التعليم العالي في العراق.. الواقع والتحديات
::cck::1401::/cck::
::introtext::
عانت ولا تزال مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في العراق من مشكلات كبيرة تشمل التعليم ومناهج البحث وأساليب الإدارة وسوء استعمال الموارد وتأهيل الهيئات التدريبية، لكن المشكلة الأكبر التي تتصل بكل هذه المشكلات وتزيد من تفاقمها هي إخضاع التعليم العالي والبحث العلمي لغايات خارجة على نطاق غايات التأهيل والتكوين والبحث العلمي.
::/introtext::
::fulltext::
عانت ولا تزال مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في العراق من مشكلات كبيرة تشمل التعليم ومناهج البحث وأساليب الإدارة وسوء استعمال الموارد وتأهيل الهيئات التدريبية، لكن المشكلة الأكبر التي تتصل بكل هذه المشكلات وتزيد من تفاقمها هي إخضاع التعليم العالي والبحث العلمي لغايات خارجة على نطاق غايات التأهيل والتكوين والبحث العلمي.
تفرض السلطات العمومية، لا بل الأجهزة الأمنية، وصايتها المباشرة على الحياة الجامعية والمجتمع الأكاديمي، وتتعامل مع المجتمع من منطق الولاء وأغراض الحفاظ على الحكم واحتكار السلطة، وأكثر من ذلك مصادرة الحرية الأكاديمية، وحرية الرأي، وتستخدم الجامعات كمراكز للرعاية الحزبية أو الدعوة الإيديولوجية.
وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 تدهورت كل أوضاع البلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، وقد انعكس ذلك بشكل واضح على الواقع التعليمي في العراق، وازدادت المشكلات في هذا الجانب مع تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد وازدياد حالات تهديد الأساتذة والطلبة واختطافهم وقتلهم، فضلاً عن تعرضهم للاعتقالات سواء من قوات الاحتلال أو القوات العراقية وأثر ذلك كله في الارتفاع الكبير في عدد العقول المهاجرة والإهمال الكبير للتعليم من حيث توفير الأمان والأموال اللازمة لإدامة وتطوير الجامعات والمعاهد العراقية وهذا واضح في المختبرات والمكتبات الخاوية في تلك الجامعات والمعاهد.
أولاً: واقع التعليم العالي في العراق
كثيرة هي التداعيات التي يعاني منها العراق عقب احتلاله منذ خمس سنوات، وكثيرة أيضاً هي مفاصل الحياة التي تأثرت وتراجعت نتيجة هذا الواقع الجديد، وقد نال التعليم العالي ومؤسساته نصيباً وافراً من التأثر حيث عانى ولا يزال في كل أركانه التي يقوم عليها، فالعلماء والأكاديميون وأساتذة الجامعات ذاقوا الأمرّين خلال هذه الحقبة السوداء في حياتهم، فهم ما بين عمليات الاغتيال التي طالت الكثيرين منهم وما بين التهجير القسري سواء بالتهديد المباشر أو نتيجة لتداعيات الوضع الأمني والاجتماعي السيئ.
أما المؤسسات التعليمية فهي تفتقر إلى كل مقومات التعليم وخصوصاً الأقسام العلمية منها، فضلاً عن انعكاسات الواقع المتردي الذي يعيشه العراق في عهد الاحتلال على واقع الجامعات وإداراتها والذي يرسم أسوأ صور التداعيات المتردية التي برزت وطفت على السطح في السنوات الأخيرة.
فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وحقل التعليم مثل غيره من حقول الحياة يتعرض إلى التشويه والتخريب وتحولت فصول الدراسة في بعض المدارس والجامعات إلى أماكن يمارس فيها البعض هواياتهم في تشكيل الذهنية الدينية للتلاميذ والطلاب، وأصبح الحرم الجامعي في كثير من الجامعات مسرحاً للنزاعات والصراعات الحزبية والسياسية على مرأى ومسمع الحكومة العراقية، واتسع نشاط الميليشيات ليدخل في توجيه مسار العملية التعليمية عن طريق سرقة أسئلة الامتحانات العامة واحتلال المراكز الامتحانية، وإجبار الأساتذة على إملاء الإجابات للطلبة بهدف ضمان حصولهم على درجات تضمن لهم القبول في كليات الطب والهندسة والعلوم على حساب أقرانهم من الطوائف الأخرى، وهي جريمة ستؤدي إلى تقويض العملية التعليمية وتضعف ثقة الجامعات العالمية بشهادة الطالب العراقي.
أما المناهج التعليمية فلم تكن بمنأى عن التدخلات الطائفية التي تسعى إلى تشويه كتب التربية الدينية واللغة العربية والتأريخ بقصص وروايات ستسهم في تنشئة الأجيال على أفكار ومفاهيم طائفية تؤدي إلى تقسيم البلد.
ولكي تكتمل عناصر ما يراها البعض مؤامرة تستهدف العملية التعليمية في العراق تصاعدت هيمنة الأحزاب والقوى السياسية على الجامعات، وأصبح الأساتذة والأكاديميون هدفاً مطارداً داخل الحرم الجامعي وخارجه، بل إن بغداد شهدت وفي واضح النهار عملية خطف نحو 150 من موظفي دائرة البعثات التابعة لوزارة التعليم على أيدي عصابات ترتدي زي الأجهزة الأمنية العراقية وتستقل سياراتها ليعثر على بعضهم جثثاً مشوهة بينما لم يزل البعض الآخر إلى اليوم في عداد المفقودين.
وحاولت رابطة الأساتذة الجامعيين رسم مشهد المؤامرة، فأشارت إلى مقتل أكثر من 500 شخصية علمية وتهجير نحو 17 ألف أكاديمي وأستاذ جامعي عراقي منذ الغزو الأمريكي للعراق ضمن مسلسل ملاحقة العقول العلمية الذي يهدف إلى إفراغ العراق من عقوله وذخيرته الثقافية والفكرية أو إجبارها عن طريق التهديد والتخويف على مغادرة البلاد.
لابد من إعادة النظر في الجامعات العراقية وتحويلها إلى مؤسسات للبحث العلمي الجاد
ثانياً: التحديات التي تواجه التعليم العالي
يعد الاحتلال الأمريكي للعراق هو الحدث الأبرز في القرن الحادي والعشرين وما رافق هذا الاحتلال من فراغ أمني وسياسي واقتصادي وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، وتكاد أو أوشكت أن أصيبت مؤسسات الدولة العراقية كلها بالشلل، فضلاً عن ذلك ظهرت أحزاب ومنظمات كثيرة، ورفعت القيود، وأطلقت الحريات من غير ضوابط تحكم سلوكيات العمل المؤسسي أو السياسي أو الحزبي، إلا من ألزمته الأعراف والضوابط الشرعية بما يمتلكه من وعي وإدراك لخطورة المرحلة وتحدياتها وهؤلاء قلة، كل ذلك أدى إلى انتشار مظاهر سلبية كثيرة امتدت لتشمل إحدى ركائز المجتمع المهمة في الأعمار والبناء، تلك الركيزة المتمثلة في الحياة الجامعية التي تعد إحدى المراحل المهمة في حياة المجتمعات ولاسيما الشباب سر النهضة والتقدم. أما أهم التحديات التي تواجه التعليم العالي في العراق، فهي:
- التحدي الأمني، حيث إن من أبرز التحديات التي تواجه التعليم العالي في العراق ومؤسساته كافة الفراغ الأمني الكبير في البلد مما جعل الكفاءات العراقية جميعها لقمة سائغة بيد العديد من الجماعات المسلحة الإرهابية، وكذلك لم يكن الطلبة بمعزل عن هذا الفراغ الأمني، إذ تعرض العديد من الطلبة إلى الخطف والاغتيال، فضلاً عن ذلك فإن أعداداً كبيرة منهم تركت الدراسة بسبب تدهور الأمن أو أدى بالآخرين إلى الانتقال أو ما يسمى (الاستضافة) في جامعات أخرى، حيث كانت مؤسسات التعليم المتمثلة في الجامعات والكليات والمعاهد هدفاً للعديد من التفجيرات، مما أدى إلى أضرار مادية كبيرة فيها، فضلاً عن الأبرياء الذين يقعون ضحايا لهذه التفجيرات. وما تجدر الإشارة إليه أن هذه الاعتداءات ما هي إلا استمرار لما أصاب مؤسسات التعليم العالي من نهب وسلب رافقا الاحتلال الأمريكي للعراق.
- التحدي الاقتصادي، حيث إن ما يتقاضاه الأستاذ الجامعي من أجر أو راتب شهري لا يتناسب والغلاء المعيشي في البلد، فالمستوى الاقتصادي للأستاذ الجامعي في العراق لا يزال متدنياً على الرغم من المطالبة بتطبيق قانون الخدمة الجامعية الذي من شأنه أن يسهم في ارتقاء الأستاذ الجامعي وبالنتيجة توافر مستلزمات العيش الكريم ومتطلباته. فيعيش الأستاذ الجامعي أزمة اقتصادية، وازدادت قوة في الوقت الحاضر إذ انعكست آثارها في نتاجه ومكانته الاجتماعية.
- انتهاك الحريات الأكاديمية، لقد تعددت صور الانتهاكات للحريات الأكاديمية في الجامعات العراقية، منها تعرض العديد من الجامعات والكليات إلى مداهمات من قبل القوات الأمريكية، وأحياناً اتخذت بعض الأبنية التابعة لبعض الجامعات مقرات لها، وتدخل السياسة في ميدان العمل الطلابي مما ولّد الكثير من النزاعات بين الطلبة أنفسهم أو بين الطلبة وأساتذتهم بسبب شيوع التعصب الطائفي والمذهبي، وقد تعرض العديد من الأساتذة إلى الإهانة والاعتداء عليهم بالضرب من قبل بعض الطلبة أو التهديد أحياناً بالقتل، مما أدى إلى هجرة العقول العلمية والكفاءات المتميزة خارج البلاد.
- التحديات العلمية، وتمثلت بسيادة الجانب النظري وإهمال الجانب التطبيقي العملي في تدريب الطلبة وتنمية مهاراتهم المختلفة، فطرائق التدريس تتصف بالعشوائية، وتمحور التعليم حول التلقين والحفظ بعيداً عن التفكير الناقد وتنمية روح الإبداع والكشف والملاحظة والتجربة، فالتعليم اقتصر على التقليد فقط.
منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق تم قتل 500 شخصية علمية وتهجير 17 ألف أكاديمي عراقي
والسؤال المطروح هنا، ما العمل؟ ما هو مستقبل التعليم العالي في العراق؟ وللإجابة عن السؤال، هنالك عدة مقترحات أو توصيات للنهوض بواقع التعليم العالي في العراق ومنها:
1) الاستقلال الذاتي المؤسسي وحرية التعليم بوصفهما شرطين أساسيين لنجاح الحياة الأكاديمية وتطويرها.
2) مراجعة وضع التعليم العالي وإدراك أهمية تطويره لأنه لو تم إدراك ذلك لأمكن معالجة كافة المشكلات وتحقيق تطور علمي وثقافي.
3) منح الحرية للأساتذة والأكاديميين في متابعة المعرفة وتطويرها وتحويلها من خلال البحث والدراسة والمناقشة والتوثيق والإنتاج لما ينفع المجتمع ويطوره.
4) إعادة النظر في الجامعات العراقية وتحويلها إلى مؤسسات للبحث العلمي الجاد واستقلالها عن الدولة وغيرها من قوى المجتمع، وصنع القرارات المتعلقة بسير العمل الداخلي فيها وبميزانيتها وإدارتها ، وإقرار سياساتها للتعليم والبحث العلمي وغيره من الأنشطة ذات الصلة.
5) إعادة النظر في الارتباط بين التعليم العالي والتعليم الثانوي، فأي إصلاح للتعليم العالي لا يمكن أن ينظر إليه بمعزل عن دراسة واقع التعليم المدرسي، فهناك فجوة واضحة بين شقي التعليم، وأي قرار يُتخذ بشأن التعليم المدرسي يؤثر بصورة كبيرة في التعليم العالي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1401::/cck::
::introtext::
عانت ولا تزال مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في العراق من مشكلات كبيرة تشمل التعليم ومناهج البحث وأساليب الإدارة وسوء استعمال الموارد وتأهيل الهيئات التدريبية، لكن المشكلة الأكبر التي تتصل بكل هذه المشكلات وتزيد من تفاقمها هي إخضاع التعليم العالي والبحث العلمي لغايات خارجة على نطاق غايات التأهيل والتكوين والبحث العلمي.
::/introtext::
::fulltext::
عانت ولا تزال مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في العراق من مشكلات كبيرة تشمل التعليم ومناهج البحث وأساليب الإدارة وسوء استعمال الموارد وتأهيل الهيئات التدريبية، لكن المشكلة الأكبر التي تتصل بكل هذه المشكلات وتزيد من تفاقمها هي إخضاع التعليم العالي والبحث العلمي لغايات خارجة على نطاق غايات التأهيل والتكوين والبحث العلمي.
تفرض السلطات العمومية، لا بل الأجهزة الأمنية، وصايتها المباشرة على الحياة الجامعية والمجتمع الأكاديمي، وتتعامل مع المجتمع من منطق الولاء وأغراض الحفاظ على الحكم واحتكار السلطة، وأكثر من ذلك مصادرة الحرية الأكاديمية، وحرية الرأي، وتستخدم الجامعات كمراكز للرعاية الحزبية أو الدعوة الإيديولوجية.
وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 تدهورت كل أوضاع البلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، وقد انعكس ذلك بشكل واضح على الواقع التعليمي في العراق، وازدادت المشكلات في هذا الجانب مع تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد وازدياد حالات تهديد الأساتذة والطلبة واختطافهم وقتلهم، فضلاً عن تعرضهم للاعتقالات سواء من قوات الاحتلال أو القوات العراقية وأثر ذلك كله في الارتفاع الكبير في عدد العقول المهاجرة والإهمال الكبير للتعليم من حيث توفير الأمان والأموال اللازمة لإدامة وتطوير الجامعات والمعاهد العراقية وهذا واضح في المختبرات والمكتبات الخاوية في تلك الجامعات والمعاهد.
أولاً: واقع التعليم العالي في العراق
كثيرة هي التداعيات التي يعاني منها العراق عقب احتلاله منذ خمس سنوات، وكثيرة أيضاً هي مفاصل الحياة التي تأثرت وتراجعت نتيجة هذا الواقع الجديد، وقد نال التعليم العالي ومؤسساته نصيباً وافراً من التأثر حيث عانى ولا يزال في كل أركانه التي يقوم عليها، فالعلماء والأكاديميون وأساتذة الجامعات ذاقوا الأمرّين خلال هذه الحقبة السوداء في حياتهم، فهم ما بين عمليات الاغتيال التي طالت الكثيرين منهم وما بين التهجير القسري سواء بالتهديد المباشر أو نتيجة لتداعيات الوضع الأمني والاجتماعي السيئ.
أما المؤسسات التعليمية فهي تفتقر إلى كل مقومات التعليم وخصوصاً الأقسام العلمية منها، فضلاً عن انعكاسات الواقع المتردي الذي يعيشه العراق في عهد الاحتلال على واقع الجامعات وإداراتها والذي يرسم أسوأ صور التداعيات المتردية التي برزت وطفت على السطح في السنوات الأخيرة.
فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وحقل التعليم مثل غيره من حقول الحياة يتعرض إلى التشويه والتخريب وتحولت فصول الدراسة في بعض المدارس والجامعات إلى أماكن يمارس فيها البعض هواياتهم في تشكيل الذهنية الدينية للتلاميذ والطلاب، وأصبح الحرم الجامعي في كثير من الجامعات مسرحاً للنزاعات والصراعات الحزبية والسياسية على مرأى ومسمع الحكومة العراقية، واتسع نشاط الميليشيات ليدخل في توجيه مسار العملية التعليمية عن طريق سرقة أسئلة الامتحانات العامة واحتلال المراكز الامتحانية، وإجبار الأساتذة على إملاء الإجابات للطلبة بهدف ضمان حصولهم على درجات تضمن لهم القبول في كليات الطب والهندسة والعلوم على حساب أقرانهم من الطوائف الأخرى، وهي جريمة ستؤدي إلى تقويض العملية التعليمية وتضعف ثقة الجامعات العالمية بشهادة الطالب العراقي.
أما المناهج التعليمية فلم تكن بمنأى عن التدخلات الطائفية التي تسعى إلى تشويه كتب التربية الدينية واللغة العربية والتأريخ بقصص وروايات ستسهم في تنشئة الأجيال على أفكار ومفاهيم طائفية تؤدي إلى تقسيم البلد.
ولكي تكتمل عناصر ما يراها البعض مؤامرة تستهدف العملية التعليمية في العراق تصاعدت هيمنة الأحزاب والقوى السياسية على الجامعات، وأصبح الأساتذة والأكاديميون هدفاً مطارداً داخل الحرم الجامعي وخارجه، بل إن بغداد شهدت وفي واضح النهار عملية خطف نحو 150 من موظفي دائرة البعثات التابعة لوزارة التعليم على أيدي عصابات ترتدي زي الأجهزة الأمنية العراقية وتستقل سياراتها ليعثر على بعضهم جثثاً مشوهة بينما لم يزل البعض الآخر إلى اليوم في عداد المفقودين.
وحاولت رابطة الأساتذة الجامعيين رسم مشهد المؤامرة، فأشارت إلى مقتل أكثر من 500 شخصية علمية وتهجير نحو 17 ألف أكاديمي وأستاذ جامعي عراقي منذ الغزو الأمريكي للعراق ضمن مسلسل ملاحقة العقول العلمية الذي يهدف إلى إفراغ العراق من عقوله وذخيرته الثقافية والفكرية أو إجبارها عن طريق التهديد والتخويف على مغادرة البلاد.
لابد من إعادة النظر في الجامعات العراقية وتحويلها إلى مؤسسات للبحث العلمي الجاد
ثانياً: التحديات التي تواجه التعليم العالي
يعد الاحتلال الأمريكي للعراق هو الحدث الأبرز في القرن الحادي والعشرين وما رافق هذا الاحتلال من فراغ أمني وسياسي واقتصادي وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، وتكاد أو أوشكت أن أصيبت مؤسسات الدولة العراقية كلها بالشلل، فضلاً عن ذلك ظهرت أحزاب ومنظمات كثيرة، ورفعت القيود، وأطلقت الحريات من غير ضوابط تحكم سلوكيات العمل المؤسسي أو السياسي أو الحزبي، إلا من ألزمته الأعراف والضوابط الشرعية بما يمتلكه من وعي وإدراك لخطورة المرحلة وتحدياتها وهؤلاء قلة، كل ذلك أدى إلى انتشار مظاهر سلبية كثيرة امتدت لتشمل إحدى ركائز المجتمع المهمة في الأعمار والبناء، تلك الركيزة المتمثلة في الحياة الجامعية التي تعد إحدى المراحل المهمة في حياة المجتمعات ولاسيما الشباب سر النهضة والتقدم. أما أهم التحديات التي تواجه التعليم العالي في العراق، فهي:
- التحدي الأمني، حيث إن من أبرز التحديات التي تواجه التعليم العالي في العراق ومؤسساته كافة الفراغ الأمني الكبير في البلد مما جعل الكفاءات العراقية جميعها لقمة سائغة بيد العديد من الجماعات المسلحة الإرهابية، وكذلك لم يكن الطلبة بمعزل عن هذا الفراغ الأمني، إذ تعرض العديد من الطلبة إلى الخطف والاغتيال، فضلاً عن ذلك فإن أعداداً كبيرة منهم تركت الدراسة بسبب تدهور الأمن أو أدى بالآخرين إلى الانتقال أو ما يسمى (الاستضافة) في جامعات أخرى، حيث كانت مؤسسات التعليم المتمثلة في الجامعات والكليات والمعاهد هدفاً للعديد من التفجيرات، مما أدى إلى أضرار مادية كبيرة فيها، فضلاً عن الأبرياء الذين يقعون ضحايا لهذه التفجيرات. وما تجدر الإشارة إليه أن هذه الاعتداءات ما هي إلا استمرار لما أصاب مؤسسات التعليم العالي من نهب وسلب رافقا الاحتلال الأمريكي للعراق.
- التحدي الاقتصادي، حيث إن ما يتقاضاه الأستاذ الجامعي من أجر أو راتب شهري لا يتناسب والغلاء المعيشي في البلد، فالمستوى الاقتصادي للأستاذ الجامعي في العراق لا يزال متدنياً على الرغم من المطالبة بتطبيق قانون الخدمة الجامعية الذي من شأنه أن يسهم في ارتقاء الأستاذ الجامعي وبالنتيجة توافر مستلزمات العيش الكريم ومتطلباته. فيعيش الأستاذ الجامعي أزمة اقتصادية، وازدادت قوة في الوقت الحاضر إذ انعكست آثارها في نتاجه ومكانته الاجتماعية.
- انتهاك الحريات الأكاديمية، لقد تعددت صور الانتهاكات للحريات الأكاديمية في الجامعات العراقية، منها تعرض العديد من الجامعات والكليات إلى مداهمات من قبل القوات الأمريكية، وأحياناً اتخذت بعض الأبنية التابعة لبعض الجامعات مقرات لها، وتدخل السياسة في ميدان العمل الطلابي مما ولّد الكثير من النزاعات بين الطلبة أنفسهم أو بين الطلبة وأساتذتهم بسبب شيوع التعصب الطائفي والمذهبي، وقد تعرض العديد من الأساتذة إلى الإهانة والاعتداء عليهم بالضرب من قبل بعض الطلبة أو التهديد أحياناً بالقتل، مما أدى إلى هجرة العقول العلمية والكفاءات المتميزة خارج البلاد.
- التحديات العلمية، وتمثلت بسيادة الجانب النظري وإهمال الجانب التطبيقي العملي في تدريب الطلبة وتنمية مهاراتهم المختلفة، فطرائق التدريس تتصف بالعشوائية، وتمحور التعليم حول التلقين والحفظ بعيداً عن التفكير الناقد وتنمية روح الإبداع والكشف والملاحظة والتجربة، فالتعليم اقتصر على التقليد فقط.
منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق تم قتل 500 شخصية علمية وتهجير 17 ألف أكاديمي عراقي
والسؤال المطروح هنا، ما العمل؟ ما هو مستقبل التعليم العالي في العراق؟ وللإجابة عن السؤال، هنالك عدة مقترحات أو توصيات للنهوض بواقع التعليم العالي في العراق ومنها:
1) الاستقلال الذاتي المؤسسي وحرية التعليم بوصفهما شرطين أساسيين لنجاح الحياة الأكاديمية وتطويرها.
2) مراجعة وضع التعليم العالي وإدراك أهمية تطويره لأنه لو تم إدراك ذلك لأمكن معالجة كافة المشكلات وتحقيق تطور علمي وثقافي.
3) منح الحرية للأساتذة والأكاديميين في متابعة المعرفة وتطويرها وتحويلها من خلال البحث والدراسة والمناقشة والتوثيق والإنتاج لما ينفع المجتمع ويطوره.
4) إعادة النظر في الجامعات العراقية وتحويلها إلى مؤسسات للبحث العلمي الجاد واستقلالها عن الدولة وغيرها من قوى المجتمع، وصنع القرارات المتعلقة بسير العمل الداخلي فيها وبميزانيتها وإدارتها ، وإقرار سياساتها للتعليم والبحث العلمي وغيره من الأنشطة ذات الصلة.
5) إعادة النظر في الارتباط بين التعليم العالي والتعليم الثانوي، فأي إصلاح للتعليم العالي لا يمكن أن ينظر إليه بمعزل عن دراسة واقع التعليم المدرسي، فهناك فجوة واضحة بين شقي التعليم، وأي قرار يُتخذ بشأن التعليم المدرسي يؤثر بصورة كبيرة في التعليم العالي.
::/fulltext::
::cck::1401::/cck::
