إيران والمسار السوري: مضامين واحتمالات
::cck::1294::/cck::
::introtext::
يوجد فارق شاسع بين المفاوضات التي جرت بين سوريا وإسرائيل عامي (1999-2000) في شيبردز تاون بولاية فرجينيا الغربية الأمريكية، وبين المفاوضات غير المباشرة التي تجري حالياً في تركيا، فقد تغيرت الظروف الإقليمية والدولية واختلطت المصالح وارتبكت الحسابات.
::/introtext::
::fulltext::
يوجد فارق شاسع بين المفاوضات التي جرت بين سوريا وإسرائيل عامي (1999-2000) في شيبردز تاون بولاية فرجينيا الغربية الأمريكية، وبين المفاوضات غير المباشرة التي تجري حالياً في تركيا، فقد تغيرت الظروف الإقليمية والدولية واختلطت المصالح وارتبكت الحسابات.
كانت قضايا الجولان والمياه والتطبيع هي أهم محاور مفاوضات شيبردز تاون، وقد تم إنجاز 85 في المائة منها، قبل أن يصل الطرفان إلى طريق مسدود بسبب مصير بضع مئات الأمتار المربعة من الأرض على شواطىء بحيرة طبريا، لكن التطورات التي طرأت على الساحتين الدولية والإقليمية، لاسيما بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001، دفعت بملفات إقليمية أخرى إلى الواجهة، وربما تكون أكسبتها الأولوية على القضايا التقليدية كالمياه والأرض والتطبيع. فقد تدعم المحور الاستراتيجي الذي يربط سوريا بإيران، التي أصبحت رقماً صعباً في معظم الملفات الإقليمية إن لم يكن مجملها، سواء لجهة محاولتها تبوؤ مكانة إقليمية عبر مد نفوذها داخل دول الجوار أو لجهة استنفار قوى دولية وإقليمية عديدة لمنعها من تحقيق هذا الهدف. كما تصاعد الدور السياسي لبعض القوى المعادية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مثل حزب الله في لبنان وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والتي ترتبط بعلاقات تحالف استراتيجي مع المحور الإيراني – السوري.
لذا لم يكن مستغرباً أن تكتسب الملفات الإقليمية الأولوية عند الإعلان عن إجراء مفاوضات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل برعاية تركية، وهذه الحقيقة بالتحديد كشفت عنها وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني عندما قالت إن (على نظام الرئيس بشار الأسد وقف دعم المجموعات التي تتبنى العنف، مثل حركة المقاومة الإسلامية حماس وحزب الله وقطع علاقاته بطهران إذا كان يرغب بالفعل في الوصول إلى السلام مع إسرائيل). وأكد ذلك أيضاً وزير البنية التحتية الإسرائيلي بنيامين بن أليعازر بقوله إن (السلام بين سوريا وإسرائيل سيقلب الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط لأنه سيعزل إيران ويسكت حزب الله).
إسرائيل لن تقبل باتفاق سلام باهض الثمن مع سوريا ما لم تضمن تفكيك المحور الإيراني-السوري
ورغم أن سوريا رفضت الشروط الإسرائيلية، ووجهت رسائل عديدة إلى إسرائيل مفادها أن تحالفها مع إيران غير قابل للتفاوض حتى لو كان الثمن هو استعادة الجولان، وهو ما بدا جلياً في اتجاهها إلى تقوية علاقاتها الدفاعية والاستراتيجية مع إيران خلال زيارة وزير الدفاع السوري الفريق حسن تركماني إلى طهران في 25 مايو الماضي بعد يومين فقط من انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة في تركيا، إلا أن ذلك لا يعني أن هذه الملفات لن تكون على مائدة المفاوضات، لاسيما أن إسرائيل لن تقبل بإبرام اتفاق سلام مع سوريا يلزمها بدفع ثمن باهظ هو التخلي عن مرتفعات الجولان من دون أن تتلقى المقابل وهو تفكيك المحور الإيراني – السوري وقطع العلاقات مع حزب الله وحركة حماس.
هذه الاعتبارات المتداخلة تفرض سؤالاً مهماً مفاده: أين إيران من كل ذلك، وكيف استقبلت المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وما هو موقفها منها؟
هذا السؤال يكتسب وجاهة خاصة في ضوء البيئة الإقليمية التي جاء في خضمها الإعلان عن إجراء هذه المفاوضات، حيث لا تزال التحركات الأمريكية والإسرائيلية مستمرة لتكوين حشد إقليمي وفرض عزلة على إيران، من خلال التهويل من الطموحات النووية والتمدد الإيراني على الساحة الإقليمية. واستغل الرئيس الأمريكي جورج بوش زيارته إلى منطقة الشرق الأوسط في منتصف شهر مايو الماضي، والتي شملت كلاً من إسرائيل والسعودية ومصر لتحقيق هذا الهدف. ففي خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي أكد بوش، الذي شارك إسرائيل احتفالات (عيد تأسيسها الستيني)، أن إسرائيل (حليفة للولايات المتحدة وأنها وطن الشعب المختار)، مضيفاً (يرى البعض أنه إذا قطعت الولايات المتحدة علاقاتها مع إسرائيل فإن كل مشكلات في الشرق الأوسط سوف تحل. هذا جدل مبتذل ينتمي إلى دعايات أعداء السلام وأمريكا ترفضه بصورة مطلقة). وقال إن واشنطن تقف إلى جانب إسرائيل وتعارض بحزم طموحات إيران إلى امتلاك أسلحة نووية، واعتبر أن السماح لها بالحصول على أسلحة نووية سيكون خيانة لا تغتفر للأجيال القادمة. كما دعا إلى عزل سوريا وإيران قائلاً (كل دولة محبة للسلام في المنطقة من مصلحتها معارضة طموحات إيران لامتلاك أسلحة نووية). وواصل بوش مساعيه للتهويل من أخطار الطموحات النووية والإقليمية الإيرانية في منتدى دافوس الاقتصادي الذي عقد في شرم الشيخ في 18 مايو الماضي، حيثأعاد التأكيد على أن السماح لأبرز دولة في العالم راعية للإرهاب باكتساب أكثر أسلحة العالم فتكاً سيكون خيانة للأجيال القادمة لا يمكن غفرانها من أجل السلام. كما دعا بوش كافة دول الشرق الأوسط إلى مواجهة حماس ووقف إيران وسوريا عن دعم الإهارب وقال (علينا أن نقف مع شعبي إيران وسوريا الصالحين والمحترمين اللذين يستحقان حياة أفضل بكثير ومن مصلحة كل شعب مسالم في المنطقة وقف هاتين الدولتين عن دعم الإرهاب).
تزال التحركات الأمريكية والإسرائيلية مستمرة لتكوين حشد إقليمي وفرض عزلة على إيران
هذه التحركات الأمريكية دفعت العديد من المصادر الإعلامية، خاصة الإسرائيلية، إلى التأكيد على جدية وجود عمل عسكري أمريكي ضد إيران خلال الأشهر القليلة المتبقية من هذا العام، حيث نشرت صحيفة (جيروزاليم بوست) خبراً على لسان مسؤول إسرائيلي مفاده أنه في محادثات مغلقة جرت خلال زيارة بوش إلى إسرائيل في 14 مايو الماضي قال مسؤول أمريكي رفيع المستوى يرافق بوش إن الرئيس الأمريكي ونائبه ديك تشيني يعتبران ضرب إيران أمراً ضرورياً، وإن ما يؤخر هجوماً على إيران هو تردد وزير الدفاع روبرت غيتس ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، مضيفاً أن بوش ليس ملزماً بالحصول على تأييد غيتس أو الكونغرس من أجل تنفيذ هجوم كهذا، لكن هذا الأمر سيضر بالمرشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين.
ورغم أن واشنطن سارعت إلى نفي خبر (جيروزاليم بوست) الذي وصفه البيت الأبيض بأنه (لا يساوي قيمة الورق الذي كتب عليه)، إلا أن ذلك لا ينفي أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً للتعامل مع إيران، حتى قبل نهاية فترة الرئيس الأمريكي جورج بوش، وربما لا يمكن استبعاد وجود علاقة بين تزايد التكهنات عن قرب توجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وإجراء مفاوضات بين سوريا وإسرائيل. وهذه الحقيقة بالتحديد كشف عنها أودي سيغل المعلق السياسي للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي الذي نقل عن مصادر عسكرية رفيعة المستوى في تل أبيب قولها إن الحرص الإسرائيلي على فتح قناة تفاوضية مع سوريا جاء لـ (إقناع دمشق بعدم المشاركة في عمليات انتقامية من المؤكد أن طهران ستقوم بها إذا تعرضت منشآتها النووية لضربة عسكرية أمريكية). وعلى ذلك فإن المنطق وراء استئناف إسرائيل المفاوضات غير المباشرة مع سوريا يقوم على محاولة إطالة أمدها حتى تتجاوز الوقت الذي تتعرض فيه إيران للضربة العسكرية بحيث يكون وقتها من الصعب على دمشق المشاركة في عمليات انتقامية ضد إسرائيل في الوقت الذي تجري فيه مفاوضات معها. هذا الاستنتاج أكده أيضاً أمنون إيراموفيتش كبير المعلقين في القناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي الذي قال إن (كل التقييمات الاستراتيجية التي قام بها الجيش الإسرائيلي مؤخراً تدل على أن آلاف الإسرائيليين سيقتلون في أي مواجهة عسكرية مع سوريا)، واعتبر أنه (على الرغم من إدراك إسرائيل أنها ستحقق نصراً في النهاية، فإن هذا النصر سيكون قاسياً جداً، وسيؤدي إلى سقوط آلاف الإسرائيليين).
هذه الاعتبارات في مجملها ربما تفسر إلى حد كبير حالة التريث الشديدة التي بدت على السياسة الإيرانيةبعد الإعلان عن إجراء مفاوضات بين سوريا وإسرائيل، حيث حرص المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الذي يترأسه الرئيس محمود أحمدي نجاد على دراسة رسالة أرسلتها دمشق حول مباحثات السلام مع إسرائيل بدقة وتأن، لإعداد رد مناسب لها، في الوقت الذي وجّه فيه تعليمات إلى وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الرسمية بعدم الاقتراب من موضوع مباحثات سوريا وإسرائيل عبر تركيا حتى إشعار آخر.
ثم ما لبث أن جاء الموقف الإيراني من المفاوضات الجديدة منضبطاً إلى حد كبير، حيث اختلف كثيراً عما حدث عند إعلان سوريا موافقتها على المشاركة في اجتماع (أنابوليس) الذي عقد في نوفمبر 2007، وقتها كانت ردود الفعل الإيرانية عصبية وعنيفة ضد سوريا وضد الاجتماع وضد المشاركين باعتباره خطوة ضد نهج المقاومة الذي هو السبيل الوحيد، في الرؤية الإيرانية، لانتزاع الحقوق الفلسطينية المغتصبة. وشارك في ردود الفعل الإيرانية تلك على اجتماع أنابوليس المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي والرئيس أحمدي نجاد ورئيس مجلس الشورى السابق غلام علي حداد عادل، كما شارك فيها الإعلام الإيراني بكثافة وخرجت المظاهرات أمام السفارة السورية تندد بهذه المشاركة، لكن هذه المرة لم تحدث ردود فعل على ذلك النحو، بل حرص أكثر من مسؤول إيراني على تأكيد دعم إيران للمساعي السورية لاستعادة الجولان.
فقد أعرب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد عن ثقته بأن (سوريا حليفة إيران لن تتخلى عن الخط الأمامي في مواجهة إسرائيل)، وأوضح خلال لقائه مع وزير الدفاع السوري حسن تركماني أن (القيادة السورية ستدير الموقف بذكاء ولن تتخلى عن الخط الأمامي حتى القضاء بشكل كامل على تهديدات الكيان الصهيوني)، مؤكداً أنه إذا كان التعاون الإيراني–السوري في كل المجالات مفيداً للطرفين (فيجب توسيع علاقات الدفاع بأكبر قدر ممكن). واعتبر قائد الحرس الثوري الجنرال محمد علي جعفري بعد لقائه وزير الدفاع السوري حسن تركماني في طهران، أن (وحدة إيران وسوريا واتحادهما بات اليوم أكثر بروزاً من السابق وهذا سيكون له الكثير من الآثار على المنطقة). أما وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار فقد أكد أن العلاقات بين إيران وسوريا (علاقات استراتيجية تقوم على المصالح الوطنية للبلدين والعالم الإسلامي)، واعتبر أن التعاون المشترك هو (تعاون ثابت ودائم لأنه قائم على أسس وجذور مشتركة وراسخة)، وأشار إلى أن أي قرار تتخذه سوريا حول استعادة الجولان المحتل (يعد قراراً حكيماً من وجهة نظرنا، لأن استعادة الجولان المحتل حق للشعب السوري، وستدعم إيران سوريا لاستعادة أراضيها المحتلة). وفي الوقت نفسه أعرب وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي عن دعم بلاده لسوريا لاستعادة الجولان من دون شروط، وصرح قائلاً: (إننا ندعم سوريا لتستعيد الجولان ولا نعتقد أن النظام الصهيوني قادر على إملاء شروطه في هذا الملف).
هذا الموقف الإيراني في حاجة إلى قراءة متأنية تأخذ في اعتبارها الظروف الإقليمية والدولية المحيطة. فمن ناحية تدرك إيران جيداً أن الجولان بالنسبة لسوريا (خط أحمر) لا يمكن المساومة حوله، وقد بدا ذلك جلياً بعد الخلاف الذي نشب مع سوريا حول مشاركتها في اجتماع أنابوليس، حيث أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن (سوريا لا يمكن أن تتردد في المشاركة بأي اجتماع تُناقش فيه قضية الجولان). لكن إيران تدرك من ناحية أخرى أن سوريا لا يمكن أن تتخلى عن علاقاتها الاستراتيجية القوية معها بسهولة، ولن تتنازل عن أي أوراق في يديها طالما لم تتبين الصيغة النهائية للسلام مع تل أبيب، وهذا ما أكدته دمشق في ردها على دعوة تسيبي ليفني التي ربطت السلام مع سوريا بأن تقوم الأخيرة بقطع علاقاتها مع إيران وحزب الله اللبناني ومنظمات المقاومة الفلسطينية التي تتحرك من دمشق، حيث رفض الرئيس السوري بشار الأسد هذه المطالب بقوله إن حكومة حزب البعث تعتزم الاحتفاظ بعلاقات طبيعية مع إيران، بينما تجري محادثات غير مباشرة مع إسرائيل لاستعادة مرتفعات الجولان المحتلة.
هذا الرفض السوري لمطالب إسرائيل اعتبرته طهران دليلاً على أن سوريا لم تصل بعد إلى قرار نهائي بشأن خياراتها السياسية والاستراتيجية الجديدة، وأن ثمة فرصة أخرى للتأثير في التوجهات السورية، خاصة في ظل عدم وجود أي مؤشرات توحي بقرب التوصل إلى تسوية سلمية بين سوريا وإسرائيل، وذلك لاعتبارين: الأول، الموقف السياسي الضعيف الذي يواجهه رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بسبب إخفاقات حرب لبنان 2006 التي لا تزال تلاحقه، فضلاً عن أزمة الفساد المالي التي تهدد مستقبله السياسي برمته. هذا الموقف فتح المشهد السياسي الإسرائيلي على خيارين: أولهما، تقديم أولمرت استقالته من رئاسة الوزراء ورئاسة حزب (كاديما)، وتولي تسيبي ليفني وزيرة الخارجية أو شاؤول موفاز وزير العمل رئاسة الحكومة، وكلاهما يرفض إبرام اتفاق سلام مع سوريا من شأنه التنازل عن هضبة الجولان ووصول إيران -العدو اللدود لإسرائيل- إلى هذه المنطقة الاستراتيجية، وهو الموقف ذاته الذي يتبناه العديد من الأركان الرئيسية في الدولة، مثل إيهود باراك رئيس حزب العمل وزير الدفاع، كما تؤيده استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً في إسرائيل والتي كشفت أن 65في المائة من الإسرائيليين يرفضون إنهاء احتلال الجولان مقابل سلام حقيقي مع دمشق، فيما وافق 64في المائة على الانسحاب الجزئي، لكنهم قالوا إن رئيس الوزراء إيهود أولمرت غير جدير بإدارة مفاوضات والالتزام بتنازلات في وقت يبدو مستقبله السياسي غامضاً. وثانيهما، إجراء انتخابات نيابية مبكرة سوف تؤتي حتماً بزعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، مما يعني إغلاق ملف المفاوضات مع سوريا إلى أجل غير مسمى، في ظل الرفض الحاسم الذي يبديه نتنياهو تجاه هذه المفاوضات، والذي بدا جلياً في الحملة العنيفة التي يشنها في الوقت الحالي على أولمرت متهماً إياه بمحاولة التملص من الأزمات الداخلية التي تلاحقه خاصة أزمة الفساد، من خلال الاتجاه إلى إجراء مفاوضات مع سوريا.
أما الاعتبار الثاني، فيتمثل في التجاهل الأمريكي اللافت للمفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، حيث علقت دانا بيرينو المتحدثة باسم البيت الأبيض على المفاوضات بقولها (الولايات المتحدة غير مشاركة. هذا القرار اتخذته إسرائيل .. نحن لم نفاجأ به ولا نعترض عليه)، وأضافت (نأمل بأن يكون هذا منتدى لمعالجة المخاوف المتعددة التي لدينا جميعاً بشأن سوريا.. دعم سوريا للإرهاب وقمعها لشعبها ولهذا فإننا سنرى كيف سيسير هذا). وهذا الموقف يعني أن واشنطن لن تتدخل في مسار المفاوضات، ولن تضغط على إسرائيل للسير في اتجاه تحقيق تقدم فيها، ويبدو أن ذلك هو ما دفع سوريا على لسان سفيرها لدى الولايات المتحدة عماد مصطفى إلى مطالبة الولايات المتحدة بأداء دور حاسم في مباحثات السلام الجارية حالياً، لأن هذه المباحثات، في رؤيته، لا يمكن أن تصل إلى نتيجة إيجابية من دون المشاركة الأمريكية.
إن هذه الاعتبارات في مجملها رأت معها إيران أن التوصل إلى اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل يمكن أن يؤثر في التحالف الاستراتيجي بينهما، هو أمر من الصعب تحقيقه على الأقل في المدى المنظور، ومن ثم لم تمانع بإجراء المفاوضات، كما حدث في مؤتمر أنابوليس، وربما تكون قد دعمتها بهدف تبريد أجواء الاحتقان مع الولايات المتحدة ومن ثم تقليص احتمالات إقدامها على شن ضربة عسكرية ضدها قبل انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش في نوفمبر المقبل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1294::/cck::
::introtext::
يوجد فارق شاسع بين المفاوضات التي جرت بين سوريا وإسرائيل عامي (1999-2000) في شيبردز تاون بولاية فرجينيا الغربية الأمريكية، وبين المفاوضات غير المباشرة التي تجري حالياً في تركيا، فقد تغيرت الظروف الإقليمية والدولية واختلطت المصالح وارتبكت الحسابات.
::/introtext::
::fulltext::
يوجد فارق شاسع بين المفاوضات التي جرت بين سوريا وإسرائيل عامي (1999-2000) في شيبردز تاون بولاية فرجينيا الغربية الأمريكية، وبين المفاوضات غير المباشرة التي تجري حالياً في تركيا، فقد تغيرت الظروف الإقليمية والدولية واختلطت المصالح وارتبكت الحسابات.
كانت قضايا الجولان والمياه والتطبيع هي أهم محاور مفاوضات شيبردز تاون، وقد تم إنجاز 85 في المائة منها، قبل أن يصل الطرفان إلى طريق مسدود بسبب مصير بضع مئات الأمتار المربعة من الأرض على شواطىء بحيرة طبريا، لكن التطورات التي طرأت على الساحتين الدولية والإقليمية، لاسيما بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001، دفعت بملفات إقليمية أخرى إلى الواجهة، وربما تكون أكسبتها الأولوية على القضايا التقليدية كالمياه والأرض والتطبيع. فقد تدعم المحور الاستراتيجي الذي يربط سوريا بإيران، التي أصبحت رقماً صعباً في معظم الملفات الإقليمية إن لم يكن مجملها، سواء لجهة محاولتها تبوؤ مكانة إقليمية عبر مد نفوذها داخل دول الجوار أو لجهة استنفار قوى دولية وإقليمية عديدة لمنعها من تحقيق هذا الهدف. كما تصاعد الدور السياسي لبعض القوى المعادية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مثل حزب الله في لبنان وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والتي ترتبط بعلاقات تحالف استراتيجي مع المحور الإيراني – السوري.
لذا لم يكن مستغرباً أن تكتسب الملفات الإقليمية الأولوية عند الإعلان عن إجراء مفاوضات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل برعاية تركية، وهذه الحقيقة بالتحديد كشفت عنها وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني عندما قالت إن (على نظام الرئيس بشار الأسد وقف دعم المجموعات التي تتبنى العنف، مثل حركة المقاومة الإسلامية حماس وحزب الله وقطع علاقاته بطهران إذا كان يرغب بالفعل في الوصول إلى السلام مع إسرائيل). وأكد ذلك أيضاً وزير البنية التحتية الإسرائيلي بنيامين بن أليعازر بقوله إن (السلام بين سوريا وإسرائيل سيقلب الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط لأنه سيعزل إيران ويسكت حزب الله).
إسرائيل لن تقبل باتفاق سلام باهض الثمن مع سوريا ما لم تضمن تفكيك المحور الإيراني-السوري
ورغم أن سوريا رفضت الشروط الإسرائيلية، ووجهت رسائل عديدة إلى إسرائيل مفادها أن تحالفها مع إيران غير قابل للتفاوض حتى لو كان الثمن هو استعادة الجولان، وهو ما بدا جلياً في اتجاهها إلى تقوية علاقاتها الدفاعية والاستراتيجية مع إيران خلال زيارة وزير الدفاع السوري الفريق حسن تركماني إلى طهران في 25 مايو الماضي بعد يومين فقط من انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة في تركيا، إلا أن ذلك لا يعني أن هذه الملفات لن تكون على مائدة المفاوضات، لاسيما أن إسرائيل لن تقبل بإبرام اتفاق سلام مع سوريا يلزمها بدفع ثمن باهظ هو التخلي عن مرتفعات الجولان من دون أن تتلقى المقابل وهو تفكيك المحور الإيراني – السوري وقطع العلاقات مع حزب الله وحركة حماس.
هذه الاعتبارات المتداخلة تفرض سؤالاً مهماً مفاده: أين إيران من كل ذلك، وكيف استقبلت المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وما هو موقفها منها؟
هذا السؤال يكتسب وجاهة خاصة في ضوء البيئة الإقليمية التي جاء في خضمها الإعلان عن إجراء هذه المفاوضات، حيث لا تزال التحركات الأمريكية والإسرائيلية مستمرة لتكوين حشد إقليمي وفرض عزلة على إيران، من خلال التهويل من الطموحات النووية والتمدد الإيراني على الساحة الإقليمية. واستغل الرئيس الأمريكي جورج بوش زيارته إلى منطقة الشرق الأوسط في منتصف شهر مايو الماضي، والتي شملت كلاً من إسرائيل والسعودية ومصر لتحقيق هذا الهدف. ففي خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي أكد بوش، الذي شارك إسرائيل احتفالات (عيد تأسيسها الستيني)، أن إسرائيل (حليفة للولايات المتحدة وأنها وطن الشعب المختار)، مضيفاً (يرى البعض أنه إذا قطعت الولايات المتحدة علاقاتها مع إسرائيل فإن كل مشكلات في الشرق الأوسط سوف تحل. هذا جدل مبتذل ينتمي إلى دعايات أعداء السلام وأمريكا ترفضه بصورة مطلقة). وقال إن واشنطن تقف إلى جانب إسرائيل وتعارض بحزم طموحات إيران إلى امتلاك أسلحة نووية، واعتبر أن السماح لها بالحصول على أسلحة نووية سيكون خيانة لا تغتفر للأجيال القادمة. كما دعا إلى عزل سوريا وإيران قائلاً (كل دولة محبة للسلام في المنطقة من مصلحتها معارضة طموحات إيران لامتلاك أسلحة نووية). وواصل بوش مساعيه للتهويل من أخطار الطموحات النووية والإقليمية الإيرانية في منتدى دافوس الاقتصادي الذي عقد في شرم الشيخ في 18 مايو الماضي، حيثأعاد التأكيد على أن السماح لأبرز دولة في العالم راعية للإرهاب باكتساب أكثر أسلحة العالم فتكاً سيكون خيانة للأجيال القادمة لا يمكن غفرانها من أجل السلام. كما دعا بوش كافة دول الشرق الأوسط إلى مواجهة حماس ووقف إيران وسوريا عن دعم الإهارب وقال (علينا أن نقف مع شعبي إيران وسوريا الصالحين والمحترمين اللذين يستحقان حياة أفضل بكثير ومن مصلحة كل شعب مسالم في المنطقة وقف هاتين الدولتين عن دعم الإرهاب).
تزال التحركات الأمريكية والإسرائيلية مستمرة لتكوين حشد إقليمي وفرض عزلة على إيران
هذه التحركات الأمريكية دفعت العديد من المصادر الإعلامية، خاصة الإسرائيلية، إلى التأكيد على جدية وجود عمل عسكري أمريكي ضد إيران خلال الأشهر القليلة المتبقية من هذا العام، حيث نشرت صحيفة (جيروزاليم بوست) خبراً على لسان مسؤول إسرائيلي مفاده أنه في محادثات مغلقة جرت خلال زيارة بوش إلى إسرائيل في 14 مايو الماضي قال مسؤول أمريكي رفيع المستوى يرافق بوش إن الرئيس الأمريكي ونائبه ديك تشيني يعتبران ضرب إيران أمراً ضرورياً، وإن ما يؤخر هجوماً على إيران هو تردد وزير الدفاع روبرت غيتس ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، مضيفاً أن بوش ليس ملزماً بالحصول على تأييد غيتس أو الكونغرس من أجل تنفيذ هجوم كهذا، لكن هذا الأمر سيضر بالمرشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين.
ورغم أن واشنطن سارعت إلى نفي خبر (جيروزاليم بوست) الذي وصفه البيت الأبيض بأنه (لا يساوي قيمة الورق الذي كتب عليه)، إلا أن ذلك لا ينفي أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً للتعامل مع إيران، حتى قبل نهاية فترة الرئيس الأمريكي جورج بوش، وربما لا يمكن استبعاد وجود علاقة بين تزايد التكهنات عن قرب توجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وإجراء مفاوضات بين سوريا وإسرائيل. وهذه الحقيقة بالتحديد كشف عنها أودي سيغل المعلق السياسي للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي الذي نقل عن مصادر عسكرية رفيعة المستوى في تل أبيب قولها إن الحرص الإسرائيلي على فتح قناة تفاوضية مع سوريا جاء لـ (إقناع دمشق بعدم المشاركة في عمليات انتقامية من المؤكد أن طهران ستقوم بها إذا تعرضت منشآتها النووية لضربة عسكرية أمريكية). وعلى ذلك فإن المنطق وراء استئناف إسرائيل المفاوضات غير المباشرة مع سوريا يقوم على محاولة إطالة أمدها حتى تتجاوز الوقت الذي تتعرض فيه إيران للضربة العسكرية بحيث يكون وقتها من الصعب على دمشق المشاركة في عمليات انتقامية ضد إسرائيل في الوقت الذي تجري فيه مفاوضات معها. هذا الاستنتاج أكده أيضاً أمنون إيراموفيتش كبير المعلقين في القناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي الذي قال إن (كل التقييمات الاستراتيجية التي قام بها الجيش الإسرائيلي مؤخراً تدل على أن آلاف الإسرائيليين سيقتلون في أي مواجهة عسكرية مع سوريا)، واعتبر أنه (على الرغم من إدراك إسرائيل أنها ستحقق نصراً في النهاية، فإن هذا النصر سيكون قاسياً جداً، وسيؤدي إلى سقوط آلاف الإسرائيليين).
هذه الاعتبارات في مجملها ربما تفسر إلى حد كبير حالة التريث الشديدة التي بدت على السياسة الإيرانيةبعد الإعلان عن إجراء مفاوضات بين سوريا وإسرائيل، حيث حرص المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الذي يترأسه الرئيس محمود أحمدي نجاد على دراسة رسالة أرسلتها دمشق حول مباحثات السلام مع إسرائيل بدقة وتأن، لإعداد رد مناسب لها، في الوقت الذي وجّه فيه تعليمات إلى وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الرسمية بعدم الاقتراب من موضوع مباحثات سوريا وإسرائيل عبر تركيا حتى إشعار آخر.
ثم ما لبث أن جاء الموقف الإيراني من المفاوضات الجديدة منضبطاً إلى حد كبير، حيث اختلف كثيراً عما حدث عند إعلان سوريا موافقتها على المشاركة في اجتماع (أنابوليس) الذي عقد في نوفمبر 2007، وقتها كانت ردود الفعل الإيرانية عصبية وعنيفة ضد سوريا وضد الاجتماع وضد المشاركين باعتباره خطوة ضد نهج المقاومة الذي هو السبيل الوحيد، في الرؤية الإيرانية، لانتزاع الحقوق الفلسطينية المغتصبة. وشارك في ردود الفعل الإيرانية تلك على اجتماع أنابوليس المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي والرئيس أحمدي نجاد ورئيس مجلس الشورى السابق غلام علي حداد عادل، كما شارك فيها الإعلام الإيراني بكثافة وخرجت المظاهرات أمام السفارة السورية تندد بهذه المشاركة، لكن هذه المرة لم تحدث ردود فعل على ذلك النحو، بل حرص أكثر من مسؤول إيراني على تأكيد دعم إيران للمساعي السورية لاستعادة الجولان.
فقد أعرب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد عن ثقته بأن (سوريا حليفة إيران لن تتخلى عن الخط الأمامي في مواجهة إسرائيل)، وأوضح خلال لقائه مع وزير الدفاع السوري حسن تركماني أن (القيادة السورية ستدير الموقف بذكاء ولن تتخلى عن الخط الأمامي حتى القضاء بشكل كامل على تهديدات الكيان الصهيوني)، مؤكداً أنه إذا كان التعاون الإيراني–السوري في كل المجالات مفيداً للطرفين (فيجب توسيع علاقات الدفاع بأكبر قدر ممكن). واعتبر قائد الحرس الثوري الجنرال محمد علي جعفري بعد لقائه وزير الدفاع السوري حسن تركماني في طهران، أن (وحدة إيران وسوريا واتحادهما بات اليوم أكثر بروزاً من السابق وهذا سيكون له الكثير من الآثار على المنطقة). أما وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار فقد أكد أن العلاقات بين إيران وسوريا (علاقات استراتيجية تقوم على المصالح الوطنية للبلدين والعالم الإسلامي)، واعتبر أن التعاون المشترك هو (تعاون ثابت ودائم لأنه قائم على أسس وجذور مشتركة وراسخة)، وأشار إلى أن أي قرار تتخذه سوريا حول استعادة الجولان المحتل (يعد قراراً حكيماً من وجهة نظرنا، لأن استعادة الجولان المحتل حق للشعب السوري، وستدعم إيران سوريا لاستعادة أراضيها المحتلة). وفي الوقت نفسه أعرب وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي عن دعم بلاده لسوريا لاستعادة الجولان من دون شروط، وصرح قائلاً: (إننا ندعم سوريا لتستعيد الجولان ولا نعتقد أن النظام الصهيوني قادر على إملاء شروطه في هذا الملف).
هذا الموقف الإيراني في حاجة إلى قراءة متأنية تأخذ في اعتبارها الظروف الإقليمية والدولية المحيطة. فمن ناحية تدرك إيران جيداً أن الجولان بالنسبة لسوريا (خط أحمر) لا يمكن المساومة حوله، وقد بدا ذلك جلياً بعد الخلاف الذي نشب مع سوريا حول مشاركتها في اجتماع أنابوليس، حيث أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن (سوريا لا يمكن أن تتردد في المشاركة بأي اجتماع تُناقش فيه قضية الجولان). لكن إيران تدرك من ناحية أخرى أن سوريا لا يمكن أن تتخلى عن علاقاتها الاستراتيجية القوية معها بسهولة، ولن تتنازل عن أي أوراق في يديها طالما لم تتبين الصيغة النهائية للسلام مع تل أبيب، وهذا ما أكدته دمشق في ردها على دعوة تسيبي ليفني التي ربطت السلام مع سوريا بأن تقوم الأخيرة بقطع علاقاتها مع إيران وحزب الله اللبناني ومنظمات المقاومة الفلسطينية التي تتحرك من دمشق، حيث رفض الرئيس السوري بشار الأسد هذه المطالب بقوله إن حكومة حزب البعث تعتزم الاحتفاظ بعلاقات طبيعية مع إيران، بينما تجري محادثات غير مباشرة مع إسرائيل لاستعادة مرتفعات الجولان المحتلة.
هذا الرفض السوري لمطالب إسرائيل اعتبرته طهران دليلاً على أن سوريا لم تصل بعد إلى قرار نهائي بشأن خياراتها السياسية والاستراتيجية الجديدة، وأن ثمة فرصة أخرى للتأثير في التوجهات السورية، خاصة في ظل عدم وجود أي مؤشرات توحي بقرب التوصل إلى تسوية سلمية بين سوريا وإسرائيل، وذلك لاعتبارين: الأول، الموقف السياسي الضعيف الذي يواجهه رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بسبب إخفاقات حرب لبنان 2006 التي لا تزال تلاحقه، فضلاً عن أزمة الفساد المالي التي تهدد مستقبله السياسي برمته. هذا الموقف فتح المشهد السياسي الإسرائيلي على خيارين: أولهما، تقديم أولمرت استقالته من رئاسة الوزراء ورئاسة حزب (كاديما)، وتولي تسيبي ليفني وزيرة الخارجية أو شاؤول موفاز وزير العمل رئاسة الحكومة، وكلاهما يرفض إبرام اتفاق سلام مع سوريا من شأنه التنازل عن هضبة الجولان ووصول إيران -العدو اللدود لإسرائيل- إلى هذه المنطقة الاستراتيجية، وهو الموقف ذاته الذي يتبناه العديد من الأركان الرئيسية في الدولة، مثل إيهود باراك رئيس حزب العمل وزير الدفاع، كما تؤيده استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً في إسرائيل والتي كشفت أن 65في المائة من الإسرائيليين يرفضون إنهاء احتلال الجولان مقابل سلام حقيقي مع دمشق، فيما وافق 64في المائة على الانسحاب الجزئي، لكنهم قالوا إن رئيس الوزراء إيهود أولمرت غير جدير بإدارة مفاوضات والالتزام بتنازلات في وقت يبدو مستقبله السياسي غامضاً. وثانيهما، إجراء انتخابات نيابية مبكرة سوف تؤتي حتماً بزعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، مما يعني إغلاق ملف المفاوضات مع سوريا إلى أجل غير مسمى، في ظل الرفض الحاسم الذي يبديه نتنياهو تجاه هذه المفاوضات، والذي بدا جلياً في الحملة العنيفة التي يشنها في الوقت الحالي على أولمرت متهماً إياه بمحاولة التملص من الأزمات الداخلية التي تلاحقه خاصة أزمة الفساد، من خلال الاتجاه إلى إجراء مفاوضات مع سوريا.
أما الاعتبار الثاني، فيتمثل في التجاهل الأمريكي اللافت للمفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، حيث علقت دانا بيرينو المتحدثة باسم البيت الأبيض على المفاوضات بقولها (الولايات المتحدة غير مشاركة. هذا القرار اتخذته إسرائيل .. نحن لم نفاجأ به ولا نعترض عليه)، وأضافت (نأمل بأن يكون هذا منتدى لمعالجة المخاوف المتعددة التي لدينا جميعاً بشأن سوريا.. دعم سوريا للإرهاب وقمعها لشعبها ولهذا فإننا سنرى كيف سيسير هذا). وهذا الموقف يعني أن واشنطن لن تتدخل في مسار المفاوضات، ولن تضغط على إسرائيل للسير في اتجاه تحقيق تقدم فيها، ويبدو أن ذلك هو ما دفع سوريا على لسان سفيرها لدى الولايات المتحدة عماد مصطفى إلى مطالبة الولايات المتحدة بأداء دور حاسم في مباحثات السلام الجارية حالياً، لأن هذه المباحثات، في رؤيته، لا يمكن أن تصل إلى نتيجة إيجابية من دون المشاركة الأمريكية.
إن هذه الاعتبارات في مجملها رأت معها إيران أن التوصل إلى اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل يمكن أن يؤثر في التحالف الاستراتيجي بينهما، هو أمر من الصعب تحقيقه على الأقل في المدى المنظور، ومن ثم لم تمانع بإجراء المفاوضات، كما حدث في مؤتمر أنابوليس، وربما تكون قد دعمتها بهدف تبريد أجواء الاحتقان مع الولايات المتحدة ومن ثم تقليص احتمالات إقدامها على شن ضربة عسكرية ضدها قبل انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش في نوفمبر المقبل.
::/fulltext::
::cck::1294::/cck::
