أهم المعوقات في طريق نمو العمل الأهلي في العالم العربي

::cck::1695::/cck::
::introtext::

لعله من المتناقضات الأساسية التي شهدتها الحياة الأهلية في العالم العربي في السنوات الأخيرة كانت النظرة إلى فكرة المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بشكل عام، ففيما كان ينظر إلى ذلك المستوى من العمل المدني البعيد عن الحضور الرسمي للدولة بعين الشك والريبة، بل ولا نغالي إذا قلنا إنه كان ينظر إليه على أنه طابور خامس وأصحابه ليسوا إلا جواسيس لأطراف خارجية، بات الوضع الآن على خلاف ذلك طولاً وعرضاً، شكلاً وموضوعاً ومساحة إجمالية، واضحي القلق والخوف ليس منه بل عليه وعلى مستقبله لاسيما أن هذا المستقبل يرتبط في واقع الأمر بمعطيات آنية ساخنة ليس أقلها ولا آخرها أحاديث الإصلاح والتنمية والديمقراطية في العالم العربي.

::/introtext::
::fulltext::

لعله من المتناقضات الأساسية التي شهدتها الحياة الأهلية في العالم العربي في السنوات الأخيرة كانت النظرة إلى فكرة المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بشكل عام، ففيما كان ينظر إلى ذلك المستوى من العمل المدني البعيد عن الحضور الرسمي للدولة بعين الشك والريبة، بل ولا نغالي إذا قلنا إنه كان ينظر إليه على أنه طابور خامس وأصحابه ليسوا إلا جواسيس لأطراف خارجية، بات الوضع الآن على خلاف ذلك طولاً وعرضاً، شكلاً وموضوعاً ومساحة إجمالية، واضحي القلق والخوف ليس منه بل عليه وعلى مستقبله لاسيما أن هذا المستقبل يرتبط في واقع الأمر بمعطيات آنية ساخنة ليس أقلها ولا آخرها أحاديث الإصلاح والتنمية والديمقراطية في العالم العربي.

قد يكون من المفيد بداية محاولة إنعاش الذاكرة بفكرة ومحتوى المجتمع المدني قبل التطرق إلى مستقبل هذا العمل في المنطقة العربية وإلى أين يمضي؟ 

ماذا يعني المجتمع المدني؟ 

يمكن القول ببساطة وبعيداً عن التنظيرات الأكاديمية إن المجتمع المدني هو العين الفاحصة والمستقلة للمجتمع العربي بأسره، هذه العين ليست سوى مجموعة متعددة من الجمعيات المدنية دائمة اليقظة القائمة على التنظيم الذاتي والتي تدعم باستمرار قيام الحياة الديمقراطية، وهذا التعريف هو الذي مال إليه كثيراً المفكر الفرنسي الأشهر (أليكس دو توكفيل) في كتابه المعروف (الديمقراطية في أمريكا). وفي هذا السياق يمكن القول إن المجتمع المدني ليس نظيراً للدولة بل هو أقرب ما يكون للمراقب الداخلي الذي تتعدد وتتنوع مجالات عمله من مراقبة لأوضاع حقوق الإنسان إلى مؤسسات تعمل على نشر القيم الديمقراطية وكافة المنظومات السياسية الحديثة إلى جانب دورها في مجالي الإصلاح والتنمية وهذه تندرج تحتها المئات من العناوين الفرعية.

وفي حقيقة الأمر فإنه رغم مرور أكثر من مائتي عام على ظهور فكرة المجتمع المدني في أوروبا بشكل خاص فإن العالم العربي لم يشهد حضوراً متزايداً لفكرة العمل الأهلي إلا في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم، حتى إن البعض بات ينظر للمجتمع المدني على أنه المفتاح السحري بل والسري للكهف المسحور أو لمغارة (علي بابا) حيث توجد كنوز الحرية والديمقراطية والحداثة وكل سبل المشاركة السياسية وتداول السلطة المنشودين.

وقد يكون في الأمر مبالغة لا شك في ذلك، لكن تبقى هناك بالفعل مساحات عريضة من الحقيقة في الإطار نفسه وهذا ما عبر عنه أحد المفكرين العرب البارزين هو الدكتور برهان غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون عندما ذهب للقول إن المجتمع المدني هو (مجتمع الأحرار المتساوين)، ويحدد هدف وجود هذا المجتمع بالقول إعطاء نوع من المشروعية السياسية لمشروع الحداثة الذي تمثله الدولة، أي لمشروع التحويل البيروقراطي المدني أو العسكري للمجتمعات العربية وهو محاولة لإعادة بناء العقيدة الحداثية للنخبة المتراجعة على أسس تتماشى مع مناخ الحقبة التي نعيش وتتفق مع افتقار السلطة الراهنة أي مشروع اجتماعي حقيقي.

