيضاً ما ركزت عليه كل بيانات القمم الخليجية.
المستوى الخليجي-الدولي
لعبت الدول الكبرى الراعية للسلام دوراً كبيراً في التوصل إلى وضع بعض أسس السلام ومبادئه واتفاقياته، وبالتالي فإنها مسؤولةعن تحقيقه مسؤولية تامة ومباشرة وملتزمة بفرضه على الجميع خاصة على الجانب الإسرائيلي الذي يرفض الالتزام به. كما أن الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية المعنية بذلك الالتزام وضعت مصداقيتها السياسية على المحك أمام العالم كله خاصة في علاقاتها الثنائية والجماعية مع دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي فرض على الدول الخليجية مواصلة ضغوطها السياسية على الطرفين الأمريكي والأوروبي بضرورة التدخل الفعلي المباشر لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات المبرمة مع الطرف الفلسطيني والدول العربية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولمنع المنطقة من الانجراف إلى حافة الهاوية التي ستتفوق فيها حسابات الخسائر على حسابات الأرباح.
ولهذا تحديداً نشطت السياسة الخليجية عامة والسياسة السعودية خاصة في مجال تفعيل العلاقات الثنائية مع الدول الغربية عن طريق الزيارات الثنائية أو جولات الشراكة الاستراتيجية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى معظم الدول الكبرى والدول الغربية لاستثمارها في دفع هذه الدول إلى ممارسة نفوذها على إسرائيل للتقيد بتبني منطق السلام وخياره كسبيل وحيد لتحقيق السلام الإقليمي والسلام العالمي.
الخاتمة والاستنتاج
الملاحظ حتى الآن سواء على المستوى القيادي السياسي الخليجي العربي أو على مستوى شعوب دول مجلس التعاون الخليجي أن التساؤلات تكثر حيال حقائق ما يجري على ساحتهم الجغرافية من ضغوط خارجية وتطورات متسارعة وتغيرات متواصلة لتحييد مساعيهم ومواقفهم الداعمة للقضية الفلسطينية. فوقع مجريات الأحداث على الساحة الفلسطينية بعد كل عملية عنف إسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني أسرع بكثير من قدرة دول المجلس على الحركة السياسية الفاعلة والتأقلم مع تلك التطورات في الوقت ذاته الذي تعاني فيه من انعدام في القدرة على توظيف تلك الأحداث، كما يجب، لفرض أمر سلام واقع على إسرائيل يفضي إلى تطبيع خليجي وعربي كامل معها.
ولعل وضع دول مجلس التعاون الخليجي اليوم لا يختلف عن وضعها بالأمس، فالخطر الخارجي خاصة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لا يزال كما هو، يعد المصدر الرئيسي لزعزعة أمنها واستقرارها. وتتضح هذه الحقيقة أكثر من خلال قلق قيادات دول المجلس من تباطؤ وتلكؤ مبادرات ومساعي السلام الدولية التي تتعثر بشكل واضح من الطرف الإسرائيلي وحليفه الأمريكي.
لا تزال السياسة الخليجية العربية تفتقد وجود عاملي التوافق والمرونة في التعامل مع إسرائيل
وتحدث هذه التطورات السياسية الخطيرة في وقت عجزت فيه دول مجلس التعاون عن التوصل إلى قرار سياسي واضح أو حتى غامض حيال مطالب وضغوط الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة التطبيع مع إسرائيل، ليس في ضوء تعثر حركة السلام العربي-الفلسطيني مع إسرائيل فحسب، وإنما بفعل الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني على مطلب الحل السلمي مع إسرائيل.
لذا فإن السياسات الخليجية العربية لا تزال تراوح مكانها في ما يتعلق بعدم القدرة على التوصل إلى حلول سياسية وسط ترضي جميع الأطراف المعنية بالصراع العربي-الإسرائيلي. كما لا تزال السياسة الخليجية العربية تفتقد وجود عاملي التوافق والمرونة في التعامل مع إسرائيل، ناهيك عن افتقارها إلى عدم القدرة على لعب الدور الذي تأمل ممارسته لتذليل الخلافات والعقبات والمعوقات التي تعيق تحقيق السلام في المنطقة.
إن المنطقة الخليجية العربية في الوقت الراهن، كما تتراءى حقائقها، واقعة بين نارين لا يقل خطر أي منهما عن الآخر.. نار الخلاف الفلسطيني-العربي، ونار مخاطر التطبيع المبكر مع إسرائيل، فقد دفعتها مسألة التكلفة السياسية والأمنية الكبيرة للتطبيع الخليجي مع إسرائيل إلى التمسك بمواقفها المتشددة حيال مسألة التطبيع وتمسكها بإمكانية تحقيقه فقط في حال قبول إسرائيل بالمبادرة العربية، فمسألة محاولة تقليل الخسائر وتعظيم الأرباح والتركيز على ضرورة البحث عن أفضل وأسلم وسيلة لتحقيق السلام ومن ثم التطبيع مع إسرائيل غدت هاجساً خليجياً أكبر بكثير من الهاجس الفلسطيني ذاته.
والحقيقة التي تعيها معظم حكومات وشعوب دول الخليج العربية هي الحقيقة ذاتها التي يستحيل إخفاؤها أو انتزاع سلبياتها الماضية من جذور مشاعر شعوب المنطقة العربية برمتها نتيجة للمعاناة الشعبية الطويلة والثمن الضخم الذي دفعه الشعب الفلسطيني طوال ستين عاماً من سياسات الاحتلال الإسرائيلي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1236::/cck::
::introtext::
تعدّ مسألة التطبيع العربي، وخاصة التطبيع الخليجي مع إسرائيل من المسائل السياسية والشعبية الحساسة التي تثير جدلاً واسعاً وتلقي بتساؤلات كثيرة على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية لستة عقود من الزمن.
::/introtext::
::fulltext::
تعدّ مسألة التطبيع العربي، وخاصة التطبيع الخليجي مع إسرائيل من المسائل السياسية والشعبية الحساسة التي تثير جدلاً واسعاً وتلقي بتساؤلات كثيرة على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية لستة عقود من الزمن. والأسباب مختلفة لا حصر لها في مقدمتها سياسات التجييش العقائدي والسياسي والعسكري العربي ضد إسرائيل، وخطاب التحريض الإعلامي المتواصل لكراهية إسرائيل والمناداة بمواجهتها وتدميرها أو رميها إلى البحر، كما كان يقول البعض، كتسويق سياسي متعمد في حقب زمنية معينة كان لا بد من اللجوء إليها واستخدامها بل وتوظيفها بتوسع في حركة الصراع العربي-الإسرائيلي.
إن حركات التعبئة السياسية العربية العامة ضد الوجود الإسرائيلي بل واليهودي تعمقت جذورها في نفوس جميع أفراد شعوب المنطقة العربية بعد عمليات التوجيه والتحريك السياسي والعقدي والإعلامي ضد إسرائيل والذي تعرضت لهثقافة شعوب المنطقة من قياداتها السياسية لأسباب مختلفة أيضاً تبدأ من استخدام إسرائيل كشماعة تعلق عليها كافة الخطايا والتجاوزات والأخطاء السياسية العربية، وتوجيه الغضب العربي العارم ضد عدو خارجي، وتنتهي بإسكات كل من يتحدث أو يتساءل عن مسببات المبالغ المالية الباهظة التي أنفقت على شراء السلاح وتخزينه وعدم استخدامه.
لقد تغيرت الأوضاع الدولية والإقليمية السياسية والعسكرية والاقتصادية بعد عام 1979م تحديداً على المستوى المصري-الإسرائيلي بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، لينهار الاتحاد السوفييتي ويتفكك ويتحول النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية لتتبوأ الولايات المتحدة الأمريكية عرش السياسة القيادية العالمية. بمعنى أدق لم يعد للدول العربية الغطاء السياسي العالمي ولا حتى الإقليمي للمضي قدماً في سياسات التعبئة السياسية والعسكرية والعقدية العامة ضد إسرائيل بعد أن تعرضت كافة الدول العربية للضغوط السياسية الأمريكية المكثفة (الحليف الأقوى المخلص لإسرائيل) لتحقيق السلام مع إسرائيل.
تلعب دول مجلس التعاون دوراً رئيسياً في احتواء حركة الصراعات الفلسطينية-الفلسطينية منذ عام 1982م
إن دول مجلس التعاون الخليجي ليست استثناء لهذه القاعدة السياسية العربية لا سيما أن الدول الخليجية تمتلك إمكانيات مادية اقتصادية هائلة كانت للتعبئة الشعبية العامة ضد إسرائيل حصص مالية لا حصر لها ولا بأس بها استخدمت كوسيلة لتحقيق غايات عدة. كما لا يمكن للدول الخليجية أن تبقى استثناء عن القاعدة السياسية الدولية والإقليمية الجديدة التي تمخضت عن حركة التطورات السياسية العالمية التي أشرنا إليها على مستوى النظام الدولي.
ومع هذا بقيت الكراهية العربية والخليجية العامة والتامة لإسرائيل على ما هي عليه ليس بفعل التراكمات السياسية والعقدية والإعلامية التي أشرنا إليها فحسب، وإنما كرد فعل للسياسات الإسرائيلية القمعية والوحشية ضد الشعب الفلسطيني. وهذا ما يفسر معضلة الأحجية السياسية التي نحن في صدد التعامل معها، فتغيير مشاعر الشعوب وتوجهاتها أصعب بكثير من تغيير مواقف وسياسات القيادات السياسية للدول.
نظرة تحليلية شاملة إلى الواقع السياسي الخليجي
مضت حوالي سبعة وعشرين عاماً من تاريخ إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية مما يعني أنه من المفترض في تلك الحقبة الطويلة من الزمن أن يحقق المجلس الشيء الكثير من حيث عاملي الكم والنوع على كافة مستويات تفاعله وتعامله (المحلية والإقليمية والدولية) وذلك بتطبيق مقاييس الحكم الموضوعية على حركة وفاعلية ومنجزات المؤسسات السياسية الخليجية الرسمية.
وهذه المقدمة النقدية الكلية لا تعني ضرورة الدخول في تقييم شامل وكلي لفاعلية أداء المجلس ومنجزاته على هذه المستويات الثلاثة، ولكن الذي يهمنا هنا تحديداً في هذا الطرح أن نتعرض لمسألة إمكانية التطبيع الخليجي مع إسرائيل، هذا إذا جاز لنا القول بإمكانية حدوث ذلك التطبيع في ظل تشتت الأوضاع العربية الراهنة بفعل الخلافات العربية-العربية من جهة، ومن جهة أخرى بعد اندلاع الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني العنيف الذي أصاب الحكومات والمجتمعات العربية والخليجية الشعبية تحديداً بخيبة أمل وإحباط شديدين، وبعد تعثر مفاوضات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، وأخيراً بعد أن أثبت الخليجيون أنهم فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.
والذي نود قوله هنا في هذا الطرح أن المنطقة برمتها – بعد الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني، والخلاف اللبناني-اللبناني من جهة، ومن جهة أخرى الخلاف اللبناني-السوري، ناهيك عن الخلاف العربي-السوري والخلاف المصري-الفلسطيني (تحديداً مع حركة حماس على المعابر)- تقف على فوهة بركان ثائر خاصة بعد أن تفاقمت حدة الصراع والعنف بين حركة حماس من غزة وبين إسرائيل.
وإذا ما وضعنا في الاعتبار التخوف الخليجي من إمكانية تحقيق السلام، ناهيك عن التطبيع مع إسرائيل وعدم قدرتها على تفكيك ومن ثم تغيير مشاعر شعوبها 360 درجة تجاه إسرائيل، فإن العملية برمتها تبقى رهينة تطورات الأوضاع السياسية الحالية، ناهيك عن بقائها على حالها حتى يتحقق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي أولاً وقبل كل شيء.
إلى جانب كل ما سبق فإن بروز عوامل الإرهاب والتطرف والغلو التي تغلي أتونها في المنطقة بفعل سياسات الماضي وخلافاته وصراعاته وبفضل الكم النفسي الشعبي الذي تركته مخلفات الماضي في نفوس شعوب المنطقة برمتها، فإن من المفترض أن يغدو مجلس التعاون الخليجي العمق الاستراتيجي الوحيد لكل الدول العربية عامة ودول الخليج العربية خاصة، أياً كانت مواقعها تحديداً في قضيتي دعم الشعب الفلسطيني ومحاولات حسم الصراع العربي مع إسرائيل بالطبع بالوسائل السلمية.
حرصت الدول الخليجية العربية على تقديم الدعم المادي بشكل متواصل للشعب الفلسطيني
وتؤكد حقائق تفاعلات مجلس التعاون لدول الخليج العربية مع القضية الفلسطينية ومواقفه وسياساته من إسرائيل تحركه من موقعه السياسي الاستراتيجي هذا على مستويات ثلاثة: المستوى الخليجي-الفلسطيني، المستوى الخليجي-العربي-الإسرائيلي، والمستوى الخليجي-الدولي، وذلك بغية التوصل إلى إيجاد حل سلمي سياسي شامل وعادل للقضية الفلسطينية من شأنه القضاء على كافة مصادر العنف والصراع في المنطقة، وتحقيق السلام مع إسرائيل انطلاقاً من ضرورة تنفيذ المبادرة العربية التي تشير في أحد بنودها إلى تطبيع عربي شامل وكامل مع إسرائيل.
هذا الوضع برمته مرهون فيما لو تمكن الجميع من تحييد التدخلات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة في كل حركات وتحركات وأجندة سياسات وخلافات وصراعات المنطقة العربية التي تستثمرها القيادة الإيرانية بشكل جيد كعامل مساند لها في خلافها حول منشآتها النووية مع العالم الغربي عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة.
المستوى الخليجي-الفلسطيني
لم تخل بيانات قمة واحدة من كافة قمم مجلس التعاون الخليجي منذ إنشائه عام 1981 م وحتى قمة الدوحة الأخيرة من الإشارات السياسية المستمرة إلى حتمية دعم القضية الفلسطينية ومناصرة الشعب الفلسطيني وتأييده بشكل مطلق والعمل على استرجاع حقوقه الشرعية المغتصبة كاملة دون انتقاص. ولهذا حرصت الدول الخليجية العربية على تقديم الدعم المادي بشكل متواصل للشعب الفلسطيني بغية دعمه في مواقفه الصامدة تجاه السياسات الإسرائيلية العسكرية والاستيطانية. بل يمكن القول إن كافة القمم الخليجية لمجلس التعاون من دون استثناء تضع القضية الفلسطينية في مقدمة أجندتها السياسية ملمحة إلى خطورة التعنت والعدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني، ورافضة لكافة أشكال ومستويات السياسات الإسرائيلية القمعية والقهرية التي تتبعها في الأراضي الفلسطينية بداية من عمليات التهويد وبناء الجدار الفاصل، ونهاية بالحصار الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية. كما تلعب دول مجلس التعاون الخليجي دوراً رئيسياً في احتواء حركة الصراعات الفلسطينية-الفلسطينية منذ عام 1982م وحتى اليوم خاصة بين حركتي فتح وحماس. وتتضح هذه الحقيقة في استضافة المملكة العربية السعودية في مكة المكرمة للحوار الفلسطيني-الفلسطيني، والزيارات المتكررة للقيادات الفلسطينية إلى المملكة للتباحث وإجراء المشاورات في كل ما يستجد من مستجدات على الساحة الفلسطينية أو على الساحة الفلسطينية-الإسرائيلية.
غدت دول مجلس التعاون الخليجي العمق الاستراتيجي الوحيد تقريباً للقضية الفلسطينية
وكإشارة واضحة إلى دعمها الاستراتيجي للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني تمسكت الدول الخليجية بمواقفها السياسية المتقاربة من رفض تحقيق أي مستوى من مستويات السلام، وبالطبع التطبيع مع إسرائيل، إلا بعد أن تقبل إسرائيل بالمبادرة العربية ويتحقق السلام الشامل العادل في المنطقة بعد حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة كاملة. بمعنى أوضح غدت دول مجلس التعاون الخليجي العمق الاستراتيجي الوحيد تقريباً للقضية الفلسطينية بعد أن تم توقيع اتفاقية سلام مصرية-إسرائيلية، ومن ثم اتفاقية سلام أردنية-إسرائيلية حيدتا الدولتين من حركة الصراع العربي-الإسرائيلي.
المستوى الخليجي-العربي-الإسرائيلي
ربما يمكن القول من واقع تصعيد الأحداث السياسية والعسكرية الحالية في فلسطين عامة وخاصة في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس إن العلاقات الخليجية-العربية- الإسرائيلية بلغت ذروتها من التوتر حتى بعد انتهاء مؤتمر أنابوليس الذي عقد مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية بين بعض الدول العربية الرئيسية وإسرائيل بحضور أمريكي. فتشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في مؤتمر أنابوليس لا يختلف عن تشدد نتنياهو أو باراك بل جميع من سبقهم من القيادات الإسرائيلية. فتصميم أولمرت على المضي قدماً في معالجة السلام العربي-الإسرائيلي وتصحيح مساره وفقاً للممنظور الإسرائيلي لا بد أن يتحقق وفقاً لمصالح إسرائيل وأهدافها، وهو أمر يقلق الجميع في المنطقة بل وفي العالم بأسره.
صحيح أن أولمرت يريد أن يعيد من جديد لغة الحوار والمفاوضات والمقايضة الدبلوماسية مع فلسطين وربما مع سوريا، لكن وفقاً لمنظومة إسرائيلية سياسية متشددة ومخطط إسرائيلي ثابت لا يخفى على الجميع. ومن هنا تذكرنا مواقف أولمرت بموقف نتنياهو تحديداً فكلاهما يؤمن بأن مسيرة السلام مع الفلسطينيين والعرب يجب تصحيحها وفقاً لتوجهات وإرادة ومصالح الشعب الإسرائيلي. هذا ما قاله نتنياهو تحديداً في رسالته للعاهل الأردني (لو كانت هناك في مايو 1996 م مسيرة سلام ناجحة ونشطة لما كان الجمهور الإسرائيلي انتخبني لرئاسة الحكومة، لقد انتخبت لقيادة إسرائيل بسبب تذمر الجمهور الإسرائيلي من المسيرة الفاشلة التي أدت إلى أعمال إرهابية).
ومن الواضح تبعاً لذلك أن المحادثات الخليجية-العربية-الإسرائيلية بصفة عامة، والمحادثات الفلسطينية-الإسرائيلية بصفة خاصة وصلت بفعل التعنت الإسرائيلي إلى طريق مسدود على المستويين الدبلوماسي والسياسي مما ينذر باحتمالات اندلاع أزمة سياسية جديدة في المنطقة برمتها نتيجة لارتفاع حدة الغضب والاستياء الشعبي الفلسطيني من السياسات الإسرائيلية التي بدورها قد تؤدي إلى مواجهات دموية جديدة، إذ إن إسرائيل تنتهج سياسة تصلب في المواقف مع تراجع منظم ومدروس عن الالتزام باتفاقيات السلام التي توصلت إليها حكوماتها السابقة بزعامة إسحاق رابين ومن ثم شيمون بيريز تحت إشراف ورعاية الدول الكبرى مع الفلسطينيين عامة ومن ثم الدول العربية خاصة دول مجلس التعاون. ويتضح من ذلك أن الهدف الإسرائيلي الرئيسي هو تجميد عملية السلام تارة، وعرقلتها تارة أخرى، سواء عن طريق اتخاذ قرارات تعسفية أو اعتباطية في حق الشعب الفلسطيني والأراضي الفلسطينية المحتلة وفي حق مقررات السلام وذلك كلما لاحت في الأفق بوادر انفراج دبلوماسي تبشر بقرب التوصل إلى حلول عادلة ومقبولة من قبل جميع الأطراف المعنية. كما أن إسرائيل مستمرة في تنفيذ مؤامراتها المتعلقة بالتوطين والتهويد وتستمرئ فرض المزيد من الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والعسكرية على القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بهدف إجهاده وإضعافه وانتزاع المزيد من التنازلات والتضحيات منه، فالتعنت والتصلب الإسرائيليان ينطلقان من منطق القوة العسكرية وفرض الأمر الواقع بموجبها.
ومرة أخرى لم تخل بيانات كافة القمم الخليجية من التنديد بالسياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة في الوقت ذاته الذي تدعو فيه إسرائيل إلى تنفيذ كل بنود اتفاقيات السلام التي وقعتها مع السلطة الفلسطينية منذ اتفاقية كل من أوسلو ومدريد وحتى محادثات أنابوليس. لذا فإن الخيار الوحيد المتاح الذي تدرك وجوده دول مجلس التعاون الخليجي هو خيار تفعيل كافة السبل والوسائل الدبلوماسية السلمية من خلال الوسيطين الأمريكي والأوروبي لتحقيق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، وهذا أيضاً ما ركزت عليه كل بيانات القمم الخليجية.
المستوى الخليجي-الدولي
لعبت الدول الكبرى الراعية للسلام دوراً كبيراً في التوصل إلى وضع بعض أسس السلام ومبادئه واتفاقياته، وبالتالي فإنها مسؤولةعن تحقيقه مسؤولية تامة ومباشرة وملتزمة بفرضه على الجميع خاصة على الجانب الإسرائيلي الذي يرفض الالتزام به. كما أن الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية المعنية بذلك الالتزام وضعت مصداقيتها السياسية على المحك أمام العالم كله خاصة في علاقاتها الثنائية والجماعية مع دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي فرض على الدول الخليجية مواصلة ضغوطها السياسية على الطرفين الأمريكي والأوروبي بضرورة التدخل الفعلي المباشر لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات المبرمة مع الطرف الفلسطيني والدول العربية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولمنع المنطقة من الانجراف إلى حافة الهاوية التي ستتفوق فيها حسابات الخسائر على حسابات الأرباح.
ولهذا تحديداً نشطت السياسة الخليجية عامة والسياسة السعودية خاصة في مجال تفعيل العلاقات الثنائية مع الدول الغربية عن طريق الزيارات الثنائية أو جولات الشراكة الاستراتيجية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى معظم الدول الكبرى والدول الغربية لاستثمارها في دفع هذه الدول إلى ممارسة نفوذها على إسرائيل للتقيد بتبني منطق السلام وخياره كسبيل وحيد لتحقيق السلام الإقليمي والسلام العالمي.
الخاتمة والاستنتاج
الملاحظ حتى الآن سواء على المستوى القيادي السياسي الخليجي العربي أو على مستوى شعوب دول مجلس التعاون الخليجي أن التساؤلات تكثر حيال حقائق ما يجري على ساحتهم الجغرافية من ضغوط خارجية وتطورات متسارعة وتغيرات متواصلة لتحييد مساعيهم ومواقفهم الداعمة للقضية الفلسطينية. فوقع مجريات الأحداث على الساحة الفلسطينية بعد كل عملية عنف إسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني أسرع بكثير من قدرة دول المجلس على الحركة السياسية الفاعلة والتأقلم مع تلك التطورات في الوقت ذاته الذي تعاني فيه من انعدام في القدرة على توظيف تلك الأحداث، كما يجب، لفرض أمر سلام واقع على إسرائيل يفضي إلى تطبيع خليجي وعربي كامل معها.
ولعل وضع دول مجلس التعاون الخليجي اليوم لا يختلف عن وضعها بالأمس، فالخطر الخارجي خاصة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لا يزال كما هو، يعد المصدر الرئيسي لزعزعة أمنها واستقرارها. وتتضح هذه الحقيقة أكثر من خلال قلق قيادات دول المجلس من تباطؤ وتلكؤ مبادرات ومساعي السلام الدولية التي تتعثر بشكل واضح من الطرف الإسرائيلي وحليفه الأمريكي.
لا تزال السياسة الخليجية العربية تفتقد وجود عاملي التوافق والمرونة في التعامل مع إسرائيل
وتحدث هذه التطورات السياسية الخطيرة في وقت عجزت فيه دول مجلس التعاون عن التوصل إلى قرار سياسي واضح أو حتى غامض حيال مطالب وضغوط الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة التطبيع مع إسرائيل، ليس في ضوء تعثر حركة السلام العربي-الفلسطيني مع إسرائيل فحسب، وإنما بفعل الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني على مطلب الحل السلمي مع إسرائيل.
لذا فإن السياسات الخليجية العربية لا تزال تراوح مكانها في ما يتعلق بعدم القدرة على التوصل إلى حلول سياسية وسط ترضي جميع الأطراف المعنية بالصراع العربي-الإسرائيلي. كما لا تزال السياسة الخليجية العربية تفتقد وجود عاملي التوافق والمرونة في التعامل مع إسرائيل، ناهيك عن افتقارها إلى عدم القدرة على لعب الدور الذي تأمل ممارسته لتذليل الخلافات والعقبات والمعوقات التي تعيق تحقيق السلام في المنطقة.
إن المنطقة الخليجية العربية في الوقت الراهن، كما تتراءى حقائقها، واقعة بين نارين لا يقل خطر أي منهما عن الآخر.. نار الخلاف الفلسطيني-العربي، ونار مخاطر التطبيع المبكر مع إسرائيل، فقد دفعتها مسألة التكلفة السياسية والأمنية الكبيرة للتطبيع الخليجي مع إسرائيل إلى التمسك بمواقفها المتشددة حيال مسألة التطبيع وتمسكها بإمكانية تحقيقه فقط في حال قبول إسرائيل بالمبادرة العربية، فمسألة محاولة تقليل الخسائر وتعظيم الأرباح والتركيز على ضرورة البحث عن أفضل وأسلم وسيلة لتحقيق السلام ومن ثم التطبيع مع إسرائيل غدت هاجساً خليجياً أكبر بكثير من الهاجس الفلسطيني ذاته.
والحقيقة التي تعيها معظم حكومات وشعوب دول الخليج العربية هي الحقيقة ذاتها التي يستحيل إخفاؤها أو انتزاع سلبياتها الماضية من جذور مشاعر شعوب المنطقة العربية برمتها نتيجة للمعاناة الشعبية الطويلة والثمن الضخم الذي دفعه الشعب الفلسطيني طوال ستين عاماً من سياسات الاحتلال الإسرائيلي.
::/fulltext::
::cck::1236::/cck::
