دول المجلس وإفريقيا والأمن الغذائي

::cck::1497::/cck::
::introtext::

أدى تضخم أسعار المواد الغذائية الناجم جزئياً عن نقص كميات الغذاء وارتفاع تكلفة النقل والمواصلات إلى ظهور مشكلة الغذاء في كثير من أنحاء العالم والتي كانت مصحوبة في بعض الأحيان باضطرابات اجتماعية وتوتُّر سياسي.

::/introtext::
::fulltext::

أدى تضخم أسعار المواد الغذائية الناجم جزئياً عن نقص كميات الغذاء وارتفاع تكلفة النقل والمواصلات إلى ظهور مشكلة الغذاء في كثير من أنحاء العالم والتي كانت مصحوبة في بعض الأحيان باضطرابات اجتماعية وتوتُّر سياسي.

تقف دول مجلس التعاون الخليجي اليوم في موضع ليس ببعيد عن مخاطر وتبعات هذه القضية الشائكة، الأمر الذي يحتم عليها أن تضعها على رأس أولوياتها لكي لا تقع تحت تأثير تبعاتها واضطراباتها. واستناداً إلى تقرير مركز الخليج للأبحاث حول تضخُّم أسعار المواد الغذائية، فإن المملكة العربية السعودية تأتي على رأس قائمة دول المجلس من حيث استيراد المواد الغذائية تليها دولة الإمارات العربية المتحدة ثم الكويت. وبلغت قيمة واردات دول المجلس من المواد الغذائية حوالي 10 مليارات دولار، كان نصيب الإمارات منها 3 مليارات دولار.

وتحظى القارة السمراء بأهمية استراتيجية كبيرة في ما يتعلق بمسألة الأمن الغذائي، فهي في نظر الكثيرين تمثل الخيار الأمثل للخروج من المعضلة الحالية على المديين المتوسط والبعيد، لذا كانت محل اهتمام العديد من الدول وفي مقدمتها الصين، الأمر الذي تمخَّض عنه تبلور آليات جديدة واحتدام المنافسة على الأراضي والمشروعات الزراعية في قارة إفريقيا. وبالتالي فإن دول المجلس مطالبة بالتفكير جدياً في إقامة شراكة استراتيجية مع قارة إفريقيا كي تتمكن من مواكبة التحديات المستقبلية في هذا المضمار وخاصة في ضوء التنبؤات باستمرار أزمة الغذاء لفترة طويلة.

لقد دأبت الصين على تنويع وارداتها الغذائية بسبب ندرة أراضيها الزراعية، وتعرُّض مزيد من مياهها للتلوث، وزيادة عدد سكانها بشكل كبير، وتولت زمام المبادرة في دفع الجهود الرامية إلى تعزيز الإنتاج الزراعي في إفريقيا، حيث تم الاتفاق في إطار القمة الصينية – الإفريقية التي عقدت في شهر نوفمبر 2006 على قيام بكين بإنشاء عشرة مراكز زراعية في إفريقيا ضمن الكثير من المشروعات الأخرى.

وبدأت بعض دول المجلس بالاستجابة للأزمة بعد أن شعر سكانها بوطأة غلاء الأسعار، ولا سيما أن هذه الدول مهددة بنقص كميات الغذاء بسبب ندرة المياه وتدهور القطاع الزراعي فيها، المحدود أصلاً حجماً وقدرة. ويتفاقم هذا الوضع في ظل التغيرات السكانية التي شهدتها دول المجلس في الآونة الأخيرة، ولذلك فقد دعت الجهات المعنية إلى ضرورة تأمين ودعم احتياطي المواد الغذائية عن طريق تنويع مصادر الواردات الغذائية والاستثمارات الزراعية.

ويتعين على دول المجلس خوض غمار المنافسة من أجل تعزيز مكانتها ونفوذها داخل الدول المصدِّرة للمواد الغذائية قبل فوات الأوان، فقريباً سيصبح الحصول على أراضٍ زراعية في إفريقيا وغيرها أمراً بعيد المنال، وهنا يتوجب على دول المجلس بحث أفضل السبل لاختراق القارة السوداء وإقامة شراكة قوية طويلة الأمد مع الدول الإفريقية.

