مضيق هرمز بين الأهمية الاقتصادية والضغوط العسكرية
::cck::1499::/cck::
::introtext::
ارتبطت أهمية مضيق هرمز الاقتصادية، منذ بضع سنوات، بالأزمة المتعلقة بالبرنامج النوويالإيراني، التي تصاعدت تدريجياً لتحتل خلافاً حاداً بين جمهورية إيران الإسلامية من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين من جهة أخرى.
مع وجود قناعة لدى الإدارة الأمريكية والدول الغربية وسائر القوى الكبيرة في ما يطلقون عليه (المجتمع الدولي) بكون إيران لا تزال تسعى إلى دخول نادي الدول النووية للاستفادة من الاستخدامات المدنية والعسكرية للطاقة النووية، إلا أن ردود الفعل الرسمية حيال المسعى الإيراني، والتي عكستها تصريحات أمريكية وإيرانية تدفع باتجاه تصعيد الأزمة باتجاه التصادم العسكري بين الطرفين حيناً أو بتهدئة التوتر وإشاعة الأمل بالسعي نحو الحلول السلمية حيناً آخر.
::/introtext::
::fulltext::
ارتبطت أهمية مضيق هرمز الاقتصادية، منذ بضع سنوات، بالأزمة المتعلقة بالبرنامج النوويالإيراني، التي تصاعدت تدريجياً لتحتل خلافاً حاداً بين جمهورية إيران الإسلامية من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين من جهة أخرى.
مع وجود قناعة لدى الإدارة الأمريكية والدول الغربية وسائر القوى الكبيرة في ما يطلقون عليه (المجتمع الدولي) بكون إيران لا تزال تسعى إلى دخول نادي الدول النووية للاستفادة من الاستخدامات المدنية والعسكرية للطاقة النووية، إلا أن ردود الفعل الرسمية حيال المسعى الإيراني، والتي عكستها تصريحات أمريكية وإيرانية تدفع باتجاه تصعيد الأزمة باتجاه التصادم العسكري بين الطرفين حيناً أو بتهدئة التوتر وإشاعة الأمل بالسعي نحو الحلول السلمية حيناً آخر.
وما زاد من أهمية الموضوع، اهتمام العديد من العلماء والمختصين وقادة الفكر ورجال الصحافة وصناع القرار في مختلف دول العالم بمحاولة سبر أغوار جانب من التداعيات المستقبلية لأزمة البرنامج النووي الإيراني وما يثيره من ردود فعل متباينة والتي تتمحور باتجاهين:
الأول: متفائل، ويرى أن لهذه الأزمة أبعاداً سياسية متداخلة لا تتعدى محاولات شد الأطراف لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا جراء استمرار ظاهرة التوتر في العلاقات الإيرانية-الأمريكية.
والثاني: متشائم، ويعتمد جملة من الأدلة والقرائن والتصريحات التي تهيئ المجال نحو تحقيق تصادم عسكري أمريكي _ إيراني، وستكون منطقة الخليج العربي أحد مسارح عملياته العسكرية، وبما يدفع نحو إغلاق مضيق هرمز وقطع جانب من الإمدادات النفطية عن الأسواق العالمية.
مضيق هرمز
يقع مضيق هرمز بين أراضي دولتين هما إيران وسلطنة عمان، وفي الوقت ذاته يضم جزأين من مياه البحار العالية، وهي مياه البحار العالية لخليج عمان بمياه البحار العالية للخليج العربي، وتنطبق عليه من الناحية القانونية حالة المضيق الذي يقع بين أراضي دولتين فيكون والحالة هذه خاضعاً لسيادة واختصاص الدول الساحلية على مقدار بحارها الإقليمية أو إلى الخط الوسط لمجرى المياه حسب اتساع المضيق، وبما أن اتساع المضيق حوالي (23) ميلاً فإنه يقع ضمن المياه الإقليمية العمانية والإيرانية، ولكونه يربط بين جزأين من البحار العالية فإنه يخضع لمرور الملاحة الدولية من دون الحاجة لاستحصال إجازة مرور مسبقة من الدولتين الساحليتين. فيما يعتبر الخط الوسط هو الحد الفاصل بين المياه الإقليمية للدولتين في حالة وجود أو عدم وجود معاهدة بينهما. وإذا كانت المياه الإقليمية متداخلة بسبب ضيق المضيق بالنسبة إلى مياهها الإقليمية، فإن خط الحدود بينهما إما يثبت في وسط المضيق أو المركز البحري الوسطي، ما لم ينظم ذلك بمقتضى اتفاقيات خاصة بين الدولتين.
حجم إنتاج دول الخليج من النفط الخام لعام 2001 كان يمثل 26 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي
الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز
تأتي أهمية مضيق هرمز الاقتصادية كونه يمثل الممر البحري لتجارة خمس دول عربية هي: العراق والكويت والبحرين وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى إيران والمملكة العربية السعودية، وبذلك يصبح المضيق ممراً لتجارة سبع دول، آخذين في الاعتبار امتلاك الدولتين الأخيرتين سواحل بحرية أخرى، على خليج عمان وبحر العرب بالنسبة لإيران وعلى البحر الأحمر بخصوص المملكة العربية السعودية. وتشترك الدول التسع المتشاطئة على الخليج العربي بكونها من أهم الدول المنتجة والمصدّرة للنفط في العالم. وبلغت ذروة أهمية هذه المنطقة لكونها تمتلك احتياطيات نفطية هائلة تجاوزت (730) مليار برميل، ولذلك تصاعدت أهمية مضيق هرمز الذي يعد المنفذ الذي تخرج منه صادرات النفط إلى الدول المستهلكة في مختلف دول العالم وخاصة الدول الصناعية المتقدمة، والتي تبلغ أكثر من (17) مليون برميل يومياً، فضلاً عن عشرات السفن التي تعبر المضيق وتنقل البضائع من وإلى الدول المطلة على الخليج العربي. وبالتالي أضحى مضيق هرمز من أهم المضائق الملاحية في العالم، حيث تعبره أكثر من (80) سفينة يومياً وبمعدل ناقلة نفط أو سفينة تجارية في كل (6) ست دقائق، حيث يسمح عمق المياه بالمرور للناقلات النفطية العملاقة. وتوجد في المضيق قناتان ملاحيتان، تقع القناة العميقة بالقرب من السواحل العمانية، بينما توجد القناة الأقل عمقاً بالقرب من السواحل الإيرانية.
المتتبع لتصريحات الساسة الإيرانيين يلمس وجود نوايا إيرانية للسيطرة العسكرية على مضيق هرمز
الضغوط العسكرية الإيرانية
تناقلت وسائل الإعلام العالمية عن وضع إيران لخطة تستهدف الاستيلاء على مضيق هرمز وإغلاقه في أقصر وقت ممكن إذا ما نشبت حرب بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، معتمدة في ذلك على أن الحرس الثوري الإيراني يمتلك (700) موقع ميناء ومرسى وجزيرة ونقاط مختلفة، وذلك على طول الضفة الشرقية للخليج العربي يستخدمها عادةً للتهريب، وفي أوقات الضرورة قد يستخدمها للأغراض العسكرية في اعتراض السفن الحربية والتجارية وناقلات النفط ومنعها من المرور عبر مضيق هرمز، وهو أمر بديهي إذا ما نشبت الحرب وذلك لما يملكه من زوارق صواريخ وزوارق يقودها انتحاريون، أو عبر زرع الألغام البحرية على جنبات المضيق. والمتتبع لتصريحات الساسة الإيرانيين، يلمس وجود نوايا إيرانية للسيطرة العسكرية على مضيق هرمز، عكستها تصريحات العديد من المسؤولين، ومنها على سبيل المثال تهديد المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، بأن إيران ستغلق منافذ تصدير النفط المصدّر من الخليج إلى الأسواق العالمية في حال تعرض بلاده إلى ما سماها خطوة خاطئة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. وقد اتخذت هذه الأزمة اتجاهاً آخر عقب صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1696 في 31/7/2006 والذي طالب إيران بتعليق أنشطتها النووية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وإعادة التجهيز، على أن يخضع ذلك للتحقيق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لاسيما أن هذا القرار صدر استناداً للمادة (40) من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لجعل هذا القرار ملزماً لإيران، مما يعني التلويح باستخدام القوة العسكرية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيين ضد إيران، خاصة وأن الحكومة الإيرانية رفضت تطبيق هذا القرار. وفي الاتجاه ذاته كرر المرشد الأعلى علي خامنئي في 28/2/2007 تهديده للولايات المتحدة الأمريكية باستهداف مصالحها في كل مكان في العالم في حال اعتدائها على إيران. ولإدامة زخم التهديدات العسكرية الإيرانية أعلن الجنرال حبيب سياري قائد سلاح البحرية الإيراني لوكالة (مهر) الإيرانية في 25 نوفمبر 2007 بعزم إيران تنظيم مناورات عسكرية واسعة في الخليج وبحر عُمان في شهر فبراير الماضي لاختبار أحدث فنون الحرب مؤكداً (إذا ما نفذ العدو يوماً ما تهديداته فإن البحرية الإيرانية تملك رداً مدمراً). فيما ذهب هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس الخبراء في إيران أبعد من ذلك بتأكيده (طبقاً لوكالة الأنباء الإيرانية (إيرنا) في 27 نوفمبر 2007) (أن الأمن الدولي رهن بأمن منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية وأن الجميع يدرك أن مفتاح أمن الشرق الأوسط هو بيد إيران). وتكررت هذه التهديدات مؤخراً ومن شخصيات عسكرية وسياسية إيرانية، مع الإعلان عن نوايا إيرانية في عرقلة الملاحة في مضيق هرمز في حالة تعرض منشآتها النووية لضربة إسرائيلية.
الضغوط العسكرية الأمريكية
يعتمد الموقف العسكري الأمريكي حيال إيران على محاور عدة أهمها:
الأول: اقتصادي، عكسته العديد من المصادر العلمية بأن حجم إنتاج دول الخليج من النفط الخام لعام 2001 كان يمثل 26 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي، في حين أن التوقعات تشير إلى أن حصة دول الخليج سترتفع إلى 60 في المائة من الإنتاج العالمي بحلول عام 2025، مما يعني أن الحياة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية ستعتمد وبشكل كبير على نفط الخليج العربي وكذلك بالنسبة لنجاح أجندتها الخاصة بإرساء الرأسمالية والعولمة، ولهذا لم تعد الهيمنة على منطقة الخليج الغنية بالنفط بالاعتماد على العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع دول المنطقة فحسب، بل من خلال السيطرة والحماية العسكرية الأمريكية المباشرة، ولم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تحتمل منافساً لأجندتها الاقتصادية في منطقة الخليج سواءً أكان من قبل إيران أم غيرها من دول العالم.
والثاني: سياسي، كون إيران تشكل خصماً سياسياً قوياً – نسبياً – للولايات المتحدة الأمريكية آخذين في الاعتبار أن هذه الخصومة السياسية لا تمنع من وجود توافق ضمني وغير مباشر في المصالح بين أمريكا وإيران على ساحتي العراق وأفغانستان. ولكن نقطة الافتراق الحاسمة هي (إسرائيل) التي تمثل بحد ذاتها مصلحة أمريكية مباشرة، خاصة وأن (إسرائيل) تعتبر إيران تمثل التهديد الاستراتيجي الأساسي لأمنها الوطني بالمرحلة الحالية.
الثالث: تكنولوجي، شكل مسعى إيران لتطوير برنامجها النووي وخاصة عقب إعلانها رسمياً بتاريخ 9/4/2006، أنها نجحت في تخصيب اليوارنيوم عند نسبة 3.5 في المائة وما تلاه بعد ذلك بعام تقريباً الإعلان عن التخصيب في حدود نسبة 5 في المائة تمهيداً للانتقال إلى ممارسة التخصيب على المستوى الصناعي، وزاد بعض المسؤولين الإيرانيين ادعاءات لأغراض سياسية وإعلامية بكون إيران تكون بذلك قد انضمت إلى نادي الدول النووية مما أثار حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت في المسعى الإيراني تجاوزاً للخطوط الحمراء، وبالتالي استخدمت جل إمكانياتها السياسية وضغوطها العسكرية الهادفة إلى منع إيران من تحقيق خطوات ملموسة في هذا الميدان حتى لو تطلب استخدام القوة العسكرية ضدها. وجاءت تصريحات العديد من الساسة الأمريكان لتؤكد هذا الاتجاه، وبخاصة تحذير الرئيس الأمريكي جورج بوش في البيت الأبيض والمنشور في (www.arabic.cnn.com) بقوله (إذا رغب قادة العالم في تفادي حرب عالمية ثالثة، فإن عليهم أن يحاولوا منع إيران من الحصول على المعرفة الضرورية لصنع سلاح نووي). فيما تحدث وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس في الجلسة الأولى لمنتدى حوار المنامة الأمني في مملكة البحرين قائلاً (أن إيران تمثل تهديداً لبلاده والمنطقة رغم وقف برنامجها للتسليح النووي)، وأكد أن سياسة طهران تثير الفوضى وعدم الاستقرار، وتمثل تهديداً للولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، لم تسقط الإدارة الأمريكية التلويح بالحلول الدبلوماسية، وجاءت تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس (والمنشورة في صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية في 22/12/2007) بتأكيد مطالبة طهران للقبول بقرار مجلس الأمن الدولي لتعليق نشاطاتها لتخصيب اليورانيوم، وقالت (إذا فعلت إيران ذلك فسأكون مستعدة للقاء نظيري الإيراني في أي مكان وفي أي وقت ونستطيع أن نتحدث في أي شيء). إلا إن ظاهرة الجمود لا تزال تخيم على العلاقات الأمريكية-الإيرانية.
الاستنتاجات
أ- تعكس ظاهرة التوتر في العلاقات الأمريكية الإيرانية خلافات عديدة أخرى، ظاهرها أزمة البرنامج النووي الإيراني، في حين أن جوهر المشكلة يكمن في موضوع ضمان تدفق نفط الخليج العربي إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز، سواء أكان ذلك في المدى المنظور أم على المستوى الاستراتيجي، وقد أدرك الساسة الإيرانيون حساسية موضوع إغلاق مضيق هرمز، واستخدموا ذلك كورقة ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، وعمدوا إلى إطلاق التهديد تلو الآخر لإغلاق مضيق هرمز والإعلان عن إقامة المناورات العسكرية على مقربة من المضيق لتوجيه رسائل لخصومها بكونها مستعدة للمجازفة باستخدام قدراتها العسكرية لإغلاق مضيق هرمز، إذا ما تعرضت إلى هجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل المنظور.
ب- على الرغم من وجود أطراف فاعلة في واشنطن وطهران تدفع باتجاهات التهدئة والحلول السلمية للأزمة، إلا أن الخيار العسكري لا يزال مرشحاً من جانب الإدارة الأمريكية كوسيلة للضغط أو التنفيذ إذا تطلب الأمر، وأغلب الظن أنه أذا ما حدث، فسيتجاوز صيغة الغزو الشامل لإيران، وإنما يمكن أن يكون عبر عملية أو سلسلة من العمليات العسكرية (جوية وصاروخية) محدودة تستهدف المواقع الحيوية، وبالذات المنشآت النووية والقواعد العسكرية الإيرانية مع اتخاذ إجراءات احترازية (اقتصادية وعسكرية) أمريكية وأوروبية لاحتمالات إغلاق إيران لمضيق هرمز لضمان حماية الاقتصاد العالمي من التعرض إلى أزمة جديدة جراء انقطاع تدفق النفط عبر المضيق المذكور حتى لو كان ذلك لفترة محدودة.
ج- إن خطورة تداعيات الأحداث في الأشهر القليلة المقبلة وبخاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تدفع بضرورة التذكير للتحسب لأسوأ الاحتمالات، إذ إن أي مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ستؤدي إلى احتمال قيام إيران، تحت ضغط الصدمات العسكرية لاستخدام شتى الذرائع، باستهداف مواقع استراتيجية، وخاصة الموانئ التجارية والنفطية الخليجية فضلاً عن إغلاق مضيق هرمز، وعندئذ ستلقي تداعيات هذه الظروف بظلالها القاتمة ليس على اقتصادات دول الخليج العربية فحسب، بل وعلى اقتصادات دول الشرق الأوسط وغالبية دول العالم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1499::/cck::
::introtext::
ارتبطت أهمية مضيق هرمز الاقتصادية، منذ بضع سنوات، بالأزمة المتعلقة بالبرنامج النوويالإيراني، التي تصاعدت تدريجياً لتحتل خلافاً حاداً بين جمهورية إيران الإسلامية من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين من جهة أخرى.
مع وجود قناعة لدى الإدارة الأمريكية والدول الغربية وسائر القوى الكبيرة في ما يطلقون عليه (المجتمع الدولي) بكون إيران لا تزال تسعى إلى دخول نادي الدول النووية للاستفادة من الاستخدامات المدنية والعسكرية للطاقة النووية، إلا أن ردود الفعل الرسمية حيال المسعى الإيراني، والتي عكستها تصريحات أمريكية وإيرانية تدفع باتجاه تصعيد الأزمة باتجاه التصادم العسكري بين الطرفين حيناً أو بتهدئة التوتر وإشاعة الأمل بالسعي نحو الحلول السلمية حيناً آخر.
::/introtext::
::fulltext::
ارتبطت أهمية مضيق هرمز الاقتصادية، منذ بضع سنوات، بالأزمة المتعلقة بالبرنامج النوويالإيراني، التي تصاعدت تدريجياً لتحتل خلافاً حاداً بين جمهورية إيران الإسلامية من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين من جهة أخرى.
مع وجود قناعة لدى الإدارة الأمريكية والدول الغربية وسائر القوى الكبيرة في ما يطلقون عليه (المجتمع الدولي) بكون إيران لا تزال تسعى إلى دخول نادي الدول النووية للاستفادة من الاستخدامات المدنية والعسكرية للطاقة النووية، إلا أن ردود الفعل الرسمية حيال المسعى الإيراني، والتي عكستها تصريحات أمريكية وإيرانية تدفع باتجاه تصعيد الأزمة باتجاه التصادم العسكري بين الطرفين حيناً أو بتهدئة التوتر وإشاعة الأمل بالسعي نحو الحلول السلمية حيناً آخر.
وما زاد من أهمية الموضوع، اهتمام العديد من العلماء والمختصين وقادة الفكر ورجال الصحافة وصناع القرار في مختلف دول العالم بمحاولة سبر أغوار جانب من التداعيات المستقبلية لأزمة البرنامج النووي الإيراني وما يثيره من ردود فعل متباينة والتي تتمحور باتجاهين:
الأول: متفائل، ويرى أن لهذه الأزمة أبعاداً سياسية متداخلة لا تتعدى محاولات شد الأطراف لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا جراء استمرار ظاهرة التوتر في العلاقات الإيرانية-الأمريكية.
والثاني: متشائم، ويعتمد جملة من الأدلة والقرائن والتصريحات التي تهيئ المجال نحو تحقيق تصادم عسكري أمريكي _ إيراني، وستكون منطقة الخليج العربي أحد مسارح عملياته العسكرية، وبما يدفع نحو إغلاق مضيق هرمز وقطع جانب من الإمدادات النفطية عن الأسواق العالمية.
مضيق هرمز
يقع مضيق هرمز بين أراضي دولتين هما إيران وسلطنة عمان، وفي الوقت ذاته يضم جزأين من مياه البحار العالية، وهي مياه البحار العالية لخليج عمان بمياه البحار العالية للخليج العربي، وتنطبق عليه من الناحية القانونية حالة المضيق الذي يقع بين أراضي دولتين فيكون والحالة هذه خاضعاً لسيادة واختصاص الدول الساحلية على مقدار بحارها الإقليمية أو إلى الخط الوسط لمجرى المياه حسب اتساع المضيق، وبما أن اتساع المضيق حوالي (23) ميلاً فإنه يقع ضمن المياه الإقليمية العمانية والإيرانية، ولكونه يربط بين جزأين من البحار العالية فإنه يخضع لمرور الملاحة الدولية من دون الحاجة لاستحصال إجازة مرور مسبقة من الدولتين الساحليتين. فيما يعتبر الخط الوسط هو الحد الفاصل بين المياه الإقليمية للدولتين في حالة وجود أو عدم وجود معاهدة بينهما. وإذا كانت المياه الإقليمية متداخلة بسبب ضيق المضيق بالنسبة إلى مياهها الإقليمية، فإن خط الحدود بينهما إما يثبت في وسط المضيق أو المركز البحري الوسطي، ما لم ينظم ذلك بمقتضى اتفاقيات خاصة بين الدولتين.
حجم إنتاج دول الخليج من النفط الخام لعام 2001 كان يمثل 26 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي
الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز
تأتي أهمية مضيق هرمز الاقتصادية كونه يمثل الممر البحري لتجارة خمس دول عربية هي: العراق والكويت والبحرين وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى إيران والمملكة العربية السعودية، وبذلك يصبح المضيق ممراً لتجارة سبع دول، آخذين في الاعتبار امتلاك الدولتين الأخيرتين سواحل بحرية أخرى، على خليج عمان وبحر العرب بالنسبة لإيران وعلى البحر الأحمر بخصوص المملكة العربية السعودية. وتشترك الدول التسع المتشاطئة على الخليج العربي بكونها من أهم الدول المنتجة والمصدّرة للنفط في العالم. وبلغت ذروة أهمية هذه المنطقة لكونها تمتلك احتياطيات نفطية هائلة تجاوزت (730) مليار برميل، ولذلك تصاعدت أهمية مضيق هرمز الذي يعد المنفذ الذي تخرج منه صادرات النفط إلى الدول المستهلكة في مختلف دول العالم وخاصة الدول الصناعية المتقدمة، والتي تبلغ أكثر من (17) مليون برميل يومياً، فضلاً عن عشرات السفن التي تعبر المضيق وتنقل البضائع من وإلى الدول المطلة على الخليج العربي. وبالتالي أضحى مضيق هرمز من أهم المضائق الملاحية في العالم، حيث تعبره أكثر من (80) سفينة يومياً وبمعدل ناقلة نفط أو سفينة تجارية في كل (6) ست دقائق، حيث يسمح عمق المياه بالمرور للناقلات النفطية العملاقة. وتوجد في المضيق قناتان ملاحيتان، تقع القناة العميقة بالقرب من السواحل العمانية، بينما توجد القناة الأقل عمقاً بالقرب من السواحل الإيرانية.
المتتبع لتصريحات الساسة الإيرانيين يلمس وجود نوايا إيرانية للسيطرة العسكرية على مضيق هرمز
الضغوط العسكرية الإيرانية
تناقلت وسائل الإعلام العالمية عن وضع إيران لخطة تستهدف الاستيلاء على مضيق هرمز وإغلاقه في أقصر وقت ممكن إذا ما نشبت حرب بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، معتمدة في ذلك على أن الحرس الثوري الإيراني يمتلك (700) موقع ميناء ومرسى وجزيرة ونقاط مختلفة، وذلك على طول الضفة الشرقية للخليج العربي يستخدمها عادةً للتهريب، وفي أوقات الضرورة قد يستخدمها للأغراض العسكرية في اعتراض السفن الحربية والتجارية وناقلات النفط ومنعها من المرور عبر مضيق هرمز، وهو أمر بديهي إذا ما نشبت الحرب وذلك لما يملكه من زوارق صواريخ وزوارق يقودها انتحاريون، أو عبر زرع الألغام البحرية على جنبات المضيق. والمتتبع لتصريحات الساسة الإيرانيين، يلمس وجود نوايا إيرانية للسيطرة العسكرية على مضيق هرمز، عكستها تصريحات العديد من المسؤولين، ومنها على سبيل المثال تهديد المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، بأن إيران ستغلق منافذ تصدير النفط المصدّر من الخليج إلى الأسواق العالمية في حال تعرض بلاده إلى ما سماها خطوة خاطئة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. وقد اتخذت هذه الأزمة اتجاهاً آخر عقب صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1696 في 31/7/2006 والذي طالب إيران بتعليق أنشطتها النووية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وإعادة التجهيز، على أن يخضع ذلك للتحقيق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لاسيما أن هذا القرار صدر استناداً للمادة (40) من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لجعل هذا القرار ملزماً لإيران، مما يعني التلويح باستخدام القوة العسكرية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيين ضد إيران، خاصة وأن الحكومة الإيرانية رفضت تطبيق هذا القرار. وفي الاتجاه ذاته كرر المرشد الأعلى علي خامنئي في 28/2/2007 تهديده للولايات المتحدة الأمريكية باستهداف مصالحها في كل مكان في العالم في حال اعتدائها على إيران. ولإدامة زخم التهديدات العسكرية الإيرانية أعلن الجنرال حبيب سياري قائد سلاح البحرية الإيراني لوكالة (مهر) الإيرانية في 25 نوفمبر 2007 بعزم إيران تنظيم مناورات عسكرية واسعة في الخليج وبحر عُمان في شهر فبراير الماضي لاختبار أحدث فنون الحرب مؤكداً (إذا ما نفذ العدو يوماً ما تهديداته فإن البحرية الإيرانية تملك رداً مدمراً). فيما ذهب هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس الخبراء في إيران أبعد من ذلك بتأكيده (طبقاً لوكالة الأنباء الإيرانية (إيرنا) في 27 نوفمبر 2007) (أن الأمن الدولي رهن بأمن منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية وأن الجميع يدرك أن مفتاح أمن الشرق الأوسط هو بيد إيران). وتكررت هذه التهديدات مؤخراً ومن شخصيات عسكرية وسياسية إيرانية، مع الإعلان عن نوايا إيرانية في عرقلة الملاحة في مضيق هرمز في حالة تعرض منشآتها النووية لضربة إسرائيلية.
الضغوط العسكرية الأمريكية
يعتمد الموقف العسكري الأمريكي حيال إيران على محاور عدة أهمها:
الأول: اقتصادي، عكسته العديد من المصادر العلمية بأن حجم إنتاج دول الخليج من النفط الخام لعام 2001 كان يمثل 26 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي، في حين أن التوقعات تشير إلى أن حصة دول الخليج سترتفع إلى 60 في المائة من الإنتاج العالمي بحلول عام 2025، مما يعني أن الحياة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية ستعتمد وبشكل كبير على نفط الخليج العربي وكذلك بالنسبة لنجاح أجندتها الخاصة بإرساء الرأسمالية والعولمة، ولهذا لم تعد الهيمنة على منطقة الخليج الغنية بالنفط بالاعتماد على العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع دول المنطقة فحسب، بل من خلال السيطرة والحماية العسكرية الأمريكية المباشرة، ولم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تحتمل منافساً لأجندتها الاقتصادية في منطقة الخليج سواءً أكان من قبل إيران أم غيرها من دول العالم.
والثاني: سياسي، كون إيران تشكل خصماً سياسياً قوياً – نسبياً – للولايات المتحدة الأمريكية آخذين في الاعتبار أن هذه الخصومة السياسية لا تمنع من وجود توافق ضمني وغير مباشر في المصالح بين أمريكا وإيران على ساحتي العراق وأفغانستان. ولكن نقطة الافتراق الحاسمة هي (إسرائيل) التي تمثل بحد ذاتها مصلحة أمريكية مباشرة، خاصة وأن (إسرائيل) تعتبر إيران تمثل التهديد الاستراتيجي الأساسي لأمنها الوطني بالمرحلة الحالية.
الثالث: تكنولوجي، شكل مسعى إيران لتطوير برنامجها النووي وخاصة عقب إعلانها رسمياً بتاريخ 9/4/2006، أنها نجحت في تخصيب اليوارنيوم عند نسبة 3.5 في المائة وما تلاه بعد ذلك بعام تقريباً الإعلان عن التخصيب في حدود نسبة 5 في المائة تمهيداً للانتقال إلى ممارسة التخصيب على المستوى الصناعي، وزاد بعض المسؤولين الإيرانيين ادعاءات لأغراض سياسية وإعلامية بكون إيران تكون بذلك قد انضمت إلى نادي الدول النووية مما أثار حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت في المسعى الإيراني تجاوزاً للخطوط الحمراء، وبالتالي استخدمت جل إمكانياتها السياسية وضغوطها العسكرية الهادفة إلى منع إيران من تحقيق خطوات ملموسة في هذا الميدان حتى لو تطلب استخدام القوة العسكرية ضدها. وجاءت تصريحات العديد من الساسة الأمريكان لتؤكد هذا الاتجاه، وبخاصة تحذير الرئيس الأمريكي جورج بوش في البيت الأبيض والمنشور في (www.arabic.cnn.com) بقوله (إذا رغب قادة العالم في تفادي حرب عالمية ثالثة، فإن عليهم أن يحاولوا منع إيران من الحصول على المعرفة الضرورية لصنع سلاح نووي). فيما تحدث وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس في الجلسة الأولى لمنتدى حوار المنامة الأمني في مملكة البحرين قائلاً (أن إيران تمثل تهديداً لبلاده والمنطقة رغم وقف برنامجها للتسليح النووي)، وأكد أن سياسة طهران تثير الفوضى وعدم الاستقرار، وتمثل تهديداً للولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، لم تسقط الإدارة الأمريكية التلويح بالحلول الدبلوماسية، وجاءت تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس (والمنشورة في صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية في 22/12/2007) بتأكيد مطالبة طهران للقبول بقرار مجلس الأمن الدولي لتعليق نشاطاتها لتخصيب اليورانيوم، وقالت (إذا فعلت إيران ذلك فسأكون مستعدة للقاء نظيري الإيراني في أي مكان وفي أي وقت ونستطيع أن نتحدث في أي شيء). إلا إن ظاهرة الجمود لا تزال تخيم على العلاقات الأمريكية-الإيرانية.
الاستنتاجات
أ- تعكس ظاهرة التوتر في العلاقات الأمريكية الإيرانية خلافات عديدة أخرى، ظاهرها أزمة البرنامج النووي الإيراني، في حين أن جوهر المشكلة يكمن في موضوع ضمان تدفق نفط الخليج العربي إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز، سواء أكان ذلك في المدى المنظور أم على المستوى الاستراتيجي، وقد أدرك الساسة الإيرانيون حساسية موضوع إغلاق مضيق هرمز، واستخدموا ذلك كورقة ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، وعمدوا إلى إطلاق التهديد تلو الآخر لإغلاق مضيق هرمز والإعلان عن إقامة المناورات العسكرية على مقربة من المضيق لتوجيه رسائل لخصومها بكونها مستعدة للمجازفة باستخدام قدراتها العسكرية لإغلاق مضيق هرمز، إذا ما تعرضت إلى هجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل المنظور.
ب- على الرغم من وجود أطراف فاعلة في واشنطن وطهران تدفع باتجاهات التهدئة والحلول السلمية للأزمة، إلا أن الخيار العسكري لا يزال مرشحاً من جانب الإدارة الأمريكية كوسيلة للضغط أو التنفيذ إذا تطلب الأمر، وأغلب الظن أنه أذا ما حدث، فسيتجاوز صيغة الغزو الشامل لإيران، وإنما يمكن أن يكون عبر عملية أو سلسلة من العمليات العسكرية (جوية وصاروخية) محدودة تستهدف المواقع الحيوية، وبالذات المنشآت النووية والقواعد العسكرية الإيرانية مع اتخاذ إجراءات احترازية (اقتصادية وعسكرية) أمريكية وأوروبية لاحتمالات إغلاق إيران لمضيق هرمز لضمان حماية الاقتصاد العالمي من التعرض إلى أزمة جديدة جراء انقطاع تدفق النفط عبر المضيق المذكور حتى لو كان ذلك لفترة محدودة.
ج- إن خطورة تداعيات الأحداث في الأشهر القليلة المقبلة وبخاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تدفع بضرورة التذكير للتحسب لأسوأ الاحتمالات، إذ إن أي مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ستؤدي إلى احتمال قيام إيران، تحت ضغط الصدمات العسكرية لاستخدام شتى الذرائع، باستهداف مواقع استراتيجية، وخاصة الموانئ التجارية والنفطية الخليجية فضلاً عن إغلاق مضيق هرمز، وعندئذ ستلقي تداعيات هذه الظروف بظلالها القاتمة ليس على اقتصادات دول الخليج العربية فحسب، بل وعلى اقتصادات دول الشرق الأوسط وغالبية دول العالم.
::/fulltext::
::cck::1499::/cck::
