التعليم العالي: رافعة التطوير والتطور يصبح مصدر هدر إذا أسأنا استثماره
::cck::1395::/cck::
::introtext::
التعليم العالي يزود المجمتع بأربعة أمور في غاية الأهمية لتطوره، وهي العمالة الماهرة والمؤهلة، والبحوث التي لا غنى عن التطور في أية مؤسسة أو قطاع في المجتمع من دونها، والابتكار والإبداع الضروريين لعملية التميز خاصة في مجال التقنية والتكنولوجيا، بالإضافة إلى نقل المعرفة الأساسية في المفاهيم المكونة لكل العلوم.
::/introtext::
::fulltext::
التعليم العالي يزود المجمتع بأربعة أمور في غاية الأهمية لتطوره، وهي العمالة الماهرة والمؤهلة، والبحوث التي لا غنى عن التطور في أية مؤسسة أو قطاع في المجتمع من دونها، والابتكار والإبداع الضروريين لعملية التميز خاصة في مجال التقنية والتكنولوجيا، بالإضافة إلى نقل المعرفة الأساسية في المفاهيم المكونة لكل العلوم.
كل هذه الأمور تعاني من جوانب خلل في الجامعات العربية، ومنها تلك التي في دول مجلس التعاون الخليجي، التي تتميز بكونها أفضل حالاً لتوفر الرأسمال، والبنى التحتية والبرامج الأفضل على صعيد الصحة والتعليم الإساسي والجامعي، وحجم الاقتصاد، والاستعداد التكنولوجي، والتطور في المنافسة في مجال إدارة الأعمال والابتكار.
والقصور في جوانب استغلال مؤسسات التعليم العالي من أجل التطوير المجتمعي هو في الواقع بسبب عوامل ذاتية وموضوعية.
وفي الجوانب الذاتية فإن الجامعات الخليجية لم تستطع أن تحدد لها مساراً واضحاً يميز بين النسخ لتجارب الغرب؛ وبالذات النظام الأمريكي الذي أصبحت معظم، إن لم يكن كل، الجامعات في دول الخليج العربية تتبناه؛ وبين نظام تعليمي إنساني أو عالمي يأخذ بكل أشكال التقدم في النظم التعليمية المعمول بها في مختلف دول العالم المتطورة على هذا الصعيد، كالنظم الأوروبية والنظام الياباني وحتى الصيني والهندي، ومزاوجة ذلك مع النظام العربي والمحلي الطابع عبر الترجمة أو استخدام النظام ثنائي اللغة، وهو الأفضل، فهناك الكثير من مجالات العلوم تقتضي وجود اللغة العربية أو اعتماد لغة العالم، إذا كان الأستاذ الجامعي الذي تم استخدامه لعلم محدد، وخاصة في مجال التقنية الدقيقة يقتضي التحول للغة التي يجيدها العالم، للنهل من علمه بدلاً من التخلص من علماء جاءوا من أوروبا بلغات أوروبية وهم متميزون علمياً، لكنهم ليسوا متمكنين من اللغة الإنجليزية.
إذاً إن مشكلة لغة التعليم أصبحت إشكالية حقيقية أمام تطور الدراسة في الجامعات الخليجية، وإن كانت كل الدول الخليجية تسارع حالياً لتبني اللغة الإنجليزية لتكون هي اللغة الأولى في مجال التعليم، في كل المراحل الابتدائية والثانوية أو الجامعية فإن علامات التطور في المجال التقني والتكنولوجي، والبحوث وغيرها لم تتغير كثيراً، ولم يتبدل المؤشر في ذلك نحو التحسن في مستوى المجتمعات الخليجية، مع كل الجلب الواسع النطاق لأساتذة جامعات من الولايات المتحدة ودول متحدثة باللغة الإنجليزية.
إن التطور الذي ينتظر حدوثه الآن هو زيادة وتيرة ومعدلات الجلب للأساتذة من الولايات المتحدة، خاصة بعد الأزمة الحالية في المجال الاقتصادي والمالي، التي عانت منها مختلف القطاعات، بما فيها التعليم، والتسريح الواسع لكثير من أساتذة الجامعات هناك، ما يعني زيادة الاعتماد على هؤلاء حتى على حساب العنصر المحلي، كما بدأ يظهر في الإمارات وقطر، وهما البلدان الخليجيان اللذان أحدثا تطوراً كبيراً نسبياً على صعيد تطور التعليم الجامعي فيهما مؤخراً.
وفي مسألة لغة الدراسة أيضاً فإن هناك مجالات دراسية كالإعلام مثلاً، تحتاج بشكل أساسي إلى وجود اللغة العربية فيها، لكون نوع الكتابة العربية الإعلامية يختلف في أسسه النحوية عن تلك التي في اللغة الإنجليزية، مما يجعل أي خريج من قسم إعلام يدرس باللغة الإنجليزية يصبح عالة على أية مؤسسة صحفية عربية توكل إليه مهمة كتابية فيها.
وفي العوامل الذاتية أيضاً هناك سياسات التطوير في مجال البحوث، فمعظم الجامعات الخليجية، وعلى الأقل في دولة الإمارات بالذات تحاول أن تكون ذات توجهات بحثية وليست تدريسية أو معرفية بالدرجة الأولى. ولكي يتم هذا التحول لا بد من أساس مادي لذلك، من خلال المراكز والقواعد البحثية المؤسسة والمنطقية وليست الطارئة أو العشوائية، والإمكانات المادية الضرورية اللازمة لهذا التوجه، والنظام الإداري المبني على هذا الأساس.
كل هذه العوامل ليست متوفرة في الجامعات الخليجية ، إلا في حدودها الدنيا، إذا لم تكن غائبة تماماً في الكثير منها. إضافة إلى ذلك هناك أعباء تدريسية وخدمة جامعة وخدمة مجتمع والإرشاد الطلابي وتطوير مناهج التدريس وأعباء إدارة العملية التعليمية، وغيرها من الأعباء التي يكلف بها الأساتذة في الجامعات مما يتعارض تماماً مع إمكانية التفرغ للبحث العلمي والتطوير ولا يترك فسحة للإبداع أو الابتكار.
يدرّس الأستاذ الجامعي 12 ساعة دراسية في الأسبوع بحدها الأدنى في الجامعات الخليجية العربية، وأحياناً كثيرة تصل إلى 15 و18 ساعة أسبوعية، كما هي الحال في التجربة الشخصية للكاتب في جامعة الشارقة بدولة الإمارات. هذا معناه أن يقدم الأستاذ الجامعي ورقة عمل دراسية كمحاضرة تصل إلى ثلاث محاضرات في اليوم الواحد. وكل محاضرة لا يستطيع أن يقدم الأستاذ فيها مجرد إشراف على ما يقوم به الطلاب، بل مطلوب أن يقدم توضيحاً وتوسعاً في مادة الدرس تفيد الطالب في فهم المادة المدرّسة، وتضيف إليه ما يفسر ويوضح المادة بشكل أفضل. وإذا فعل ذلك فإن عليه البحث في المصادر الجديدة وتبسيط تلك المادة لفهم الطالب وتطبيقها معه، ومن ثم الإشراف على تطبيقه لها. وبهذا العبء التدريسي يبقى من المستحيل الانتباه شيء أسمه بحث.
وزد على ذلك أن كل الجامعات تتحول إلى شبه خاصة، مما يعنى أن تكتفي بدخلها، وتكون استثمارية، مما يجعلها تزيد من أعداد الطلاب في الصف الدراسي الواحد أكثر من 30 طالباً في الكثير من المساقات التدريسية، وهذا يشكل عبأ أكبر في التصحيح والإشراف على التطبيقات، والمهمات التي تعطى للطالب، والبحوث التي يتطلبها كل مساق.
أما الجامعات الأمريكية في الإمارات فتتبنى نظاماً تدريسياً يبلغ 9 ساعات في الأسبوع، بينما لجان الاعتماد التي تأتي تؤكد وصول العبء التدريسي فقط إلى 6 ساعات في الأسبوع إذا كانت الجامعة تريد التحول إلى جامعة بحثية.
والأسوأ من ذلك هو وجود إدارات تعليمية تقدس الجانب الإداري على العلمي، مما يجعل الجوانب الإدارية والمالية تطغى على الجوانب الفنية والأكاديمية والبحثية، نتيجة لقلة الاعتمادات المالية المخصصة للجامعات، وحدود ميزانيات لا يمكن التحرك بشكل كبير من خلالها لتمويل المشاريع العلمية التي تحتاج إلى وقت وجهد لمتابعتها والشروع بها.
هذا عدا أن هناك قلة من الجامعات تطبق مسألة (الساباتك)، ومعناه أن يتفرغ الأستاذ الجامعي بعد كل خمس سنوات ولمدة سنة كاملة لإجراء البحوث مع أعباء تدريسية دنيا في جامعة أخرى غير جامعته، لكي يستطيع التقدم لترقية وظيفية، ومواجهة متطلبات الاستمرار في العمل الأكاديمي، وذلك براتب كامل من دون نقصان.
هناك فجوة تعاني منها الدول العربية في المعرفة مقارنة بدول العالم الأخرى
هذه بعض الجوانب الذاتية التي بالإمكان إيرادها في هذه العجالة والمساحة المحدودة للمقال، ويحتاج الأمر إلى بحوث مستفيضة لكي تعالج المسألة، لكننا نختم الجوانب الذاتية بالقول إن هناك تجربة جامعة الخليج العربي، التي تم البدء بها في الثمانينات وحصرت في نطاق ضيق من التجربة الشحيحة الإمكانات، وقصرت أيدينا عن تطويرها وتوسيعها، ومد خدماتها لتشمل كل دول الخليج، بدلاً من حصرها في مكان واحد، والحد من تطور إمكاناتها لتصل إلي نموذج بحثي وتدريسي وناقل للمعرفة، ومزود بالعمالة الماهرة في الوقت نفسه، كل في جانبه، على غرار الجامعات الكبرى في العالم كهارفارد وأكسفورد وكامبريدج وغيرها. إنها تجربة تحتاج إلى دراسة مستفيضة لاستخلاص الدروس منها.
وفي الجوانب الموضوعية هناك الكثير الذي تم نشره في أوراق علمية من قبل اليونسكو أو المنبر الاقتصادي الدولي والبنك الدولي وغيرها من الجهات البحثية والعلمية، مثل كارنيجي وغيرها من المؤسسات البحثية العريقة المعروفة والمتخصصة في الشرق الأوسط، ودول الخليج في كتابات أنتوني ب زحلان (الرباط 2007) وإبراهيم سيف (مارس 2009) وصالح المزيدي (2001) وغيرهم.
زحلان مثلاً قال إن هناك فجوة تعاني منها الدول العربية في المعرفة مقارنة بدول العالم الأخرى، ووضع مؤشرات لذلك تشمل الرأسمال البشري، وتمويل الأبحاث والتطوير، وعدد الأوراق المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة سنوياً، وعدد العاملين في المجالات الهندسية والعلمية، ونوعية نظم التعليم، وعدد براءات الاختراع المسجلة سنوياً، واستيراد المنتجات التكنولوجية المتطورة، ومعدل التغير في هذه المؤشرات.
وقال إن في مسألة الرأسمال البشري فإن هناك الكثير من الدارسين العرب في الجامعات الأجنبية بما يفوق الصين والهند، ورغم ذلك فإن معظم هذا الرأسمال مهاجر نتيجة لعدم وجود فرص عمل أو بيئة علمية تجعله يعطي، ومن يعمل في القطاع التعليمي يعاني من العبء التدريسي وعدم وجود التمويل لبحوثه. وأضاف أن هناك حوالي عشرة آلاف من حملة الدكتوراة يغادرون العالم العربي سنوياً، وأن ظاهرة الهجرة للعقول أظهرت أن الدول قد تعلّم شبابها، لكن من دون توظيف هؤلاء الشباب بشكل منتج فإنها لا تستطيع تحصيل الفوائد الاقتصادية المرجوة من استثمارها في التعليم.

التعليم العالي بالإمكان أن يكون رافعة حقيقية إذا استثمرت مخرجاته بشكل صحيح
إن مؤشرات الباحثين عن العمل في الإمارات التي نشرتها مؤسسة تنمية للتوظيف في دولة الإمارات، والتي تشمل العاطلين من غير إمارة أبوظبي ضمت اثنين من حملة الدكتوراة و55 خريجاً من حملة الماجستير، باحثين عن عمل.
وأكد زحلان أن المشكلة التي تواجه الوطن العربي ليست في عدم وجود الرأسمال أو قلته، ولا في قلة الرأسمال البشري، أو حتى البحوث والتطوير، ولكن المشكلة تكمن في كيفية الاستفادة الأفضل من الرأسمال البشري.
وأكتفي في هذه المساحة الضيقة من الكتابة بهذا القدر من العامل الموضوعي، مع إضافة سريعة هي أن هناك حساسية كبيرة في تناول البحوث وتوجيهها، وبالتالي في الحصول على التمويل لها. فإذا كانت البحوث موضوعية فإنها بلا شك ستمس جوانب حساسة في النشاط الإداري وما يعتقد أنه ضد الأمن، وهو هنا تعبير لا يشمل الأمن الوطني فقط، بل يترافق معه أمن الأفراد القائمين على الأمر في المؤسسات الحكومية والذين تحكم تعييناتهم ظروف المحاباة والولاء وغيرها من الاعتبارات في التركيبة السكانية، تشمل القبلية والأسماء المعروفة من العائلات وغيرها من المسائل، مما يعيق أي باحث من تناول أي موضوعات تتناول أية قضايا قد تثير هؤلاء.
أخيراً، أقول إن التعليم العالي بالإمكان أن يكون رافعة حقيقية إذا استثمرت مخرجاته بشكل صحيح، ووضع الاعتبار في استثمار هذا الرأسمال للمتميزين والمجتهدين في إطار وطني متكامل، يجعل من إيجاد مؤسسات توطين ليس للتوظيف فقط، بل لتوطين التكنولوجيا واستيرادها واستثمارها محلياً، وتطوير المشابه أو المطور لها محلياً ضمن مؤسسات بحثية يتم إيجادها، وجعلها أمراً من الأولويات الاستراتيجية، وبدلاً من ترك مؤسسات البحث الحالية ليديرها بعض القاصرين عن الأداء البحثي والتقني العالي المتفهم لمشروع وطني استراتيجي يجعل من توطين التكنولوجيا، وتحسين الأداء الوظيفي وشفافية المحاسبة وعدم المحسوبية في تولي هذه المسؤوليات خياراً استراتيجياً ومصدر حياة أو تخلف وفقدان استقلالية وضياع أوطان.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1395::/cck::
::introtext::
التعليم العالي يزود المجمتع بأربعة أمور في غاية الأهمية لتطوره، وهي العمالة الماهرة والمؤهلة، والبحوث التي لا غنى عن التطور في أية مؤسسة أو قطاع في المجتمع من دونها، والابتكار والإبداع الضروريين لعملية التميز خاصة في مجال التقنية والتكنولوجيا، بالإضافة إلى نقل المعرفة الأساسية في المفاهيم المكونة لكل العلوم.
::/introtext::
::fulltext::
التعليم العالي يزود المجمتع بأربعة أمور في غاية الأهمية لتطوره، وهي العمالة الماهرة والمؤهلة، والبحوث التي لا غنى عن التطور في أية مؤسسة أو قطاع في المجتمع من دونها، والابتكار والإبداع الضروريين لعملية التميز خاصة في مجال التقنية والتكنولوجيا، بالإضافة إلى نقل المعرفة الأساسية في المفاهيم المكونة لكل العلوم.
كل هذه الأمور تعاني من جوانب خلل في الجامعات العربية، ومنها تلك التي في دول مجلس التعاون الخليجي، التي تتميز بكونها أفضل حالاً لتوفر الرأسمال، والبنى التحتية والبرامج الأفضل على صعيد الصحة والتعليم الإساسي والجامعي، وحجم الاقتصاد، والاستعداد التكنولوجي، والتطور في المنافسة في مجال إدارة الأعمال والابتكار.
والقصور في جوانب استغلال مؤسسات التعليم العالي من أجل التطوير المجتمعي هو في الواقع بسبب عوامل ذاتية وموضوعية.
وفي الجوانب الذاتية فإن الجامعات الخليجية لم تستطع أن تحدد لها مساراً واضحاً يميز بين النسخ لتجارب الغرب؛ وبالذات النظام الأمريكي الذي أصبحت معظم، إن لم يكن كل، الجامعات في دول الخليج العربية تتبناه؛ وبين نظام تعليمي إنساني أو عالمي يأخذ بكل أشكال التقدم في النظم التعليمية المعمول بها في مختلف دول العالم المتطورة على هذا الصعيد، كالنظم الأوروبية والنظام الياباني وحتى الصيني والهندي، ومزاوجة ذلك مع النظام العربي والمحلي الطابع عبر الترجمة أو استخدام النظام ثنائي اللغة، وهو الأفضل، فهناك الكثير من مجالات العلوم تقتضي وجود اللغة العربية أو اعتماد لغة العالم، إذا كان الأستاذ الجامعي الذي تم استخدامه لعلم محدد، وخاصة في مجال التقنية الدقيقة يقتضي التحول للغة التي يجيدها العالم، للنهل من علمه بدلاً من التخلص من علماء جاءوا من أوروبا بلغات أوروبية وهم متميزون علمياً، لكنهم ليسوا متمكنين من اللغة الإنجليزية.
إذاً إن مشكلة لغة التعليم أصبحت إشكالية حقيقية أمام تطور الدراسة في الجامعات الخليجية، وإن كانت كل الدول الخليجية تسارع حالياً لتبني اللغة الإنجليزية لتكون هي اللغة الأولى في مجال التعليم، في كل المراحل الابتدائية والثانوية أو الجامعية فإن علامات التطور في المجال التقني والتكنولوجي، والبحوث وغيرها لم تتغير كثيراً، ولم يتبدل المؤشر في ذلك نحو التحسن في مستوى المجتمعات الخليجية، مع كل الجلب الواسع النطاق لأساتذة جامعات من الولايات المتحدة ودول متحدثة باللغة الإنجليزية.
إن التطور الذي ينتظر حدوثه الآن هو زيادة وتيرة ومعدلات الجلب للأساتذة من الولايات المتحدة، خاصة بعد الأزمة الحالية في المجال الاقتصادي والمالي، التي عانت منها مختلف القطاعات، بما فيها التعليم، والتسريح الواسع لكثير من أساتذة الجامعات هناك، ما يعني زيادة الاعتماد على هؤلاء حتى على حساب العنصر المحلي، كما بدأ يظهر في الإمارات وقطر، وهما البلدان الخليجيان اللذان أحدثا تطوراً كبيراً نسبياً على صعيد تطور التعليم الجامعي فيهما مؤخراً.
وفي مسألة لغة الدراسة أيضاً فإن هناك مجالات دراسية كالإعلام مثلاً، تحتاج بشكل أساسي إلى وجود اللغة العربية فيها، لكون نوع الكتابة العربية الإعلامية يختلف في أسسه النحوية عن تلك التي في اللغة الإنجليزية، مما يجعل أي خريج من قسم إعلام يدرس باللغة الإنجليزية يصبح عالة على أية مؤسسة صحفية عربية توكل إليه مهمة كتابية فيها.
وفي العوامل الذاتية أيضاً هناك سياسات التطوير في مجال البحوث، فمعظم الجامعات الخليجية، وعلى الأقل في دولة الإمارات بالذات تحاول أن تكون ذات توجهات بحثية وليست تدريسية أو معرفية بالدرجة الأولى. ولكي يتم هذا التحول لا بد من أساس مادي لذلك، من خلال المراكز والقواعد البحثية المؤسسة والمنطقية وليست الطارئة أو العشوائية، والإمكانات المادية الضرورية اللازمة لهذا التوجه، والنظام الإداري المبني على هذا الأساس.
كل هذه العوامل ليست متوفرة في الجامعات الخليجية ، إلا في حدودها الدنيا، إذا لم تكن غائبة تماماً في الكثير منها. إضافة إلى ذلك هناك أعباء تدريسية وخدمة جامعة وخدمة مجتمع والإرشاد الطلابي وتطوير مناهج التدريس وأعباء إدارة العملية التعليمية، وغيرها من الأعباء التي يكلف بها الأساتذة في الجامعات مما يتعارض تماماً مع إمكانية التفرغ للبحث العلمي والتطوير ولا يترك فسحة للإبداع أو الابتكار.
يدرّس الأستاذ الجامعي 12 ساعة دراسية في الأسبوع بحدها الأدنى في الجامعات الخليجية العربية، وأحياناً كثيرة تصل إلى 15 و18 ساعة أسبوعية، كما هي الحال في التجربة الشخصية للكاتب في جامعة الشارقة بدولة الإمارات. هذا معناه أن يقدم الأستاذ الجامعي ورقة عمل دراسية كمحاضرة تصل إلى ثلاث محاضرات في اليوم الواحد. وكل محاضرة لا يستطيع أن يقدم الأستاذ فيها مجرد إشراف على ما يقوم به الطلاب، بل مطلوب أن يقدم توضيحاً وتوسعاً في مادة الدرس تفيد الطالب في فهم المادة المدرّسة، وتضيف إليه ما يفسر ويوضح المادة بشكل أفضل. وإذا فعل ذلك فإن عليه البحث في المصادر الجديدة وتبسيط تلك المادة لفهم الطالب وتطبيقها معه، ومن ثم الإشراف على تطبيقه لها. وبهذا العبء التدريسي يبقى من المستحيل الانتباه شيء أسمه بحث.
وزد على ذلك أن كل الجامعات تتحول إلى شبه خاصة، مما يعنى أن تكتفي بدخلها، وتكون استثمارية، مما يجعلها تزيد من أعداد الطلاب في الصف الدراسي الواحد أكثر من 30 طالباً في الكثير من المساقات التدريسية، وهذا يشكل عبأ أكبر في التصحيح والإشراف على التطبيقات، والمهمات التي تعطى للطالب، والبحوث التي يتطلبها كل مساق.
أما الجامعات الأمريكية في الإمارات فتتبنى نظاماً تدريسياً يبلغ 9 ساعات في الأسبوع، بينما لجان الاعتماد التي تأتي تؤكد وصول العبء التدريسي فقط إلى 6 ساعات في الأسبوع إذا كانت الجامعة تريد التحول إلى جامعة بحثية.
والأسوأ من ذلك هو وجود إدارات تعليمية تقدس الجانب الإداري على العلمي، مما يجعل الجوانب الإدارية والمالية تطغى على الجوانب الفنية والأكاديمية والبحثية، نتيجة لقلة الاعتمادات المالية المخصصة للجامعات، وحدود ميزانيات لا يمكن التحرك بشكل كبير من خلالها لتمويل المشاريع العلمية التي تحتاج إلى وقت وجهد لمتابعتها والشروع بها.
هذا عدا أن هناك قلة من الجامعات تطبق مسألة (الساباتك)، ومعناه أن يتفرغ الأستاذ الجامعي بعد كل خمس سنوات ولمدة سنة كاملة لإجراء البحوث مع أعباء تدريسية دنيا في جامعة أخرى غير جامعته، لكي يستطيع التقدم لترقية وظيفية، ومواجهة متطلبات الاستمرار في العمل الأكاديمي، وذلك براتب كامل من دون نقصان.
هناك فجوة تعاني منها الدول العربية في المعرفة مقارنة بدول العالم الأخرى
هذه بعض الجوانب الذاتية التي بالإمكان إيرادها في هذه العجالة والمساحة المحدودة للمقال، ويحتاج الأمر إلى بحوث مستفيضة لكي تعالج المسألة، لكننا نختم الجوانب الذاتية بالقول إن هناك تجربة جامعة الخليج العربي، التي تم البدء بها في الثمانينات وحصرت في نطاق ضيق من التجربة الشحيحة الإمكانات، وقصرت أيدينا عن تطويرها وتوسيعها، ومد خدماتها لتشمل كل دول الخليج، بدلاً من حصرها في مكان واحد، والحد من تطور إمكاناتها لتصل إلي نموذج بحثي وتدريسي وناقل للمعرفة، ومزود بالعمالة الماهرة في الوقت نفسه، كل في جانبه، على غرار الجامعات الكبرى في العالم كهارفارد وأكسفورد وكامبريدج وغيرها. إنها تجربة تحتاج إلى دراسة مستفيضة لاستخلاص الدروس منها.
وفي الجوانب الموضوعية هناك الكثير الذي تم نشره في أوراق علمية من قبل اليونسكو أو المنبر الاقتصادي الدولي والبنك الدولي وغيرها من الجهات البحثية والعلمية، مثل كارنيجي وغيرها من المؤسسات البحثية العريقة المعروفة والمتخصصة في الشرق الأوسط، ودول الخليج في كتابات أنتوني ب زحلان (الرباط 2007) وإبراهيم سيف (مارس 2009) وصالح المزيدي (2001) وغيرهم.
زحلان مثلاً قال إن هناك فجوة تعاني منها الدول العربية في المعرفة مقارنة بدول العالم الأخرى، ووضع مؤشرات لذلك تشمل الرأسمال البشري، وتمويل الأبحاث والتطوير، وعدد الأوراق المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة سنوياً، وعدد العاملين في المجالات الهندسية والعلمية، ونوعية نظم التعليم، وعدد براءات الاختراع المسجلة سنوياً، واستيراد المنتجات التكنولوجية المتطورة، ومعدل التغير في هذه المؤشرات.
وقال إن في مسألة الرأسمال البشري فإن هناك الكثير من الدارسين العرب في الجامعات الأجنبية بما يفوق الصين والهند، ورغم ذلك فإن معظم هذا الرأسمال مهاجر نتيجة لعدم وجود فرص عمل أو بيئة علمية تجعله يعطي، ومن يعمل في القطاع التعليمي يعاني من العبء التدريسي وعدم وجود التمويل لبحوثه. وأضاف أن هناك حوالي عشرة آلاف من حملة الدكتوراة يغادرون العالم العربي سنوياً، وأن ظاهرة الهجرة للعقول أظهرت أن الدول قد تعلّم شبابها، لكن من دون توظيف هؤلاء الشباب بشكل منتج فإنها لا تستطيع تحصيل الفوائد الاقتصادية المرجوة من استثمارها في التعليم.

التعليم العالي بالإمكان أن يكون رافعة حقيقية إذا استثمرت مخرجاته بشكل صحيح
إن مؤشرات الباحثين عن العمل في الإمارات التي نشرتها مؤسسة تنمية للتوظيف في دولة الإمارات، والتي تشمل العاطلين من غير إمارة أبوظبي ضمت اثنين من حملة الدكتوراة و55 خريجاً من حملة الماجستير، باحثين عن عمل.
وأكد زحلان أن المشكلة التي تواجه الوطن العربي ليست في عدم وجود الرأسمال أو قلته، ولا في قلة الرأسمال البشري، أو حتى البحوث والتطوير، ولكن المشكلة تكمن في كيفية الاستفادة الأفضل من الرأسمال البشري.
وأكتفي في هذه المساحة الضيقة من الكتابة بهذا القدر من العامل الموضوعي، مع إضافة سريعة هي أن هناك حساسية كبيرة في تناول البحوث وتوجيهها، وبالتالي في الحصول على التمويل لها. فإذا كانت البحوث موضوعية فإنها بلا شك ستمس جوانب حساسة في النشاط الإداري وما يعتقد أنه ضد الأمن، وهو هنا تعبير لا يشمل الأمن الوطني فقط، بل يترافق معه أمن الأفراد القائمين على الأمر في المؤسسات الحكومية والذين تحكم تعييناتهم ظروف المحاباة والولاء وغيرها من الاعتبارات في التركيبة السكانية، تشمل القبلية والأسماء المعروفة من العائلات وغيرها من المسائل، مما يعيق أي باحث من تناول أي موضوعات تتناول أية قضايا قد تثير هؤلاء.
أخيراً، أقول إن التعليم العالي بالإمكان أن يكون رافعة حقيقية إذا استثمرت مخرجاته بشكل صحيح، ووضع الاعتبار في استثمار هذا الرأسمال للمتميزين والمجتهدين في إطار وطني متكامل، يجعل من إيجاد مؤسسات توطين ليس للتوظيف فقط، بل لتوطين التكنولوجيا واستيرادها واستثمارها محلياً، وتطوير المشابه أو المطور لها محلياً ضمن مؤسسات بحثية يتم إيجادها، وجعلها أمراً من الأولويات الاستراتيجية، وبدلاً من ترك مؤسسات البحث الحالية ليديرها بعض القاصرين عن الأداء البحثي والتقني العالي المتفهم لمشروع وطني استراتيجي يجعل من توطين التكنولوجيا، وتحسين الأداء الوظيفي وشفافية المحاسبة وعدم المحسوبية في تولي هذه المسؤوليات خياراً استراتيجياً ومصدر حياة أو تخلف وفقدان استقلالية وضياع أوطان.
::/fulltext::
::cck::1395::/cck::
