المؤسسات البحثية والبحث العلمي: رؤية في أداء وحدات ومراكز أبحاث الدراسات السياسية في الجامعات العراقية
::cck::1638::/cck::
::introtext::
تشكل العلاقة بين المؤسسات البحثية والبحث العلمي مادة خصبة للتحليل. وتأتي أهمية الموضوع من كون عملية البحث ذاتها مرتبطة بغاية تطوير المعرفة، أو البحث في تخومها التي يمكن أن تخدم أغراضاً مجتمعية. وتهدف المقالة إلى تحليل العلاقة بين متغيري المعرفة والبحث العلمي. وبيان الإشكالية في دور المؤسسات البحثية في العراق، وفي القصور الذي يطبع عملية إدراك أهميتها في تطوير المعرفة بشتى أنواعها.
::/introtext::
::fulltext::
تشكل العلاقة بين المؤسسات البحثية والبحث العلمي مادة خصبة للتحليل. وتأتي أهمية الموضوع من كون عملية البحث ذاتها مرتبطة بغاية تطوير المعرفة، أو البحث في تخومها التي يمكن أن تخدم أغراضاً مجتمعية. وتهدف المقالة إلى تحليل العلاقة بين متغيري المعرفة والبحث العلمي. وبيان الإشكالية في دور المؤسسات البحثية في العراق، وفي القصور الذي يطبع عملية إدراك أهميتها في تطوير المعرفة بشتى أنواعها.
1– البحث العلمي ووظيفة المؤسسات البحثية
ما البحث العلمي؟ وما المعرفة؟ وما وظيفة المؤسسات البحثية (الوحدات البحثية ومراكز الأبحاث)؟ هذه الأسئلة بحاجة إلى توضيح سابق على معالجة تفعيل الأداء لكلا التنظيمين في مجال الأبحاث، وجودتها.
مفهوم البحث العلمي ووظيفته: البحث العلمي هو سعي منظم نحو الفهم ومدفوع بحاجة أو صعوبة محسوسة، وموجه نحو مشكلة ما معقدة يتجاوز الاهتمام بها الحيز الشخصي المباشر. وهو ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة تحتاج إليها المجتمعات في سبيل الوصول إلى حلول للمشكلات العديدة.
أما رسالة البحث العلمي فإنها تتجسد في المعرفة الإنسانية، وتوسيع الخيارات والبدائل، سواء ما كان منه بحوثاً نظرية أو بحوثاً تطبيقية. كذلك البحث إما يعدل رأياً سابقاً أو يوضحه ويؤيده أو يرفضه. وأي عائق في ذلك سيؤثر بالسلب في هذه الرسالة.
لماذا المعرفة؟ إن الذي يدفع إلى المعرفة هو: تحديات الحياة، وتيسير سبل التعامل معها بالموارد المحدودة، ومغريات الكشف عن المجهول؛ وهو محصور في الغالب باكتشاف معرفة جديدة، كعلوم الفضاء. إن الإنسانية اليوم تحتاج إلى معرفة جديدة هي معرفة الحياة، أو الحياة القائمة على المعرفة. وهذا يتطلب توسيع مفهومها، بحيث لا تصبح مقصورة على المعرفة العلمية، بل تشمل المعرفة المتكاملة التي تجمع كلاً من: المعرفة العلمية، المعرفة الإنسانية، المعرفة الكامنة وراء أنواع الفنون المختلفة. ومحور الدورة الكاملة لاكتساب المعرفة هو المحور الأفقي بمراحله المختلفة: النفاذ إلى المعلومات، تنظيم المعلومات، استخلاص المعرفة، وتطبيقها، وأخيراً توليد المعرفة الجديدة. والمرحلة الأخيرة هي ذاتها المحور الراسي لإقامة صناعة المعلومات الذي يتكون من ثلاثة عناصر: عنصر محتوى المعلومات، عنصر معالجة المعلومات، وعنصر توزيعها.
يمكننا أن نعرف مراكز الأبحاث / التفكير، على أنها أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع
ولعل أبرز التحديات التي تواجه المعرفة الإنسانية اليوم هي: تزايد غير مسبوق لعدد السكان، ثورة العولمة أو التسارع في عمليات حركة البشر، المال، المعلومات، تزايد الندرة في الموارد الأساسية، سباق التكنولوجيا المتقدمة: التكنولوجيا الحيوية والوراثة والاستنساخ، الأتمتة، مضاعفات المعرفة، توليد البدائل، التلوث البيئي، مشكلات التفكك وإعادة الاندماج السياسي الدولي. ومما يضاعف الضغوط أن المجتمعات تتباين مواقعها وأدوارها في سلم التطور البشري الذي تقترحه المنظمات الدولية، وتصنف الدول فيه تبعاً لمعايير محددة: نسبة توفر الخدمات (تعليم، الاتصال، الصحة…)، نسبة عدد العلماء والمهندسين إلى إجمالي عدد السكان، الدخل الفردي من الناتج الإجمالي.
إن الذي يدفع إلى المعرفة هو: تحديات الحياة، وتيسير سبل التعامل معها بالموارد المحدودة
وتحديات الحياة تلك تفرض على المؤسسات البحثية البحث عن: الهوية في ظل التنوع، المسؤولية إزاء اتباع الهوية، وبدرجة أكبر إزاء النوع البشري، الهدف المقصود أو المتوخى، والأكثر من ذلك، أن تكون مرحلة إعداد الموارد البشرية المؤهلة منذ المراحل الأولى في التعليم. فالإحساس بالهدف، والالتزام، والرؤية المستقبلية الواضحة، والإحساس بالحاجة للمعرفة، كلها حاجات ينبغي أن يتم تطويرها في مرحلة مبكرة من حياة الأفراد. ولاستثمار البحث العلمي في حل المشكلات ومواجهة التحديات فإن ذلك يتطلب معرفة متكاملة مترابطة يستجيب فيها نظام التعليم بشكل عام لأنماط التحول المجتمعي، بحيث تركز أكثر على الوعي والتقارب بين مختلف الأنظمة المعرفية. والتركيز على التوازن في البناء الشخصي والاجتماعي والثقافي للفرد، وإعداده ليتعامل مع مشكلات الحياة والأداء المهني؛ فالنظام التعليمي لا يزال يركز على التلقين، وحتى عند المستويات الحرجة مثل الدراسات العليا.
إن أسلوب التعامل مع المعرفة سيأخذ أشكالاً جديدة من التواصل عبر الفروع المعرفية المختلفة، بدلاً من أشكال التواصل المألوف مثل التواصل البيني أو التواصل المتعدد، رغم ما يوفره الأخيران من ارتباط أو تداخل بين الفروع المختلفة، إلا أنهما لا يستجيبان لمتطلبات التفجر المعرفي. فالعالم في طور التحول من العلوم السببية وعصر ما بعد الحداثة إلى مرحلة ما بعد ما بعد الحداثة، وعلوم الاتصالات والتكامل المعرفي. فعصر المعرفة يتطلب عقلاً متكاملاً. وأسباب ذلك نستطيع أن نستخلصها من أن التعليم أضحت له أربعة أعمدة أو ركائز مترابطة: التعليم للمعرفة، التعليم للعمل، التعليم للعيش والتعايش المشترك، والتعليم للوصول إلى الصيرورة أو الوجود.
ومما تقدم تصبح النماذج المنتشرة للتعليم الجامعي القائمة على: قاعدة معرفية عامة في السنوات الأولى، ثم تخصص يزداد دقة كلما اتجه نحو الدراسات العليا، غير قادرة على بناء إنسان متكامل قادر على التعامل مع المشكلات المعقدة وعلى العمل والإبداع في آن. فالمطلوب ليس انتظار الاستثارة الخارجية لتحقيق توليد المعرفة، بل المطلوب أن تكون الاستثارة داخلية. ومن هنا ينبغي الارتكاز على: قاعدة معرفية عامة ثم تخصص دقيق ثم تعليم يجمع المعرفة عبر الأنظمة المعرفية المختلفة. ففي الولايات المتحدة أصبحت نظم التعليم تخضع لمعايير المساءلة والإصلاح الهادفة لتعديل وتصحيح المسار التعليمي، بدلاً من تقديم مواد مختلفة لا تنتظمها معايير أو مستويات تجعل منها وحدة معرفية، تخاطب أهدافاً موجهة لبناء الفرد الإنساني والاجتماعي في الحياة. والغرض منها تحديد الكفايات المشتركة بين المواد المعرفية المختلفة. وتمثلت الجهود بالآتي:
– تحديد الأهداف المشتركة للتعليم وهي في ست مجموعات: تعليم كيفية تعلم المهارات، توسع في المعرفة وتكاملها، مهارات الاتصال، مهارات التفكير والتعليل، مهارات التبادل والتفاعل بين الأفراد، المسؤولية الشخصية والاجتماعية.
– تحديد المعايير المستخدمة للتعليم المشترك، وهي معايير تصف مجموعة واسعة من الكفايات تبدأ بـ: العناية المنزلية، التحليل الإحصائي، الثقافة الحاسوبية، الآداب.
– تحديد مهارات الحياة، وهي نماذج المعرفة المفيدة وهي تقع في أربعة مجالات: التفكير والتعليل (بمعنى معرفة ماذا، ولماذا، وكيف ومن؟)، العمل مع الآخرين، التنظيم الذاتي، العمل مدى الحياة.
وبقدر تعلق الأمر بالمؤسسات البحثية، التي تتعامل مع: بحوث، استشارات، تقييم، فإنها ترتبط بالمهارات والقدرات التي يمتلكها الباحثون، لذلك من الضروري أن يكون نوع التأهيل الذي يخضع له الباحثون يتناسب ومستوى الطموح وغايات البحث العلمي وغايات النظام التعليمي بشكل عام، لتكون النتاجات بمستوى الاستجابات الفاعلة لتحديات عصر صارت جهات عديدة بإمكانها تقديم ذات الخدمة؛ سواء إنجاز البحوث أو تقديم الاستشارات أو تقييم ظاهرة أو موقف وتقديم بدائل له. بمعنى أن تطوير الأداء هو أساس الارتقاء بالنوع للإنتاج المقدم.
2- طبيعة عمل المؤسسات البحثية:
يتعامل البحث العلمي مع مصطلح مرادف ألا وهو مراكز الأبحاث، أو ما يصطلح على تسميته في الولايات المتحدة ببيوت التفكير (Think Tanks)؛ وتؤدي الوحدات البحثية كوحدات ملحقة ببعض الكليات ذات الأدوار التي يؤديها المركز البحثي. وإذا كان دور تلك البيوت أو المراكز واضحاً بشكل جلي في البحوث العلمية التطبيقية أو التقنية، حيث الميدان رحب للعلوم التي لا يلم بها العامة من الناس، فإن أدوارها في مجالات العلوم الاجتماعية – السلوكية ليس بالقاصرة. فهي تتعامل مع مجالات غالباً ما يميل اجتهاد الإنسان العادي إلى تغليب رأيه فيها من دون دراية مسبقة بحجم التعقيد الذي يصيب الحياة، وخياراتها، وبالتالي يحدث التعارض والتصادم واحدة من المشكلات، وأكثر ما يظهر ذلك الاستخفاف (من كون الشخص عالماً بكل الشؤون الاجتماعية) في البلدان والمجتمعات التي لا تزال لا تجد فاصلاً بين الخرافة والعلم؛ وتظهر الإشكالية كون هذه المجتمعات، ومنها العراق، تطلق مصطلح المؤسسات البحثية على هياكل إدارية أو استحداثات وظيفية ويجمع فيها في الغالب أدنى المستويات العلمية أو من تلفظه وتنفره الكليات المختلفة بسبب مشكلات العلاقات الشخصية الناتجة عن الاسترزاق.
عدم توفر دور نشر كافية يجعل النشر عملاً شاقاً، وفي أحيان ينشر بعد أن يفقد العمل البحثي قيمته
وفي إطار العلوم السياسية، وعلى الرغم من كل الإشكاليات بخصوص هوية هذه المؤسسات، يمكننا أن نعرف مراكز الأبحاث / التفكير. على أنها أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع بشكل عام، وتقديم المشورة لصناع القرار بشكل خاص. أما عن نوع القضايا والسياسات التي يجري التعامل معها فهي عديدة. بعض هذه المراكز تركز على قضايا السياسات الخارجية والقضايا العالمية، والبعض الآخر يتبنى الأبحاث المعنية بالسياسات المحلية، بما فيها القضايا الاقتصادية بأنواعها المختلفة، وسياسات البيئة والطاقة والزراعة. ونجد أحياناً مراكز بحثية تتعامل مع أكثر من إطار من الإطارات السياسية المذكورة. وتتواجد مثل هذه المؤسسات بأسماء وتعريفات مختلفة،ففي بعض الأحيان تطلق على نفسها اسم مؤسسة، وفي بعض الأحيان معهد، ويصف آخرون أنفسهم بالصندوق،وفي حالات أخرى بالوقف، إلا أنها في النهاية معنية بتحليل الظواهر والمواقف السياسية وصنع البدائل والخيارات وتقييم الكلف والفرص والتحديات، وصنع مؤشرات للمستقبل. إلا أن أبرز الأدوار الملاحظة التي تقوم بها في إطار العلوم السياسية هو في السياسة الخارجية. ومن العسير على غير المتابع المتخصص استيعاب الدور المهم لهذه المؤسسات في عملية صنع القرار في الدول المتقدمة. وذلك لأن هذه المؤسسات غير حكومية في الغالب وليس لها علاقات رسمية بالمؤسسات الحكومية، لكنها تؤثرفي طابع التفكير والخطاب السياسي في المجتمع على المدى الطويل. فالأبحاث والدراسات والوثائق الصادرة عن تلك المؤسسات عادة ما تجد طريقها إلى مكاتب كبار صناع القرار، والأمثلة على ذلك وفيرة. كذلك توجد دوريات سياسية متخصصة للعديد من هذا المؤسسات. وكثيراً ما تتحدث منشورات هذه المؤسسات عن القضايا والموضوعات الساخنة تلبية لاحتياجات صناع السياسة. ولعل من المواضيع المثيرة التي تعالجها تلك المؤسسات في التقارير والمقالات والمناقشات. قضايا متعلقة بالتحليل للفرص والكوابح والأكلاف، ووضع البدائل، وكيفية صناعة المستقبل، ومنها تلك المعنية بتحليل الأوضاع السياسية وقضايا الإصلاح والتحول السياسي، وتحليلات تفصيلية عن استطلاعات الرأي العام، كما تضم القضايا الساخنة في الوقت الراهن أنظمة التعليم بالمجتمعات، تحليل القدرات وكيفية التعامل معها، الإرهاب وعلاقته بالتطرف الديني وتدني المستوى الاقتصادي. وغالباً ما يعتمد سياسيون وكبار مستشاريهم ومساعديهم على نتاجات هذه المؤسسات كمصدر معلومات موثوق فيه عن الأوضاع بأي منطقة، وعن الخيارات المتاحة للتعامل مع هذه القضايا. ويتمثل التفاعل بين صناعة القرار والمؤسسات البحثية أيضاً في الاستشارات التي يقدمها كبار باحثي تلك المؤسسات للسياسيين. وأحياناً يستعين سياسيون بأولئك الباحثين للتعبير عن آرائهم وتقديم توصياتهم.
3- إدارة وفاعلية البحث العلمي
مما لا غبار عليه هو أهمية البحث العلمي في تنظيم المعرفة الإنسانية. وهنا، نتساءل ما المسائل التي يتعامل معها البحث العلمي؟ وكيف يدار البحث العلمي؟ وكيف تضمن جودته، أو كيف تضمن فاعليته؟ إن الصياغات المنهجية التي يمكن الوصول اليها في ما يتعلق بالمسائل التي يتعامل معها البحث العلمي هي الآتي:
أ- تحليل الظواهر والبحث عن المسببات والتوصل إلى أطر نظرية تفسيرية.
ب- البحث في المعوقات المجتمعية واكتشاف الحلول/ حلول التي تتعامل مع (الوقت/ الجهد/ المال) وأبرزها: تكنولوجيا المعلومات، الحكومة الإلكترونية.
ج- تطوير المهارات والقدرات، وأبرزها: مهارة التفكير، ومهارة إدراك وتوليد البدائل.
د- مضاعفة أو توليد المعرفة، وهذا الأمر يتعلق بـ: الوراثة،الاستنساخ، بحوث الخلايا.
هـ- مدى خضوع رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه الجامعية للتدقيق العلمي من قبل مراكز الأبحاث لبيان مدى صلاحيتها العلمية لنيل الشهادة أو حتى الاشتراك في مناقشتها من قبل أعضاء هذه المؤسسات.
ومما تقدم نستخلص أن الغاية من العملية البحثية لا مجرد حفظ المعلومات واجترارها، إذ إن التكنولوجيا الحالية كفيلة بتوفير ذلك، وإنما تدور حول مهارات المعرفة العلمية في طرائق الدراسة والبحث والفهم والتساؤل والتنظيم والتفسير، ويعني ذلك التوظيف للعمليات العقلية من التصنيف، والتبويب والتحليل والمقارنة، والتجريب، والتأمل والنقد، واكتساح روح المغامرة واحتمال التجربة والخطأ، وحل المشكلات وتصميم البدائل، وانتهاء بإبداع أشكال وصور جديدة مغايرة للصور القائمة أو التنبؤ بنتائج متوقعة تحسباً للمجهول، واستخراج قوانين جديدة، أو تقنيات علمية جديدة. والخوض في موضوعة العلاقة بين البحث العلمي والمعرفة الإنسانية. في ظرف المسائل أعلاه ستدفعنا إلى التماس مع موضوعات عديدة، لعل من أهمها موضوعين: الأول: إدارة موارد البحث العلمي، بما فيها التخطيط والتنظيم والتوجيه. والثاني:الجودة في البحوث العلمية وعمل المؤسسات البحثية.
إدارة موارد البحث العلمي (التخطيط والتنظيم والتوجيه). في ما يتعلق بالموضوع الأول، فإنه يتطلب تحليل ثلاثة مواضيع فرعية:
أ- الإدارات المشرفة أو التي تقود عملية البحث من حيث معايير اختيارها/ تفهمها للبحث العلمي.
ب- السياسات المتبعة في البحث (إدارة الموارد المتاحة، تحديد الأولويات في خطط البحث العلمي). إذ إن عنصر الإدارة يتعلق بقدرات التخطيط، التنظيم، التوجيه.
ج-التعامل مع مخرجات البحث العلمي.
وعليه، فإن البحث يتطلب عدة مستويات للتخطيط: مستوى الدولة، مستوى الوزارة، مستوى الجامعة، مستوى المؤسسات البحثية، مستوى القسم. فضلاً عن ذلك، فإن التخطيط يستدعي الأخذ في الاعتبار ثلاثة أنشطة رئيسة، مكملة لبعضها بعضاً: المشاريع والبرامج البحثية ضمن إطار الحاجات المجتمعية وأولوياته، توفير الإمكانات المؤهلة للبحث، والقابلة للاستخدام والعمل البشرية منها، والإدارية، والمادية، وتوفير المعلومات اللازمة للبحث.
إن أسلوب التعامل مع المعرفة سيأخذ أشكالاً جديدة من التواصل عبر الفروع المعرفية المختلفة، بدلاً من أشكال التواصل المألوف
التخطيط لإدارة موارد البحث العلمي البشرية-البحثية، إذا كانت الإدارة الاستراتيجية هي مجموعة القرارات والممارسات التي تحدد الأداء الطويل الأجل للمؤسسات، وذلك من خلال صياغة الاستراتيجية وتطبيقها وتقويمها فإن الاستشراف وتحديد الاتجاه المستقبلي للمؤسسة يتوقف وبدرجة كبيرة على تحديد عناصر ومتغيرات متعلقة بإدارة الموارد البشرية –البحثية، حيث تتجه المؤسسات العالمية بخطى متسارعة نحو التكامل، التنظيم والمنافسة الشرسة التي أفرزتها التكنولوجيا. تمثل هذه التطورات ميزات مقدرة للمؤسسات، إلا إنها في الوقت ذاته تثير تحديات غير مسبوقة للإدارة. ولقد أثبتت التجارب أن من بين عوامل النجاح الأساسية، العنصر البشري المؤهل والمبدع، ليمثل ميزة نسبية واستثماراً مضموناً. وتنبع أهمية هذه المقالة من سعيها لتمكين القيادات من النظر إلى رأسمالها البشري من عدة زوايا لتأمين أكبر قدر من المردود من معارف وقدرات وإبداعات ما صار يعرف برأس المال الفعلي، واستغلال كل هذه القدرات. والموضوعة المهمة هنا هي: كيف نعمل على تنظيم وتأهيل الموارد البشرية- البحثية في المؤسسات البحثية؟ وهذا يتطلب من القيادات الإدارية الآتي: إكساب الموارد البشرية- البحثية المهارات المتقدمة في استخدام التقنيات والتكنولوجيا في التدريب والتطوير الوظيفي، وأيضاً تعريفها بالتحديات والفرص في التخطيط الاستراتيجي، وتنمية الموارد البشرية-البحثية. وأبرز المسؤوليات التي تقع على الإدارات في اعتقادنا، هي:
أ- عرض ومناقشة الصعوبات التي تواجه التخطيط لإدارة الموارد البحثية وأساليب مواجهتها؛ خصوصاً مع الانتقال في الأسلوب من إدارة الأفراد إلى إدارة المعرفة.
ب- تحديد القدرات الوظيفية البحثية، وبناء الفريق والتمكين وخلق ثقافة إيجابية.
ج- أساليب التحفيز والتعامل مع ضغوط العمل، واكتشاف وتبني القيادات الشابة وتشجيع الإبداع.
د- تقديم مجموعة متكاملة من المفاهيم والاتجاهات في مجال قياس ومقارنة وتقييم أداء وظيفة الموارد البحثية.
هـ- إكساب المشاركين مهارات استخدام أدوات وأساليب قياس ومقارنة أداء النشاط البحثي ومدى إسهامه في إنجاح الأداء التنافسي لمؤسساتهم البحثية.
مخرجات المؤسسات البحثية: وفي ما يتعلق بالتعامل مع مخرجات البحث العلمي، فإن تلك المؤسسات تضطلع بأنشطة محددة (بحوث ودراسات، تأليف كتب، تقديم استشارات وطرح بدائل، تقييم مشاريع)، وكلها تفضي إلى خلاصات واستنتاجات وتوصيات، في ما يتعلق بإشكاليات حاضرة، أو استثمارات بعيدة في مجال تطوير المعرفة أو التعامل مع ظاهرة أو موقف معين. وأبرز المسائل التي تثار هنا هي ثلاث: الإنتاج، التحكيم، النشر.
أ- الإنتاج، وفي الأغلب فإن المعيار المعتمد في التقييم هو المعادلة التالية: عدد باحثي المركز/عدد البحوث المنجزة. بمعنى عدد الباحثين مقسوماً على إجمالي نتاجهم السنوي، والذي ينبغي أن يتجاوز أو يصل إلى معدل متوسط يبلغ (4 بحوث/ 2 استشارة / 1 تقييم مشاريع) وهنا من الضروري في المؤسسات البحثية الحكومية وضع واعتماد آلية للترقية تعتمد الإنتاج لا سنوات الخدمة لتجعل عنصر التحفيز دائماً.
ب- التحكيم، ويمكن اعتماد المعادلة التالية: رأي المقوم * المؤثرات غير الموضوعية/ المعايير الأساسية المعتمدة في تقييم الأبحاث. بمعنى أن نجاعة التحكيم واعتماده على الموضوعية والحيادية هو رهن ضعف أو استبعاد العناصر المؤثرة غير المهنية. وهنا من الضروري اعتماد آلية مهنية موضوعية للتحكيم.
ج-النشر، والواضح من خلال التجربة أن هناك معادلتين موجودتين في المؤسسات البحثية في العراق، الأولى، هي تلك التي توجه النشر في المؤسسات الحكومية، ومفادها: الأصالة/ المنشور = سيادة العلاقات الشخصية والمجاملات.
أما سياسات النشر التي تخضع لها المؤسسات الخاصة، فالمعادلة هي: الصلاحية للنشر * قدرة الإنتاج على المنافسة في السوق * توافقه مع اتجاهات الحكومة/ عدد المنشور = إقصاء لكل إنتاج علمي هادف
وفي كلا الحالتين هناك إهدار عام بالنتاج البحثي.
وهنا من الضروري تناول الموضوع الثاني هو ضمان الجودة في إنتاجية البحث العلمي.
ضمان الجودة في إنتاجية قطاع البحث العلمي
تطرح هنا ثلاثة أسئلة: ما جدوى إقامة مؤسسات بحثية في العلوم السياسية؟ ما جدوى البحث في البدائل والخيارات في العلوم السياسية؟ ما القيمة البحثية للمنتج / المخرج من البحث العلمي (سواء كان كتاباً/ بحثاً/ دراسة/ استشارة / تقويماً) في تلك المؤسسات؟ والسؤال الأخير تتوقف الإجابة عنه على نوع الخدمة، وهل صانع القرار أو المجتمع قادر على أخذها من بدائل أقل تكلفة؟ لا ريب في إن جهود ضمان الجودة تهدف إلى الارتقاء بالممارسات المهنية بما يضمن الاستفادة القصوى من الموارد، عبر اعتماد معايير محددة تحكم العمل البحثي بما يعزز ثقة من يهمه الأمر مباشرة في نظام العمل ومخرجاته وصولاً إلى مخرجات عالية الجودة. وهذا يتطلب توفر الشروط العامة الأربعة التالية:- توفر رسالة تليق بمستوى المؤسسة، وأن تكون لديها أهداف بحثية تتفق مع رسالتها، امتلاك المصادر والموارد المناسبة لتحقيق الرسالة والأهداف البحثية، توفر نظام توثيق أعمال الباحثين المتصلة بالأهداف البحثية بما يبين مقدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها. وفي العموم، يراد لعملية التقييم تحقيق تشجيع التطوير، وتوفير معلومات فاعلة للجمهور حول نوعية المنتج بناء على الأهداف والأغراض كما تحددها كل مؤسسة، وضمان الحصول على مردود ذي قيمة.
إن لضمان الجودة في المؤسسات البحثية العراقية طابعاً مختلفاً عما هو سائد في الدول المتقدمة، فهناك بعض العوامل التي تجعل منه عملية فريدة، ومن بين هذه العوامل فقر في عدد ونوع مراكز الأبحاث مما يسبب محدودية التنافس لاجتذاب الباحثين. وحقيقة أن بعض البرامج لا تطرح إلا في مؤسسة واحدة، وارتفاع تكلفة استقدام خبراء أجانب، ومدى توفر الخبراء وقت إجراء عملية التقييم، عدم توفر قدر كافٍ من المعلومات، المشكلات المتعلقة بالتوجهات السياسية، والضغوط غير الحيادية، وأيضاً المشكلات الخاصة بالطبيعة الدعائية للتقارير وهشاشتها، والظهور الواضح لمؤسسات بحثية مرتبطة بتنظيمات المجتمع المدني.
وفي العموم فإن الحلقات أو المستويات التي تخضع لتقييم الجودة في المؤسسات البحثية هي: التنظيمات أو الأقسام المنشأة، البرامج أو الخطط السنوية والفصلية، الباحثون، والمخرجات؛ بمعنى المنشورات والبحوث والتوصيات للندوات والمحاضرات.
يتحدد الغرض في ضمان الحد الأدنى من الجودة بهدف التحقق من أن مؤسسة تحقق الحد الأدنى من المعايير، ومساعدة التدريسيين والباحثين على الالتحاق بمؤسسات تقدم برامج مقبولة، وحماية المؤسسات من الضغوط الخارجية والداخلية الضارة، وإشراك أعضاء هيئة التدريس والعاملين جميعاً في التخطيط والتقييم المؤسسي، وتوفير معلومات وبيانات واضحة ودقيقة للمنتفعين (صناع القرار، رجال الأعمال، مؤسسات القطاعين العام والخاص) حول نوعية ومستويات البرامج المطروحة، وإصدار أدلة للممارسات وإبراز الممارسات الجيدة، وبرامج مراجعة وتقييم الأداء المؤسسي. ويمكن أن نُحدد الغرض من ضمان الجودة من منظور وحدة بحثية أو مركز بحثي، في النقاط التالية:
أ- ضمان الوضوح والشفافية للبرامج الأكاديمية البحثية.
ب- توفير معلومات واضحة ودقيقة للتدريسيين والباحثين وكذلك للطلبة، وجهات الاستخدام في القطاعين العام والأهلي، وغيرهم من المعنيين، حول أهداف البرامج البحثية التي تقدمها المؤسسة، وبأنها توفر الشروط اللازمة لتحقيق هذه الأهداف بفاعلية وأنها ستستمر في المحافظة على هذا المستوى.
ج-توفير آلية لمساءلة جميع المعنيين بالإعداد والتنفيذ والإشراف على البرامج الأكاديمية.
إن آليات التطبيق في العملية البحثية، ترتبط بـ: ضبط النوعية: أي الإجراءات التي تقيس مدى مطابقة البحوث مع المعايير المحددة مسبقاً. وكذلك ضمان النوعية: أي إيجاد آليات وإجراءات تطبق في الوقت الصحيح والمناسب للتأكد من أن النوعية المرغوبة ستتحقق، وهذا يحتاج إلى: توفر إجراءات عمل واضحة للتنفيذ للحصول على الخدمة أو المنتج (بحث، استشارة، تقييم…) لتجنب الوقوع في الخطأ، وتوفر ثقة لدى المنتفع بالخدمة. وبهذا تكون ترجمة لمسألة: احتياجات وتوقعات المجتمع المنتفع إلى خصائص ومعايير محددة في (البحوث، الاستشارات، التقييم…) التي تقدمها الوحدات والمراكز البحثية.
4- المشكلات التي تعيق البحث العلمي
إن من الصعب معرفة حقيقة البحث العلمي في العراق بسبب من غلو التصريحات أو مبالغات الوثائق الرسمية، والتي في معظمها وردية ومتفائلة. وستطالعنا بيانات غاية في الروعة، تكاد تذهل القارئ أو المستمع من فرط ما تبدو ظاهرياً من شمول. لكن للأسف فإن الواقع العملي يكشف زيف ذلك لأسباب عديدة، ويمكننا تسجيل أكثر من ملاحظة مثل الافتقار إلى بيئة جامعية صالحة تساعد الباحث على القيام بواجباته؛ بسبب تسييس تلك البيئة، والبحث العلمي في مأزق لا يتحمل معه أي تجميل أو تسويف لأسباب عديدة منها:
الإنفاق على التعليم من موازنة الحكومة (وليس من الناتج القومي) لسنتي 2006، 2007 هي 0.8 في المائة
أ– نسبة الإنفاق على التعليم من موازنة الحكومة (وليس من الناتج القومي) لسنتي 2006، 2007 هي 0.8 في المائة، بمعنى آخر أنها نحو 387.5 مليون دولار، و575 مليون دولار على التوالي، وأن حصيلة المراكز البحثية فيها لم يزد في كل الأحوال على 10 في المائة، أي أنه كان 38.7 مليون دولار، و 57.5 مليون دولار (مخصصة لنحو 40 مركزاً بحثياً حكومياً)، يدفع منها نحو كثر من 90 في المائة كمرتبات، ونحو أقل من 10 في المائة للتجهيز والمشتريات، بينما دعم البحث العلمي والنشر يكاد يكون معدوماً، وفي ما يتعلق بمركز الدراسات القانونية والسياسية كانت ميزانيته المصروفة للسنوات 2005، 2006، 2007 خالية من دعم عمليات البحث العلمي (النشر، التفرغ للبحث، تنفيذ مشاريع…).
ب- لا تتعدى خدمة الحاسوب المتوفرة نسبة الـ 20 في المائة من الاحتياج الفعلي، أما تجهيز خدمة إنترنت مستقرة فإنه على ضعفها تكاد لا تتعدى 1 ساعة أسبوعياً للباحث الواحد؛ وأحياناً لا يتمتع بها الباحث بسبب غياب تجهيز خدمة الكهرباء لأسابيع أو أشهر.
ج- عدد المنشور هو الآخر يشكل مأساة. فمجالات النشر بالنسبة لمركز الدراسات القانونية والسياسية مثلاً غير متوفرة، ومرتبطة بقدرة الباحثين على إقامة علاقات مع كليات العلوم السياسية في بغداد، المستنصرية، النهرين التي تصدر دورياتها (نقصد المجلات العلمية المعترف بأنها محكمة في إطار دراستنا السياسية وهي: قضايا سياسية، العلوم السياسية، دراسات دولية، العلاقات الدولية والسياسية، العرب والمستقبل) بشكل غير منتظم مرة كل عام في الغالب، ولا تتقبل مجتمعة أكثر من 50 عنواناً سنوياً للنشر، لباحثين يتجاوز عددهم الـ 350 مدرساً في مختلف المستويات العلمية.
إزاء ما تقدم سيكون تركيزنا على تصنيف تلك المشكلات وتناولها كالآتي:
إشكاليات تتعلق بالجوانب المادية والسياسية والإدارية. ويمكن تقسيم هذه المشكلات إلى الآتي:
1- فقدان الفكر المهني في حياة القوى السياسية المختلفة. ومظاهر هذه المشكلة يمكن تلمسها من خلال:
أ- التعرض لحياة الباحثين، والتخوف من طرح الرأي أو حتى من تقديم النصح والاستشارة الصائبة، وإذا ما توفرت الحرية في المجالات غير الحساسة فالكلمات مقننة، فالفئات التي لديها الموارد للتأثير السلبي على الباحث فاعلة.
ب- فضلاً عن عدم حاجة القوى السياسية للتنظير الأكاديمي: إن الظرف السياسي غير المستقر، الذي تفاقم بعد إحداث التغيير السياسي في نيسان 2003، بات يحمل الأعباء السياسية، أو ما يعتقده (المواطن والسياسي ورجل الدين) اعتقادات دينية يرفض التماس مع ما يعتبره حقائق مقدسة، وكلها جعلت عملية البحث في العلوم السلوكية مفرغة من محتواها. ولنضرب أمثلة عن أعمال يفترض أن يعالجها باحثون في العلوم السياسية:
مثال 1: السلوك التصويتي لأعضاء البرلمان في العراق- تأثير مستوى التعليم. وقد كلف به باحث في مركز الدراسات القانونية والسياسية، إلا أنه اعتذر لأسباب تتعلق بسلامته الشخصية.
مثال 2: تأثير الطائفية في برنامج الحكومة. وقد واجهت هذه المسألة أحد الباحثين الذين تربطهم بنا علاقة، حينما قدم موضوع (إشكالية الوضع السياسي في العراق) إلى مركز بحثي علمي رصين له سمعته، فكان الجواب الذي قدم له من قبل المقيم العلمي على أحد الفقرات هو الآتي: (رغم محاولة الكاتب أن يكون موضوعياً، إلا أنه سقط في الانجرار لقضية الطائفية عندما حمل الجانب الإيراني والقوى السياسية الموالية له مسؤولية عن الأوضاع المتردية في العراق)، فاعتذر الباحث عن مواصلة إجراءات نشر الموضوع عند إصرار إدارة التحرير على الالتزام بنص المقيم العلمي.
ج-ويرافق كل ذلك إشكالية نظرة المجتمع السلبي للباحث العلمي، وإشكالية العلاقات الاجتماعية، فلا تزال نظرة الفرد في مجتمعاتنا هي أن يزور بعضنا بعضاً دون موعد سابق، وبفترة من الزمن تناسب الشخص الذي يقوم بالزيارة، ومن دون مراعاة لظروف وواجبات الآخر. وإذا ما علمنا حجم الترابطات الاجتماعية لعلمنا حجم التأخر أو الضياع الذي يصيب وقت الباحث وتفرغه لعمله.
وتترابط مع أعلاه مشكلة القدرة على التكيف مع عدم توفر متطلبات الحياة اليومية (توفر الخدمات من كهرباء، ماء، أمن، أسواق، خدمات صحية…) التي تجعل الحياة على الباحث صعبة ولا يستطيع تنسيق وقته عليها. وكذلك مع القصور في الخدمات التي يقدمها المجتمع:فعدم توفر دور نشر كافية يجعل النشر عملاً شاقاً، وفي أحيان ينشر بعد أن يفقد العمل البحثي قيمته. والأمر الأسوأ هو دور النشر الاهلية التي تبحث عن المربح وليس الذي يعمل على تطوير المعرفة، خشية الخسارة.ويصعّب الأمر أن اغلب الدوريات التي تصدرها الجامعات هي غير متخصصة ، وامثلة على الخليط المتنافر الذي يسبب عزوف أغلب الكفاءات، إن كلية العلوم السياسية في جامعة النهرين (التي تضم أربعة أقسام عامة) تصدر مجلة قضايا سياسية، وهي مجلة عامة في العلوم السياسية. وهناك مجلة العلوم السياسية الصادرة عن نظيرتها في جامعة بغداد، وهي كذلك تنشر في مختلف فروع العلوم السياسية. وهناك مجلة الدراسات الدولية التي يصدرها مركز الدراسات الدولية في جامعة بغداد، والتي من عنوانها يفترض بها التخصص إلا أنها كذلك تنشر في شتى مواضيع العلوم السياسية. وهكذا دواليك مع بقية المجلات التي تعتبرها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي محكمة، والنشر فيها معتمد لأغراض الترقية. أما مركز الدراسات القانونية والسياسية في جامعة النهرين فلا يزال يفتقر إلى أي مجلة علمية، رغم وجود ست وحدات علمية متنافرة في تخصصاتها، ورغم كونه قد تأسس قبل نحو 4 سنوات.
2 – الإشكاليات القانونية والإدارية. وأبرز المظاهر هنا هي:الترقية العلمية والترقية الوظيفية، وتوفر الإمكانات المالية والمادية،الهياكل العلمية للمراكز والتخصص. إن الغاية من إنشاء مراكز البحث العلمي هي إنشاء وحدات مختصة لتطوير المعرفة والمساهمة في حل مشكلات مجتمعية. إلا أنها قد عانت من الافتقار إلى السلطات والصلاحيات والإمكانات المتاحة لتسهيل قدرتها على ممارسة استقلالها، وهذا ما يلاحظ في:
أ- عدم توفر استقلال أكاديمي ملائم. بمعنى عدم توفر صلاحيات اختيار النظام والبرنامج، ومجموعة الباحثين، وما يتفرع عن ذلك من عدم توفر حماية على ما يقال أو ينشر أو يعبر عنه من آراء أكاديمية. فكل ذلك خاضع لضغوط عدم توفر ضمانات كافية للباحث من التهديد بالفصل أو الطرد أو العقوبة. أو حتى الاعتقال أو القتل، من قبل البعض الآخر، سواء اخذ الآخر صفة انسان فاشل علمياً، أو حزب متعصب لرأي.
ب- عدم توفر استقلال إداري ملائم، ومعناه حرية المراكز البحثية في اتخاذ القرارات الداخلة في نطاقها، وفي تصريف شؤونها. وفي وضع الأنظمة واللوائح والهياكل التنظيمية التي تنظم بها عملها، إلا أن ما يلاحظ أن هناك مشكلات سابقة على ذلك، ألا وهي اختيار القيادات الإدارية للمراكز البحثية من بين أناس ليس لهم اهتمام كاف أو مشهود لكفاءتهم بالعمل البحثي، بل جاء الأمر وفقاً لاعتبارات الترضية الضيقة، عقائدية كانت أو سياسية.
واذا ما أضفنا إشكالية غياب التمويل لأداء الرسالة البحثية، كان من ابرز المخرجات هو الآتي:
1: أصبحت المراكز البحثية مجرد ديكورات تتباهى المؤسسات الرسمية بوجودها.
2: بالرغم من أن وظائف المؤسسات الجامعية ثلاث: التدريس لإعداد الكوادر البشرية، البحث لحل المشكلات وإنتاج المعرفة، التثقيف. إلا أن الواقع العملي أفضى إلى مشكلة التناقض في الدور بين الغرض من إنشاء المراكز وأدوارها في علاقاتها مع وحدات الجامعة. فقضايا مثل: تحكيم البحوث والدراسات والأطاريح الجامعية، الإشراف على البحوث النظرية، مناقشة الأجزاء النظرية من البحوث الجامعية، هي جزء من اهتمام المراكز البحثية الأصيل، إلا أنها في الغالب لا تحال إلى تلك المراكز، الأمر الذي جعل عملهم منصباً على البحوث النظرية فحسب، وانفصال غير مبرر بين عمل الوحدات الجامعية المختلفة.
3: ضعف في التمويل للبحوث الإنسانية يجعل تنفيذ البحوث الميدانية صعباً، يقابله تدني الإنفاق على البحث العلمي يؤدي إلى إما تشويه إنجاز البحوث ذات الجهد المتواضع، أو تجميد المشاريع قيد الإنشاء، أو عدم القدرة على إنجاز المشاريع الكبرى.
4: الوقت المخصص من قبل الباحث للتحليل والاستنتاج محدود جداً، إذ ينوء العديد من الباحثين بأعباء إدارية لتغطية العجز في الخدمات الإدارية، وكما يشكل غياب الخدمات الإدارية المساندة لعمليات البحث (موزعو استمارات الاستبانة في البحوث الميدانية، خدمات مكتبة وأرشيف فقير، ضعف تجهيز وحدات الطباعة…) أعباء أخرى تفاقم المشكلة.
5: أدت السياسات الحكومية إلى جعل الشهادات العليا في العلوم الاجتماعية السلوكية مجرد محطات للحصول على الألقاب العلمية، وبالتالي عدم الجدية في التعامل معها. يقابله تدني الاهتمام الرسمي بالوظيفة البحثية، حيث يكاد لا يوجد تطبيق عملي لأنظمة التعيين المؤقت بقصد التفرغ للبحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه.
6: الافتقار إلى التنسيق وإلى سلم أولويات يؤدي إلى ضياع في الوقت والمال والجهد، رغم ندرتها. وبالتزامن مع المشكلة رقم 3، انتهى أغلب الباحثين إلى صيغة بحوث فردية – نظرية تهرباً من مشكلات المجتمع.
إشكاليات تتعلق بالباحث نفسه. وأبرز مظاهرها الآتي:
أ- اقتصادية: إشغال الوقت بمسائل تهيئة مستلزمات الحد الأدنى من العيش الكريم.
ب- سياسية، أهمها: التعايش مع أزمة الولاءات الحزبية، الطائفية، القومية، فقدان الحرية الأكاديمية لمضمونها، وكذلك التوجهات السياسية وسيطرتها على أداء أغلب الباحثين المهني، فأغلب الأبحاث المنجزة في الحقول الاجتماعية- السلوكية لم تلعب دوراً في تكوين وعي اجتماعي على أساس علمي لدى المواطنين، بل أسهمت بشكل ما في تزييف هذا الوعي.
ج- شخصية، وأهمها: أن نظرة أغلب المشتغلين بالبحث إلى وظائفهم لا تزال نظرة سطحية، واعتبار الشهادة مصدر الوظيفة وليس مصدر التزام وإلزام تفرض على حاملها مسؤوليات مضافة، وفقدان العمل والالتزام بجدواهما، وهذا الأمر ناجم عن هشاشة النظام التعليمي جراء التسييس.
وإجمالاً فإن ما موجود من سياسات بحثية، إن وجدت، يلاحظ عليها كتابة أبحاث لا تنسيق بينها على مستوى المركز أو القسم الواحد، بل هي خليط مبعثر لا يجمع بينها خط عام أو هدف مشترك، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة من حالتين: تتبع عناوين المشاريع البحثية لكل قسم أو مركز بحثي، وتتبع عناوين الرسائل والأطاريح الجامعية في الكليات المختلفة. وجاء هذا الأمر تراكمياً تحت طائل: عدم اهتمام المسؤولين لعدم الرغبة في الاطلاع، أو عدم القدرة على تنفيذ توصيات تلك المشاريع، اتجاه متزايد من القائمين على الأبحاث، تحت طائل السبب أعلاه، إلى كون مشاريعهم لا تعدو إما أن كون تدريباً على البحث فحسب، أو كونها وسيلة للاسترزاق، واتجاه الباحثين إلى تكوين مجتمعات منغلقة على ذاتها، يتواطأ أفراد كل منها فيما بينهم لتحقيق مصالح مشتركة. وكل ما تقدم من إرهاصات أفضى إلى الآتي:
أ- أن إنجاز البحوث أضحى يخضع لديكور العدد، وليس لمضمون العمل والحاجة اليه. بل إن المشاريع تخضع لحاجات الباحث فقط، إما استكمالاً لنيل شهادة أو لأغراض الترقيات العلمية أو الوظيفية.
ب- أن ما يصرف على البحث العلمي أصبح إنفاقاً عبثياً للترضية وإيجاد وظائف، وأن الإدارات المسؤولة عن البحث أصبحت غير جادة في تنظيمه.
ج- هناك حجز غير مسؤول على نتائج الدراسات والمشاريع (رغم تنوعها).
د- تكالب (أغلب) الباحثين على المسؤولين والحزبيين من أجل مركز قيادي يمارس به التأثير على العملية البحثية أو من اجل الاسترزاق أو الحماية.
في مقالتنا هذه حاولنا بيان الدور الذي يقوم به البحث العلمي في رفد المعرفة الإنسانية. ولقد تناولت الوظيفة العامة للمؤسسات البحثية، وأن صلب إنشائها ليس اجترار المعلومات ، بل تحليلها بما يرفد الغاية الإنسانية من إنشائها، ألا وهي المعرفة. وجرى تناول مسألة الإدارة الفاعلة لعملية البحث بوصفها مخرج عمل تلك المؤسسات.
ونستخلص أن من الأهمية بمكان وضع نظام لتشجيع الهيئة البحثية للاهتمام بالأبحاث الميدانية والتطبيقية. فطبائع الأشياء تقضي بتحريك بواعث العمل والاجتهاد في الاتجاه الصحيح. كما أن نظام الحوافز المادية والمعنوية لها دور كبير في تشجيع أعضاء الباحثين على الاهتمام بالمشكلات التطبيقية، وإجراء البحوث التي تخدم قضايا تنمية الموارد البشرية. وأهم هذه الحوافز هي تلك المتعلقة بترقياتهم. أما التوصيات التي يمكن ذكرها فهي مرتبطة بالحلقات والمستويات التي تخضع لتقييم الجودة في علاقة البحث العلمي بالمعرفة، وهي الآتي:
1- يراعى التنظيمات أو الأقسام العلمية ومدى تلاؤمها مع متطلبات الغاية التي أنشئت من أجلها. ويستحسن أيضاً تفعيل أدوار المراكز البحثية وإعطاؤها حقاً ثابتاً في التحكيم والإشراف والمناقشة.
2- البرامج/ الخطط: ويفضل هنا أن تقدم خطة عامة من قبل الإدارات العليا في ضوء الاحتياجات المجتمعية لمدة 5 أعوام، ثم تناقش من قبل الوحدات البحثية الأدنى كل في اختصاصه، وترفع كل منها خطة عامة تغطي السنوات الخمس، وخطة تفصيلية لسنة بحثية (حيث إن طابع التغيير يصيب العلوم الاجتماعية- السلوكية – السياسية ويؤثر فيها). ثم تناقش تلك الخطة من قبل الإدارات العليا تحت ظروف مهنية وليس وفقاً لأحكام سياسية، ويجري إقرارها.
3- الباحثون: إن المقياس هو نوع نتاج الباحث، وبالتالي يجب النظر إلى ما يحفز الباحث، وأهم هذه المسائل هي:
أ- الترقية العلمية، وهنا من الضروري ألا تخضع الترقية لشرط سنوات الخدمة، بل لمقدار ونوع الإنجاز.
ب- الحوافز المادية، ونقترح أن يوجد المركز البحثي أو الوحدة البحثية نشاطات تدفع الباحثين إلى تغطيتها.
ج- النشر العلمي المتخصص، فالضرورة تستدعي وجود مجلة علمية لكل وحدة علمية متخصصة.
د- المخرجات: وأهم ما فيها علاوة على النشر، إشكالية التحكيم؛ التي نتمنى تناولها في دراسات لاحقة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1638::/cck::
::introtext::
تشكل العلاقة بين المؤسسات البحثية والبحث العلمي مادة خصبة للتحليل. وتأتي أهمية الموضوع من كون عملية البحث ذاتها مرتبطة بغاية تطوير المعرفة، أو البحث في تخومها التي يمكن أن تخدم أغراضاً مجتمعية. وتهدف المقالة إلى تحليل العلاقة بين متغيري المعرفة والبحث العلمي. وبيان الإشكالية في دور المؤسسات البحثية في العراق، وفي القصور الذي يطبع عملية إدراك أهميتها في تطوير المعرفة بشتى أنواعها.
::/introtext::
::fulltext::
تشكل العلاقة بين المؤسسات البحثية والبحث العلمي مادة خصبة للتحليل. وتأتي أهمية الموضوع من كون عملية البحث ذاتها مرتبطة بغاية تطوير المعرفة، أو البحث في تخومها التي يمكن أن تخدم أغراضاً مجتمعية. وتهدف المقالة إلى تحليل العلاقة بين متغيري المعرفة والبحث العلمي. وبيان الإشكالية في دور المؤسسات البحثية في العراق، وفي القصور الذي يطبع عملية إدراك أهميتها في تطوير المعرفة بشتى أنواعها.
1– البحث العلمي ووظيفة المؤسسات البحثية
ما البحث العلمي؟ وما المعرفة؟ وما وظيفة المؤسسات البحثية (الوحدات البحثية ومراكز الأبحاث)؟ هذه الأسئلة بحاجة إلى توضيح سابق على معالجة تفعيل الأداء لكلا التنظيمين في مجال الأبحاث، وجودتها.
مفهوم البحث العلمي ووظيفته: البحث العلمي هو سعي منظم نحو الفهم ومدفوع بحاجة أو صعوبة محسوسة، وموجه نحو مشكلة ما معقدة يتجاوز الاهتمام بها الحيز الشخصي المباشر. وهو ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة تحتاج إليها المجتمعات في سبيل الوصول إلى حلول للمشكلات العديدة.
أما رسالة البحث العلمي فإنها تتجسد في المعرفة الإنسانية، وتوسيع الخيارات والبدائل، سواء ما كان منه بحوثاً نظرية أو بحوثاً تطبيقية. كذلك البحث إما يعدل رأياً سابقاً أو يوضحه ويؤيده أو يرفضه. وأي عائق في ذلك سيؤثر بالسلب في هذه الرسالة.
لماذا المعرفة؟ إن الذي يدفع إلى المعرفة هو: تحديات الحياة، وتيسير سبل التعامل معها بالموارد المحدودة، ومغريات الكشف عن المجهول؛ وهو محصور في الغالب باكتشاف معرفة جديدة، كعلوم الفضاء. إن الإنسانية اليوم تحتاج إلى معرفة جديدة هي معرفة الحياة، أو الحياة القائمة على المعرفة. وهذا يتطلب توسيع مفهومها، بحيث لا تصبح مقصورة على المعرفة العلمية، بل تشمل المعرفة المتكاملة التي تجمع كلاً من: المعرفة العلمية، المعرفة الإنسانية، المعرفة الكامنة وراء أنواع الفنون المختلفة. ومحور الدورة الكاملة لاكتساب المعرفة هو المحور الأفقي بمراحله المختلفة: النفاذ إلى المعلومات، تنظيم المعلومات، استخلاص المعرفة، وتطبيقها، وأخيراً توليد المعرفة الجديدة. والمرحلة الأخيرة هي ذاتها المحور الراسي لإقامة صناعة المعلومات الذي يتكون من ثلاثة عناصر: عنصر محتوى المعلومات، عنصر معالجة المعلومات، وعنصر توزيعها.
يمكننا أن نعرف مراكز الأبحاث / التفكير، على أنها أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع
ولعل أبرز التحديات التي تواجه المعرفة الإنسانية اليوم هي: تزايد غير مسبوق لعدد السكان، ثورة العولمة أو التسارع في عمليات حركة البشر، المال، المعلومات، تزايد الندرة في الموارد الأساسية، سباق التكنولوجيا المتقدمة: التكنولوجيا الحيوية والوراثة والاستنساخ، الأتمتة، مضاعفات المعرفة، توليد البدائل، التلوث البيئي، مشكلات التفكك وإعادة الاندماج السياسي الدولي. ومما يضاعف الضغوط أن المجتمعات تتباين مواقعها وأدوارها في سلم التطور البشري الذي تقترحه المنظمات الدولية، وتصنف الدول فيه تبعاً لمعايير محددة: نسبة توفر الخدمات (تعليم، الاتصال، الصحة…)، نسبة عدد العلماء والمهندسين إلى إجمالي عدد السكان، الدخل الفردي من الناتج الإجمالي.
إن الذي يدفع إلى المعرفة هو: تحديات الحياة، وتيسير سبل التعامل معها بالموارد المحدودة
وتحديات الحياة تلك تفرض على المؤسسات البحثية البحث عن: الهوية في ظل التنوع، المسؤولية إزاء اتباع الهوية، وبدرجة أكبر إزاء النوع البشري، الهدف المقصود أو المتوخى، والأكثر من ذلك، أن تكون مرحلة إعداد الموارد البشرية المؤهلة منذ المراحل الأولى في التعليم. فالإحساس بالهدف، والالتزام، والرؤية المستقبلية الواضحة، والإحساس بالحاجة للمعرفة، كلها حاجات ينبغي أن يتم تطويرها في مرحلة مبكرة من حياة الأفراد. ولاستثمار البحث العلمي في حل المشكلات ومواجهة التحديات فإن ذلك يتطلب معرفة متكاملة مترابطة يستجيب فيها نظام التعليم بشكل عام لأنماط التحول المجتمعي، بحيث تركز أكثر على الوعي والتقارب بين مختلف الأنظمة المعرفية. والتركيز على التوازن في البناء الشخصي والاجتماعي والثقافي للفرد، وإعداده ليتعامل مع مشكلات الحياة والأداء المهني؛ فالنظام التعليمي لا يزال يركز على التلقين، وحتى عند المستويات الحرجة مثل الدراسات العليا.
إن أسلوب التعامل مع المعرفة سيأخذ أشكالاً جديدة من التواصل عبر الفروع المعرفية المختلفة، بدلاً من أشكال التواصل المألوف مثل التواصل البيني أو التواصل المتعدد، رغم ما يوفره الأخيران من ارتباط أو تداخل بين الفروع المختلفة، إلا أنهما لا يستجيبان لمتطلبات التفجر المعرفي. فالعالم في طور التحول من العلوم السببية وعصر ما بعد الحداثة إلى مرحلة ما بعد ما بعد الحداثة، وعلوم الاتصالات والتكامل المعرفي. فعصر المعرفة يتطلب عقلاً متكاملاً. وأسباب ذلك نستطيع أن نستخلصها من أن التعليم أضحت له أربعة أعمدة أو ركائز مترابطة: التعليم للمعرفة، التعليم للعمل، التعليم للعيش والتعايش المشترك، والتعليم للوصول إلى الصيرورة أو الوجود.
ومما تقدم تصبح النماذج المنتشرة للتعليم الجامعي القائمة على: قاعدة معرفية عامة في السنوات الأولى، ثم تخصص يزداد دقة كلما اتجه نحو الدراسات العليا، غير قادرة على بناء إنسان متكامل قادر على التعامل مع المشكلات المعقدة وعلى العمل والإبداع في آن. فالمطلوب ليس انتظار الاستثارة الخارجية لتحقيق توليد المعرفة، بل المطلوب أن تكون الاستثارة داخلية. ومن هنا ينبغي الارتكاز على: قاعدة معرفية عامة ثم تخصص دقيق ثم تعليم يجمع المعرفة عبر الأنظمة المعرفية المختلفة. ففي الولايات المتحدة أصبحت نظم التعليم تخضع لمعايير المساءلة والإصلاح الهادفة لتعديل وتصحيح المسار التعليمي، بدلاً من تقديم مواد مختلفة لا تنتظمها معايير أو مستويات تجعل منها وحدة معرفية، تخاطب أهدافاً موجهة لبناء الفرد الإنساني والاجتماعي في الحياة. والغرض منها تحديد الكفايات المشتركة بين المواد المعرفية المختلفة. وتمثلت الجهود بالآتي:
– تحديد الأهداف المشتركة للتعليم وهي في ست مجموعات: تعليم كيفية تعلم المهارات، توسع في المعرفة وتكاملها، مهارات الاتصال، مهارات التفكير والتعليل، مهارات التبادل والتفاعل بين الأفراد، المسؤولية الشخصية والاجتماعية.
– تحديد المعايير المستخدمة للتعليم المشترك، وهي معايير تصف مجموعة واسعة من الكفايات تبدأ بـ: العناية المنزلية، التحليل الإحصائي، الثقافة الحاسوبية، الآداب.
– تحديد مهارات الحياة، وهي نماذج المعرفة المفيدة وهي تقع في أربعة مجالات: التفكير والتعليل (بمعنى معرفة ماذا، ولماذا، وكيف ومن؟)، العمل مع الآخرين، التنظيم الذاتي، العمل مدى الحياة.
وبقدر تعلق الأمر بالمؤسسات البحثية، التي تتعامل مع: بحوث، استشارات، تقييم، فإنها ترتبط بالمهارات والقدرات التي يمتلكها الباحثون، لذلك من الضروري أن يكون نوع التأهيل الذي يخضع له الباحثون يتناسب ومستوى الطموح وغايات البحث العلمي وغايات النظام التعليمي بشكل عام، لتكون النتاجات بمستوى الاستجابات الفاعلة لتحديات عصر صارت جهات عديدة بإمكانها تقديم ذات الخدمة؛ سواء إنجاز البحوث أو تقديم الاستشارات أو تقييم ظاهرة أو موقف وتقديم بدائل له. بمعنى أن تطوير الأداء هو أساس الارتقاء بالنوع للإنتاج المقدم.
2- طبيعة عمل المؤسسات البحثية:
يتعامل البحث العلمي مع مصطلح مرادف ألا وهو مراكز الأبحاث، أو ما يصطلح على تسميته في الولايات المتحدة ببيوت التفكير (Think Tanks)؛ وتؤدي الوحدات البحثية كوحدات ملحقة ببعض الكليات ذات الأدوار التي يؤديها المركز البحثي. وإذا كان دور تلك البيوت أو المراكز واضحاً بشكل جلي في البحوث العلمية التطبيقية أو التقنية، حيث الميدان رحب للعلوم التي لا يلم بها العامة من الناس، فإن أدوارها في مجالات العلوم الاجتماعية – السلوكية ليس بالقاصرة. فهي تتعامل مع مجالات غالباً ما يميل اجتهاد الإنسان العادي إلى تغليب رأيه فيها من دون دراية مسبقة بحجم التعقيد الذي يصيب الحياة، وخياراتها، وبالتالي يحدث التعارض والتصادم واحدة من المشكلات، وأكثر ما يظهر ذلك الاستخفاف (من كون الشخص عالماً بكل الشؤون الاجتماعية) في البلدان والمجتمعات التي لا تزال لا تجد فاصلاً بين الخرافة والعلم؛ وتظهر الإشكالية كون هذه المجتمعات، ومنها العراق، تطلق مصطلح المؤسسات البحثية على هياكل إدارية أو استحداثات وظيفية ويجمع فيها في الغالب أدنى المستويات العلمية أو من تلفظه وتنفره الكليات المختلفة بسبب مشكلات العلاقات الشخصية الناتجة عن الاسترزاق.
عدم توفر دور نشر كافية يجعل النشر عملاً شاقاً، وفي أحيان ينشر بعد أن يفقد العمل البحثي قيمته
وفي إطار العلوم السياسية، وعلى الرغم من كل الإشكاليات بخصوص هوية هذه المؤسسات، يمكننا أن نعرف مراكز الأبحاث / التفكير. على أنها أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع بشكل عام، وتقديم المشورة لصناع القرار بشكل خاص. أما عن نوع القضايا والسياسات التي يجري التعامل معها فهي عديدة. بعض هذه المراكز تركز على قضايا السياسات الخارجية والقضايا العالمية، والبعض الآخر يتبنى الأبحاث المعنية بالسياسات المحلية، بما فيها القضايا الاقتصادية بأنواعها المختلفة، وسياسات البيئة والطاقة والزراعة. ونجد أحياناً مراكز بحثية تتعامل مع أكثر من إطار من الإطارات السياسية المذكورة. وتتواجد مثل هذه المؤسسات بأسماء وتعريفات مختلفة،ففي بعض الأحيان تطلق على نفسها اسم مؤسسة، وفي بعض الأحيان معهد، ويصف آخرون أنفسهم بالصندوق،وفي حالات أخرى بالوقف، إلا أنها في النهاية معنية بتحليل الظواهر والمواقف السياسية وصنع البدائل والخيارات وتقييم الكلف والفرص والتحديات، وصنع مؤشرات للمستقبل. إلا أن أبرز الأدوار الملاحظة التي تقوم بها في إطار العلوم السياسية هو في السياسة الخارجية. ومن العسير على غير المتابع المتخصص استيعاب الدور المهم لهذه المؤسسات في عملية صنع القرار في الدول المتقدمة. وذلك لأن هذه المؤسسات غير حكومية في الغالب وليس لها علاقات رسمية بالمؤسسات الحكومية، لكنها تؤثرفي طابع التفكير والخطاب السياسي في المجتمع على المدى الطويل. فالأبحاث والدراسات والوثائق الصادرة عن تلك المؤسسات عادة ما تجد طريقها إلى مكاتب كبار صناع القرار، والأمثلة على ذلك وفيرة. كذلك توجد دوريات سياسية متخصصة للعديد من هذا المؤسسات. وكثيراً ما تتحدث منشورات هذه المؤسسات عن القضايا والموضوعات الساخنة تلبية لاحتياجات صناع السياسة. ولعل من المواضيع المثيرة التي تعالجها تلك المؤسسات في التقارير والمقالات والمناقشات. قضايا متعلقة بالتحليل للفرص والكوابح والأكلاف، ووضع البدائل، وكيفية صناعة المستقبل، ومنها تلك المعنية بتحليل الأوضاع السياسية وقضايا الإصلاح والتحول السياسي، وتحليلات تفصيلية عن استطلاعات الرأي العام، كما تضم القضايا الساخنة في الوقت الراهن أنظمة التعليم بالمجتمعات، تحليل القدرات وكيفية التعامل معها، الإرهاب وعلاقته بالتطرف الديني وتدني المستوى الاقتصادي. وغالباً ما يعتمد سياسيون وكبار مستشاريهم ومساعديهم على نتاجات هذه المؤسسات كمصدر معلومات موثوق فيه عن الأوضاع بأي منطقة، وعن الخيارات المتاحة للتعامل مع هذه القضايا. ويتمثل التفاعل بين صناعة القرار والمؤسسات البحثية أيضاً في الاستشارات التي يقدمها كبار باحثي تلك المؤسسات للسياسيين. وأحياناً يستعين سياسيون بأولئك الباحثين للتعبير عن آرائهم وتقديم توصياتهم.
3- إدارة وفاعلية البحث العلمي
مما لا غبار عليه هو أهمية البحث العلمي في تنظيم المعرفة الإنسانية. وهنا، نتساءل ما المسائل التي يتعامل معها البحث العلمي؟ وكيف يدار البحث العلمي؟ وكيف تضمن جودته، أو كيف تضمن فاعليته؟ إن الصياغات المنهجية التي يمكن الوصول اليها في ما يتعلق بالمسائل التي يتعامل معها البحث العلمي هي الآتي:
أ- تحليل الظواهر والبحث عن المسببات والتوصل إلى أطر نظرية تفسيرية.
ب- البحث في المعوقات المجتمعية واكتشاف الحلول/ حلول التي تتعامل مع (الوقت/ الجهد/ المال) وأبرزها: تكنولوجيا المعلومات، الحكومة الإلكترونية.
ج- تطوير المهارات والقدرات، وأبرزها: مهارة التفكير، ومهارة إدراك وتوليد البدائل.
د- مضاعفة أو توليد المعرفة، وهذا الأمر يتعلق بـ: الوراثة،الاستنساخ، بحوث الخلايا.
هـ- مدى خضوع رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه الجامعية للتدقيق العلمي من قبل مراكز الأبحاث لبيان مدى صلاحيتها العلمية لنيل الشهادة أو حتى الاشتراك في مناقشتها من قبل أعضاء هذه المؤسسات.
ومما تقدم نستخلص أن الغاية من العملية البحثية لا مجرد حفظ المعلومات واجترارها، إذ إن التكنولوجيا الحالية كفيلة بتوفير ذلك، وإنما تدور حول مهارات المعرفة العلمية في طرائق الدراسة والبحث والفهم والتساؤل والتنظيم والتفسير، ويعني ذلك التوظيف للعمليات العقلية من التصنيف، والتبويب والتحليل والمقارنة، والتجريب، والتأمل والنقد، واكتساح روح المغامرة واحتمال التجربة والخطأ، وحل المشكلات وتصميم البدائل، وانتهاء بإبداع أشكال وصور جديدة مغايرة للصور القائمة أو التنبؤ بنتائج متوقعة تحسباً للمجهول، واستخراج قوانين جديدة، أو تقنيات علمية جديدة. والخوض في موضوعة العلاقة بين البحث العلمي والمعرفة الإنسانية. في ظرف المسائل أعلاه ستدفعنا إلى التماس مع موضوعات عديدة، لعل من أهمها موضوعين: الأول: إدارة موارد البحث العلمي، بما فيها التخطيط والتنظيم والتوجيه. والثاني:الجودة في البحوث العلمية وعمل المؤسسات البحثية.
إدارة موارد البحث العلمي (التخطيط والتنظيم والتوجيه). في ما يتعلق بالموضوع الأول، فإنه يتطلب تحليل ثلاثة مواضيع فرعية:
أ- الإدارات المشرفة أو التي تقود عملية البحث من حيث معايير اختيارها/ تفهمها للبحث العلمي.
ب- السياسات المتبعة في البحث (إدارة الموارد المتاحة، تحديد الأولويات في خطط البحث العلمي). إذ إن عنصر الإدارة يتعلق بقدرات التخطيط، التنظيم، التوجيه.
ج-التعامل مع مخرجات البحث العلمي.
وعليه، فإن البحث يتطلب عدة مستويات للتخطيط: مستوى الدولة، مستوى الوزارة، مستوى الجامعة، مستوى المؤسسات البحثية، مستوى القسم. فضلاً عن ذلك، فإن التخطيط يستدعي الأخذ في الاعتبار ثلاثة أنشطة رئيسة، مكملة لبعضها بعضاً: المشاريع والبرامج البحثية ضمن إطار الحاجات المجتمعية وأولوياته، توفير الإمكانات المؤهلة للبحث، والقابلة للاستخدام والعمل البشرية منها، والإدارية، والمادية، وتوفير المعلومات اللازمة للبحث.
إن أسلوب التعامل مع المعرفة سيأخذ أشكالاً جديدة من التواصل عبر الفروع المعرفية المختلفة، بدلاً من أشكال التواصل المألوف
التخطيط لإدارة موارد البحث العلمي البشرية-البحثية، إذا كانت الإدارة الاستراتيجية هي مجموعة القرارات والممارسات التي تحدد الأداء الطويل الأجل للمؤسسات، وذلك من خلال صياغة الاستراتيجية وتطبيقها وتقويمها فإن الاستشراف وتحديد الاتجاه المستقبلي للمؤسسة يتوقف وبدرجة كبيرة على تحديد عناصر ومتغيرات متعلقة بإدارة الموارد البشرية –البحثية، حيث تتجه المؤسسات العالمية بخطى متسارعة نحو التكامل، التنظيم والمنافسة الشرسة التي أفرزتها التكنولوجيا. تمثل هذه التطورات ميزات مقدرة للمؤسسات، إلا إنها في الوقت ذاته تثير تحديات غير مسبوقة للإدارة. ولقد أثبتت التجارب أن من بين عوامل النجاح الأساسية، العنصر البشري المؤهل والمبدع، ليمثل ميزة نسبية واستثماراً مضموناً. وتنبع أهمية هذه المقالة من سعيها لتمكين القيادات من النظر إلى رأسمالها البشري من عدة زوايا لتأمين أكبر قدر من المردود من معارف وقدرات وإبداعات ما صار يعرف برأس المال الفعلي، واستغلال كل هذه القدرات. والموضوعة المهمة هنا هي: كيف نعمل على تنظيم وتأهيل الموارد البشرية- البحثية في المؤسسات البحثية؟ وهذا يتطلب من القيادات الإدارية الآتي: إكساب الموارد البشرية- البحثية المهارات المتقدمة في استخدام التقنيات والتكنولوجيا في التدريب والتطوير الوظيفي، وأيضاً تعريفها بالتحديات والفرص في التخطيط الاستراتيجي، وتنمية الموارد البشرية-البحثية. وأبرز المسؤوليات التي تقع على الإدارات في اعتقادنا، هي:
أ- عرض ومناقشة الصعوبات التي تواجه التخطيط لإدارة الموارد البحثية وأساليب مواجهتها؛ خصوصاً مع الانتقال في الأسلوب من إدارة الأفراد إلى إدارة المعرفة.
ب- تحديد القدرات الوظيفية البحثية، وبناء الفريق والتمكين وخلق ثقافة إيجابية.
ج- أساليب التحفيز والتعامل مع ضغوط العمل، واكتشاف وتبني القيادات الشابة وتشجيع الإبداع.
د- تقديم مجموعة متكاملة من المفاهيم والاتجاهات في مجال قياس ومقارنة وتقييم أداء وظيفة الموارد البحثية.
هـ- إكساب المشاركين مهارات استخدام أدوات وأساليب قياس ومقارنة أداء النشاط البحثي ومدى إسهامه في إنجاح الأداء التنافسي لمؤسساتهم البحثية.
مخرجات المؤسسات البحثية: وفي ما يتعلق بالتعامل مع مخرجات البحث العلمي، فإن تلك المؤسسات تضطلع بأنشطة محددة (بحوث ودراسات، تأليف كتب، تقديم استشارات وطرح بدائل، تقييم مشاريع)، وكلها تفضي إلى خلاصات واستنتاجات وتوصيات، في ما يتعلق بإشكاليات حاضرة، أو استثمارات بعيدة في مجال تطوير المعرفة أو التعامل مع ظاهرة أو موقف معين. وأبرز المسائل التي تثار هنا هي ثلاث: الإنتاج، التحكيم، النشر.
أ- الإنتاج، وفي الأغلب فإن المعيار المعتمد في التقييم هو المعادلة التالية: عدد باحثي المركز/عدد البحوث المنجزة. بمعنى عدد الباحثين مقسوماً على إجمالي نتاجهم السنوي، والذي ينبغي أن يتجاوز أو يصل إلى معدل متوسط يبلغ (4 بحوث/ 2 استشارة / 1 تقييم مشاريع) وهنا من الضروري في المؤسسات البحثية الحكومية وضع واعتماد آلية للترقية تعتمد الإنتاج لا سنوات الخدمة لتجعل عنصر التحفيز دائماً.
ب- التحكيم، ويمكن اعتماد المعادلة التالية: رأي المقوم * المؤثرات غير الموضوعية/ المعايير الأساسية المعتمدة في تقييم الأبحاث. بمعنى أن نجاعة التحكيم واعتماده على الموضوعية والحيادية هو رهن ضعف أو استبعاد العناصر المؤثرة غير المهنية. وهنا من الضروري اعتماد آلية مهنية موضوعية للتحكيم.
ج-النشر، والواضح من خلال التجربة أن هناك معادلتين موجودتين في المؤسسات البحثية في العراق، الأولى، هي تلك التي توجه النشر في المؤسسات الحكومية، ومفادها: الأصالة/ المنشور = سيادة العلاقات الشخصية والمجاملات.
أما سياسات النشر التي تخضع لها المؤسسات الخاصة، فالمعادلة هي: الصلاحية للنشر * قدرة الإنتاج على المنافسة في السوق * توافقه مع اتجاهات الحكومة/ عدد المنشور = إقصاء لكل إنتاج علمي هادف
وفي كلا الحالتين هناك إهدار عام بالنتاج البحثي.
وهنا من الضروري تناول الموضوع الثاني هو ضمان الجودة في إنتاجية البحث العلمي.
ضمان الجودة في إنتاجية قطاع البحث العلمي
تطرح هنا ثلاثة أسئلة: ما جدوى إقامة مؤسسات بحثية في العلوم السياسية؟ ما جدوى البحث في البدائل والخيارات في العلوم السياسية؟ ما القيمة البحثية للمنتج / المخرج من البحث العلمي (سواء كان كتاباً/ بحثاً/ دراسة/ استشارة / تقويماً) في تلك المؤسسات؟ والسؤال الأخير تتوقف الإجابة عنه على نوع الخدمة، وهل صانع القرار أو المجتمع قادر على أخذها من بدائل أقل تكلفة؟ لا ريب في إن جهود ضمان الجودة تهدف إلى الارتقاء بالممارسات المهنية بما يضمن الاستفادة القصوى من الموارد، عبر اعتماد معايير محددة تحكم العمل البحثي بما يعزز ثقة من يهمه الأمر مباشرة في نظام العمل ومخرجاته وصولاً إلى مخرجات عالية الجودة. وهذا يتطلب توفر الشروط العامة الأربعة التالية:- توفر رسالة تليق بمستوى المؤسسة، وأن تكون لديها أهداف بحثية تتفق مع رسالتها، امتلاك المصادر والموارد المناسبة لتحقيق الرسالة والأهداف البحثية، توفر نظام توثيق أعمال الباحثين المتصلة بالأهداف البحثية بما يبين مقدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها. وفي العموم، يراد لعملية التقييم تحقيق تشجيع التطوير، وتوفير معلومات فاعلة للجمهور حول نوعية المنتج بناء على الأهداف والأغراض كما تحددها كل مؤسسة، وضمان الحصول على مردود ذي قيمة.
إن لضمان الجودة في المؤسسات البحثية العراقية طابعاً مختلفاً عما هو سائد في الدول المتقدمة، فهناك بعض العوامل التي تجعل منه عملية فريدة، ومن بين هذه العوامل فقر في عدد ونوع مراكز الأبحاث مما يسبب محدودية التنافس لاجتذاب الباحثين. وحقيقة أن بعض البرامج لا تطرح إلا في مؤسسة واحدة، وارتفاع تكلفة استقدام خبراء أجانب، ومدى توفر الخبراء وقت إجراء عملية التقييم، عدم توفر قدر كافٍ من المعلومات، المشكلات المتعلقة بالتوجهات السياسية، والضغوط غير الحيادية، وأيضاً المشكلات الخاصة بالطبيعة الدعائية للتقارير وهشاشتها، والظهور الواضح لمؤسسات بحثية مرتبطة بتنظيمات المجتمع المدني.
وفي العموم فإن الحلقات أو المستويات التي تخضع لتقييم الجودة في المؤسسات البحثية هي: التنظيمات أو الأقسام المنشأة، البرامج أو الخطط السنوية والفصلية، الباحثون، والمخرجات؛ بمعنى المنشورات والبحوث والتوصيات للندوات والمحاضرات.
يتحدد الغرض في ضمان الحد الأدنى من الجودة بهدف التحقق من أن مؤسسة تحقق الحد الأدنى من المعايير، ومساعدة التدريسيين والباحثين على الالتحاق بمؤسسات تقدم برامج مقبولة، وحماية المؤسسات من الضغوط الخارجية والداخلية الضارة، وإشراك أعضاء هيئة التدريس والعاملين جميعاً في التخطيط والتقييم المؤسسي، وتوفير معلومات وبيانات واضحة ودقيقة للمنتفعين (صناع القرار، رجال الأعمال، مؤسسات القطاعين العام والخاص) حول نوعية ومستويات البرامج المطروحة، وإصدار أدلة للممارسات وإبراز الممارسات الجيدة، وبرامج مراجعة وتقييم الأداء المؤسسي. ويمكن أن نُحدد الغرض من ضمان الجودة من منظور وحدة بحثية أو مركز بحثي، في النقاط التالية:
أ- ضمان الوضوح والشفافية للبرامج الأكاديمية البحثية.
ب- توفير معلومات واضحة ودقيقة للتدريسيين والباحثين وكذلك للطلبة، وجهات الاستخدام في القطاعين العام والأهلي، وغيرهم من المعنيين، حول أهداف البرامج البحثية التي تقدمها المؤسسة، وبأنها توفر الشروط اللازمة لتحقيق هذه الأهداف بفاعلية وأنها ستستمر في المحافظة على هذا المستوى.
ج-توفير آلية لمساءلة جميع المعنيين بالإعداد والتنفيذ والإشراف على البرامج الأكاديمية.
إن آليات التطبيق في العملية البحثية، ترتبط بـ: ضبط النوعية: أي الإجراءات التي تقيس مدى مطابقة البحوث مع المعايير المحددة مسبقاً. وكذلك ضمان النوعية: أي إيجاد آليات وإجراءات تطبق في الوقت الصحيح والمناسب للتأكد من أن النوعية المرغوبة ستتحقق، وهذا يحتاج إلى: توفر إجراءات عمل واضحة للتنفيذ للحصول على الخدمة أو المنتج (بحث، استشارة، تقييم…) لتجنب الوقوع في الخطأ، وتوفر ثقة لدى المنتفع بالخدمة. وبهذا تكون ترجمة لمسألة: احتياجات وتوقعات المجتمع المنتفع إلى خصائص ومعايير محددة في (البحوث، الاستشارات، التقييم…) التي تقدمها الوحدات والمراكز البحثية.
4- المشكلات التي تعيق البحث العلمي
إن من الصعب معرفة حقيقة البحث العلمي في العراق بسبب من غلو التصريحات أو مبالغات الوثائق الرسمية، والتي في معظمها وردية ومتفائلة. وستطالعنا بيانات غاية في الروعة، تكاد تذهل القارئ أو المستمع من فرط ما تبدو ظاهرياً من شمول. لكن للأسف فإن الواقع العملي يكشف زيف ذلك لأسباب عديدة، ويمكننا تسجيل أكثر من ملاحظة مثل الافتقار إلى بيئة جامعية صالحة تساعد الباحث على القيام بواجباته؛ بسبب تسييس تلك البيئة، والبحث العلمي في مأزق لا يتحمل معه أي تجميل أو تسويف لأسباب عديدة منها:
الإنفاق على التعليم من موازنة الحكومة (وليس من الناتج القومي) لسنتي 2006، 2007 هي 0.8 في المائة
أ– نسبة الإنفاق على التعليم من موازنة الحكومة (وليس من الناتج القومي) لسنتي 2006، 2007 هي 0.8 في المائة، بمعنى آخر أنها نحو 387.5 مليون دولار، و575 مليون دولار على التوالي، وأن حصيلة المراكز البحثية فيها لم يزد في كل الأحوال على 10 في المائة، أي أنه كان 38.7 مليون دولار، و 57.5 مليون دولار (مخصصة لنحو 40 مركزاً بحثياً حكومياً)، يدفع منها نحو كثر من 90 في المائة كمرتبات، ونحو أقل من 10 في المائة للتجهيز والمشتريات، بينما دعم البحث العلمي والنشر يكاد يكون معدوماً، وفي ما يتعلق بمركز الدراسات القانونية والسياسية كانت ميزانيته المصروفة للسنوات 2005، 2006، 2007 خالية من دعم عمليات البحث العلمي (النشر، التفرغ للبحث، تنفيذ مشاريع…).
ب- لا تتعدى خدمة الحاسوب المتوفرة نسبة الـ 20 في المائة من الاحتياج الفعلي، أما تجهيز خدمة إنترنت مستقرة فإنه على ضعفها تكاد لا تتعدى 1 ساعة أسبوعياً للباحث الواحد؛ وأحياناً لا يتمتع بها الباحث بسبب غياب تجهيز خدمة الكهرباء لأسابيع أو أشهر.
ج- عدد المنشور هو الآخر يشكل مأساة. فمجالات النشر بالنسبة لمركز الدراسات القانونية والسياسية مثلاً غير متوفرة، ومرتبطة بقدرة الباحثين على إقامة علاقات مع كليات العلوم السياسية في بغداد، المستنصرية، النهرين التي تصدر دورياتها (نقصد المجلات العلمية المعترف بأنها محكمة في إطار دراستنا السياسية وهي: قضايا سياسية، العلوم السياسية، دراسات دولية، العلاقات الدولية والسياسية، العرب والمستقبل) بشكل غير منتظم مرة كل عام في الغالب، ولا تتقبل مجتمعة أكثر من 50 عنواناً سنوياً للنشر، لباحثين يتجاوز عددهم الـ 350 مدرساً في مختلف المستويات العلمية.
إزاء ما تقدم سيكون تركيزنا على تصنيف تلك المشكلات وتناولها كالآتي:
إشكاليات تتعلق بالجوانب المادية والسياسية والإدارية. ويمكن تقسيم هذه المشكلات إلى الآتي:
1- فقدان الفكر المهني في حياة القوى السياسية المختلفة. ومظاهر هذه المشكلة يمكن تلمسها من خلال:
أ- التعرض لحياة الباحثين، والتخوف من طرح الرأي أو حتى من تقديم النصح والاستشارة الصائبة، وإذا ما توفرت الحرية في المجالات غير الحساسة فالكلمات مقننة، فالفئات التي لديها الموارد للتأثير السلبي على الباحث فاعلة.
ب- فضلاً عن عدم حاجة القوى السياسية للتنظير الأكاديمي: إن الظرف السياسي غير المستقر، الذي تفاقم بعد إحداث التغيير السياسي في نيسان 2003، بات يحمل الأعباء السياسية، أو ما يعتقده (المواطن والسياسي ورجل الدين) اعتقادات دينية يرفض التماس مع ما يعتبره حقائق مقدسة، وكلها جعلت عملية البحث في العلوم السلوكية مفرغة من محتواها. ولنضرب أمثلة عن أعمال يفترض أن يعالجها باحثون في العلوم السياسية:
مثال 1: السلوك التصويتي لأعضاء البرلمان في العراق- تأثير مستوى التعليم. وقد كلف به باحث في مركز الدراسات القانونية والسياسية، إلا أنه اعتذر لأسباب تتعلق بسلامته الشخصية.
مثال 2: تأثير الطائفية في برنامج الحكومة. وقد واجهت هذه المسألة أحد الباحثين الذين تربطهم بنا علاقة، حينما قدم موضوع (إشكالية الوضع السياسي في العراق) إلى مركز بحثي علمي رصين له سمعته، فكان الجواب الذي قدم له من قبل المقيم العلمي على أحد الفقرات هو الآتي: (رغم محاولة الكاتب أن يكون موضوعياً، إلا أنه سقط في الانجرار لقضية الطائفية عندما حمل الجانب الإيراني والقوى السياسية الموالية له مسؤولية عن الأوضاع المتردية في العراق)، فاعتذر الباحث عن مواصلة إجراءات نشر الموضوع عند إصرار إدارة التحرير على الالتزام بنص المقيم العلمي.
ج-ويرافق كل ذلك إشكالية نظرة المجتمع السلبي للباحث العلمي، وإشكالية العلاقات الاجتماعية، فلا تزال نظرة الفرد في مجتمعاتنا هي أن يزور بعضنا بعضاً دون موعد سابق، وبفترة من الزمن تناسب الشخص الذي يقوم بالزيارة، ومن دون مراعاة لظروف وواجبات الآخر. وإذا ما علمنا حجم الترابطات الاجتماعية لعلمنا حجم التأخر أو الضياع الذي يصيب وقت الباحث وتفرغه لعمله.
وتترابط مع أعلاه مشكلة القدرة على التكيف مع عدم توفر متطلبات الحياة اليومية (توفر الخدمات من كهرباء، ماء، أمن، أسواق، خدمات صحية…) التي تجعل الحياة على الباحث صعبة ولا يستطيع تنسيق وقته عليها. وكذلك مع القصور في الخدمات التي يقدمها المجتمع:فعدم توفر دور نشر كافية يجعل النشر عملاً شاقاً، وفي أحيان ينشر بعد أن يفقد العمل البحثي قيمته. والأمر الأسوأ هو دور النشر الاهلية التي تبحث عن المربح وليس الذي يعمل على تطوير المعرفة، خشية الخسارة.ويصعّب الأمر أن اغلب الدوريات التي تصدرها الجامعات هي غير متخصصة ، وامثلة على الخليط المتنافر الذي يسبب عزوف أغلب الكفاءات، إن كلية العلوم السياسية في جامعة النهرين (التي تضم أربعة أقسام عامة) تصدر مجلة قضايا سياسية، وهي مجلة عامة في العلوم السياسية. وهناك مجلة العلوم السياسية الصادرة عن نظيرتها في جامعة بغداد، وهي كذلك تنشر في مختلف فروع العلوم السياسية. وهناك مجلة الدراسات الدولية التي يصدرها مركز الدراسات الدولية في جامعة بغداد، والتي من عنوانها يفترض بها التخصص إلا أنها كذلك تنشر في شتى مواضيع العلوم السياسية. وهكذا دواليك مع بقية المجلات التي تعتبرها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي محكمة، والنشر فيها معتمد لأغراض الترقية. أما مركز الدراسات القانونية والسياسية في جامعة النهرين فلا يزال يفتقر إلى أي مجلة علمية، رغم وجود ست وحدات علمية متنافرة في تخصصاتها، ورغم كونه قد تأسس قبل نحو 4 سنوات.
2 – الإشكاليات القانونية والإدارية. وأبرز المظاهر هنا هي:الترقية العلمية والترقية الوظيفية، وتوفر الإمكانات المالية والمادية،الهياكل العلمية للمراكز والتخصص. إن الغاية من إنشاء مراكز البحث العلمي هي إنشاء وحدات مختصة لتطوير المعرفة والمساهمة في حل مشكلات مجتمعية. إلا أنها قد عانت من الافتقار إلى السلطات والصلاحيات والإمكانات المتاحة لتسهيل قدرتها على ممارسة استقلالها، وهذا ما يلاحظ في:
أ- عدم توفر استقلال أكاديمي ملائم. بمعنى عدم توفر صلاحيات اختيار النظام والبرنامج، ومجموعة الباحثين، وما يتفرع عن ذلك من عدم توفر حماية على ما يقال أو ينشر أو يعبر عنه من آراء أكاديمية. فكل ذلك خاضع لضغوط عدم توفر ضمانات كافية للباحث من التهديد بالفصل أو الطرد أو العقوبة. أو حتى الاعتقال أو القتل، من قبل البعض الآخر، سواء اخذ الآخر صفة انسان فاشل علمياً، أو حزب متعصب لرأي.
ب- عدم توفر استقلال إداري ملائم، ومعناه حرية المراكز البحثية في اتخاذ القرارات الداخلة في نطاقها، وفي تصريف شؤونها. وفي وضع الأنظمة واللوائح والهياكل التنظيمية التي تنظم بها عملها، إلا أن ما يلاحظ أن هناك مشكلات سابقة على ذلك، ألا وهي اختيار القيادات الإدارية للمراكز البحثية من بين أناس ليس لهم اهتمام كاف أو مشهود لكفاءتهم بالعمل البحثي، بل جاء الأمر وفقاً لاعتبارات الترضية الضيقة، عقائدية كانت أو سياسية.
واذا ما أضفنا إشكالية غياب التمويل لأداء الرسالة البحثية، كان من ابرز المخرجات هو الآتي:
1: أصبحت المراكز البحثية مجرد ديكورات تتباهى المؤسسات الرسمية بوجودها.
2: بالرغم من أن وظائف المؤسسات الجامعية ثلاث: التدريس لإعداد الكوادر البشرية، البحث لحل المشكلات وإنتاج المعرفة، التثقيف. إلا أن الواقع العملي أفضى إلى مشكلة التناقض في الدور بين الغرض من إنشاء المراكز وأدوارها في علاقاتها مع وحدات الجامعة. فقضايا مثل: تحكيم البحوث والدراسات والأطاريح الجامعية، الإشراف على البحوث النظرية، مناقشة الأجزاء النظرية من البحوث الجامعية، هي جزء من اهتمام المراكز البحثية الأصيل، إلا أنها في الغالب لا تحال إلى تلك المراكز، الأمر الذي جعل عملهم منصباً على البحوث النظرية فحسب، وانفصال غير مبرر بين عمل الوحدات الجامعية المختلفة.
3: ضعف في التمويل للبحوث الإنسانية يجعل تنفيذ البحوث الميدانية صعباً، يقابله تدني الإنفاق على البحث العلمي يؤدي إلى إما تشويه إنجاز البحوث ذات الجهد المتواضع، أو تجميد المشاريع قيد الإنشاء، أو عدم القدرة على إنجاز المشاريع الكبرى.
4: الوقت المخصص من قبل الباحث للتحليل والاستنتاج محدود جداً، إذ ينوء العديد من الباحثين بأعباء إدارية لتغطية العجز في الخدمات الإدارية، وكما يشكل غياب الخدمات الإدارية المساندة لعمليات البحث (موزعو استمارات الاستبانة في البحوث الميدانية، خدمات مكتبة وأرشيف فقير، ضعف تجهيز وحدات الطباعة…) أعباء أخرى تفاقم المشكلة.
5: أدت السياسات الحكومية إلى جعل الشهادات العليا في العلوم الاجتماعية السلوكية مجرد محطات للحصول على الألقاب العلمية، وبالتالي عدم الجدية في التعامل معها. يقابله تدني الاهتمام الرسمي بالوظيفة البحثية، حيث يكاد لا يوجد تطبيق عملي لأنظمة التعيين المؤقت بقصد التفرغ للبحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه.
6: الافتقار إلى التنسيق وإلى سلم أولويات يؤدي إلى ضياع في الوقت والمال والجهد، رغم ندرتها. وبالتزامن مع المشكلة رقم 3، انتهى أغلب الباحثين إلى صيغة بحوث فردية – نظرية تهرباً من مشكلات المجتمع.
إشكاليات تتعلق بالباحث نفسه. وأبرز مظاهرها الآتي:
أ- اقتصادية: إشغال الوقت بمسائل تهيئة مستلزمات الحد الأدنى من العيش الكريم.
ب- سياسية، أهمها: التعايش مع أزمة الولاءات الحزبية، الطائفية، القومية، فقدان الحرية الأكاديمية لمضمونها، وكذلك التوجهات السياسية وسيطرتها على أداء أغلب الباحثين المهني، فأغلب الأبحاث المنجزة في الحقول الاجتماعية- السلوكية لم تلعب دوراً في تكوين وعي اجتماعي على أساس علمي لدى المواطنين، بل أسهمت بشكل ما في تزييف هذا الوعي.
ج- شخصية، وأهمها: أن نظرة أغلب المشتغلين بالبحث إلى وظائفهم لا تزال نظرة سطحية، واعتبار الشهادة مصدر الوظيفة وليس مصدر التزام وإلزام تفرض على حاملها مسؤوليات مضافة، وفقدان العمل والالتزام بجدواهما، وهذا الأمر ناجم عن هشاشة النظام التعليمي جراء التسييس.
وإجمالاً فإن ما موجود من سياسات بحثية، إن وجدت، يلاحظ عليها كتابة أبحاث لا تنسيق بينها على مستوى المركز أو القسم الواحد، بل هي خليط مبعثر لا يجمع بينها خط عام أو هدف مشترك، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة من حالتين: تتبع عناوين المشاريع البحثية لكل قسم أو مركز بحثي، وتتبع عناوين الرسائل والأطاريح الجامعية في الكليات المختلفة. وجاء هذا الأمر تراكمياً تحت طائل: عدم اهتمام المسؤولين لعدم الرغبة في الاطلاع، أو عدم القدرة على تنفيذ توصيات تلك المشاريع، اتجاه متزايد من القائمين على الأبحاث، تحت طائل السبب أعلاه، إلى كون مشاريعهم لا تعدو إما أن كون تدريباً على البحث فحسب، أو كونها وسيلة للاسترزاق، واتجاه الباحثين إلى تكوين مجتمعات منغلقة على ذاتها، يتواطأ أفراد كل منها فيما بينهم لتحقيق مصالح مشتركة. وكل ما تقدم من إرهاصات أفضى إلى الآتي:
أ- أن إنجاز البحوث أضحى يخضع لديكور العدد، وليس لمضمون العمل والحاجة اليه. بل إن المشاريع تخضع لحاجات الباحث فقط، إما استكمالاً لنيل شهادة أو لأغراض الترقيات العلمية أو الوظيفية.
ب- أن ما يصرف على البحث العلمي أصبح إنفاقاً عبثياً للترضية وإيجاد وظائف، وأن الإدارات المسؤولة عن البحث أصبحت غير جادة في تنظيمه.
ج- هناك حجز غير مسؤول على نتائج الدراسات والمشاريع (رغم تنوعها).
د- تكالب (أغلب) الباحثين على المسؤولين والحزبيين من أجل مركز قيادي يمارس به التأثير على العملية البحثية أو من اجل الاسترزاق أو الحماية.
في مقالتنا هذه حاولنا بيان الدور الذي يقوم به البحث العلمي في رفد المعرفة الإنسانية. ولقد تناولت الوظيفة العامة للمؤسسات البحثية، وأن صلب إنشائها ليس اجترار المعلومات ، بل تحليلها بما يرفد الغاية الإنسانية من إنشائها، ألا وهي المعرفة. وجرى تناول مسألة الإدارة الفاعلة لعملية البحث بوصفها مخرج عمل تلك المؤسسات.
ونستخلص أن من الأهمية بمكان وضع نظام لتشجيع الهيئة البحثية للاهتمام بالأبحاث الميدانية والتطبيقية. فطبائع الأشياء تقضي بتحريك بواعث العمل والاجتهاد في الاتجاه الصحيح. كما أن نظام الحوافز المادية والمعنوية لها دور كبير في تشجيع أعضاء الباحثين على الاهتمام بالمشكلات التطبيقية، وإجراء البحوث التي تخدم قضايا تنمية الموارد البشرية. وأهم هذه الحوافز هي تلك المتعلقة بترقياتهم. أما التوصيات التي يمكن ذكرها فهي مرتبطة بالحلقات والمستويات التي تخضع لتقييم الجودة في علاقة البحث العلمي بالمعرفة، وهي الآتي:
1- يراعى التنظيمات أو الأقسام العلمية ومدى تلاؤمها مع متطلبات الغاية التي أنشئت من أجلها. ويستحسن أيضاً تفعيل أدوار المراكز البحثية وإعطاؤها حقاً ثابتاً في التحكيم والإشراف والمناقشة.
2- البرامج/ الخطط: ويفضل هنا أن تقدم خطة عامة من قبل الإدارات العليا في ضوء الاحتياجات المجتمعية لمدة 5 أعوام، ثم تناقش من قبل الوحدات البحثية الأدنى كل في اختصاصه، وترفع كل منها خطة عامة تغطي السنوات الخمس، وخطة تفصيلية لسنة بحثية (حيث إن طابع التغيير يصيب العلوم الاجتماعية- السلوكية – السياسية ويؤثر فيها). ثم تناقش تلك الخطة من قبل الإدارات العليا تحت ظروف مهنية وليس وفقاً لأحكام سياسية، ويجري إقرارها.
3- الباحثون: إن المقياس هو نوع نتاج الباحث، وبالتالي يجب النظر إلى ما يحفز الباحث، وأهم هذه المسائل هي:
أ- الترقية العلمية، وهنا من الضروري ألا تخضع الترقية لشرط سنوات الخدمة، بل لمقدار ونوع الإنجاز.
ب- الحوافز المادية، ونقترح أن يوجد المركز البحثي أو الوحدة البحثية نشاطات تدفع الباحثين إلى تغطيتها.
ج- النشر العلمي المتخصص، فالضرورة تستدعي وجود مجلة علمية لكل وحدة علمية متخصصة.
د- المخرجات: وأهم ما فيها علاوة على النشر، إشكالية التحكيم؛ التي نتمنى تناولها في دراسات لاحقة.
::/fulltext::
::cck::1638::/cck::