ولا بد أن تراعي هذه الاستثمارات المصلحة المشتركة لكل من دول المجلس وشركائها من البلاد الإفريقية، وتضع المتطلبات الملحة لاقتصاداتها سريعة النمو في الحسبان؛ حتى لا تأتي هذه المشروعات والأنشطة المصاحبة لها بانعكاسات سلبية على البلاد الإفريقية، فقد يؤدي تغليب المصلحة الخاصة وإهمال حاجات السكان المحليين ومتطلباتهم إلى الإضرار بمصلحة البلاد التي تقام الاستثمارات الأجنبية على أراضيها، وتكون المحصلة النهائية ظهور حالة من السخط واختلال الأمن والاستقرار الداخلي في هذه البلاد، الأمر الذي لا يخدم الأجواء الاستثمارية ولا يعود بالنفع على المستثمرين الأجانب.

وقد شكَّلت تجارة النفط في بعض الأحيان، على سبيل المثال، نقمة على العديد من الدول الإفريقية جراء عدم استفادة غالبية السكان من خيرات المشروعات النفطية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أسهمت عمليات استخراج النفط في إضعاف قدرة المجتمعات على مزاولة الأنشطة الاقتصادية والتجارية التقليدية في تلك البلاد. ففي نيجيريا مثلاً، تأثرت دلتا النيجر التي تضم أكبر غابات (المنغروف) على مستوى إفريقيا بالتلوث الناجم عن الأنشطة النفطية هناك، وقلصت من أهميتها كمحمية طبيعية مهمة، وتعرضت الأنشطة الزراعية وصيد الأسماك للاندثار في كثير من الأماكن هناك.

ولتجنُّب تكرار مثل هذه النتائج السلبية، فإن دول المجلس مطالبة بإقامة شراكة استراتيجية قوية تعود بالنفع على الطرفين، وتخدم مصالح الدول الإفريقية ودول المجلس في الوقت نفسه. وهذا يستلزم فتح قنوات فعّالة تسهم في إمداد دول المجلس بالمواد الغذائية مع السعي إلى تحسين البنية التحتية للدول الإفريقية والعمل على زيادة إنتاجها من المواد الغذائية لتلبية الطلب على الصعيدين المحلي والخارجي.

ولا ريب في أن الاستثمار في التنمية الزراعية في إفريقيا سيسهم في تقوية أواصر هذه الشراكة ودفع عجلة التنمية في مناطق أخرى ولا سيما إذا ركزت هذه الاستثمارات على صغار الفلاحين، إذ يعتمد حوالي 65  في المائة من سكان جنوب الصحراء الإفريقية على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، إلا أنهم يواجهون الكثير من المعوقات مثل تدهور البنية التحتية وشبكات الطرق وأنظمة الري والأساليب الزراعية بصورة عامة. وبالتالي فإن توجيه الاستثمار إلى تطوير البنية التحتية والتقنية الحديثة سيلعب دوراً مهماً في تلبية الطلب على الغذاء في إفريقيا.

ويبدو هذا الأمر مُلِحاً في ضوء زيادة عدد سكان إفريقيا وسط تنبؤات بتضاعف عددهم بحلول عام 2040 ليصل إلى 1.4 مليار نسمة تقريباً. ومن هذا المنطلق، يجب السعي إلى تعزيز الإنتاج الغذائي لتلبية الطلب المحلي وتفادي الاضطرابات السياسية التي تهدِّد الاستثمارات الأجنبية والإنتاج في المستقبل. ولتحقيق هذا الغرض، يتعين على دول المجلس ترسيخ التعاون والتنسيق مع الدول الإفريقية لضمان تلبية المتطلبات المحلية وإدراجها على قائمة أولويات المستثمرين الأجانب. ولا شك في أن التركيز على تحقيق أرباح قصيرة الأجل من دون تبني سياسة بعيدة المدى ينطوي على مخاطر جمّة.

وفي الوقت الذي تحولت فيه إفريقيا إلى ساحة للتنافس على الموارد الطبيعية، ينبغي على دول مجلس التعاون التي أصبحت جزءاً من اللعبة أن تنظر إلى هذه القارة على أنها شريك استراتيجي، وليست مجرد حل سريع للأزمة الحالية، ومن ثم يمكن تحقيق المصلحة المشتركة لكافة الأطراف المعنية.

 

::/fulltext::

47-103-f09
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1497::/cck::
::introtext::

أدى تضخم أسعار المواد الغذائية الناجم جزئياً عن نقص كميات الغذاء وارتفاع تكلفة النقل والمواصلات إلى ظهور مشكلة الغذاء في كثير من أنحاء العالم والتي كانت مصحوبة في بعض الأحيان باضطرابات اجتماعية وتوتُّر سياسي.

::/introtext::
::fulltext::

أدى تضخم أسعار المواد الغذائية الناجم جزئياً عن نقص كميات الغذاء وارتفاع تكلفة النقل والمواصلات إلى ظهور مشكلة الغذاء في كثير من أنحاء العالم والتي كانت مصحوبة في بعض الأحيان باضطرابات اجتماعية وتوتُّر سياسي.

تقف دول مجلس التعاون الخليجي اليوم في موضع ليس ببعيد عن مخاطر وتبعات هذه القضية الشائكة، الأمر الذي يحتم عليها أن تضعها على رأس أولوياتها لكي لا تقع تحت تأثير تبعاتها واضطراباتها. واستناداً إلى تقرير مركز الخليج للأبحاث حول تضخُّم أسعار المواد الغذائية، فإن المملكة العربية السعودية تأتي على رأس قائمة دول المجلس من حيث استيراد المواد الغذائية تليها دولة الإمارات العربية المتحدة ثم الكويت. وبلغت قيمة واردات دول المجلس من المواد الغذائية حوالي 10 مليارات دولار، كان نصيب الإمارات منها 3 مليارات دولار.

وتحظى القارة السمراء بأهمية استراتيجية كبيرة في ما يتعلق بمسألة الأمن الغذائي، فهي في نظر الكثيرين تمثل الخيار الأمثل للخروج من المعضلة الحالية على المديين المتوسط والبعيد، لذا كانت محل اهتمام العديد من الدول وفي مقدمتها الصين، الأمر الذي تمخَّض عنه تبلور آليات جديدة واحتدام المنافسة على الأراضي والمشروعات الزراعية في قارة إفريقيا. وبالتالي فإن دول المجلس مطالبة بالتفكير جدياً في إقامة شراكة استراتيجية مع قارة إفريقيا كي تتمكن من مواكبة التحديات المستقبلية في هذا المضمار وخاصة في ضوء التنبؤات باستمرار أزمة الغذاء لفترة طويلة.

لقد دأبت الصين على تنويع وارداتها الغذائية بسبب ندرة أراضيها الزراعية، وتعرُّض مزيد من مياهها للتلوث، وزيادة عدد سكانها بشكل كبير، وتولت زمام المبادرة في دفع الجهود الرامية إلى تعزيز الإنتاج الزراعي في إفريقيا، حيث تم الاتفاق في إطار القمة الصينية – الإفريقية التي عقدت في شهر نوفمبر 2006 على قيام بكين بإنشاء عشرة مراكز زراعية في إفريقيا ضمن الكثير من المشروعات الأخرى.

وبدأت بعض دول المجلس بالاستجابة للأزمة بعد أن شعر سكانها بوطأة غلاء الأسعار، ولا سيما أن هذه الدول مهددة بنقص كميات الغذاء بسبب ندرة المياه وتدهور القطاع الزراعي فيها، المحدود أصلاً حجماً وقدرة. ويتفاقم هذا الوضع في ظل التغيرات السكانية التي شهدتها دول المجلس في الآونة الأخيرة، ولذلك فقد دعت الجهات المعنية إلى ضرورة تأمين ودعم احتياطي المواد الغذائية عن طريق تنويع مصادر الواردات الغذائية والاستثمارات الزراعية.

ويتعين على دول المجلس خوض غمار المنافسة من أجل تعزيز مكانتها ونفوذها داخل الدول المصدِّرة للمواد الغذائية قبل فوات الأوان، فقريباً سيصبح الحصول على أراضٍ زراعية في إفريقيا وغيرها أمراً بعيد المنال، وهنا يتوجب على دول المجلس بحث أفضل السبل لاختراق القارة السوداء وإقامة شراكة قوية طويلة الأمد مع الدول الإفريقية.

ولا بد أن تراعي هذه الاستثمارات المصلحة المشتركة لكل من دول المجلس وشركائها من البلاد الإفريقية، وتضع المتطلبات الملحة لاقتصاداتها سريعة النمو في الحسبان؛ حتى لا تأتي هذه المشروعات والأنشطة المصاحبة لها بانعكاسات سلبية على البلاد الإفريقية، فقد يؤدي تغليب المصلحة الخاصة وإهمال حاجات السكان المحليين ومتطلباتهم إلى الإضرار بمصلحة البلاد التي تقام الاستثمارات الأجنبية على أراضيها، وتكون المحصلة النهائية ظهور حالة من السخط واختلال الأمن والاستقرار الداخلي في هذه البلاد، الأمر الذي لا يخدم الأجواء الاستثمارية ولا يعود بالنفع على المستثمرين الأجانب.

وقد شكَّلت تجارة النفط في بعض الأحيان، على سبيل المثال، نقمة على العديد من الدول الإفريقية جراء عدم استفادة غالبية السكان من خيرات المشروعات النفطية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أسهمت عمليات استخراج النفط في إضعاف قدرة المجتمعات على مزاولة الأنشطة الاقتصادية والتجارية التقليدية في تلك البلاد. ففي نيجيريا مثلاً، تأثرت دلتا النيجر التي تضم أكبر غابات (المنغروف) على مستوى إفريقيا بالتلوث الناجم عن الأنشطة النفطية هناك، وقلصت من أهميتها كمحمية طبيعية مهمة، وتعرضت الأنشطة الزراعية وصيد الأسماك للاندثار في كثير من الأماكن هناك.

ولتجنُّب تكرار مثل هذه النتائج السلبية، فإن دول المجلس مطالبة بإقامة شراكة استراتيجية قوية تعود بالنفع على الطرفين، وتخدم مصالح الدول الإفريقية ودول المجلس في الوقت نفسه. وهذا يستلزم فتح قنوات فعّالة تسهم في إمداد دول المجلس بالمواد الغذائية مع السعي إلى تحسين البنية التحتية للدول الإفريقية والعمل على زيادة إنتاجها من المواد الغذائية لتلبية الطلب على الصعيدين المحلي والخارجي.

ولا ريب في أن الاستثمار في التنمية الزراعية في إفريقيا سيسهم في تقوية أواصر هذه الشراكة ودفع عجلة التنمية في مناطق أخرى ولا سيما إذا ركزت هذه الاستثمارات على صغار الفلاحين، إذ يعتمد حوالي 65  في المائة من سكان جنوب الصحراء الإفريقية على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، إلا أنهم يواجهون الكثير من المعوقات مثل تدهور البنية التحتية وشبكات الطرق وأنظمة الري والأساليب الزراعية بصورة عامة. وبالتالي فإن توجيه الاستثمار إلى تطوير البنية التحتية والتقنية الحديثة سيلعب دوراً مهماً في تلبية الطلب على الغذاء في إفريقيا.

ويبدو هذا الأمر مُلِحاً في ضوء زيادة عدد سكان إفريقيا وسط تنبؤات بتضاعف عددهم بحلول عام 2040 ليصل إلى 1.4 مليار نسمة تقريباً. ومن هذا المنطلق، يجب السعي إلى تعزيز الإنتاج الغذائي لتلبية الطلب المحلي وتفادي الاضطرابات السياسية التي تهدِّد الاستثمارات الأجنبية والإنتاج في المستقبل. ولتحقيق هذا الغرض، يتعين على دول المجلس ترسيخ التعاون والتنسيق مع الدول الإفريقية لضمان تلبية المتطلبات المحلية وإدراجها على قائمة أولويات المستثمرين الأجانب. ولا شك في أن التركيز على تحقيق أرباح قصيرة الأجل من دون تبني سياسة بعيدة المدى ينطوي على مخاطر جمّة.

وفي الوقت الذي تحولت فيه إفريقيا إلى ساحة للتنافس على الموارد الطبيعية، ينبغي على دول مجلس التعاون التي أصبحت جزءاً من اللعبة أن تنظر إلى هذه القارة على أنها شريك استراتيجي، وليست مجرد حل سريع للأزمة الحالية، ومن ثم يمكن تحقيق المصلحة المشتركة لكافة الأطراف المعنية.

 

::/fulltext::
::cck::1497::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *