العراق: جدل الوحدة والقطبية

::cck::1450::/cck::
::introtext::

يبدو أن العراق سوف يظل طويلاً يعيش حالة القطبية أو الثنائية، ليس في تكوينه السياسي أو الإثني فحسب، وإنما في تركيبته الثقافية، بل حتى في نظرته إلى محيطه الإقليمي والدولي. وإذا كان البعض يرى- وبنظرة مبسطة تفتقر إلى المقارنة السوسيولوجية- مع محيط العراق الكوني، أن العراق بلد ذو مجتمع فسيفسائي/ (موزاييكي)، فتلك لعمري ذروة الجهل بمكونات المجتمعات عموماً، والعراقي منها على نحو خاص.

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن العراق سوف يظل طويلاً يعيش حالة القطبية أو الثنائية، ليس في تكوينه السياسي أو الإثني فحسب، وإنما في تركيبته الثقافية، بل حتى في نظرته إلى محيطه الإقليمي والدولي. وإذا كان البعض يرى- وبنظرة مبسطة تفتقر إلى المقارنة السوسيولوجية- مع محيط العراق الكوني، أن العراق بلد ذو مجتمع فسيفسائي/ (موزاييكي)، فتلك لعمري ذروة الجهل بمكونات المجتمعات عموماً، والعراقي منها على نحو خاص.

لو كان المجتمع العراقي (موزاييكي)- كما يزعم هذا البعض-، لما عانى ما عاناه من انقسام وتشظ في الرؤى بعد واقعة الاحتلال، وما كان للآخرين من منفذ يتسربون من خلاله إلى نسيج اللحمة الاجتماعية التي جمعت العراقيين قروناً بل دهوراً منذ أن قدر للتاريخ أن يكتب ويدون في ألواح سومر الخالدة، ومفردات القانون أن تبزغ على مسلة حمورابي وثنايا البردي في شريعة (أورنمو) وأختام (أشنونا) الإسطوانية، مروراً بحضارته العربية الإسلامية التي اتخذت من بغداد منارة لها تشع منها ضياءات وأنوار العلم والمعرفة على أرجاء الكون، في زمن كانت فيه أوروبا تعاني الأمرّين من ظلمات القرون الوسطى التي كانت تحاصر أي فكرة نيرة تظهر هنا أو هناك، ومعاناة (غاليليو) خير دليل على ذلك.

فالمجتمع (الموزاييكي)- رغم تعدديته وكثرة عناصره وأصوله، فإنه نادراً ما ينقسم على النحو الحاد، الذي ظهر به المجتمع العراقي، بعد الواقعة الفاصلة. ذلك أن المجتمع (الموزاييكي) يكتسب قوته من ضعفه! وهذا ليس لغزاً، لأن كثرة المكونات تمنع أحدها من السيطرة والانفراد بالسلطة والسيطرة والثروة والنفوذ، وعندها يصار الاتفاق على صيغة يدار من خلالها هذا التعدد، سواء كان المجتمع متقدماً أو متخلفاً، أو سائراً على طريق النمو الموعود. والأمثلة على ذلك كثيرة. فالولايات المتحدة الأمريكية بلد متقدم تعددي – ربما أكثر من أي بلد آخر، ليس في العالم المعاصر، بل في التاريخ- إذ ينطوي على كل مكونات الكرة الأرضية الإثنية – ودولة مهاجرين من كل أصقاع المعمورة، ومع ذلك فإنها لا تعاني على نحو حاد أو شبه حاد من نزاعات أهلية- مع الإقرار بوجود توترات بسبب اللون والمنشأ وذكرى حرب أهلية في أواسط القرن قبل الماضي. وتنزانيا بلد متخلف وتعددي في آن معاً، إذ تحتضن أكثر من مائة هوية فرعية، ومع ذلك لم تشهد حرباً أهلية منذ استقلالها حتى الآن باستثناء توتر محدود بخصوص جزيرة زنجبار.

كما أن الهند بلد سائر على طريق النمو، فهو بلد وسطي بين التقدم والتخلف، وثاني بلد بعد الصين من حيث عدد السكان الذي تجاوز المليار إنسان يتوزعون على أكثر من أربعمائة مجموعة لغوية، عرقية، دينية، مذهبية، لونية، طبقية، مراتبية، ومع ذلك لم نسمع باندلاع حرب أهلية منذ استقلال الهند عن بريطانيا عام 1947 بزعامة الأب الروحي المهاتما غاندي الزاهد في كل شيء، إلا في حبه للهند التاريخية الكبرى (الهند الطبيعية قبل أن تتقسم إلى أجزاء لتخرج منها باكستان -دولة غير مستقرة- وبنغلاديش دولة فقيرة تعاني الأمرين من تخلفها واكتظاظها).

هناك ثنائية قومية- إسلامية حكمت التوجهات النخبوية العراقية خلال المراحل الماضية منذ ظهور الدولة العراقية المعاصرة

هذه البلدان/ الولايات المتحدة، تنزانيا، الهند/ من قارات ثلاث وبأوضاع ثلاثة على مستوى التقدم، بيد أنها من طينة واحدة في التعدد والتنوع الإثني (العرقي -الثقافي). فهي في المنظور السوسيولوجي/ الإثني بلدان ذات مجتمعات فسيفسائية- موزاييكية، مع ذلك وكما تمت الإشارة لم تعان ولم تعش أجواء حرب أهلية في تاريخها المعاصر.

إذاً التعدد الفسيفسائي لم يكن دافعاً لقيام حرب أهلية أو نزاع أهلي أو توتر يدفع نحو تصدع المجتمع وتشظيه، بل على العكس من ذلك كان هذا التنوع الاجتماعي مدعاة لتوثيق الرغبة في العيش المشترك، بل حتى النزعة نحو التعايش وتعزيز روح المواطنة، والتدرج نحو تحقيق المساواة – أعلى رتبة في مدارج الوطنية والمواطنة- بين أفراد المجتمع مع الإقرار بحالة التنوع العرقي /الطبقي/ الثقافي وما إلى ذلك من درجات التنوع الطبيعي والاجتماعي. إذن (ثانية) العلة لا تكمن في التكوين الموزاييكي أو التعددي، وإنما في الرؤية نحو الآخر (الآخر الوطني) من ناحية، ومدى استجابته للتحريض السلبي الخارجي، بل حتى الداخلي من ناحية ثانية.

ومع ذلك نكرر ونعود لما بدأت به هذه المداخلة المتعجلة، بالقول: إن مشكلة العراق لا تكمن في كونه موزاييكي في تركيبته الاجتماعية، ليس لأنه كذلك، وهو ليس كذلك قطعاً (العراق ليس فسيفسائياً أبداً)، وهذا ليس دفاعاً، كما أن هذا الرأي لا ينطلق من هوى وطني مشروع- فآفة الرأي الهوى- ولكنه حقيقة، حقيقة ساطعة بخلاف ما يظهره الواقع الذي تضخمه منطلقات ذات هوى، وتغذيه فضائيات وظفت لهذا الغرض، وإعلاميون مبرمجون يكررون ما يملى عليهم. فالعراقيون في كثرتهم الكاثرة إما مسلمون أو عرب أو الاثنين معاً. وهذه المسلّمة- وإن كانت المسلّمات نادرة في علم الاجتماع- بقدر ما هي نافعة، فإنها فسرت بطريقة أبعدت هذا النفع. فالمسلمون عرباً وكرداً يشكلون ثنائية قومية- قطبية برغم أن العرب يشكلون الأكثرية، ولا ننسى وجود التركمان الذين يشكلون القومية الثالثة، بيد أنهم مع الكلد والآشوريين، لا يربكون الثنائية العربية- الكردية لأمر يتعلق بالنسبة المئوية، مع الإقرار بضعف التقديرات الصحيحة وغياب الإحصائيات الدقيقة. والأمر الآخر، أن العرب -وحتى الأكراد والتركمان- يتوزعون على المذهبين الإسلاميين الرئيسيين وهذا يعزز أيضاً من الثنائية، فتضيف إلى الثنائية القومية (عربي- كردي) ثنائية مذهبية، مما يجعلها ثنائية مركبة (قومية/ مذهبية) فضلاً عن الثنائيات الأخرى، مثل حضري- بدوي أو حضري- ريفي التي أشار إليها رائد الاجتماع العراقي علي الوردي، وثنائيات التطلع لدى النخب التي كان لها دور ملموس في مسار المجتمع العراقي المعاصر، انطلاقاً من خلفياتها الاجتماعية الطبقية (إقطاعي/ برجوازي صغير/ عمالي، فلاحي، بدوي) ورؤاها السياسية التي تبلورت بحكم هذا التكوين، وأيضاً بحكم المؤثرات المرتبطة بالجوار العربي- الإسلامي، وما وفد من قيم لها علاقة بالمعاصرة والحداثة الأوروبية- والتي ذكرها بإسهاب حنا بطاطو في مدونته الثلاثية عن العراق المعاصر، والتي شكلت ولا تزال اكتشافاً للمنطلق السوسيولوجي العراقي، وتصورات النخبة الأيديولوجية والثقافية والسياسية، والتي أنتجت مع الأيام ثنائية جديدة، هي ثنائية التطلع إلى المحيط الخارجي العراقي. فهناك نخبة ترى في العراق جزءاً من أمته العربية، وأن هذا الجزء مرتبط بوطنه العربي، كما أنه ينبغي أن يرتبط مع كله العربي وهذا منظور القوميين العرب بمختلف ألوانهم ومشاربهم. ونخبة أخرى ترى في العراق جزءاً من عالم إسلامي- وهي نخبة منشطرة ثنائياً أيضاً وفق الإطار المذهبي الذي تنطلق من خلاله- وهي نخبة تتجاوز الإطار القومي- الوطني إلى عالم أوسع، عالم إسلامي، ولكنه في الحقيقة عالمان إذا ما أخذنا في الاعتبار الخلفية المذهبية لأي من النخبتين، فما تراه هذه النخبة أنه مركز العالم الإسلامي تراه الأخرى ليس كذلك، وإنما المركز يكمن في بؤرة أخرى.

ومن خلال ما تقدم، نرى أن هناك ثنائية قومية- إسلامية حكمت التوجهات النخبوية العراقية خلال المراحل الماضية منذ ظهور الدولة العراقية المعاصرة سنة 1921، ولا ننسى أن المنظور القومي أيضاً ينطوي على ثنائية عربية- كردية، كما أن الجماعات القومية والدينية الأخرى لها رؤى متوازية أيضاً. ولذلك نقول إن العراق المعاصر رغم أغلبيته المسلمة- العربية، حكمته رؤى ثنائية مركبة (قومية- دينية/ مذهبية)، وللأسف فإن النظم المتعاقبة منذ الاستقلال لم تفلح في التخفيف من حدة هذه الثنائية المركبة لصالح تعميق اللحمة الوطنية الواحدة/ لحمة المواطنة القائمة على المساواة بين العراقيين من دون استثناء، فالمواطنة هي المساواة، والمساواة هي الوطنية، وتعزيز الارتباط بالأرض العراقية، وتكوين شخصية وطنية عراقية، هوية عراقية، وهي هوية مهما تفردت، فإنها تبقى ضمن محيطها المسلم والعربي. وللأسف فإن هذا التوجه كان بحاجة إلى تغذية من النخب الوطنية فضلاً عن النخب القومية والإسلامية المرتبطة بالوطن والعراق الواحد، لكن هذا الأمر لم يحصل إلا بقدر قليل ونزر. ثم جاءت واقعة الاحتلال لتزيد الأمر تعقيداً، بل إنها جعلت الأمر –أمر الهوية والانتماء- عرضة لكل الأهواء والأفكار من دون ضوابط وقيود إلا ما ندر. إذ شهدت الساحة السياسية والفكرية ظهور وانبثاق أكثر من 400 حزب وحركة سياسية وفكرية، كل يعزف على هوى مناقض لهوى الآخر، فكيف سنخرج بحصيلة من هذا العزف المتعدد الأهواء والمختلف في مشاربه وتطلعاته ما بين إثني، قومي، ديني، مذهبي، ليبرالي مشوه (علماني- أصولي) مدني- أهلي؟ إنه خليط هائل غير متجانس، بل فوضى ويا ليتها (خلاقة) كما قيل عن المرحلة إنها (جزء من فوضى خلاقة ستجتاح الشرق الأوسط الجديد)، لكنها كانت فوضى من دون أي خلق أو إبداع! ومتى كانت الفوضى خلاقة! (الفوضى في منظور الإسلام تعني فتنة).

الولايات المتحدة الأمريكية بلد تعددي ومع ذلك لا يعاني من نزعات أهلية حادة

والحقيقة، أن الحل لا يكمن في فوضى خلاقة أو غير خلاقة، إنما في النظام، الذي تسير عليه الأكوان التي خلقها الله سبحانه وتعالى، وجعل سر ديمومتها في النظام. والمجتمع أي مجتمع مثل الأكوان الطبيعية لا يعمل إلا بنظام، والنظام كلما كان متجانساً- ليس في مكوناته العرقية- الإثنية إنما في برنامجه التعايشي القائم على تنمية الرغبة والمصلحة في العيش أو التعايش المشترك بين جميع المواطنين من دون استثناء فعلي وليس نظرياً أو قانونياً مسطراً على الورق، وفق معيار المواطنة الحقة والمساواة الملموسة على أرض الواقع من لدن المواطنين جميعاً، كان هذا النظام ناجحاً ومقبولاً من الجميع، حيث إن النظام الذي يجد قبولاً أو تقبلاً من لدن الجميع بغض النظر إن كان الحاكمون فيه من هذه القومية أو تلك، من هذا المذهب أو ذاك. ولنا في الدول المتقدمة نماذج كثيرة، فهذه الولايات المتحدة، رغم تنوعها الهائل، لا يحكمها إلا حزب واحد فائز في الانتخابات مجسداً في رئيس واحد، وكذلك بريطانيا، رغم أحزابها العديدة ونظامها الحزبي الثنائي (عمال- محافظون) إلا أنه لا يحكمها إلا حزب واحد ورئيس واحد ووزراء كلهم من حزب واحد.

::/fulltext::

araa46-91jpg-597
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1450::/cck::
::introtext::

يبدو أن العراق سوف يظل طويلاً يعيش حالة القطبية أو الثنائية، ليس في تكوينه السياسي أو الإثني فحسب، وإنما في تركيبته الثقافية، بل حتى في نظرته إلى محيطه الإقليمي والدولي. وإذا كان البعض يرى- وبنظرة مبسطة تفتقر إلى المقارنة السوسيولوجية- مع محيط العراق الكوني، أن العراق بلد ذو مجتمع فسيفسائي/ (موزاييكي)، فتلك لعمري ذروة الجهل بمكونات المجتمعات عموماً، والعراقي منها على نحو خاص.

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن العراق سوف يظل طويلاً يعيش حالة القطبية أو الثنائية، ليس في تكوينه السياسي أو الإثني فحسب، وإنما في تركيبته الثقافية، بل حتى في نظرته إلى محيطه الإقليمي والدولي. وإذا كان البعض يرى- وبنظرة مبسطة تفتقر إلى المقارنة السوسيولوجية- مع محيط العراق الكوني، أن العراق بلد ذو مجتمع فسيفسائي/ (موزاييكي)، فتلك لعمري ذروة الجهل بمكونات المجتمعات عموماً، والعراقي منها على نحو خاص.

لو كان المجتمع العراقي (موزاييكي)- كما يزعم هذا البعض-، لما عانى ما عاناه من انقسام وتشظ في الرؤى بعد واقعة الاحتلال، وما كان للآخرين من منفذ يتسربون من خلاله إلى نسيج اللحمة الاجتماعية التي جمعت العراقيين قروناً بل دهوراً منذ أن قدر للتاريخ أن يكتب ويدون في ألواح سومر الخالدة، ومفردات القانون أن تبزغ على مسلة حمورابي وثنايا البردي في شريعة (أورنمو) وأختام (أشنونا) الإسطوانية، مروراً بحضارته العربية الإسلامية التي اتخذت من بغداد منارة لها تشع منها ضياءات وأنوار العلم والمعرفة على أرجاء الكون، في زمن كانت فيه أوروبا تعاني الأمرّين من ظلمات القرون الوسطى التي كانت تحاصر أي فكرة نيرة تظهر هنا أو هناك، ومعاناة (غاليليو) خير دليل على ذلك.

فالمجتمع (الموزاييكي)- رغم تعدديته وكثرة عناصره وأصوله، فإنه نادراً ما ينقسم على النحو الحاد، الذي ظهر به المجتمع العراقي، بعد الواقعة الفاصلة. ذلك أن المجتمع (الموزاييكي) يكتسب قوته من ضعفه! وهذا ليس لغزاً، لأن كثرة المكونات تمنع أحدها من السيطرة والانفراد بالسلطة والسيطرة والثروة والنفوذ، وعندها يصار الاتفاق على صيغة يدار من خلالها هذا التعدد، سواء كان المجتمع متقدماً أو متخلفاً، أو سائراً على طريق النمو الموعود. والأمثلة على ذلك كثيرة. فالولايات المتحدة الأمريكية بلد متقدم تعددي – ربما أكثر من أي بلد آخر، ليس في العالم المعاصر، بل في التاريخ- إذ ينطوي على كل مكونات الكرة الأرضية الإثنية – ودولة مهاجرين من كل أصقاع المعمورة، ومع ذلك فإنها لا تعاني على نحو حاد أو شبه حاد من نزاعات أهلية- مع الإقرار بوجود توترات بسبب اللون والمنشأ وذكرى حرب أهلية في أواسط القرن قبل الماضي. وتنزانيا بلد متخلف وتعددي في آن معاً، إذ تحتضن أكثر من مائة هوية فرعية، ومع ذلك لم تشهد حرباً أهلية منذ استقلالها حتى الآن باستثناء توتر محدود بخصوص جزيرة زنجبار.

كما أن الهند بلد سائر على طريق النمو، فهو بلد وسطي بين التقدم والتخلف، وثاني بلد بعد الصين من حيث عدد السكان الذي تجاوز المليار إنسان يتوزعون على أكثر من أربعمائة مجموعة لغوية، عرقية، دينية، مذهبية، لونية، طبقية، مراتبية، ومع ذلك لم نسمع باندلاع حرب أهلية منذ استقلال الهند عن بريطانيا عام 1947 بزعامة الأب الروحي المهاتما غاندي الزاهد في كل شيء، إلا في حبه للهند التاريخية الكبرى (الهند الطبيعية قبل أن تتقسم إلى أجزاء لتخرج منها باكستان -دولة غير مستقرة- وبنغلاديش دولة فقيرة تعاني الأمرين من تخلفها واكتظاظها).

هناك ثنائية قومية- إسلامية حكمت التوجهات النخبوية العراقية خلال المراحل الماضية منذ ظهور الدولة العراقية المعاصرة

هذه البلدان/ الولايات المتحدة، تنزانيا، الهند/ من قارات ثلاث وبأوضاع ثلاثة على مستوى التقدم، بيد أنها من طينة واحدة في التعدد والتنوع الإثني (العرقي -الثقافي). فهي في المنظور السوسيولوجي/ الإثني بلدان ذات مجتمعات فسيفسائية- موزاييكية، مع ذلك وكما تمت الإشارة لم تعان ولم تعش أجواء حرب أهلية في تاريخها المعاصر.

إذاً التعدد الفسيفسائي لم يكن دافعاً لقيام حرب أهلية أو نزاع أهلي أو توتر يدفع نحو تصدع المجتمع وتشظيه، بل على العكس من ذلك كان هذا التنوع الاجتماعي مدعاة لتوثيق الرغبة في العيش المشترك، بل حتى النزعة نحو التعايش وتعزيز روح المواطنة، والتدرج نحو تحقيق المساواة – أعلى رتبة في مدارج الوطنية والمواطنة- بين أفراد المجتمع مع الإقرار بحالة التنوع العرقي /الطبقي/ الثقافي وما إلى ذلك من درجات التنوع الطبيعي والاجتماعي. إذن (ثانية) العلة لا تكمن في التكوين الموزاييكي أو التعددي، وإنما في الرؤية نحو الآخر (الآخر الوطني) من ناحية، ومدى استجابته للتحريض السلبي الخارجي، بل حتى الداخلي من ناحية ثانية.

ومع ذلك نكرر ونعود لما بدأت به هذه المداخلة المتعجلة، بالقول: إن مشكلة العراق لا تكمن في كونه موزاييكي في تركيبته الاجتماعية، ليس لأنه كذلك، وهو ليس كذلك قطعاً (العراق ليس فسيفسائياً أبداً)، وهذا ليس دفاعاً، كما أن هذا الرأي لا ينطلق من هوى وطني مشروع- فآفة الرأي الهوى- ولكنه حقيقة، حقيقة ساطعة بخلاف ما يظهره الواقع الذي تضخمه منطلقات ذات هوى، وتغذيه فضائيات وظفت لهذا الغرض، وإعلاميون مبرمجون يكررون ما يملى عليهم. فالعراقيون في كثرتهم الكاثرة إما مسلمون أو عرب أو الاثنين معاً. وهذه المسلّمة- وإن كانت المسلّمات نادرة في علم الاجتماع- بقدر ما هي نافعة، فإنها فسرت بطريقة أبعدت هذا النفع. فالمسلمون عرباً وكرداً يشكلون ثنائية قومية- قطبية برغم أن العرب يشكلون الأكثرية، ولا ننسى وجود التركمان الذين يشكلون القومية الثالثة، بيد أنهم مع الكلد والآشوريين، لا يربكون الثنائية العربية- الكردية لأمر يتعلق بالنسبة المئوية، مع الإقرار بضعف التقديرات الصحيحة وغياب الإحصائيات الدقيقة. والأمر الآخر، أن العرب -وحتى الأكراد والتركمان- يتوزعون على المذهبين الإسلاميين الرئيسيين وهذا يعزز أيضاً من الثنائية، فتضيف إلى الثنائية القومية (عربي- كردي) ثنائية مذهبية، مما يجعلها ثنائية مركبة (قومية/ مذهبية) فضلاً عن الثنائيات الأخرى، مثل حضري- بدوي أو حضري- ريفي التي أشار إليها رائد الاجتماع العراقي علي الوردي، وثنائيات التطلع لدى النخب التي كان لها دور ملموس في مسار المجتمع العراقي المعاصر، انطلاقاً من خلفياتها الاجتماعية الطبقية (إقطاعي/ برجوازي صغير/ عمالي، فلاحي، بدوي) ورؤاها السياسية التي تبلورت بحكم هذا التكوين، وأيضاً بحكم المؤثرات المرتبطة بالجوار العربي- الإسلامي، وما وفد من قيم لها علاقة بالمعاصرة والحداثة الأوروبية- والتي ذكرها بإسهاب حنا بطاطو في مدونته الثلاثية عن العراق المعاصر، والتي شكلت ولا تزال اكتشافاً للمنطلق السوسيولوجي العراقي، وتصورات النخبة الأيديولوجية والثقافية والسياسية، والتي أنتجت مع الأيام ثنائية جديدة، هي ثنائية التطلع إلى المحيط الخارجي العراقي. فهناك نخبة ترى في العراق جزءاً من أمته العربية، وأن هذا الجزء مرتبط بوطنه العربي، كما أنه ينبغي أن يرتبط مع كله العربي وهذا منظور القوميين العرب بمختلف ألوانهم ومشاربهم. ونخبة أخرى ترى في العراق جزءاً من عالم إسلامي- وهي نخبة منشطرة ثنائياً أيضاً وفق الإطار المذهبي الذي تنطلق من خلاله- وهي نخبة تتجاوز الإطار القومي- الوطني إلى عالم أوسع، عالم إسلامي، ولكنه في الحقيقة عالمان إذا ما أخذنا في الاعتبار الخلفية المذهبية لأي من النخبتين، فما تراه هذه النخبة أنه مركز العالم الإسلامي تراه الأخرى ليس كذلك، وإنما المركز يكمن في بؤرة أخرى.

ومن خلال ما تقدم، نرى أن هناك ثنائية قومية- إسلامية حكمت التوجهات النخبوية العراقية خلال المراحل الماضية منذ ظهور الدولة العراقية المعاصرة سنة 1921، ولا ننسى أن المنظور القومي أيضاً ينطوي على ثنائية عربية- كردية، كما أن الجماعات القومية والدينية الأخرى لها رؤى متوازية أيضاً. ولذلك نقول إن العراق المعاصر رغم أغلبيته المسلمة- العربية، حكمته رؤى ثنائية مركبة (قومية- دينية/ مذهبية)، وللأسف فإن النظم المتعاقبة منذ الاستقلال لم تفلح في التخفيف من حدة هذه الثنائية المركبة لصالح تعميق اللحمة الوطنية الواحدة/ لحمة المواطنة القائمة على المساواة بين العراقيين من دون استثناء، فالمواطنة هي المساواة، والمساواة هي الوطنية، وتعزيز الارتباط بالأرض العراقية، وتكوين شخصية وطنية عراقية، هوية عراقية، وهي هوية مهما تفردت، فإنها تبقى ضمن محيطها المسلم والعربي. وللأسف فإن هذا التوجه كان بحاجة إلى تغذية من النخب الوطنية فضلاً عن النخب القومية والإسلامية المرتبطة بالوطن والعراق الواحد، لكن هذا الأمر لم يحصل إلا بقدر قليل ونزر. ثم جاءت واقعة الاحتلال لتزيد الأمر تعقيداً، بل إنها جعلت الأمر –أمر الهوية والانتماء- عرضة لكل الأهواء والأفكار من دون ضوابط وقيود إلا ما ندر. إذ شهدت الساحة السياسية والفكرية ظهور وانبثاق أكثر من 400 حزب وحركة سياسية وفكرية، كل يعزف على هوى مناقض لهوى الآخر، فكيف سنخرج بحصيلة من هذا العزف المتعدد الأهواء والمختلف في مشاربه وتطلعاته ما بين إثني، قومي، ديني، مذهبي، ليبرالي مشوه (علماني- أصولي) مدني- أهلي؟ إنه خليط هائل غير متجانس، بل فوضى ويا ليتها (خلاقة) كما قيل عن المرحلة إنها (جزء من فوضى خلاقة ستجتاح الشرق الأوسط الجديد)، لكنها كانت فوضى من دون أي خلق أو إبداع! ومتى كانت الفوضى خلاقة! (الفوضى في منظور الإسلام تعني فتنة).

الولايات المتحدة الأمريكية بلد تعددي ومع ذلك لا يعاني من نزعات أهلية حادة

والحقيقة، أن الحل لا يكمن في فوضى خلاقة أو غير خلاقة، إنما في النظام، الذي تسير عليه الأكوان التي خلقها الله سبحانه وتعالى، وجعل سر ديمومتها في النظام. والمجتمع أي مجتمع مثل الأكوان الطبيعية لا يعمل إلا بنظام، والنظام كلما كان متجانساً- ليس في مكوناته العرقية- الإثنية إنما في برنامجه التعايشي القائم على تنمية الرغبة والمصلحة في العيش أو التعايش المشترك بين جميع المواطنين من دون استثناء فعلي وليس نظرياً أو قانونياً مسطراً على الورق، وفق معيار المواطنة الحقة والمساواة الملموسة على أرض الواقع من لدن المواطنين جميعاً، كان هذا النظام ناجحاً ومقبولاً من الجميع، حيث إن النظام الذي يجد قبولاً أو تقبلاً من لدن الجميع بغض النظر إن كان الحاكمون فيه من هذه القومية أو تلك، من هذا المذهب أو ذاك. ولنا في الدول المتقدمة نماذج كثيرة، فهذه الولايات المتحدة، رغم تنوعها الهائل، لا يحكمها إلا حزب واحد فائز في الانتخابات مجسداً في رئيس واحد، وكذلك بريطانيا، رغم أحزابها العديدة ونظامها الحزبي الثنائي (عمال- محافظون) إلا أنه لا يحكمها إلا حزب واحد ورئيس واحد ووزراء كلهم من حزب واحد.

::/fulltext::
::cck::1450::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *