انعكاسات أزمة الرهن العقاري على دول مجلس التعاون الخليجي

::cck::1756::/cck::
::introtext::

يُحكى أن موظفاً ساخطاً على نفسه، يعمل حالياً لدى إحدى شركات الاستثمار الخليجية، أدرك فجأة أن تغييره لعمله قبل سنتين كان قرار العمر ـ ولا عجب في ذلك- فقد عمل هذا الموظف سابقاً لدى بنك بير ستيرنز.

::/introtext::
::fulltext::

يُحكى أن موظفاً ساخطاً على نفسه، يعمل حالياً لدى إحدى شركات الاستثمار الخليجية، أدرك فجأة أن تغييره لعمله قبل سنتين كان قرار العمر ـ ولا عجب في ذلك- فقد عمل هذا الموظف سابقاً لدى بنك بير ستيرنز.

إن السيَر الذاتية لكثير من موظفي بنوك لندن ونيويورك تتكدس اليوم في أقسام شؤون الموظفين التابعة لبنوك دول مجلس التعاون الخليجي، لأن المنطقة باتت تبدو وكأنها بر الأمان لمحيط تتلاطم فيه أمواج عاتية: فأزمة الرهن العقاري الأمريكية لم تترك إلا أثراً محدوداً فقط على هذه البنوك التي يبدو أنها تحقق نمواً اقتصادياً مطرداً، بفضل أسعار النفط التي تجاوزت المائة دولار للبرميل وطفرة الاستثمار في قطاعات العقارات والبنى التحتية والصناعات الثقيلة. ومع أن هذا الانطباع ظل مبرراً جزئياً حتى وقت قريب، إلا أن هناك شعوراً خاطئاً بالرضا عن الذات في دول مجلس التعاون الخليجي إزاء الأخطار المحتملة التي قد تهدد نموها.

صحيح أن التأثير المباشر لأزمة الرهن العقاري الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي كان محدوداً: إذ من الواضح أن شركة إعمار العقارية، التي مقرها بدبي والتي تُعد ثاني أكبر شركة عقارية خاصة في الولايات المتحدة، استحوذت في توقيت سيئ على عقارات جون لينغ  مقابل 1.05 مليار دولار في عام 2006؛ لكن هذا الاستثمار المباشر ظل حالة استثنائية لأن أزمة الرهن العقاري تسببت في خسارة عقارات جون لينغ 16 في المائة فقط من قيمتها؛ أي ما يعادل 3 في المائة من مجمل أرباح شركة إعمار لعام 2006. ومن ناحية أخرى، لم تسمح تعليمات الاستثمار للعديد من بنوك دول الخليج العربية بالاستحواذ على أصول تنطوي على مخاطر أكبر، أو بشراء سندات صُنفت بأنها غير استثمارية. وتعد الخسائر المعلنة لبنوك دول مجلس التعاون الخليجي التي تقل عن  ملياري دولار مبلغاً زهيداً بالمقارنة مع خسائر بنوك أمريكا وأوروبا وآسيا التي تُقدر بنحو 232 مليار دولار. كما أن البنوك الخليجية لم تُضطر لطلب أي كفالة مالية، فيما نجحت بعض المؤسسات المالية التي تأثرت بأزمة الرهن العقاري، مثل بنك الخليج الدولي أو المؤسسة المصرفية العربية أو بنك أبو ظبي التجاري، في التغلب على صعوباتها بمفردها أو عبر تعزيز رؤوس أموالها. وتستثمر الصناديق السيادية الخليجية للثروة، مثل هيئة أبو ظبي للاستثمار والهيئة الكويتية للاستثمار، في تشكيلة واسعة من الأوراق المالية، لكن هذه الصناديق لم تنشر أي بيانات عن تركيبة أصولها وقد تحتوي سجلاتها على ديون أخطر؛ غير أنها، خلافاً للبنوك، ليست بحاجة لاتخاذ أي إجراءات طارئة عندما تنخفض قيم أصولها السوقية دون القيم الأساسية، لأنها تتمتع بالقدرة على الاحتفاظ بهذه الأصول، والانتظار على أمل أن تستعيد قيمتها بعد هدوء العاصفة. وقد لا تتأثر الصناديق السيادية كثيراً جراء الخسائر التي قد تتكبدها لأن محافظها الاستثمارية متنوعة للغاية، ولأن رؤوس الأموال الضخمة تتدفق إليها باستمرار نتيجةً لأسعار النفط المرتفعة.

وتأثرت أسواق الأسهم الخليجية بشكل طفيف أيضاً جراء الاضطرابات التي هزت أسواق الأسهم الأخرى حول العالم. ففي صيف العام الماضي، شهدت أسواق الأسهم الخليجية بعض التصحيحات الطفيفة، ثم ما لبثت أن استعادت زخمها بعدما بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي باتباع سياسة نقدية أكثر مرونة، وحذت حذوه البنوك المركزية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تربط عملاتها الوطنية بالدولار الأمريكي. لكن بعدما أصبحت أسعار الفائدة الحقيقية سلبية للغاية، بات من غير المنطقي إبقاء الأموال في البنوك، واشتدت الرغبة في شراء الأسهم والعقارات. وعلى الرغم من بعض التصحيحات المحدودة التي شهدتها أسواق الأسهم الخليجية منذ أوائل عام 2008، فإن مستويات تعاملاتها لا تزال أعلى بكثير من تلك التي سجلتها خلال أزمة الصيف الماضي؛ فيما سجلت تعاملات سوق الأسهم الكويتية، حقيقةً، أعلى مستوى لها على الإطلاق. وهذا الانتعاش الخليجي يأتي على طرفي نقيض مع نكسات أسواق الأسهم الأمريكية والأوروبية والآسيوية، التي تراجع أداؤها خلال الفترة نفسها.

إذاً، لم تنتقل عدوى أزمة الرهن العقاري الأمريكية إلى أسواق الأسهم الخليجية إلا بصورة محدودة فقط: فقد ظل حجم الائتمانات المصرفية الخليجية في سوق الرهن العقاري محدوداً، كما ترك ارتفاع أسعار النفط ـ الذي يمثل عموماً خبراً سيئاً بالنسبة لأسواق الأسهم العالمية ـ آثاراً إيجابيةً على أسواق الأسهم الخليجية كافة.

وهناك عامل آخر وهو استمرار العدد المحدود للمستثمرين العالميين. فأسواق دول مجلس التعاون الخليجي تفرض قيوداً على كمية الأسهم التي يُسمح للأجانب بشرائها، وهناك أسهم محددة محظورة تماماً على الأجانب غير الخليجيين. وفي الواقع، لا تزال سوق الأسهم السعودية، وهي أكبر أسواق الأسهم الخليجية، مغلقةً تماماً في وجه أي مستثمر عدا مؤسسات الاستثمار الخليجية. وعادةً ما يستهدف المستثمرون العالميون مجموعة واسعة من الأسواق الناشئة، ويضطرون في حالات الضيق أيضاً لبيع أوراقهم المالية التي لم تتأثر بتقلبات السوق بعد ـ وعُرفت هذه الظاهرة بدايةً باسم (تأثير التكيلا) الذي ظهر إثر الأزمة المكسيكية لعام 1994. لكن عدد المستثمرين العالميين الناشطين في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي تزايد مؤخراً بسرعة كبيرة، وبالتالي، فإن عدوى أزمة الرهن العقاري قد تنتقل إلى هذه الأسواق بسهولة أكبر. كما أن الأسس المتينة لاقتصادات أسواق الأسهم الخليجية وإصلاحاتها الناجعة التي جاءت بعد انهيار أسواق الأسهم الخليجية في عام 2006، لم تمر مرور الكرام. وحتى الأسواق المغلقة والأسهم المحظورة رسمياً يمكن للأجانب أن يصلوا إليهما عن طريق منتجات المصارف، مثل عقود وشهادات الاستثمار المتاحة للجميع. لذا، فإن وجود أعداد متزايدة من المؤسسات الدولية في أسواق الأسهم الخليجية لا يجلب إليها المزيد من السيولة والاحتراف والشفافية فحسب، بل يُمكنه أيضاً أن يعزز فرص عدوى هذه الأسواق بأزمة الرهن العقاري الأمريكية. لكن هذه المؤسسات طرحت أسهمها الخليجية للبيع بكميات هائلة في يناير، فسارع المستثمرون المحليون ذوو السيولة المتوافرة إلى اغتنام تلك الفرصة.

وعلى أي حال، ظل وضع الأسواق ذات الدخل الثابت مختلفاً. فقد ازدادت بشكل كبير نسبياً مجمل التكاليف لتي تكبدتها شركات دول مجلس التعاون الخليجي لتمويل سنداتها المالية المنتشرة في الأسواق العالمية، حيث ارتفعت تكلفة هذا الانتشار من حوالي ستين نقطة أساس فوق سعر الليبور (سعر الإقراض بين بنوك لندن) إلى أكثر من 240 نقطة أساس فوق سعر الليبور. لكن أسعار الفائدة المنخفضة عوضت جزءاً من زيادة تكلفة انتشار هذه السندات المالية ـ ما يعني أن إجمالي الزيادة في تمويلها ظل أقل من حجم الزيادة في تغطية تكلفة انتشارها ـ لكن وفرة السيولة المالية تأثرت بلا شك وبدأ إدراك مخاطر تمويل السندات المالية ينعكس أيضاً على أسواق دول مجلس التعاون الخليجي ذات الدخل الثابت. فقد كان حجم الإصدار السنوي للسندات المالية لعام 2007، أقل بقليل من عام 2006، علماً بأنه تضاعف أكثر من خمس مرات بين عامي (2004 – 2006). وعلى سبيل المثال، اضطرت شركة داناغاز في الصيف الماضي لتأجيل إصدار صكوكها؛ وحتى بعد إصدارها، أحجم المستثمرون عن شرائها إلى أن أضيف إليها أخيراً عنصر قابل للتحويل إلى أسهم. وبعدما ساءت أوضاع الائتمان بدول مجلس التعاون الخليجي، شأنها شأن العديد من أسواق العالم الأخرى، بات من المحتمل أن يواجه سوق قطاع المشروعات ـ المتنامي الذي يعاني تبعات التضخم منذ فترة ـ تحدياً آخراً يتمثل في احتمال تعذر تلبية احتياجاته التمويلية الضخمة أو بالتمكن من تلبيتها ولكن بتكاليف أعلى.

الصناديق السيادية قد لا تتأثر كثيراً جراء الخسائر التي قد تتكبدها لأن محافظها الاستثمارية متنوعة

من ناحية أخرى، ما زال القطاع المصرفي الخليجي يُمثل المصدر الرئيسي لتمويل شركات المنطقة. كما إن النمو المتسارع في حجم الإقراض بالعملات المحلية اقترن بتراجع تكاليف هذه القروض. ولأن البنوك المركزية الخليجية التي تربط عملاتها بالدولار حذت حذو بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في بيئة تتسم بفوائد حقيقية سلبية للغاية، شهدت المنطقة ارتفاعاً حاداً في الطلب على القروض المصرفية. وتعزز هذا الطلب أيضاً بسبب التكهنات التي رجحت احتمال إعادة تقييم العملات الخليجية. ففي الإمارات العربية المتحدة، مثلاً، فاق معدل نمو السيولة النقدية والنشاط الائتماني الثلاثين في المائة خلال عام 2007. ومؤخراً، سجل نمو القروض المصرفية الممنوحة لمستهلكي وشركات دول مجلس التعاون الخليجي مستويات هائلة تنذر باحتمال نشوب أزمة رهن عقاري خليجية. وعلى أي حال، تزايدت معدلات التضخم المالي المحلية بسبب هذه السياسة النقدية المعيبة.

لكن معدلات التضخم المتصاعدة مؤشر واضح إلى النطاق الواسع لأزمة الرهن العقاري الأمريكية، التي أُطلق عليها في الحقيقة اسم خاطئ. فقد انتشرت الأزمة كالنار في الهشيم وسرعان ما تجاوزت الأجزاء الصغيرة والمعزولة من السوق، كما حاول أن يوحي رؤساء بعض البنوك ووسائل الإعلام في بادئ الأمر. وأدت هذه الأزمة إلى تخفيض أسعار الفائدة بشكل ملحوظ بالولايات المتحدة إلى جانب التراجع الكبير والمتواصل في قيمة الدولار الأمريكي، وبالتالي، تراجعت القيمة الحقيقية لصافي الأصول الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تُقدر بنحو 1.8 تريليون دولار والتي يرتبط أكثر من 60 في المائة منها بالدولار الأمريكي. ولا ريب في أن عائدات هذه الأصول هائلة. فعلى سبيل المثال، إذا كانت التقديرات القصوى (900 مليار دولار) لأصول هيئة أبو ظبي للاستثمار صحيحة، فإن عائدات هذه الأصول تضاهي عائدات صادرات أبو ظبي النفطية إذا افترضنا أن متوسط العائدات السنوية لهذه الأصول هو 7.5 في المائة من قيمتها الإجمالية. وأدى تراجع الدولار أيضاً إلى تزايد التضخم الخليجي المستورد بعدما ضربت أسعار الأغذية والسلع الأخرى، اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي المرتبطة بالدولار. كما أن الارتباط بالدولار أرغم البنوك المركزية لدول المجلس على تخفيض أسعار الفائدة أُسوة ببنك الاحتياطي الفيدرالي، ومما أحدث طفرة أكبر في حجم الاستثمار المحلي. ويمثل متوسط التضخم الناجم عن عوامل خليجية صرفة حوالي ثلثي إجمالي معدل التضخم في دول المجلس. وفي هذه الأثناء، أصبحت مشكلة التضخم التي تواجهها دول المجلس تهدد خطط الشركات والتوازن الاجتماعي على حد سواء، وأثار تراجع القيمة الحقيقية للأصول الخليجية الهائلة المرتبطة بالدولار شكوكاً عميقة في جدوى الاحتفاظ بها كذخر للأجيال القادمة. لذا، يتعين على أي مناقشة لما يُسمى أزمة الرهن العقاري الأمريكية أن تتعدى حدود الدراسة التقنية لضوابط أو هياكل مالية محددة، وأن تأخذ في الاعتبار كل عواقب الأزمة المالية المحتملة التي قد تثبت أن هذا الرضا عن الذات الذي ينتشر حالياً على نطاق واسع في دول مجلس التعاون الخليجي، هو مجرد وهم خطير.

::/fulltext::

1110-e69
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1756::/cck::
::introtext::

يُحكى أن موظفاً ساخطاً على نفسه، يعمل حالياً لدى إحدى شركات الاستثمار الخليجية، أدرك فجأة أن تغييره لعمله قبل سنتين كان قرار العمر ـ ولا عجب في ذلك- فقد عمل هذا الموظف سابقاً لدى بنك بير ستيرنز.

::/introtext::
::fulltext::

يُحكى أن موظفاً ساخطاً على نفسه، يعمل حالياً لدى إحدى شركات الاستثمار الخليجية، أدرك فجأة أن تغييره لعمله قبل سنتين كان قرار العمر ـ ولا عجب في ذلك- فقد عمل هذا الموظف سابقاً لدى بنك بير ستيرنز.

إن السيَر الذاتية لكثير من موظفي بنوك لندن ونيويورك تتكدس اليوم في أقسام شؤون الموظفين التابعة لبنوك دول مجلس التعاون الخليجي، لأن المنطقة باتت تبدو وكأنها بر الأمان لمحيط تتلاطم فيه أمواج عاتية: فأزمة الرهن العقاري الأمريكية لم تترك إلا أثراً محدوداً فقط على هذه البنوك التي يبدو أنها تحقق نمواً اقتصادياً مطرداً، بفضل أسعار النفط التي تجاوزت المائة دولار للبرميل وطفرة الاستثمار في قطاعات العقارات والبنى التحتية والصناعات الثقيلة. ومع أن هذا الانطباع ظل مبرراً جزئياً حتى وقت قريب، إلا أن هناك شعوراً خاطئاً بالرضا عن الذات في دول مجلس التعاون الخليجي إزاء الأخطار المحتملة التي قد تهدد نموها.

صحيح أن التأثير المباشر لأزمة الرهن العقاري الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي كان محدوداً: إذ من الواضح أن شركة إعمار العقارية، التي مقرها بدبي والتي تُعد ثاني أكبر شركة عقارية خاصة في الولايات المتحدة، استحوذت في توقيت سيئ على عقارات جون لينغ  مقابل 1.05 مليار دولار في عام 2006؛ لكن هذا الاستثمار المباشر ظل حالة استثنائية لأن أزمة الرهن العقاري تسببت في خسارة عقارات جون لينغ 16 في المائة فقط من قيمتها؛ أي ما يعادل 3 في المائة من مجمل أرباح شركة إعمار لعام 2006. ومن ناحية أخرى، لم تسمح تعليمات الاستثمار للعديد من بنوك دول الخليج العربية بالاستحواذ على أصول تنطوي على مخاطر أكبر، أو بشراء سندات صُنفت بأنها غير استثمارية. وتعد الخسائر المعلنة لبنوك دول مجلس التعاون الخليجي التي تقل عن  ملياري دولار مبلغاً زهيداً بالمقارنة مع خسائر بنوك أمريكا وأوروبا وآسيا التي تُقدر بنحو 232 مليار دولار. كما أن البنوك الخليجية لم تُضطر لطلب أي كفالة مالية، فيما نجحت بعض المؤسسات المالية التي تأثرت بأزمة الرهن العقاري، مثل بنك الخليج الدولي أو المؤسسة المصرفية العربية أو بنك أبو ظبي التجاري، في التغلب على صعوباتها بمفردها أو عبر تعزيز رؤوس أموالها. وتستثمر الصناديق السيادية الخليجية للثروة، مثل هيئة أبو ظبي للاستثمار والهيئة الكويتية للاستثمار، في تشكيلة واسعة من الأوراق المالية، لكن هذه الصناديق لم تنشر أي بيانات عن تركيبة أصولها وقد تحتوي سجلاتها على ديون أخطر؛ غير أنها، خلافاً للبنوك، ليست بحاجة لاتخاذ أي إجراءات طارئة عندما تنخفض قيم أصولها السوقية دون القيم الأساسية، لأنها تتمتع بالقدرة على الاحتفاظ بهذه الأصول، والانتظار على أمل أن تستعيد قيمتها بعد هدوء العاصفة. وقد لا تتأثر الصناديق السيادية كثيراً جراء الخسائر التي قد تتكبدها لأن محافظها الاستثمارية متنوعة للغاية، ولأن رؤوس الأموال الضخمة تتدفق إليها باستمرار نتيجةً لأسعار النفط المرتفعة.

وتأثرت أسواق الأسهم الخليجية بشكل طفيف أيضاً جراء الاضطرابات التي هزت أسواق الأسهم الأخرى حول العالم. ففي صيف العام الماضي، شهدت أسواق الأسهم الخليجية بعض التصحيحات الطفيفة، ثم ما لبثت أن استعادت زخمها بعدما بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي باتباع سياسة نقدية أكثر مرونة، وحذت حذوه البنوك المركزية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تربط عملاتها الوطنية بالدولار الأمريكي. لكن بعدما أصبحت أسعار الفائدة الحقيقية سلبية للغاية، بات من غير المنطقي إبقاء الأموال في البنوك، واشتدت الرغبة في شراء الأسهم والعقارات. وعلى الرغم من بعض التصحيحات المحدودة التي شهدتها أسواق الأسهم الخليجية منذ أوائل عام 2008، فإن مستويات تعاملاتها لا تزال أعلى بكثير من تلك التي سجلتها خلال أزمة الصيف الماضي؛ فيما سجلت تعاملات سوق الأسهم الكويتية، حقيقةً، أعلى مستوى لها على الإطلاق. وهذا الانتعاش الخليجي يأتي على طرفي نقيض مع نكسات أسواق الأسهم الأمريكية والأوروبية والآسيوية، التي تراجع أداؤها خلال الفترة نفسها.

إذاً، لم تنتقل عدوى أزمة الرهن العقاري الأمريكية إلى أسواق الأسهم الخليجية إلا بصورة محدودة فقط: فقد ظل حجم الائتمانات المصرفية الخليجية في سوق الرهن العقاري محدوداً، كما ترك ارتفاع أسعار النفط ـ الذي يمثل عموماً خبراً سيئاً بالنسبة لأسواق الأسهم العالمية ـ آثاراً إيجابيةً على أسواق الأسهم الخليجية كافة.

وهناك عامل آخر وهو استمرار العدد المحدود للمستثمرين العالميين. فأسواق دول مجلس التعاون الخليجي تفرض قيوداً على كمية الأسهم التي يُسمح للأجانب بشرائها، وهناك أسهم محددة محظورة تماماً على الأجانب غير الخليجيين. وفي الواقع، لا تزال سوق الأسهم السعودية، وهي أكبر أسواق الأسهم الخليجية، مغلقةً تماماً في وجه أي مستثمر عدا مؤسسات الاستثمار الخليجية. وعادةً ما يستهدف المستثمرون العالميون مجموعة واسعة من الأسواق الناشئة، ويضطرون في حالات الضيق أيضاً لبيع أوراقهم المالية التي لم تتأثر بتقلبات السوق بعد ـ وعُرفت هذه الظاهرة بدايةً باسم (تأثير التكيلا) الذي ظهر إثر الأزمة المكسيكية لعام 1994. لكن عدد المستثمرين العالميين الناشطين في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي تزايد مؤخراً بسرعة كبيرة، وبالتالي، فإن عدوى أزمة الرهن العقاري قد تنتقل إلى هذه الأسواق بسهولة أكبر. كما أن الأسس المتينة لاقتصادات أسواق الأسهم الخليجية وإصلاحاتها الناجعة التي جاءت بعد انهيار أسواق الأسهم الخليجية في عام 2006، لم تمر مرور الكرام. وحتى الأسواق المغلقة والأسهم المحظورة رسمياً يمكن للأجانب أن يصلوا إليهما عن طريق منتجات المصارف، مثل عقود وشهادات الاستثمار المتاحة للجميع. لذا، فإن وجود أعداد متزايدة من المؤسسات الدولية في أسواق الأسهم الخليجية لا يجلب إليها المزيد من السيولة والاحتراف والشفافية فحسب، بل يُمكنه أيضاً أن يعزز فرص عدوى هذه الأسواق بأزمة الرهن العقاري الأمريكية. لكن هذه المؤسسات طرحت أسهمها الخليجية للبيع بكميات هائلة في يناير، فسارع المستثمرون المحليون ذوو السيولة المتوافرة إلى اغتنام تلك الفرصة.

وعلى أي حال، ظل وضع الأسواق ذات الدخل الثابت مختلفاً. فقد ازدادت بشكل كبير نسبياً مجمل التكاليف لتي تكبدتها شركات دول مجلس التعاون الخليجي لتمويل سنداتها المالية المنتشرة في الأسواق العالمية، حيث ارتفعت تكلفة هذا الانتشار من حوالي ستين نقطة أساس فوق سعر الليبور (سعر الإقراض بين بنوك لندن) إلى أكثر من 240 نقطة أساس فوق سعر الليبور. لكن أسعار الفائدة المنخفضة عوضت جزءاً من زيادة تكلفة انتشار هذه السندات المالية ـ ما يعني أن إجمالي الزيادة في تمويلها ظل أقل من حجم الزيادة في تغطية تكلفة انتشارها ـ لكن وفرة السيولة المالية تأثرت بلا شك وبدأ إدراك مخاطر تمويل السندات المالية ينعكس أيضاً على أسواق دول مجلس التعاون الخليجي ذات الدخل الثابت. فقد كان حجم الإصدار السنوي للسندات المالية لعام 2007، أقل بقليل من عام 2006، علماً بأنه تضاعف أكثر من خمس مرات بين عامي (2004 – 2006). وعلى سبيل المثال، اضطرت شركة داناغاز في الصيف الماضي لتأجيل إصدار صكوكها؛ وحتى بعد إصدارها، أحجم المستثمرون عن شرائها إلى أن أضيف إليها أخيراً عنصر قابل للتحويل إلى أسهم. وبعدما ساءت أوضاع الائتمان بدول مجلس التعاون الخليجي، شأنها شأن العديد من أسواق العالم الأخرى، بات من المحتمل أن يواجه سوق قطاع المشروعات ـ المتنامي الذي يعاني تبعات التضخم منذ فترة ـ تحدياً آخراً يتمثل في احتمال تعذر تلبية احتياجاته التمويلية الضخمة أو بالتمكن من تلبيتها ولكن بتكاليف أعلى.

الصناديق السيادية قد لا تتأثر كثيراً جراء الخسائر التي قد تتكبدها لأن محافظها الاستثمارية متنوعة

من ناحية أخرى، ما زال القطاع المصرفي الخليجي يُمثل المصدر الرئيسي لتمويل شركات المنطقة. كما إن النمو المتسارع في حجم الإقراض بالعملات المحلية اقترن بتراجع تكاليف هذه القروض. ولأن البنوك المركزية الخليجية التي تربط عملاتها بالدولار حذت حذو بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في بيئة تتسم بفوائد حقيقية سلبية للغاية، شهدت المنطقة ارتفاعاً حاداً في الطلب على القروض المصرفية. وتعزز هذا الطلب أيضاً بسبب التكهنات التي رجحت احتمال إعادة تقييم العملات الخليجية. ففي الإمارات العربية المتحدة، مثلاً، فاق معدل نمو السيولة النقدية والنشاط الائتماني الثلاثين في المائة خلال عام 2007. ومؤخراً، سجل نمو القروض المصرفية الممنوحة لمستهلكي وشركات دول مجلس التعاون الخليجي مستويات هائلة تنذر باحتمال نشوب أزمة رهن عقاري خليجية. وعلى أي حال، تزايدت معدلات التضخم المالي المحلية بسبب هذه السياسة النقدية المعيبة.

لكن معدلات التضخم المتصاعدة مؤشر واضح إلى النطاق الواسع لأزمة الرهن العقاري الأمريكية، التي أُطلق عليها في الحقيقة اسم خاطئ. فقد انتشرت الأزمة كالنار في الهشيم وسرعان ما تجاوزت الأجزاء الصغيرة والمعزولة من السوق، كما حاول أن يوحي رؤساء بعض البنوك ووسائل الإعلام في بادئ الأمر. وأدت هذه الأزمة إلى تخفيض أسعار الفائدة بشكل ملحوظ بالولايات المتحدة إلى جانب التراجع الكبير والمتواصل في قيمة الدولار الأمريكي، وبالتالي، تراجعت القيمة الحقيقية لصافي الأصول الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تُقدر بنحو 1.8 تريليون دولار والتي يرتبط أكثر من 60 في المائة منها بالدولار الأمريكي. ولا ريب في أن عائدات هذه الأصول هائلة. فعلى سبيل المثال، إذا كانت التقديرات القصوى (900 مليار دولار) لأصول هيئة أبو ظبي للاستثمار صحيحة، فإن عائدات هذه الأصول تضاهي عائدات صادرات أبو ظبي النفطية إذا افترضنا أن متوسط العائدات السنوية لهذه الأصول هو 7.5 في المائة من قيمتها الإجمالية. وأدى تراجع الدولار أيضاً إلى تزايد التضخم الخليجي المستورد بعدما ضربت أسعار الأغذية والسلع الأخرى، اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي المرتبطة بالدولار. كما أن الارتباط بالدولار أرغم البنوك المركزية لدول المجلس على تخفيض أسعار الفائدة أُسوة ببنك الاحتياطي الفيدرالي، ومما أحدث طفرة أكبر في حجم الاستثمار المحلي. ويمثل متوسط التضخم الناجم عن عوامل خليجية صرفة حوالي ثلثي إجمالي معدل التضخم في دول المجلس. وفي هذه الأثناء، أصبحت مشكلة التضخم التي تواجهها دول المجلس تهدد خطط الشركات والتوازن الاجتماعي على حد سواء، وأثار تراجع القيمة الحقيقية للأصول الخليجية الهائلة المرتبطة بالدولار شكوكاً عميقة في جدوى الاحتفاظ بها كذخر للأجيال القادمة. لذا، يتعين على أي مناقشة لما يُسمى أزمة الرهن العقاري الأمريكية أن تتعدى حدود الدراسة التقنية لضوابط أو هياكل مالية محددة، وأن تأخذ في الاعتبار كل عواقب الأزمة المالية المحتملة التي قد تثبت أن هذا الرضا عن الذات الذي ينتشر حالياً على نطاق واسع في دول مجلس التعاون الخليجي، هو مجرد وهم خطير.

::/fulltext::
::cck::1756::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *