(الضربة الاستباقية) كاستراتيجية جديدة في العلاقات الدولية
::cck::1302::/cck::
::introtext::
لم يكن ظهور مفهوم (الضربة الاستباقية) أو (الحرب الوقائية) ومرادفاته العديدة في السياسة الدولية حديثاً، بل يرجعه البعض إلى ما قبل منتصف القرن الماضي، حيث يعتقد أصحاب هذا التوجه أن الهجوم الياباني على ميناء (بيرل هاربر) الأمريكي عام 1941م يدخل في نطاق الضربة الاستباقية التي سعت من خلالها اليابان إلى تحجيم القوة الأمريكية وضربها في عصب الحياة الاقتصادية التي كانت تنتعش من خلال هذا الميناء الحيوي.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن ظهور مفهوم (الضربة الاستباقية) أو (الحرب الوقائية) ومرادفاته العديدة في السياسة الدولية حديثاً، بل يرجعه البعض إلى ما قبل منتصف القرن الماضي، حيث يعتقد أصحاب هذا التوجه أن الهجوم الياباني على ميناء (بيرل هاربر) الأمريكي عام 1941م يدخل في نطاق الضربة الاستباقية التي سعت من خلالها اليابان إلى تحجيم القوة الأمريكية وضربها في عصب الحياة الاقتصادية التي كانت تنتعش من خلال هذا الميناء الحيوي.
يرى آخرون أن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م كان بمثابة حرب استباقية أو ضربة وقائية لصالح فرنسا وبريطانيا اللتين رأتا في تأميم قناة السويس من جانب مصر زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تهديداً مباشراً لأمنهما ومصالحهما ويستوجب ضربة استباقية لإعادة الأمور إلى نصابها من دون سابق إنذار لذلك، فيما زعمت إسرائيل أنها ضربة استباقية لمنع مصر من استيعاب صفقة الأسلحة التشيكية التي عقدتها عام 1954 حتى لا تشكل تهديداً ضدها.
إن (الضربة الاستباقية) أو الوقائية، كما يحلو للبعض تسميتها، والتي بدأت الكتابات الأكاديمية الغربية والعربية تروج لها كنسق جديد في العلاقات الدولية أو كنظرية ذات مواصفات معينة ولها رواد ومفكرون، اتخذت اليوم صفة (مبدأ بوش) أو (سياسة المحافظين الجدد) في العلاقات الدولية.
ويشبه بعض المراقبين الطريقة التي وصل بها (المحافظون الجدد) إلى السلطة في واشنطن بما كانت عليه الحال عندما أمسك (الحزب النازي) بزمام الحكم في ألمانيا عام 1936، فلم تكن القوى السياسية في ألمانيا وأوروبا على دراية كافية بالأجندة الخفية للنازيين، ومساعيهم لإثارة نزاعات إقليمية ودولية انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية.
لقد أظهر فريق جورج بوش قدرة ملحوظة على مباغتة الرأي العام الدولي بأجندته السياسية، مستفيداً من حالة الارتباك التي صاحبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومهيئاً الأجواء داخل الولايات المتحدة وخارجها لتقبل مبدأ (الحرب الاستباقية الوقائية)، وهو ما مكنه من استقطاب تأييد دولي واسع النطاق في الحرب على أفغانستان والعراق، وساعياً لتوظيف هذا التأييد في الحروب التالية على دول (محور الشر) (إيران وكوريا)، ومن ثم إطلاق جملة مبادرات سياسية وأمنية ترمي إلى إحداث تغيير واسع المدى في أقاليم عدة، في مقدمتها الشرق الأوسط.
ويعرف أهل السياسة الضربة (الاستباقية أو الوقائية) بأنها (التحول من الرد على هجوم فعلي إلى المبادرة بالهجوم لمنع هجوم محتمل، خاصة إذا تمكنت أجهزة الدولة من اكتشاف نوايا مبكرة بالهجوم لدى الخصم بغض النظر عن مظاهر هذه النوايا)، بمعنى أن الاعتماد في الضربات الاستباقية أو الوقائية يكون على نوايا الطرف الآخر أو لمجرد كونه عدواً محتملاً أو قائماً للدولة الأولى التي بادرت إلى هذه الضربة، وسواء قام الخصم بإظهار هذه النوايا من خلال تحرك عسكري أو تصعيد سياسي أو لم يظهر.
وإن كان يتفق دارسو العلوم العسكرية والمختصون في التخطيط الاستراتيجي للعمليات الحربية مع المفهوم السابق على أنه يخص الضربات الوقائية، إلا أنهم يميزون بين هذا المفهوم السياسي والعسكري في آن واحد وبين الضربات الاستباقية، إذ يعتبرون الضربات الاستباقية مفهوماً عسكرياً – استراتيجياً وليس سياسياً ويخضع لقيادة الجيش وآليات إدارتها للحرب بعد نشوبها أو قبل نشوبها بفترة قصيرة، وملخص وجهة نظرهم أن الضربات الوقائية توجه مبكراً عند اكتشاف نوايا بالهجوم لدى الخصم بغض النظر عن نشر وسائل هجومه أم لا، أما الضربات الاستباقية فإنها توجه ضد قوات الخصم التي تم نشرها فعلاً في أوضاع هجومية مختلفة استعداداً لهجوم حقيقي، ويبدو أن الفرق عملياً يتركز في التخطيط لإدارة الحرب بعد توافر النوايا لخوضها لدى أحد الطرفين، ما يعني أن لا خلاف جوهرياً بين المصطلحين السياسي والعسكري من الناحية النظرية، باعتبار أن عنصر القيام بالفعل متوفر في كلتا الحالتين.

هناك فرق جوهري بين الهجوم الاستباقي والحرب الوقائية
ويطرح مختصو العلوم العسكرية أمثلة تميز بين الضربتين، إذا يعتبر الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر الأمريكي عام 1941م بمثابة ضربة استباقية، حيث وجهت اليابان للولايات المتحدة ضربة تستبق فيها أي هجوم أمريكي عليها، بينما تعتبر إسرائيل حربها ضد مصر في العدوان الثلاثي عام 1956 كانت ضربة وقائية لمنع مصر من إتمام صفقة الأسلحة التشيكية، وكذلك ضرب المفاعل النووي العراقي (أوزيراك) عام 1981م كان ضربة وقائية للحيلولة دون تطوير القدرات النووية العراقية، والشيء ذاته يطبقه خبراء العلوم العسكرية على حرب إسرائيل على الدول العربية عام 1967، وكذلك على حرب رمضان 1973 من جانب مصر وسوريا ضد إسرائيل. ويلاحظ في الأمثلة المطروحة على الضربة الوقائية أن كلها كانت تعتمد على نوايا محتملة لهجوم طرف على الآخر، فيحاول وقاية نفسه بنقل الحرب إلى الطرف الآخر بصورة استباقية، مما يعني أن ثمة تداخلاً بين الضربتين على الصعيد العسكري نوعاً ما، فإذا كانت الضربة الوقائية تعتمد على النوايا المحتملة لدى الخصم، فإن الضربة الاستباقية تأتي في مرحلة متقدمة –حسب العلوم العسكرية- لتوجية ضربة سريعة ومباغتة لقوات الخصم قبل المبادرة في بدء الحرب.
وحول مفهوم الإدارة الأمريكية للضربة الاستباقية أو الوقائية –رغم الاختلاف البسيط بينهما من الناحيتين العسكرية والتكتيكية فقط- قال الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في خطابه للشعب الأمريكي بعد عشرة أيام على أحداث 11 سبتمبر 2001م (علينا أن ننقل المعركة إلى العدو وأن نزعزع خططه، علينا أن نواجه أسوأ التهديدات قبل أن تظهر، إن الطريق الوحيد الذي يضمن لنا السلامة في هذا العالم الذي أقحمنا فيه هو طريق الفعل)، وأضاف بوش (على الولايات المتحدة أن تكشف خلايا الإرهاب في ستين دولة أو أكثر)، وهو ما يعني أن بوش قد أعلن –من طرف واحد- انتهاج سياسة (الضربة الأولى الاستباقية) ضد الإرهاب والإرهابيين والدول التي تؤويهم في المكان والزمان اللذين تختارهما الولايات المتحدة سواء كانت هناك نوايا إرهابية فعلاً أو مجرد توجس ومخاوف قد لا يكون لها أساس من الصحة، وهو ما يفسر قول بوش (لو أننا انتظرنا للتهديدات التي نشعر بها إلى أن تنفذ فسوف ننتظر طويلاً).
وعاد بوش ليؤكد على نظرية أو سياسة الضربة الاستباقية أو الوقائية في خطاب له أمام الحزب الجمهوري في 15 يونيو 2002، حيث أوضح أن عنصري الردع والاحتواء اللذين قادا سياسة أمريكا الخارجية منذ طرحها في إطار مبدأ ترومان عام 1947، لم يعودا كافيين، وبعد يومين من هذا الخطاب، شرحت مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس مبدأ بوش الاستباقي أو الوقائي بقولها (إنه يعني منع أعمال تدميرية معينة ضدك، ومن خصم لك، وأن هناك أوقاتاً لا تستطيع فيها الانتظار حتى يقع عليك الهجوم، ثم ترد…)، ومن الواضح أن الضربات الاستباقية بهذا المفهوم وعلى هذه الصورة، تقوم على دلائل غير مؤكدة وليس رداً على هجوم فعلي، لذلك فهو سلوك هجومي في أساسه، بينما مبدأ ترومان للردع والاحتواء دفاعي في مفهومه.
والسؤال المطروح هو عما إذا كانت الأعمال الاستباقية تميز هذه السياسة الجديدة عن غيرها؟
إذ تعرف وزارة الدفاع الأمريكية العمل الاستباقي بأنه (هجوم يتسم بأخذ المبادأة بناء على أدلة دامغة بأن هجوم العدو وشيك)، وعلى النقيض من ذلك، فإن الحرب الوقائية هي (حرب تُشن بناء على اعتقاد بحتمية حدوث نزاع عسكري رغم أنه غير وشيك ويستلزم تأخيره قدراً كبيراً من المخاطرة).
ويبرر جراهام أليسون المحاضر في جامعة هارفارد الحرب الاستباقية بقوله (قد أدخل معك في يوم ما في حرب، وفي الوقت الراهن أتمتع بالقوة في حين تفتقر إليها، لذا فإنني سوف أشن الحرب حالياً).
ويشير أليسون إلى أن هذا المنطق نفسه هو الذي دفع باليابانيين إلى شن هجومهم على (بيرل هاربر)، بل إن بعض اليابانيين يعتقدون أن الخطأ الفادح الذي ارتكبوه هو أنهم تأخروا أكثر من اللازم.
وهناك فرق جوهري بين الهجوم الاستباقي والحرب الوقائية، فكما تمت الإشارة آنفاً، (فإن الهجوم الاستباقي يكون مبرراً إذا كان التهديد وشيكاً وساحقاً، ولا يترك مجالاً لاختيار الوسائل أو متسعاً من الوقت للتخطيط). وفي الحرب الوقائية لا يكون التهديد مؤكداً أو وشيكاً، وهذا ما جعل الإدارة الأمريكية تصرّ على أن استراتيجيتها استباقية رغم أن بعض المسؤولين الأمريكيين يستخدمون المصطلحين معاً.
أظهر فريق بوش قدرة ملحوظة على مباغتة الرأي العام الدولي بأجندته السياسية
ولهذا يرى البعض أن حرب الولايات المتحدة على العراق أو العدوان الأمريكي – البريطاني على العراق في مارس 2003 يندرج تحت ما يسمى الحرب أو الضربة الاستباقية والوقائية، بينما تعتبر حرب الخليج الثانية عام 1991 حرباً دفاعية عن سيادة الكويت واستقلالها وبموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة العسكرية للدفاع عن دولة أو دول من تهديد واقع عليها. وكانت أمام العراق فرصة استخدام الضربة الوقائية الاستباقية لضرب قوات التحالف وهي في طريقها للتجمع أو التكّيف مع ساحة الحرب قبل بدايتها في يناير عام 1991، خاصة أن عملية نشر وتجميع هذه القوات في منطقة الخليج أخذت فترة ستة شهور كاملة، فيما كان العراق يحتل الكويت وينشر قواته على مختلف الجبهات وكانت قواته الجوية في أهبة الاستعداد لانتظار الأوامر بالقصف الجوي منذ أول لحظة لوصول القوات الأمريكية والغربية إلى ساحة المعركة، وهو ما أثار استغراب خبراء الحروب من منهجية وعقلية صانع القرار العراقي آنذاك.
وكشفت الفترة من سبتمبر 2001 إلى إبريل 2003 عن صعوبة تطبيق الهند استراتيجية الضربة الوقائية ضد باكستان، فقد حاولت الهند خلال تلك الفترة وتحت تأثير تجربة أحداث سبتمبر وسيناريو الرد الأمريكي على تلك الأحداث من ناحية، ثم صدور وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي عام 2002 من ناحية أخرى، التي تبنت مفهوماً مرناً لمفهوم وشروط الضربة الاستباقية، تطبيق هذا المفهوم ضد باكستان.
بل رأت الهند في باكستان حالة مثالية لتوفر شروط الضربة الاستباقية على النحو الذي طورته التجربة الأمريكية، والذي ركز على التنظيمات الإرهابية وما أطلق عليه (الدول المارقة) ذات النظم غير الديمقراطية، والتي تسعى إلى تطوير أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب، وقد ذهب وزير الشؤون الخارجية الهندية ياشوانت سنها في الأسبوع الأول من إبريل 2003 إلى القول إن الهند تتوفر لديها حالة جيدة لتوجيه ضربة استباقية ضد باكستان، معتبراً أنه إذا كان غياب الديمقراطية وامتلاك أسلحة دمار شامل وتصدير الإرهاب هي شروط الضربة الاستباقية، فإن باكستان تمثل الحالة الأولى بالعمل الاستباقي، غير أن التجربة العملية كشفت بوضوح عن تعقيدات تطبيق تلك الاستراتيجية آنذاك، رغم أن هذا مؤشر خطير إلى محاولات الدول الأخرى لتبني هذه النظرية والاستراتيجية في سياساتها الخارجية.
ومنذ نهاية الحرب الباردة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر دفع العديد من السياسيين والمحللين السياسيين داخل الإدارة الأمريكية وخارجها إلى بناء وتنمية مفهوم الضربةالاستباقية من أجل استثمار هذه القوة الأمريكية الهائلة والضاربة لأهداف وأغراضسياسية تصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم خطورة هذا المنهج السياسي – العسكري، إلاأنها غير قادرة على تعميمه على العديد من المناطق في العالم خصوصاً أن مفهوم الضربة الاستباقية يتطلب شروطاً رئيسية، أهمها:ضعف الطرف المقابل، وإمكانية تطبيق الضربة الاستباقية تجاه الدول والمناطق التي تعاني اختراقاً سياسياً واقتصادياً خارجياً، وكذلك ضرورة توافر وجود عسكري ضخم في المناطق التي سوف تنفذ فيها الضربة الاستباقية من أجل احتواءردود الفعل المحتملة بعد الضربة.
الهجوم الاستباقي يكون مبرراً إذا كان التهديد وشيكاً وساحقاً ولا يترك مجالاً لاختيار الوسائل أو متسعاً من الوقت للتخطيط
إن نظرية الضربة الاستباقية تُشجع على إساءة استخدام القوة، وترسّخ سابقة خطيرة يحذو حذوها الآخرون، لأن هذه الاستراتيجية لا تضع معياراً محدداً للحكم على التهديد الذي يبرر توجيه ضربة استباقية، فالدولة الخصم أو العدو تبعاً للنوايا المحتملة، ليست هدفاً تلقائياً للضربة الاستباقية.
وربما يكون أهم إنجاز للاستراتيجية الأمريكية أو لصقور اليمين الجدد، هو الثناء على نظرة بوش لإحضار الديمقراطية إلى الشرق الأوسط وسط مظاهر غير عادية لكراهية الديمقراطية واحتقارها، وتم تصوير هذا بالتمييز الذي قامت به واشنطن بين أوروبا القديمة والجديدة، فالأولى تم التنديد بها، أما الجديدة فتم الترحيب بها وبشجاعتها، وكان المعيار محدداً بشدة: تتكون أوروبا القديمة من حكومات تتخذ الموقف نفسه الذي تتخذه الأغلبية بين شعوبها من الحرب على العراق برفضها تماماً، بينما أبطال أوروبا الجديدة يتبعون أوامر صادرة إليهم من البيت الأبيض في واشنطن.
إن الاستراتيجية العظمى تعطي الولايات المتحدة سلطة تنفيذ حرب وقائية لا حرب استباقية، ومهما كانت التبريرات التي تحاول تسميتها بالحرب الاستباقية، فإنها لا تسري على الحرب الوقائية خاصة، حيث إن الفكرة ينهض لتفسيرها المتحمسون لها الآن، فاستخدام القوة العسكرية للحد من تهديد مخترع أو متخيل أو محتمل، ومن ثم حتى التعبير بكلمة (وقائية) هو تعبير فضفاض للغاية، فالحرب الوقائية –حسب المفهوم الأمريكي- هي ببساطة شديدة (الجريمة العظمى)التي تمت إدانتها من الغالبية العظمى من دول وشعوب العالم حينما تركت الولايات المتحدة لنفسها العنان لإعلان الحرب على العراق واحتلاله، ومن ثم تهديد دول أخرى بمصير العراق نفسه.
وعندما غزت الولايات المتحدة العراق، كتب المؤرخ (أرثر شليزنجر) أن الاستراتيجية الكبيرة لبوش ضمن مفهوم الحرب الاستباقية أو الوقائية، كانت (مشابهة بوضوح للسياسة نفسها التي استخدمتها اليابان الإمبريالية أيام اعتدت على (بيرل هاربر) في يوم يلطخه العار كما قال الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت). وأضاف شليزنجر أنه لا عجب أن موجة التعاطف العالمية التي احتضنت أمريكا بعد 11 سبتمبر، انتهت لتحل محلها موجة عالمية من كراهية الغطرسة الأمريكية والعسكرية الأمريكية، والاعتقاد بأن بوش (أكثر تهديداً للسلام من صدام حسين بكثير).
لقد اختير العراق ليكون أول ساحة نموذجية لتطبيق الضربة الاستباقية وجعله (أمثولة) يُرهب بها الآخرون، ثم يستسلمون لأمريكا بلا قتال، كما أشار ريتشارد بيرل، الذي وصف بـ (أمير الظلام) عقب غزو العراق مباشرة، وهنا يكمن مقتل المشروع الإمبراطوري الأمريكي، حيث كان تطبيق الضربة الاستباقية في العراق لا يقوم على إسقاط نظامه السياسي فقط للتخلص من عقبة وجود نظام حر غير خاضع للسيطرة الأمريكية ويجلس (فوق بحيرة نفط) – كما قال مسؤولون أمريكيون – وهو أمر يمنع تطبيق نظرية (أن من يمسك بالنفط يسيطر على العالم)، بل يجب أيضاً إلحاق دمار شامل وجذري بالدولة العراقية لضمان حل الجيش والمؤسسات وإعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة.
ويخطئ من يظن أن التهديد، طبقاً لهذه الاستراتيجية، يقتصر على الجانب العسكري فقط، فعلى الرغم من إعلان سياسة تقوم على تجريد كل الأطراف من القدرة على حيازة أسلحة دمار شامل والتخلص من أسلحة دمار شامل مملوكة حالياً، ووسائل إيصالها، كالصواريخ والطائرات ومنع أي محاولة جديدة للحصول عليها، فإن تدقيق وتحليل مفهوم الضربة الاستباقية يؤكدان أن التهديد يشمل وجود منافسين للولايات المتحدة في المجالات التكنولوجية والتجارية والعلمية، واحتمال تفوق هؤلاء مستقبلاً عليها، وفي هذه الحالات على الولايات المتحدة أن تسارع لاحتواء كل هؤلاء ومنعهم من تحقيق أي تفوق عليها واستخدام السبل كافة، وبلا استثناء، بما في ذلك الغزو العسكري والتدمير الاقتصادي والتكنولوجي، لضمان إعادة تشكيل العالم وفقاً لرؤية ومصالح الولايات المتحدة فقط لا غير.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1302::/cck::
::introtext::
لم يكن ظهور مفهوم (الضربة الاستباقية) أو (الحرب الوقائية) ومرادفاته العديدة في السياسة الدولية حديثاً، بل يرجعه البعض إلى ما قبل منتصف القرن الماضي، حيث يعتقد أصحاب هذا التوجه أن الهجوم الياباني على ميناء (بيرل هاربر) الأمريكي عام 1941م يدخل في نطاق الضربة الاستباقية التي سعت من خلالها اليابان إلى تحجيم القوة الأمريكية وضربها في عصب الحياة الاقتصادية التي كانت تنتعش من خلال هذا الميناء الحيوي.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن ظهور مفهوم (الضربة الاستباقية) أو (الحرب الوقائية) ومرادفاته العديدة في السياسة الدولية حديثاً، بل يرجعه البعض إلى ما قبل منتصف القرن الماضي، حيث يعتقد أصحاب هذا التوجه أن الهجوم الياباني على ميناء (بيرل هاربر) الأمريكي عام 1941م يدخل في نطاق الضربة الاستباقية التي سعت من خلالها اليابان إلى تحجيم القوة الأمريكية وضربها في عصب الحياة الاقتصادية التي كانت تنتعش من خلال هذا الميناء الحيوي.
يرى آخرون أن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م كان بمثابة حرب استباقية أو ضربة وقائية لصالح فرنسا وبريطانيا اللتين رأتا في تأميم قناة السويس من جانب مصر زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تهديداً مباشراً لأمنهما ومصالحهما ويستوجب ضربة استباقية لإعادة الأمور إلى نصابها من دون سابق إنذار لذلك، فيما زعمت إسرائيل أنها ضربة استباقية لمنع مصر من استيعاب صفقة الأسلحة التشيكية التي عقدتها عام 1954 حتى لا تشكل تهديداً ضدها.
إن (الضربة الاستباقية) أو الوقائية، كما يحلو للبعض تسميتها، والتي بدأت الكتابات الأكاديمية الغربية والعربية تروج لها كنسق جديد في العلاقات الدولية أو كنظرية ذات مواصفات معينة ولها رواد ومفكرون، اتخذت اليوم صفة (مبدأ بوش) أو (سياسة المحافظين الجدد) في العلاقات الدولية.
ويشبه بعض المراقبين الطريقة التي وصل بها (المحافظون الجدد) إلى السلطة في واشنطن بما كانت عليه الحال عندما أمسك (الحزب النازي) بزمام الحكم في ألمانيا عام 1936، فلم تكن القوى السياسية في ألمانيا وأوروبا على دراية كافية بالأجندة الخفية للنازيين، ومساعيهم لإثارة نزاعات إقليمية ودولية انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية.
لقد أظهر فريق جورج بوش قدرة ملحوظة على مباغتة الرأي العام الدولي بأجندته السياسية، مستفيداً من حالة الارتباك التي صاحبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومهيئاً الأجواء داخل الولايات المتحدة وخارجها لتقبل مبدأ (الحرب الاستباقية الوقائية)، وهو ما مكنه من استقطاب تأييد دولي واسع النطاق في الحرب على أفغانستان والعراق، وساعياً لتوظيف هذا التأييد في الحروب التالية على دول (محور الشر) (إيران وكوريا)، ومن ثم إطلاق جملة مبادرات سياسية وأمنية ترمي إلى إحداث تغيير واسع المدى في أقاليم عدة، في مقدمتها الشرق الأوسط.
ويعرف أهل السياسة الضربة (الاستباقية أو الوقائية) بأنها (التحول من الرد على هجوم فعلي إلى المبادرة بالهجوم لمنع هجوم محتمل، خاصة إذا تمكنت أجهزة الدولة من اكتشاف نوايا مبكرة بالهجوم لدى الخصم بغض النظر عن مظاهر هذه النوايا)، بمعنى أن الاعتماد في الضربات الاستباقية أو الوقائية يكون على نوايا الطرف الآخر أو لمجرد كونه عدواً محتملاً أو قائماً للدولة الأولى التي بادرت إلى هذه الضربة، وسواء قام الخصم بإظهار هذه النوايا من خلال تحرك عسكري أو تصعيد سياسي أو لم يظهر.
وإن كان يتفق دارسو العلوم العسكرية والمختصون في التخطيط الاستراتيجي للعمليات الحربية مع المفهوم السابق على أنه يخص الضربات الوقائية، إلا أنهم يميزون بين هذا المفهوم السياسي والعسكري في آن واحد وبين الضربات الاستباقية، إذ يعتبرون الضربات الاستباقية مفهوماً عسكرياً – استراتيجياً وليس سياسياً ويخضع لقيادة الجيش وآليات إدارتها للحرب بعد نشوبها أو قبل نشوبها بفترة قصيرة، وملخص وجهة نظرهم أن الضربات الوقائية توجه مبكراً عند اكتشاف نوايا بالهجوم لدى الخصم بغض النظر عن نشر وسائل هجومه أم لا، أما الضربات الاستباقية فإنها توجه ضد قوات الخصم التي تم نشرها فعلاً في أوضاع هجومية مختلفة استعداداً لهجوم حقيقي، ويبدو أن الفرق عملياً يتركز في التخطيط لإدارة الحرب بعد توافر النوايا لخوضها لدى أحد الطرفين، ما يعني أن لا خلاف جوهرياً بين المصطلحين السياسي والعسكري من الناحية النظرية، باعتبار أن عنصر القيام بالفعل متوفر في كلتا الحالتين.

هناك فرق جوهري بين الهجوم الاستباقي والحرب الوقائية
ويطرح مختصو العلوم العسكرية أمثلة تميز بين الضربتين، إذا يعتبر الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر الأمريكي عام 1941م بمثابة ضربة استباقية، حيث وجهت اليابان للولايات المتحدة ضربة تستبق فيها أي هجوم أمريكي عليها، بينما تعتبر إسرائيل حربها ضد مصر في العدوان الثلاثي عام 1956 كانت ضربة وقائية لمنع مصر من إتمام صفقة الأسلحة التشيكية، وكذلك ضرب المفاعل النووي العراقي (أوزيراك) عام 1981م كان ضربة وقائية للحيلولة دون تطوير القدرات النووية العراقية، والشيء ذاته يطبقه خبراء العلوم العسكرية على حرب إسرائيل على الدول العربية عام 1967، وكذلك على حرب رمضان 1973 من جانب مصر وسوريا ضد إسرائيل. ويلاحظ في الأمثلة المطروحة على الضربة الوقائية أن كلها كانت تعتمد على نوايا محتملة لهجوم طرف على الآخر، فيحاول وقاية نفسه بنقل الحرب إلى الطرف الآخر بصورة استباقية، مما يعني أن ثمة تداخلاً بين الضربتين على الصعيد العسكري نوعاً ما، فإذا كانت الضربة الوقائية تعتمد على النوايا المحتملة لدى الخصم، فإن الضربة الاستباقية تأتي في مرحلة متقدمة –حسب العلوم العسكرية- لتوجية ضربة سريعة ومباغتة لقوات الخصم قبل المبادرة في بدء الحرب.
وحول مفهوم الإدارة الأمريكية للضربة الاستباقية أو الوقائية –رغم الاختلاف البسيط بينهما من الناحيتين العسكرية والتكتيكية فقط- قال الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في خطابه للشعب الأمريكي بعد عشرة أيام على أحداث 11 سبتمبر 2001م (علينا أن ننقل المعركة إلى العدو وأن نزعزع خططه، علينا أن نواجه أسوأ التهديدات قبل أن تظهر، إن الطريق الوحيد الذي يضمن لنا السلامة في هذا العالم الذي أقحمنا فيه هو طريق الفعل)، وأضاف بوش (على الولايات المتحدة أن تكشف خلايا الإرهاب في ستين دولة أو أكثر)، وهو ما يعني أن بوش قد أعلن –من طرف واحد- انتهاج سياسة (الضربة الأولى الاستباقية) ضد الإرهاب والإرهابيين والدول التي تؤويهم في المكان والزمان اللذين تختارهما الولايات المتحدة سواء كانت هناك نوايا إرهابية فعلاً أو مجرد توجس ومخاوف قد لا يكون لها أساس من الصحة، وهو ما يفسر قول بوش (لو أننا انتظرنا للتهديدات التي نشعر بها إلى أن تنفذ فسوف ننتظر طويلاً).
وعاد بوش ليؤكد على نظرية أو سياسة الضربة الاستباقية أو الوقائية في خطاب له أمام الحزب الجمهوري في 15 يونيو 2002، حيث أوضح أن عنصري الردع والاحتواء اللذين قادا سياسة أمريكا الخارجية منذ طرحها في إطار مبدأ ترومان عام 1947، لم يعودا كافيين، وبعد يومين من هذا الخطاب، شرحت مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس مبدأ بوش الاستباقي أو الوقائي بقولها (إنه يعني منع أعمال تدميرية معينة ضدك، ومن خصم لك، وأن هناك أوقاتاً لا تستطيع فيها الانتظار حتى يقع عليك الهجوم، ثم ترد…)، ومن الواضح أن الضربات الاستباقية بهذا المفهوم وعلى هذه الصورة، تقوم على دلائل غير مؤكدة وليس رداً على هجوم فعلي، لذلك فهو سلوك هجومي في أساسه، بينما مبدأ ترومان للردع والاحتواء دفاعي في مفهومه.
والسؤال المطروح هو عما إذا كانت الأعمال الاستباقية تميز هذه السياسة الجديدة عن غيرها؟
إذ تعرف وزارة الدفاع الأمريكية العمل الاستباقي بأنه (هجوم يتسم بأخذ المبادأة بناء على أدلة دامغة بأن هجوم العدو وشيك)، وعلى النقيض من ذلك، فإن الحرب الوقائية هي (حرب تُشن بناء على اعتقاد بحتمية حدوث نزاع عسكري رغم أنه غير وشيك ويستلزم تأخيره قدراً كبيراً من المخاطرة).
ويبرر جراهام أليسون المحاضر في جامعة هارفارد الحرب الاستباقية بقوله (قد أدخل معك في يوم ما في حرب، وفي الوقت الراهن أتمتع بالقوة في حين تفتقر إليها، لذا فإنني سوف أشن الحرب حالياً).
ويشير أليسون إلى أن هذا المنطق نفسه هو الذي دفع باليابانيين إلى شن هجومهم على (بيرل هاربر)، بل إن بعض اليابانيين يعتقدون أن الخطأ الفادح الذي ارتكبوه هو أنهم تأخروا أكثر من اللازم.
وهناك فرق جوهري بين الهجوم الاستباقي والحرب الوقائية، فكما تمت الإشارة آنفاً، (فإن الهجوم الاستباقي يكون مبرراً إذا كان التهديد وشيكاً وساحقاً، ولا يترك مجالاً لاختيار الوسائل أو متسعاً من الوقت للتخطيط). وفي الحرب الوقائية لا يكون التهديد مؤكداً أو وشيكاً، وهذا ما جعل الإدارة الأمريكية تصرّ على أن استراتيجيتها استباقية رغم أن بعض المسؤولين الأمريكيين يستخدمون المصطلحين معاً.
أظهر فريق بوش قدرة ملحوظة على مباغتة الرأي العام الدولي بأجندته السياسية
ولهذا يرى البعض أن حرب الولايات المتحدة على العراق أو العدوان الأمريكي – البريطاني على العراق في مارس 2003 يندرج تحت ما يسمى الحرب أو الضربة الاستباقية والوقائية، بينما تعتبر حرب الخليج الثانية عام 1991 حرباً دفاعية عن سيادة الكويت واستقلالها وبموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة العسكرية للدفاع عن دولة أو دول من تهديد واقع عليها. وكانت أمام العراق فرصة استخدام الضربة الوقائية الاستباقية لضرب قوات التحالف وهي في طريقها للتجمع أو التكّيف مع ساحة الحرب قبل بدايتها في يناير عام 1991، خاصة أن عملية نشر وتجميع هذه القوات في منطقة الخليج أخذت فترة ستة شهور كاملة، فيما كان العراق يحتل الكويت وينشر قواته على مختلف الجبهات وكانت قواته الجوية في أهبة الاستعداد لانتظار الأوامر بالقصف الجوي منذ أول لحظة لوصول القوات الأمريكية والغربية إلى ساحة المعركة، وهو ما أثار استغراب خبراء الحروب من منهجية وعقلية صانع القرار العراقي آنذاك.
وكشفت الفترة من سبتمبر 2001 إلى إبريل 2003 عن صعوبة تطبيق الهند استراتيجية الضربة الوقائية ضد باكستان، فقد حاولت الهند خلال تلك الفترة وتحت تأثير تجربة أحداث سبتمبر وسيناريو الرد الأمريكي على تلك الأحداث من ناحية، ثم صدور وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي عام 2002 من ناحية أخرى، التي تبنت مفهوماً مرناً لمفهوم وشروط الضربة الاستباقية، تطبيق هذا المفهوم ضد باكستان.
بل رأت الهند في باكستان حالة مثالية لتوفر شروط الضربة الاستباقية على النحو الذي طورته التجربة الأمريكية، والذي ركز على التنظيمات الإرهابية وما أطلق عليه (الدول المارقة) ذات النظم غير الديمقراطية، والتي تسعى إلى تطوير أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب، وقد ذهب وزير الشؤون الخارجية الهندية ياشوانت سنها في الأسبوع الأول من إبريل 2003 إلى القول إن الهند تتوفر لديها حالة جيدة لتوجيه ضربة استباقية ضد باكستان، معتبراً أنه إذا كان غياب الديمقراطية وامتلاك أسلحة دمار شامل وتصدير الإرهاب هي شروط الضربة الاستباقية، فإن باكستان تمثل الحالة الأولى بالعمل الاستباقي، غير أن التجربة العملية كشفت بوضوح عن تعقيدات تطبيق تلك الاستراتيجية آنذاك، رغم أن هذا مؤشر خطير إلى محاولات الدول الأخرى لتبني هذه النظرية والاستراتيجية في سياساتها الخارجية.
ومنذ نهاية الحرب الباردة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر دفع العديد من السياسيين والمحللين السياسيين داخل الإدارة الأمريكية وخارجها إلى بناء وتنمية مفهوم الضربةالاستباقية من أجل استثمار هذه القوة الأمريكية الهائلة والضاربة لأهداف وأغراضسياسية تصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم خطورة هذا المنهج السياسي – العسكري، إلاأنها غير قادرة على تعميمه على العديد من المناطق في العالم خصوصاً أن مفهوم الضربة الاستباقية يتطلب شروطاً رئيسية، أهمها:ضعف الطرف المقابل، وإمكانية تطبيق الضربة الاستباقية تجاه الدول والمناطق التي تعاني اختراقاً سياسياً واقتصادياً خارجياً، وكذلك ضرورة توافر وجود عسكري ضخم في المناطق التي سوف تنفذ فيها الضربة الاستباقية من أجل احتواءردود الفعل المحتملة بعد الضربة.
الهجوم الاستباقي يكون مبرراً إذا كان التهديد وشيكاً وساحقاً ولا يترك مجالاً لاختيار الوسائل أو متسعاً من الوقت للتخطيط
إن نظرية الضربة الاستباقية تُشجع على إساءة استخدام القوة، وترسّخ سابقة خطيرة يحذو حذوها الآخرون، لأن هذه الاستراتيجية لا تضع معياراً محدداً للحكم على التهديد الذي يبرر توجيه ضربة استباقية، فالدولة الخصم أو العدو تبعاً للنوايا المحتملة، ليست هدفاً تلقائياً للضربة الاستباقية.
وربما يكون أهم إنجاز للاستراتيجية الأمريكية أو لصقور اليمين الجدد، هو الثناء على نظرة بوش لإحضار الديمقراطية إلى الشرق الأوسط وسط مظاهر غير عادية لكراهية الديمقراطية واحتقارها، وتم تصوير هذا بالتمييز الذي قامت به واشنطن بين أوروبا القديمة والجديدة، فالأولى تم التنديد بها، أما الجديدة فتم الترحيب بها وبشجاعتها، وكان المعيار محدداً بشدة: تتكون أوروبا القديمة من حكومات تتخذ الموقف نفسه الذي تتخذه الأغلبية بين شعوبها من الحرب على العراق برفضها تماماً، بينما أبطال أوروبا الجديدة يتبعون أوامر صادرة إليهم من البيت الأبيض في واشنطن.
إن الاستراتيجية العظمى تعطي الولايات المتحدة سلطة تنفيذ حرب وقائية لا حرب استباقية، ومهما كانت التبريرات التي تحاول تسميتها بالحرب الاستباقية، فإنها لا تسري على الحرب الوقائية خاصة، حيث إن الفكرة ينهض لتفسيرها المتحمسون لها الآن، فاستخدام القوة العسكرية للحد من تهديد مخترع أو متخيل أو محتمل، ومن ثم حتى التعبير بكلمة (وقائية) هو تعبير فضفاض للغاية، فالحرب الوقائية –حسب المفهوم الأمريكي- هي ببساطة شديدة (الجريمة العظمى)التي تمت إدانتها من الغالبية العظمى من دول وشعوب العالم حينما تركت الولايات المتحدة لنفسها العنان لإعلان الحرب على العراق واحتلاله، ومن ثم تهديد دول أخرى بمصير العراق نفسه.
وعندما غزت الولايات المتحدة العراق، كتب المؤرخ (أرثر شليزنجر) أن الاستراتيجية الكبيرة لبوش ضمن مفهوم الحرب الاستباقية أو الوقائية، كانت (مشابهة بوضوح للسياسة نفسها التي استخدمتها اليابان الإمبريالية أيام اعتدت على (بيرل هاربر) في يوم يلطخه العار كما قال الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت). وأضاف شليزنجر أنه لا عجب أن موجة التعاطف العالمية التي احتضنت أمريكا بعد 11 سبتمبر، انتهت لتحل محلها موجة عالمية من كراهية الغطرسة الأمريكية والعسكرية الأمريكية، والاعتقاد بأن بوش (أكثر تهديداً للسلام من صدام حسين بكثير).
لقد اختير العراق ليكون أول ساحة نموذجية لتطبيق الضربة الاستباقية وجعله (أمثولة) يُرهب بها الآخرون، ثم يستسلمون لأمريكا بلا قتال، كما أشار ريتشارد بيرل، الذي وصف بـ (أمير الظلام) عقب غزو العراق مباشرة، وهنا يكمن مقتل المشروع الإمبراطوري الأمريكي، حيث كان تطبيق الضربة الاستباقية في العراق لا يقوم على إسقاط نظامه السياسي فقط للتخلص من عقبة وجود نظام حر غير خاضع للسيطرة الأمريكية ويجلس (فوق بحيرة نفط) – كما قال مسؤولون أمريكيون – وهو أمر يمنع تطبيق نظرية (أن من يمسك بالنفط يسيطر على العالم)، بل يجب أيضاً إلحاق دمار شامل وجذري بالدولة العراقية لضمان حل الجيش والمؤسسات وإعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة.
ويخطئ من يظن أن التهديد، طبقاً لهذه الاستراتيجية، يقتصر على الجانب العسكري فقط، فعلى الرغم من إعلان سياسة تقوم على تجريد كل الأطراف من القدرة على حيازة أسلحة دمار شامل والتخلص من أسلحة دمار شامل مملوكة حالياً، ووسائل إيصالها، كالصواريخ والطائرات ومنع أي محاولة جديدة للحصول عليها، فإن تدقيق وتحليل مفهوم الضربة الاستباقية يؤكدان أن التهديد يشمل وجود منافسين للولايات المتحدة في المجالات التكنولوجية والتجارية والعلمية، واحتمال تفوق هؤلاء مستقبلاً عليها، وفي هذه الحالات على الولايات المتحدة أن تسارع لاحتواء كل هؤلاء ومنعهم من تحقيق أي تفوق عليها واستخدام السبل كافة، وبلا استثناء، بما في ذلك الغزو العسكري والتدمير الاقتصادي والتكنولوجي، لضمان إعادة تشكيل العالم وفقاً لرؤية ومصالح الولايات المتحدة فقط لا غير.
::/fulltext::
::cck::1302::/cck::