ومن دون تطويل مما في تعريف كينونة وماهية المجتمع المدني فإن القراءة المستقبلية لحال ذلك المجتمع تتطلب منا التوقف أمام عدة محطات يمكن أن تكون عقبات كأداء، ويمكن كذلك أن تصبح محفزاً ومهمازاً في الطريق إلى المزيد من المشاركة المدنية المجتمعية في عالمنا العربي بغرض الانتقال به إلى الدولة الحديثة القائمة على الدستور وحقوق الإنسان والحياة الحزبية السليمة دولة المواطنة والمساواة لا العنصرية والتمييز وبعيداً عن محاولات الدولة التحديثية التي تستقدم بعض المشاهد والملامح للدولة الحديثة وتستوردها فيما لا ينفع قيامها في طريق المستقبل.. والتساؤل ماذا عن علامات المستقبل أو عقباته؟ 

علاقة المجتمع المدني بالدولة 

يمكننا بلا شك أن نضع هذه العلاقة بكافة أشكالها وإشكالياتها في مقدمة علامات الطريق في مستقبل العمل الأهلي والمجتمع المدني في العالم العربي، والتساؤل إلى أين ستمضي بينهما؟ وهل ستنظر الدولة مع تعاظم دور تلك المؤسسات الأهلية نظرة إيجابية إلى واقع الحال وتجاري وتساير ما تقوم به الدول الغربية تجاه الجمعيات والمؤسسات المدنية فيها أم أن النظرة ستعاود الرجوع إلى عصور الستينات وما قبلها؟ واقع الأمر أن هناك مخاوف شديدة من جدلية تلك العلاقة. والشاهد أن الأعوام الأخيرة زخرت بصراعات بين ما يمكن أن يكون أجندة وطنية لهذا المجتمع وما تدور حوله الشكوك في علاقته بأجندات وأطروحات خارجية وإن كانت هي حق في الأساس يراد به باطل.

فعلى سبيل المثال يمكن القياس على قضية نشر الديمقراطية في العالم العربي والتي تلعب فيها مؤسسات المجتمع المدني دوراً فاعلاً غير أن هذا الدور يصبح مثاراً للشكوك بل للشبهات عندما يقوم على تمويل مؤسسات خارجية وهو ما جرى في معظم البلدان العربية لاسيما منذ أن أطلق الرئيس الأمريكي جورج بوش دعوته إلى نشر المزيد من الديمقراطية في العالم العربي وهي دعوة يرى الكثيرون في مجتمعاتنا أنها ليست حباً وكرامة في العرب والمسلمين، ولكنها دعوة تأتي في سياق الأجندة الأمريكية للهيمنة على مقدرات المنطقة، وأن الحديث عن الدمقرطة هناك ليس إلا حديثاً عن حصان طروادة القرن الحادي والعشرين لاختراق المجتمعات العربية التي بقيت عصية على الاختراق.

غير أن الأمر لا يعني بالمطلق أن كافة أجندات المجتمع المدني العربي هي أجندات مفروضة خارجياً، لكن الواقع يؤكد أن الحدود الفاصلة غير واضحة المعالم في قيام ونشأة تلك المؤسسات وعلاقاتها بما هو خارجي لاسيما التمويل. تلك التهمة الأكثر بشاعة وهذا يمكن أن يعرضها ذات مرة لعصف السلطات المدنية أو سلطة الدولة في حال مواجهة أخطار محدقة بسيادة واستقلال القرار الوطني مما يلحق بها خسائر تعود بها إلى فكرة المؤسسات العميلة أو الدخيلة. 

الصبغة السياسية للعمل المدني 

وفي الطريق إلى قراءة مستقبل العمل المدني نستكشف كذلك أن هناك مشهداً يؤثر في فاعلية ودور ومستقبل عمل المجتمع المدني في عالمنا العربي وهو محاولة تسييسه بمعنى الربط بينه وبين السياسات القائمة سواء لخدمتها أو معارضتها.

والأصل في المجتمع المدني ومؤسساته أنها تنأى بنفسها عن الصراعات والمطاحنات الحزبية غير أنه ومن أسف بدأت تظهر علاقات التداخل بين هذه وتلك، وتم استغلال عدد وافر من أذرع المجتمع المدني من قبل أصحاب المصالح السياسية مما جعلها تبعد كثيراً عن وصف أليكس دي توكفيل، أي كونها عيناً تراقب السلطة المدنية، وتحولت إلى وكالات للأحزاب السياسية. وهناك ما هو أسوأ وهو أن كثيراً من القوى السياسية القائمة على الأرض اليوم ترى في تلك الجمعيات قناة يصل من خلالها الدعم المالي الخارجي الذي عوضاً عن أن يذهب إلى خدمة المواطنين والنهوض بحياتهم الفكرية والسياسية في الإطار النظري يصبح معيناً لهؤلاء الوكلاء يثرون من ورائه دون أدنى التفاتة للهدف الحقيقي من هذا التمويل وفي ذلك مغامرة قاتلة قد تدعو الوكالات الأجنبية الداعمة للعمل المدني في العالم العربي إلى الإحجام عن تمويل أي عمليات جديدة، ويصبح الفساد هنا هو المقياس وعليه تنهار كثير من بنية المجتمع المدني من جراء انهيار أحد أهم أركانه وهو الابتعاد عن سيطرة الأحزاب أو هيمنة الدولة بما يكفل للمواطن مساحة من حرية الرأي والتعبير وبعيداً عن ضغوط السياسيين ومصالحهم الفئوية الضيقة والتي تصيب مستقبل هذا المجتمع في مقتل. 

التأصيل الفكري للعمل الأهلي 

في تقدير كاتب هذه السطور أن هناك قضية غاية في الأهمية تتعلق بمستقبل ووجود العمل الأهلي والمجتمع المدني في العالم العربي هي التأصيل الفكري والذهني لفكرة المجتمع المدني، بمعنى ما الذي هو راسخ في عقول المواطنين العرب عن هذا النوع من العمل؟ وهل هو عمل غربي أجنبي وافد إلينا غريب على مجتمعاتنا بعيد عن القيم والآداب الإسلامية ما يعني أنه ليس له مكان في بلادنا وعليه أن يحمل عصاه ويرحل كما الاستعمار من قبل أم أنه فكر إسلامي وعربي سابق بكثير لما عرفته المجتمعات الغربية؟

مفهوم المجتمع المدني له دلالاته في الإسلام سواء على صعيد القيم أو على صعيد الخبرة التاريخية 

واقع الأمر أن هناك الكثير من أصوات وأقلام المفكرين العرب تذهب للقول إن القيم الأخلاقية التي يستند إليها المجتمع المدني قيم الحرية والمساواة والتطوع والتسامح والقبول بالتعدد والاختلاف فضلاً عن قيم التعاون والتكافل والمشاركة موجودة في الدين الإسلامي، بل إن هذه القيم هي من صميم الإسلام كما يجسده القرآن والسنة. ولذلك فإن مفهوم المجتمع المدني له دلالاته في الإسلام سواء على صعيد القيم أو على صعيد الخبرة التاريخية حيث عرفت هذه الخبرة جوهر المجتمع المدني وهذا يؤكد خطأ الطروحات التي ترى تناقض الإسلام مع الديمقراطية ومع المجتمع  المدني.

وفي هذا الإطار يمكن الاستشهاد بما أشار إليه المفكر والكاتب العربي الكبير الدكتور أحمد صبحي في مؤلفه المشهور (مستقبل المجتمع المدني في العالم العربي) من أن التجربة التاريخية في العصر النبوي تعتبر أول تجربة في التعاقد المدني عرفها التاريخ، وسبقت نظرية العقد الاجتماعي لروسو، ما يثبت أن مفهوم المجتمع المدني ليس البتة غريباً عن ثقافتنا العربية الإسلامية استناداً إلى أن الإسلام أقر الحق في الاختلاف وقرر مبدأ الشورى.

العالم العربي لم يشهدا حضوراً متزايداً لفكرة العمل الأهلي إلا في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم 

وبناء عليه فإن التاريخ العربي عرف مؤسسات يمكن اعتبارها مؤسسات مجتمع مدني من جماعات العلماء والقضاة والمفتين إلى نقابات الحرف والصنائع إلى شيوخ القبائل والعشائر وشيوخ الطرق الصوفية ورؤساء الطوائف، فقد اضطلع هؤلاء بوظائف منفصلة عن وظائف الدولة وعبروا عن أشكال من التنظيم الذاتي خارج السلطة.

والتساؤل الذي يطرح نفسه وبقوة هو هل هذا المفهوم واصل عند جموع المواطنين العرب حتى يدركوا الجذور التاريخية ذات الصبغة الدينية لمجتمع التكافل والتضامن الذي عرفه الإسلام في بواكيره الأولى قبل أن يصل إلينا في محتواه الغربي ويلقى ما يلقى من رفض البعض أو يتهمه بالعمالة والخيانة؟ وماذا عن دور وسائل الإعلام العربية في هذا الإطار؟ وهل تقوم بما يجب أن تقوم به من توعية وإرشاد فكري أم أنها تبحث عن تحقيق مصالحها الضيقة الفردية منها أو النخبوية بعيداً عن صالح الوطن والمجموع القيمي لمصالحه؟ 

عمل جماعي أم نزعة فردية؟ 

من أهم العوامل المستقبلية التي تساعد على نجاح واستقرار بل ونمو المجتمع المدني في العالم العربي هو القدرة على التكيف الزمني والجيلي والوظيفي كما يؤكد على ذلك الدكتور أحمد صبحي.. فماذا يعني هذا الحديث؟

إن الناظر بعين المراقب الفاحص لأحوال الأمة العربية يدرك أن طبيعة ومساحة وحجم سلطة الفرد فيها أكبر وأعرض وأوسع كثيراً من مساحة العمل المؤسسي الممنهج والجماعي، بمعنى يضحي قريباً من التهمة الموجهة للدول العربية من حيث كونها دول أفراد وليس دول مؤسسات مع وجود استثناءات دون أدنى شك في ذلك. هذه الفردية تهدد عمل المجتمع المدني بصورة قاتلة لاسيما أن قيام مؤسسات عن بكرة أبيها بات يرتبط بأسماء بعينها وفي حال غياب تلك الأسماء عن ساحة العمل المدني ينهار البناء ما يعني أن غالبية تلك الهيئات يغلب عليها طابع المرحلية فهي دالة على مرحلة يتسيد فيها أناس بعينهم، أي أن العمل الأهلي يصبح رهناً لوجود هؤلاء وليس قيمة مستقلة بذاتها لا تتبدل ولا تتغير بتغير الشخوص أو غيابهم عن مشهد العمل المدني برمته، فالمجتمع المدني يرتكز على عناصر مشتركة يوافق عليها معظم الذين تحدثوا عن المجتمع المدني وأهمها أن هذا الكيان هو رابطة اختيارية جماعية وليس توجهاً فردياً يدخلها الأفراد طواعية، وأن مؤسسات هذا المجتمع تتمتع باستقلالية نسبية عن الدولة وفي هذا خطر واضح على الدور الذي يمكن أن تلعبه في إطار التنمية بكافة أشكالها الفكرية منها والمادية، ذلك لأن العملية التنموية بالأساس بحاجة إلى استمرارية في العمل وشمولية في التغطية ورؤية واضحة في الأسس. ومن هنا فإن إنشاء مؤسسات المجتمع المدني على منطلقات ومصالح شخصية يتعارض مع أساس هذه المؤسسات التي تقوم على حاجات ومصالح جماهير الشعب. 

عمل تنموي أم وسيلة للتربح؟ 

تبقى قضية التنمية بالنسبة للمجتمع المدني وللهيئات والمؤسسات غير الربحية Non Governmental Organization مثار نقاش محتدم لاسيما أن الالتباس بين الدور التنموي والدور الربحي لهذه المؤسسات غير واضح المعالم.

وبادئ ذي بدء، فإنه من المعروف أن للمجتمع المدني نهجين الأول هو التنمية الفكرية والعقلية والثاني هو التنمية المادية والاقتصادية.

والأولى تتعلق ببناء المؤسسات ونشر الديمقراطية وتفعيل المشاركة السياسية، ويكون التركيز على هذا القطاع متزايداً كلما كانت مؤسسات المجتمع المدني مدعومة من قبل جهات خارجية تتبنى هذه الرؤى.

وهنا يستلزم التوقف مرة جديدة عند مفهوم تلك الرؤى والتساؤل هل من معيار للقياس عليه بالنسبة لوطنية تلك الرؤى من عدمها؟ ومن يملك التقرير في هذا الشأن هل الحكومات والسلطات التنفيذية والتشريعية أم الرقابة الذاتية للمجتمع المدني أم صحوة ويقظة المواطنين أنفسهم ومقدرتهم على الفرز والتمييز بين الغث والثمين وبين ما هو وطني نافع وصالح للتربة وبين ما يمكن أن يتحول إلى سموم قاتلة إذا زرع في غير تربته مثل الديمقراطية (الفزاعة) الجديدة التي تستخدم اليوم لإجبار العديد من الأنظمة على الرضوخ لطلبات الغرب من خلال مؤسسات العمل المدني؟

أما على الجانب الآخر للتنمية فتبقى التنمية الاقتصادية وهنا يختلط الحابل بالنابل بدءاً من عملية التمويل ذاتها والتي هي في أحسن الظنون خدمة للطرفين، هذا إذا لم نقل إنها تخدم فقط الدول والهيئات والمؤسسات المانحة بأكثر مما تخدم الأطراف الممولة والمتلقية للتمويل.

وهناك تساؤل مزعج آخر عن المجالات التي يتم التركيز عليها في العملية التنموية هل هي مجالات استهلاكية أم أنها قطاعات استثمار بنيوي طويل الأمد يعطي خير النتائج على المدى البعيد؟ بل إلى أبعد من ذلك يمكن الذهاب للقول إن هناك أجندات طائفية وراء بعض عمليات التمويل وهو ما أوردته الأنباء الواردة من واشنطن على وجه التحديد منذ بضعة أشهر بشأن قيام المعونة الأمريكية على سبيل المثال بتخصيص أجزاء معينة من المساعدات التي تقدم إلى المجتمع العمل المدني في بعض الدول العربية لطوائف ومذاهب بعينها وهذا أمر يعزز النهج الطائفي ويثير الفتنة والشقاق في المنطقة.

أضف إلى هذا كله أن كثيراً من تلك المنظمات أضحت تقوم بدور الطبقة المعروفة في علم الاقتصاد (بالكمبرادو) تلك الطبقة الوسيطة التي تحقق منافع مالية وربحية من وراء التستر خلف فكر التنمية لتحقيق أرباح مالية لذاتها لا لخدمة المجتمع. 

العمل المدني.. نظرة للآفاق المستقبلية 

والحق أن الحديث يطول ويزيد على المتاح للكتابة حول مستقبل المجتمع المدني في العالم العربي غير أنه يلزم قبل الانصراف التأكيد على عدة أمور من دونها لا يستقيم وجود وعمل المجتمع المدني في العالم العربي، في مقدمتها وأولها وأهمها أن هذا المجتمع هو نقلة وطفرة حضارية لا يمكن الرجوع عنها أو النكوص على أعقابها، بل يجب دفعها إلى الأمام مهما كانت العثرات في الطريق. وثانياً ضرورة البناء الإيجابي على ما تحقق في العقدين الماضيين بمنطق التراكم الكمي والنوعي واستنهاض الهمم والنوازع الإيجابية والخبرات الإيجابية في المسيرة. وثالثاً ضرورة النضال في سبيل مجتمع مدني يربط بين الدولة والمواطنين من خلال آليات عدة من بينها التطلع لموازنة القوى بين سلطات الدولة وقدرات المجتمع المدني المراقبة والساعية إلى تحقيق توازن يقود إلى حياة ديمقراطية سليمة ومنها كذلك تعزيز قدرة المجتمع المدني على التأثير في درجة انضباط الجهاز السياسي.

ويبقى دور المجتمع المدني كحلقة وسيطة بين الدولة والمجتمع لتحسين وتصحيح أي خطأ في صورة العلاقة كما يجب أن تكون، ويبقى على المجتمع المدني أن يكون عوناً ودافعاً في طريق الرقي بالمستوى الفكري والأخلاقي والسياسي للجماهير العربية في شراكة حقيقية غير مغشوشة مع الدولة لبناء مجتمع الأحرار الديمقراطيين المتساوين كما يوصف المجتمع المدني.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1695::/cck::
::introtext::

لعله من المتناقضات الأساسية التي شهدتها الحياة الأهلية في العالم العربي في السنوات الأخيرة كانت النظرة إلى فكرة المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بشكل عام، ففيما كان ينظر إلى ذلك المستوى من العمل المدني البعيد عن الحضور الرسمي للدولة بعين الشك والريبة، بل ولا نغالي إذا قلنا إنه كان ينظر إليه على أنه طابور خامس وأصحابه ليسوا إلا جواسيس لأطراف خارجية، بات الوضع الآن على خلاف ذلك طولاً وعرضاً، شكلاً وموضوعاً ومساحة إجمالية، واضحي القلق والخوف ليس منه بل عليه وعلى مستقبله لاسيما أن هذا المستقبل يرتبط في واقع الأمر بمعطيات آنية ساخنة ليس أقلها ولا آخرها أحاديث الإصلاح والتنمية والديمقراطية في العالم العربي.

::/introtext::
::fulltext::

لعله من المتناقضات الأساسية التي شهدتها الحياة الأهلية في العالم العربي في السنوات الأخيرة كانت النظرة إلى فكرة المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بشكل عام، ففيما كان ينظر إلى ذلك المستوى من العمل المدني البعيد عن الحضور الرسمي للدولة بعين الشك والريبة، بل ولا نغالي إذا قلنا إنه كان ينظر إليه على أنه طابور خامس وأصحابه ليسوا إلا جواسيس لأطراف خارجية، بات الوضع الآن على خلاف ذلك طولاً وعرضاً، شكلاً وموضوعاً ومساحة إجمالية، واضحي القلق والخوف ليس منه بل عليه وعلى مستقبله لاسيما أن هذا المستقبل يرتبط في واقع الأمر بمعطيات آنية ساخنة ليس أقلها ولا آخرها أحاديث الإصلاح والتنمية والديمقراطية في العالم العربي.

قد يكون من المفيد بداية محاولة إنعاش الذاكرة بفكرة ومحتوى المجتمع المدني قبل التطرق إلى مستقبل هذا العمل في المنطقة العربية وإلى أين يمضي؟ 

ماذا يعني المجتمع المدني؟ 

يمكن القول ببساطة وبعيداً عن التنظيرات الأكاديمية إن المجتمع المدني هو العين الفاحصة والمستقلة للمجتمع العربي بأسره، هذه العين ليست سوى مجموعة متعددة من الجمعيات المدنية دائمة اليقظة القائمة على التنظيم الذاتي والتي تدعم باستمرار قيام الحياة الديمقراطية، وهذا التعريف هو الذي مال إليه كثيراً المفكر الفرنسي الأشهر (أليكس دو توكفيل) في كتابه المعروف (الديمقراطية في أمريكا). وفي هذا السياق يمكن القول إن المجتمع المدني ليس نظيراً للدولة بل هو أقرب ما يكون للمراقب الداخلي الذي تتعدد وتتنوع مجالات عمله من مراقبة لأوضاع حقوق الإنسان إلى مؤسسات تعمل على نشر القيم الديمقراطية وكافة المنظومات السياسية الحديثة إلى جانب دورها في مجالي الإصلاح والتنمية وهذه تندرج تحتها المئات من العناوين الفرعية.

وفي حقيقة الأمر فإنه رغم مرور أكثر من مائتي عام على ظهور فكرة المجتمع المدني في أوروبا بشكل خاص فإن العالم العربي لم يشهد حضوراً متزايداً لفكرة العمل الأهلي إلا في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم، حتى إن البعض بات ينظر للمجتمع المدني على أنه المفتاح السحري بل والسري للكهف المسحور أو لمغارة (علي بابا) حيث توجد كنوز الحرية والديمقراطية والحداثة وكل سبل المشاركة السياسية وتداول السلطة المنشودين.

وقد يكون في الأمر مبالغة لا شك في ذلك، لكن تبقى هناك بالفعل مساحات عريضة من الحقيقة في الإطار نفسه وهذا ما عبر عنه أحد المفكرين العرب البارزين هو الدكتور برهان غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون عندما ذهب للقول إن المجتمع المدني هو (مجتمع الأحرار المتساوين)، ويحدد هدف وجود هذا المجتمع بالقول إعطاء نوع من المشروعية السياسية لمشروع الحداثة الذي تمثله الدولة، أي لمشروع التحويل البيروقراطي المدني أو العسكري للمجتمعات العربية وهو محاولة لإعادة بناء العقيدة الحداثية للنخبة المتراجعة على أسس تتماشى مع مناخ الحقبة التي نعيش وتتفق مع افتقار السلطة الراهنة أي مشروع اجتماعي حقيقي.

ومن دون تطويل مما في تعريف كينونة وماهية المجتمع المدني فإن القراءة المستقبلية لحال ذلك المجتمع تتطلب منا التوقف أمام عدة محطات يمكن أن تكون عقبات كأداء، ويمكن كذلك أن تصبح محفزاً ومهمازاً في الطريق إلى المزيد من المشاركة المدنية المجتمعية في عالمنا العربي بغرض الانتقال به إلى الدولة الحديثة القائمة على الدستور وحقوق الإنسان والحياة الحزبية السليمة دولة المواطنة والمساواة لا العنصرية والتمييز وبعيداً عن محاولات الدولة التحديثية التي تستقدم بعض المشاهد والملامح للدولة الحديثة وتستوردها فيما لا ينفع قيامها في طريق المستقبل.. والتساؤل ماذا عن علامات المستقبل أو عقباته؟ 

علاقة المجتمع المدني بالدولة 

يمكننا بلا شك أن نضع هذه العلاقة بكافة أشكالها وإشكالياتها في مقدمة علامات الطريق في مستقبل العمل الأهلي والمجتمع المدني في العالم العربي، والتساؤل إلى أين ستمضي بينهما؟ وهل ستنظر الدولة مع تعاظم دور تلك المؤسسات الأهلية نظرة إيجابية إلى واقع الحال وتجاري وتساير ما تقوم به الدول الغربية تجاه الجمعيات والمؤسسات المدنية فيها أم أن النظرة ستعاود الرجوع إلى عصور الستينات وما قبلها؟ واقع الأمر أن هناك مخاوف شديدة من جدلية تلك العلاقة. والشاهد أن الأعوام الأخيرة زخرت بصراعات بين ما يمكن أن يكون أجندة وطنية لهذا المجتمع وما تدور حوله الشكوك في علاقته بأجندات وأطروحات خارجية وإن كانت هي حق في الأساس يراد به باطل.

فعلى سبيل المثال يمكن القياس على قضية نشر الديمقراطية في العالم العربي والتي تلعب فيها مؤسسات المجتمع المدني دوراً فاعلاً غير أن هذا الدور يصبح مثاراً للشكوك بل للشبهات عندما يقوم على تمويل مؤسسات خارجية وهو ما جرى في معظم البلدان العربية لاسيما منذ أن أطلق الرئيس الأمريكي جورج بوش دعوته إلى نشر المزيد من الديمقراطية في العالم العربي وهي دعوة يرى الكثيرون في مجتمعاتنا أنها ليست حباً وكرامة في العرب والمسلمين، ولكنها دعوة تأتي في سياق الأجندة الأمريكية للهيمنة على مقدرات المنطقة، وأن الحديث عن الدمقرطة هناك ليس إلا حديثاً عن حصان طروادة القرن الحادي والعشرين لاختراق المجتمعات العربية التي بقيت عصية على الاختراق.

غير أن الأمر لا يعني بالمطلق أن كافة أجندات المجتمع المدني العربي هي أجندات مفروضة خارجياً، لكن الواقع يؤكد أن الحدود الفاصلة غير واضحة المعالم في قيام ونشأة تلك المؤسسات وعلاقاتها بما هو خارجي لاسيما التمويل. تلك التهمة الأكثر بشاعة وهذا يمكن أن يعرضها ذات مرة لعصف السلطات المدنية أو سلطة الدولة في حال مواجهة أخطار محدقة بسيادة واستقلال القرار الوطني مما يلحق بها خسائر تعود بها إلى فكرة المؤسسات العميلة أو الدخيلة. 

الصبغة السياسية للعمل المدني 

وفي الطريق إلى قراءة مستقبل العمل المدني نستكشف كذلك أن هناك مشهداً يؤثر في فاعلية ودور ومستقبل عمل المجتمع المدني في عالمنا العربي وهو محاولة تسييسه بمعنى الربط بينه وبين السياسات القائمة سواء لخدمتها أو معارضتها.

والأصل في المجتمع المدني ومؤسساته أنها تنأى بنفسها عن الصراعات والمطاحنات الحزبية غير أنه ومن أسف بدأت تظهر علاقات التداخل بين هذه وتلك، وتم استغلال عدد وافر من أذرع المجتمع المدني من قبل أصحاب المصالح السياسية مما جعلها تبعد كثيراً عن وصف أليكس دي توكفيل، أي كونها عيناً تراقب السلطة المدنية، وتحولت إلى وكالات للأحزاب السياسية. وهناك ما هو أسوأ وهو أن كثيراً من القوى السياسية القائمة على الأرض اليوم ترى في تلك الجمعيات قناة يصل من خلالها الدعم المالي الخارجي الذي عوضاً عن أن يذهب إلى خدمة المواطنين والنهوض بحياتهم الفكرية والسياسية في الإطار النظري يصبح معيناً لهؤلاء الوكلاء يثرون من ورائه دون أدنى التفاتة للهدف الحقيقي من هذا التمويل وفي ذلك مغامرة قاتلة قد تدعو الوكالات الأجنبية الداعمة للعمل المدني في العالم العربي إلى الإحجام عن تمويل أي عمليات جديدة، ويصبح الفساد هنا هو المقياس وعليه تنهار كثير من بنية المجتمع المدني من جراء انهيار أحد أهم أركانه وهو الابتعاد عن سيطرة الأحزاب أو هيمنة الدولة بما يكفل للمواطن مساحة من حرية الرأي والتعبير وبعيداً عن ضغوط السياسيين ومصالحهم الفئوية الضيقة والتي تصيب مستقبل هذا المجتمع في مقتل. 

التأصيل الفكري للعمل الأهلي 

في تقدير كاتب هذه السطور أن هناك قضية غاية في الأهمية تتعلق بمستقبل ووجود العمل الأهلي والمجتمع المدني في العالم العربي هي التأصيل الفكري والذهني لفكرة المجتمع المدني، بمعنى ما الذي هو راسخ في عقول المواطنين العرب عن هذا النوع من العمل؟ وهل هو عمل غربي أجنبي وافد إلينا غريب على مجتمعاتنا بعيد عن القيم والآداب الإسلامية ما يعني أنه ليس له مكان في بلادنا وعليه أن يحمل عصاه ويرحل كما الاستعمار من قبل أم أنه فكر إسلامي وعربي سابق بكثير لما عرفته المجتمعات الغربية؟

مفهوم المجتمع المدني له دلالاته في الإسلام سواء على صعيد القيم أو على صعيد الخبرة التاريخية 

واقع الأمر أن هناك الكثير من أصوات وأقلام المفكرين العرب تذهب للقول إن القيم الأخلاقية التي يستند إليها المجتمع المدني قيم الحرية والمساواة والتطوع والتسامح والقبول بالتعدد والاختلاف فضلاً عن قيم التعاون والتكافل والمشاركة موجودة في الدين الإسلامي، بل إن هذه القيم هي من صميم الإسلام كما يجسده القرآن والسنة. ولذلك فإن مفهوم المجتمع المدني له دلالاته في الإسلام سواء على صعيد القيم أو على صعيد الخبرة التاريخية حيث عرفت هذه الخبرة جوهر المجتمع المدني وهذا يؤكد خطأ الطروحات التي ترى تناقض الإسلام مع الديمقراطية ومع المجتمع  المدني.

وفي هذا الإطار يمكن الاستشهاد بما أشار إليه المفكر والكاتب العربي الكبير الدكتور أحمد صبحي في مؤلفه المشهور (مستقبل المجتمع المدني في العالم العربي) من أن التجربة التاريخية في العصر النبوي تعتبر أول تجربة في التعاقد المدني عرفها التاريخ، وسبقت نظرية العقد الاجتماعي لروسو، ما يثبت أن مفهوم المجتمع المدني ليس البتة غريباً عن ثقافتنا العربية الإسلامية استناداً إلى أن الإسلام أقر الحق في الاختلاف وقرر مبدأ الشورى.

العالم العربي لم يشهدا حضوراً متزايداً لفكرة العمل الأهلي إلا في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم 

وبناء عليه فإن التاريخ العربي عرف مؤسسات يمكن اعتبارها مؤسسات مجتمع مدني من جماعات العلماء والقضاة والمفتين إلى نقابات الحرف والصنائع إلى شيوخ القبائل والعشائر وشيوخ الطرق الصوفية ورؤساء الطوائف، فقد اضطلع هؤلاء بوظائف منفصلة عن وظائف الدولة وعبروا عن أشكال من التنظيم الذاتي خارج السلطة.

والتساؤل الذي يطرح نفسه وبقوة هو هل هذا المفهوم واصل عند جموع المواطنين العرب حتى يدركوا الجذور التاريخية ذات الصبغة الدينية لمجتمع التكافل والتضامن الذي عرفه الإسلام في بواكيره الأولى قبل أن يصل إلينا في محتواه الغربي ويلقى ما يلقى من رفض البعض أو يتهمه بالعمالة والخيانة؟ وماذا عن دور وسائل الإعلام العربية في هذا الإطار؟ وهل تقوم بما يجب أن تقوم به من توعية وإرشاد فكري أم أنها تبحث عن تحقيق مصالحها الضيقة الفردية منها أو النخبوية بعيداً عن صالح الوطن والمجموع القيمي لمصالحه؟ 

عمل جماعي أم نزعة فردية؟ 

من أهم العوامل المستقبلية التي تساعد على نجاح واستقرار بل ونمو المجتمع المدني في العالم العربي هو القدرة على التكيف الزمني والجيلي والوظيفي كما يؤكد على ذلك الدكتور أحمد صبحي.. فماذا يعني هذا الحديث؟

إن الناظر بعين المراقب الفاحص لأحوال الأمة العربية يدرك أن طبيعة ومساحة وحجم سلطة الفرد فيها أكبر وأعرض وأوسع كثيراً من مساحة العمل المؤسسي الممنهج والجماعي، بمعنى يضحي قريباً من التهمة الموجهة للدول العربية من حيث كونها دول أفراد وليس دول مؤسسات مع وجود استثناءات دون أدنى شك في ذلك. هذه الفردية تهدد عمل المجتمع المدني بصورة قاتلة لاسيما أن قيام مؤسسات عن بكرة أبيها بات يرتبط بأسماء بعينها وفي حال غياب تلك الأسماء عن ساحة العمل المدني ينهار البناء ما يعني أن غالبية تلك الهيئات يغلب عليها طابع المرحلية فهي دالة على مرحلة يتسيد فيها أناس بعينهم، أي أن العمل الأهلي يصبح رهناً لوجود هؤلاء وليس قيمة مستقلة بذاتها لا تتبدل ولا تتغير بتغير الشخوص أو غيابهم عن مشهد العمل المدني برمته، فالمجتمع المدني يرتكز على عناصر مشتركة يوافق عليها معظم الذين تحدثوا عن المجتمع المدني وأهمها أن هذا الكيان هو رابطة اختيارية جماعية وليس توجهاً فردياً يدخلها الأفراد طواعية، وأن مؤسسات هذا المجتمع تتمتع باستقلالية نسبية عن الدولة وفي هذا خطر واضح على الدور الذي يمكن أن تلعبه في إطار التنمية بكافة أشكالها الفكرية منها والمادية، ذلك لأن العملية التنموية بالأساس بحاجة إلى استمرارية في العمل وشمولية في التغطية ورؤية واضحة في الأسس. ومن هنا فإن إنشاء مؤسسات المجتمع المدني على منطلقات ومصالح شخصية يتعارض مع أساس هذه المؤسسات التي تقوم على حاجات ومصالح جماهير الشعب. 

عمل تنموي أم وسيلة للتربح؟ 

تبقى قضية التنمية بالنسبة للمجتمع المدني وللهيئات والمؤسسات غير الربحية Non Governmental Organization مثار نقاش محتدم لاسيما أن الالتباس بين الدور التنموي والدور الربحي لهذه المؤسسات غير واضح المعالم.

وبادئ ذي بدء، فإنه من المعروف أن للمجتمع المدني نهجين الأول هو التنمية الفكرية والعقلية والثاني هو التنمية المادية والاقتصادية.

والأولى تتعلق ببناء المؤسسات ونشر الديمقراطية وتفعيل المشاركة السياسية، ويكون التركيز على هذا القطاع متزايداً كلما كانت مؤسسات المجتمع المدني مدعومة من قبل جهات خارجية تتبنى هذه الرؤى.

وهنا يستلزم التوقف مرة جديدة عند مفهوم تلك الرؤى والتساؤل هل من معيار للقياس عليه بالنسبة لوطنية تلك الرؤى من عدمها؟ ومن يملك التقرير في هذا الشأن هل الحكومات والسلطات التنفيذية والتشريعية أم الرقابة الذاتية للمجتمع المدني أم صحوة ويقظة المواطنين أنفسهم ومقدرتهم على الفرز والتمييز بين الغث والثمين وبين ما هو وطني نافع وصالح للتربة وبين ما يمكن أن يتحول إلى سموم قاتلة إذا زرع في غير تربته مثل الديمقراطية (الفزاعة) الجديدة التي تستخدم اليوم لإجبار العديد من الأنظمة على الرضوخ لطلبات الغرب من خلال مؤسسات العمل المدني؟

أما على الجانب الآخر للتنمية فتبقى التنمية الاقتصادية وهنا يختلط الحابل بالنابل بدءاً من عملية التمويل ذاتها والتي هي في أحسن الظنون خدمة للطرفين، هذا إذا لم نقل إنها تخدم فقط الدول والهيئات والمؤسسات المانحة بأكثر مما تخدم الأطراف الممولة والمتلقية للتمويل.

وهناك تساؤل مزعج آخر عن المجالات التي يتم التركيز عليها في العملية التنموية هل هي مجالات استهلاكية أم أنها قطاعات استثمار بنيوي طويل الأمد يعطي خير النتائج على المدى البعيد؟ بل إلى أبعد من ذلك يمكن الذهاب للقول إن هناك أجندات طائفية وراء بعض عمليات التمويل وهو ما أوردته الأنباء الواردة من واشنطن على وجه التحديد منذ بضعة أشهر بشأن قيام المعونة الأمريكية على سبيل المثال بتخصيص أجزاء معينة من المساعدات التي تقدم إلى المجتمع العمل المدني في بعض الدول العربية لطوائف ومذاهب بعينها وهذا أمر يعزز النهج الطائفي ويثير الفتنة والشقاق في المنطقة.

أضف إلى هذا كله أن كثيراً من تلك المنظمات أضحت تقوم بدور الطبقة المعروفة في علم الاقتصاد (بالكمبرادو) تلك الطبقة الوسيطة التي تحقق منافع مالية وربحية من وراء التستر خلف فكر التنمية لتحقيق أرباح مالية لذاتها لا لخدمة المجتمع. 

العمل المدني.. نظرة للآفاق المستقبلية 

والحق أن الحديث يطول ويزيد على المتاح للكتابة حول مستقبل المجتمع المدني في العالم العربي غير أنه يلزم قبل الانصراف التأكيد على عدة أمور من دونها لا يستقيم وجود وعمل المجتمع المدني في العالم العربي، في مقدمتها وأولها وأهمها أن هذا المجتمع هو نقلة وطفرة حضارية لا يمكن الرجوع عنها أو النكوص على أعقابها، بل يجب دفعها إلى الأمام مهما كانت العثرات في الطريق. وثانياً ضرورة البناء الإيجابي على ما تحقق في العقدين الماضيين بمنطق التراكم الكمي والنوعي واستنهاض الهمم والنوازع الإيجابية والخبرات الإيجابية في المسيرة. وثالثاً ضرورة النضال في سبيل مجتمع مدني يربط بين الدولة والمواطنين من خلال آليات عدة من بينها التطلع لموازنة القوى بين سلطات الدولة وقدرات المجتمع المدني المراقبة والساعية إلى تحقيق توازن يقود إلى حياة ديمقراطية سليمة ومنها كذلك تعزيز قدرة المجتمع المدني على التأثير في درجة انضباط الجهاز السياسي.

ويبقى دور المجتمع المدني كحلقة وسيطة بين الدولة والمجتمع لتحسين وتصحيح أي خطأ في صورة العلاقة كما يجب أن تكون، ويبقى على المجتمع المدني أن يكون عوناً ودافعاً في طريق الرقي بالمستوى الفكري والأخلاقي والسياسي للجماهير العربية في شراكة حقيقية غير مغشوشة مع الدولة لبناء مجتمع الأحرار الديمقراطيين المتساوين كما يوصف المجتمع المدني.

::/fulltext::
::cck::1695::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *