رؤية تحليلية ونقدية في مخرجات التعليم وحاجة أسواق العمل الخليجية

::cck::1826::/cck::
::introtext::

الحقيقة التي لا مراء فيها، أن منظومة التعليم بكافة مراحله والتدريب، تتبوأ مكانة استراتيجية ومتزايدة الأهمية في عملية بناء وتنمية القوى البشرية الخليجية، التي تعتبر من أهم المقومات الأساسية، والتي تعتمد عليها التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمود الفقري للتنمية البشرية وأساس التطور العلمي والتكنولوجي.

::/introtext::
::fulltext::

الحقيقة التي لا مراء فيها، أن منظومة التعليم بكافة مراحله والتدريب، تتبوأ مكانة استراتيجية ومتزايدة الأهمية في عملية بناء وتنمية القوى البشرية الخليجية، التي تعتبر من أهم المقومات الأساسية، والتي تعتمد عليها التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمود الفقري للتنمية البشرية وأساس التطور العلمي والتكنولوجي.

يأتي ذلك من منظور أن هذه المنظومة، تمثل العنصر الحاكم في مسألة إعداد وتوفير القوى العاملة المؤهلة والمدربة، التي تقابل الاحتياجات الكمية والمتطلبات النوعية للتنمية، والتي لا يمكن تحقيق أهدافها إلا من خلال تدفق مخرجات مؤسسات التعليم والتدريب المؤهلين بقدرات ومهارات فكرية متطورة، وطاقة إنتاجية عالية بالكم والكيف والتوقيت المناسب والمتوازن مع تلك المتطلبات التنموية المتجددة بفعل العلاقة التبادلية بين معدلات النمو الاقتصادي وانخفاض معدلات البطالة وارتفاع المستوى التعليمي.

وعلى الرغم من النمو الكمي، الذي يلفت الانتباه في أعداد المؤسسات التعليمية الخليجية، وانخفاض معدلات الأمية، والطفرات الهائلة في نظم التعليم بكافة مستوياتها، وبروز الاستقطاب والإقبال الكبيرين على التعليم، وارتفاع مستوى القبول بالدراسة في مراحلها الأساسية، والتي وصلت إلى ما يفوق 90 في المائة من إجمالي الأطفال في سن التعليم، والمبالغ الضخمة المنفقة على برامج التعليم والتدريب، إلا أن دول مجلس التعاون الخليجي تعاني عدم التناسب بين أنواع المؤهلات التي يحملها المواطنون الباحثون عن العمل، وبين متطلبات سوق العمل والفرص المتاحة فيه، خاصة أن هذه الزيادة المطردة والإقبال الكبير على التعليم العام، لم يقابلهما تطور مماثل في مؤسسات ونظم التعليم العالي، حيث لم تتمكن مؤسساته من مواكبة تلبية احتياجات مخرجات التعليم العام من التأهيل الأكاديمي، مما أوجد فجوة بين الاحتياجات المتزايدة من التأهيل الأكاديمي، ومخرجات التعليم العام المتزايدة. وحسب مصادر منظمة العمل العربية عام 2006، فإن إجمالي العمالة الوطنية والأجنبية في دول المجلس، بلغت 14,5 مليون عامل، تشكل العمالة الوافدة فيها 70,3 في المائة، وتتركز معظمها في القطاع الخاص. ومن ثم، تعتبر عدم المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل أبرز ملامح الخلل الهيكلي، الكمي والنوعي، في سوق العمل.

ينبغي إحداث تغييرات جذرية في النظام التعليمي الخليجي وتطوير هياكله ومحتواه بما يواكب الحاجات والمتغيرات

أولاً: خلل العلاقة بين مخرجات العملية التعليمية وحاجات سوق العمل الخليجي

مما لاشك فيه أن البلدان الخليجية تعاني اختلالات هيكلية في بنية احتياجات سوق العمل، نتيجة لاتساع الفجوة بين العرض والطلب، خاصة مع تزايد معدلات البطالة، الهم الأكبر في هذه البلدان، بين كل فئات المجتمع بشكل عام وفي صفوف خريجي الجامعات والكليات المتوسطة، حيث إن القوى العاملة الخليجية تنمو بمعدلات تفوق معدلات نمو السكان، والمتولدة عن إخفاق النظام التعليمي وعدم مرونته وسرعة استجابته لاحتياجات الجهاز الإنتاجي، بالشكل الذي يعزز قدرته على مواجهة التغيرات المتلاحقة في سوق العمل، حيث الخلل في المستوى التعليمي، نتيجة لتركيز السياسة التعليمية على التعليم الكمي لا النوعي، فأصبح التعليم شكلاً بلا مضمون، والجودة شعاراً لا واقعاً، من حيث الندرة في بعض التخصصات، والكثرة في التخصصات الأدبية، وتركز العمالة الوطنية في القطاع الخدمي على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى. فعندما يحدث هذا الإخفاق في النظام التعليمي وقصوره في أداء هذه المهام بالشكل المطلوب، أو عندما يتخلف النظام الإنتاجي ذاته عن مواكبة التطورات في النظام التعليمي، ويفتقر إلى مرونة استيعاب مخرجات التعليم وسوق العمل، تكون النتيجة الطبيعية المترتبة على حدوث هذه المشكلة زيادة معدلات البطالة بين الخريجين، خاصة في ظل هيمنة القطاع الحكومي على أهم الأنشطة الاقتصادية، بما يتمتع به من العديد من المزايا، التي لا تتوافر في قطاعات العمل الأخرى، مما أدى إلى تضخم القطاع الحكومي من دون ضوابط، مع تباعد أدائه كثيراً عن معايير الكفاءة والجودة، مما ساعد على اتساع الفجوة الكمية والنوعية بين تدفق تيار مخرجات مؤسسات التعليم والتدريب، وبين الاحتياجات المتجددة والمتطلبات الفعلية لخطط التنمية من مختلف التخصصات والمهن الوطنية، حيث التركيز في المهن الإدارية والكتابية، وندرة التواجد في المهن الحرفية والإنتاجية، ومنافسة المرأة للرجل في هذا الميدان. كما أن فرص العمل في القطاع العام تقتصر على الإحلال مكان العاملين المتقاعدين. وتشكل بطالة القوى العاملة الخليجية تحدياً للاستقرار الاجتماعي – الاقتصادي، بالإضافة إلى ظاهرة اهتمام خريجي منظومة التعليم والتدريب بضمان التعيين فقط، دون الاهتمام بدورهم ومدى مساهمتهم في خدمة مسيرة التنمية الوطنية، في ظل انطلاق سياسات التوظيف الحالية من جانب العرض (مخرجات التعليم)، وإغفال، إلى حد ما، جانب الطلب، المتمثل في الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، بما ينجم عنه من عدم توفر تقديرات علمية للطلب على القوى العاملة حسب الأنشطة الاقتصادية.

ثانياً: سبل وآليات تصويب هذا الخلل

تبرز الضرورات الموضوعية، وبصورة أكثر إلحاحاً عن أي وقت مضى، لتحقيق المواءمة بين مخرجات التعليم، وحاجة أسواق العمل الخليجية المتزايدة من الطلب على العمالة الوطنية، وتقليص الفجوة بين كفاءة الخريجين واحتياجات سوق العمل. وفي القلب منها أهمية إحداث تغييرات جذرية في النظام التعليمي بشكل عام وتطوير هياكله ومحتواه، وبصورة فعالة، وإعادة هيكلته، بشكل ديناميكي مرن، يواكب الحاجات والمتغيرات، كأحد أكبر التحديات الاستراتيجية الراهنة، وبما يتوافق مع التطوير في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على مستوى دول المجلس مجتمعة. ودلالة ذلك، أن آفاق تطور التعليم في هذه الدول مرهونة بمدى قدرة هذه النظم على التكيف مع احتياجات الاقتصاد الوطني من القوى العاملة المؤهلة خلال السنوات المقبلة، واختيار الاستراتيجيات المناسبة للوصول به إلى مستوى عال من التنظيم المرن والقابل لسرعة ومرونة التحديث والتطوير المستمرين، في ضوء حقيقة أن تحديث نظم التعليم بما يتوافق والمتغيرات الاقتصادية، ونوعية رأس المال البشري بهدف تأمين الكفاءات اللازمة من العناصر المتخصصة الفنية والإدارية، والقوى العاملة الماهرة وشبه الماهرة لقطاعات الاقتصاد المختلفة، وبالذات من حملة المؤهلات الجامعية والعليا، وزيادة معدل الكفاءة ونوعية المخرجات، يعتبر شرطاً ضرورياً لتكيف مؤسسات التعليم وانتقالها إلى تطور متوازن، مقرون برفض حركة التطور التقليدية، والتي أصبحت لا توفر الكوادر المطلوبة لسوق العمل سريعة التغير، وضرورة تطوير جودة التعليم، بما يمكّن الخريجين من مواكبة مستجدات العصر. وقد كان للخصائص الديموغرافية للسكان، التي مالت بالتدريج لصالح الفئة العمرية الشابة، أثر واضح في ضرورة تبني اتجاهات جديدة لتطوير نظم التعليم والتدريب، في كثير من دول مجلس التعاون، لاسيما أن أعداد هذه الفئة العمرية، شكلت أكثر من نصف عدد السكان في معظم هذه الدول. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير نظم إدارة وإعداد الكوادر البشرية. كما تتجلى ضرورة إحداث التكامل في وظائف مؤسسات التعليم مع مؤسسات البحث العلمي والمؤسسات الإنتاجية في القطاعين العام والخاص، وجودة التعليم والتدريب المعرفي القائم على التكنولوجيا، وتوعية الخريجين، خاصة الجامعيين، بتغيير أسلوب ونمط رغباتهم في التوظيف ليتفاعلوا مع سوق العمل ومعطياته، التي توصف بالمرونة. ومما له صلة، ضرورة معالجة القصور في سياسات وبرامج التدريب المهني، وعشوائية التدريب، وعدم التنسيق بين تلك المراكز، وغياب توافر بنك للمعلومات عن سوق العمل واحتياجاته من المهن المختلفة، الأمر الذي أدى إلى الدفع بمخرجات ليس عليها طلب في السوق، وتدارس كيفية تطوير سياسة مجانية التعليم، التي أسهمت بوضعيتها الحالية، في خفض نوعية التعليم وزيادة أعداد الخريجين غير المؤهلين لمتطلبات أسواق العمل. وبالتالي، أهمية إعطاء المزيد من العناية لربط مسارات ومناهج النظام التعليمي، بدءاً من سنواته الأولى، بتنبؤات وتقديرات الطلب الكمي والنوعي لسوق العمل في مختلف أنشطة التنمية، وتغيير نمط نظام التعليم العام، وضرورة إدراج التعليم التقني والفني في بنيته الأساسية، وتفعيل المستوى العلمي لمدخلات التعليم الجامعي والتطبيقي والتدريبي، ومعالجة عزوف الطلاب عن الالتحاق بالتخصصات العلمية والفنية، وعدم تسربها بعد دخول سوق العمل لشغل الوظائف الإدارية والمكتبية، بما يكفل الإعداد السليم للكوادر الوطنية، ومعالجة الخلل الواضح في التكوين المهاري والمهني للعمالة الوطنية لغير صالح المهن الإنتاجية والفنية والحرفية، والتي تقف حائلاً دون حصول العمالة الوطنية على المزيد من فرص العمل، ومواكبتها للتطورات التكنولوجية والمواصفات المطلوبة في سوق العمل في القطاعين العام والخاص _ الذي تتواجد فيه طلبات متزايدة على العمالة الماهرة والعمالة العادية – ومعالجة البطالة المقنعة في القطاع الحكومي، التي تمثل شريحة غير منتجة. كما تتبدى أهمية ضرورة توجيه المزيد من الاهتمام لسياسات وبرامج التدريب النظامي والتحويلي باعتبارها الوسيلة الأكثر مرونة والأقرب زمنياً لتحقيق التوازن بين جانبي العرض والطلب للعمالة الوطنية على المديين المتوسط والقصير.

 وتتزايد أهمية هذه الضرورات مع توجه العديد من الدول الخليجية لتنفيذ برنامج الخصخصة، مما سيؤدي إلى انتقال ملكية العديد من المشاريع والمنشآت من القطاع العام، الذي يستوعب أعداداً كبيرة من المواطنين غير المؤهلين، مهنياً وسلوكياً، إلى الأعمال والوظائف، التي ستصبح تحت إدارة القطاع الخاص، الذي سيطبق بدوره معايير الاستثمار الصحيح على أسس التكلفة والمردود والإنتاجية والمنافسة. ولذلك تبرز ضرورة أن يواكب تنفيذ برنامج التخصيص، إعداد البرامج التدريبية المتقدمة لإعادة تأهيل هؤلاء العاملين، حتى يمكنهم الاحتفاظ بوظائفهم في ظل إدارة القطاع الخاص أو الالتحاق بوظائف أخرى يحتاجها سوق العمل بالفعل.

وفي التحليل الأخير، فإن معالجة الخلل الكمي والنوعي في سوق العمل، لا يمكن أن تتم بمعزل عن إصلاح بقية الاختلالات الهيكلية الأخرى سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو إدارية بالموازاة مع إجراء التغييرات الجذرية في نظم التعليم والتدريب الحالية من خلال التخطيط الذي يرتكز على أسس علمية وعملية واضحة ورؤية شمولية بعيدة المدى بمقدورها تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية المتاحة، وتكفل حسن توزيعها على مجموعات المهن والتخصصات المختلفة، وتشجيعها على العمل المهني والإنتاجي، والتشجيع أيضاً على الانتقال من فروع المعرفة التقليدية إلى تلك المتعلقة بأسواق العمل، وتوفير الاحتياجات من القوى العاملة الوطنية من مخرجات التعليم، وضمان تدفقها إلى كافة القطاعات، وتحقيق النسب المستهدفة في إعادة هيكلة القوى العاملة بين المواطنين والوافدين.

::/fulltext::

49-38-104
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1826::/cck::
::introtext::

الحقيقة التي لا مراء فيها، أن منظومة التعليم بكافة مراحله والتدريب، تتبوأ مكانة استراتيجية ومتزايدة الأهمية في عملية بناء وتنمية القوى البشرية الخليجية، التي تعتبر من أهم المقومات الأساسية، والتي تعتمد عليها التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمود الفقري للتنمية البشرية وأساس التطور العلمي والتكنولوجي.

::/introtext::
::fulltext::

الحقيقة التي لا مراء فيها، أن منظومة التعليم بكافة مراحله والتدريب، تتبوأ مكانة استراتيجية ومتزايدة الأهمية في عملية بناء وتنمية القوى البشرية الخليجية، التي تعتبر من أهم المقومات الأساسية، والتي تعتمد عليها التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمود الفقري للتنمية البشرية وأساس التطور العلمي والتكنولوجي.

يأتي ذلك من منظور أن هذه المنظومة، تمثل العنصر الحاكم في مسألة إعداد وتوفير القوى العاملة المؤهلة والمدربة، التي تقابل الاحتياجات الكمية والمتطلبات النوعية للتنمية، والتي لا يمكن تحقيق أهدافها إلا من خلال تدفق مخرجات مؤسسات التعليم والتدريب المؤهلين بقدرات ومهارات فكرية متطورة، وطاقة إنتاجية عالية بالكم والكيف والتوقيت المناسب والمتوازن مع تلك المتطلبات التنموية المتجددة بفعل العلاقة التبادلية بين معدلات النمو الاقتصادي وانخفاض معدلات البطالة وارتفاع المستوى التعليمي.

وعلى الرغم من النمو الكمي، الذي يلفت الانتباه في أعداد المؤسسات التعليمية الخليجية، وانخفاض معدلات الأمية، والطفرات الهائلة في نظم التعليم بكافة مستوياتها، وبروز الاستقطاب والإقبال الكبيرين على التعليم، وارتفاع مستوى القبول بالدراسة في مراحلها الأساسية، والتي وصلت إلى ما يفوق 90 في المائة من إجمالي الأطفال في سن التعليم، والمبالغ الضخمة المنفقة على برامج التعليم والتدريب، إلا أن دول مجلس التعاون الخليجي تعاني عدم التناسب بين أنواع المؤهلات التي يحملها المواطنون الباحثون عن العمل، وبين متطلبات سوق العمل والفرص المتاحة فيه، خاصة أن هذه الزيادة المطردة والإقبال الكبير على التعليم العام، لم يقابلهما تطور مماثل في مؤسسات ونظم التعليم العالي، حيث لم تتمكن مؤسساته من مواكبة تلبية احتياجات مخرجات التعليم العام من التأهيل الأكاديمي، مما أوجد فجوة بين الاحتياجات المتزايدة من التأهيل الأكاديمي، ومخرجات التعليم العام المتزايدة. وحسب مصادر منظمة العمل العربية عام 2006، فإن إجمالي العمالة الوطنية والأجنبية في دول المجلس، بلغت 14,5 مليون عامل، تشكل العمالة الوافدة فيها 70,3 في المائة، وتتركز معظمها في القطاع الخاص. ومن ثم، تعتبر عدم المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل أبرز ملامح الخلل الهيكلي، الكمي والنوعي، في سوق العمل.

ينبغي إحداث تغييرات جذرية في النظام التعليمي الخليجي وتطوير هياكله ومحتواه بما يواكب الحاجات والمتغيرات

أولاً: خلل العلاقة بين مخرجات العملية التعليمية وحاجات سوق العمل الخليجي

مما لاشك فيه أن البلدان الخليجية تعاني اختلالات هيكلية في بنية احتياجات سوق العمل، نتيجة لاتساع الفجوة بين العرض والطلب، خاصة مع تزايد معدلات البطالة، الهم الأكبر في هذه البلدان، بين كل فئات المجتمع بشكل عام وفي صفوف خريجي الجامعات والكليات المتوسطة، حيث إن القوى العاملة الخليجية تنمو بمعدلات تفوق معدلات نمو السكان، والمتولدة عن إخفاق النظام التعليمي وعدم مرونته وسرعة استجابته لاحتياجات الجهاز الإنتاجي، بالشكل الذي يعزز قدرته على مواجهة التغيرات المتلاحقة في سوق العمل، حيث الخلل في المستوى التعليمي، نتيجة لتركيز السياسة التعليمية على التعليم الكمي لا النوعي، فأصبح التعليم شكلاً بلا مضمون، والجودة شعاراً لا واقعاً، من حيث الندرة في بعض التخصصات، والكثرة في التخصصات الأدبية، وتركز العمالة الوطنية في القطاع الخدمي على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى. فعندما يحدث هذا الإخفاق في النظام التعليمي وقصوره في أداء هذه المهام بالشكل المطلوب، أو عندما يتخلف النظام الإنتاجي ذاته عن مواكبة التطورات في النظام التعليمي، ويفتقر إلى مرونة استيعاب مخرجات التعليم وسوق العمل، تكون النتيجة الطبيعية المترتبة على حدوث هذه المشكلة زيادة معدلات البطالة بين الخريجين، خاصة في ظل هيمنة القطاع الحكومي على أهم الأنشطة الاقتصادية، بما يتمتع به من العديد من المزايا، التي لا تتوافر في قطاعات العمل الأخرى، مما أدى إلى تضخم القطاع الحكومي من دون ضوابط، مع تباعد أدائه كثيراً عن معايير الكفاءة والجودة، مما ساعد على اتساع الفجوة الكمية والنوعية بين تدفق تيار مخرجات مؤسسات التعليم والتدريب، وبين الاحتياجات المتجددة والمتطلبات الفعلية لخطط التنمية من مختلف التخصصات والمهن الوطنية، حيث التركيز في المهن الإدارية والكتابية، وندرة التواجد في المهن الحرفية والإنتاجية، ومنافسة المرأة للرجل في هذا الميدان. كما أن فرص العمل في القطاع العام تقتصر على الإحلال مكان العاملين المتقاعدين. وتشكل بطالة القوى العاملة الخليجية تحدياً للاستقرار الاجتماعي – الاقتصادي، بالإضافة إلى ظاهرة اهتمام خريجي منظومة التعليم والتدريب بضمان التعيين فقط، دون الاهتمام بدورهم ومدى مساهمتهم في خدمة مسيرة التنمية الوطنية، في ظل انطلاق سياسات التوظيف الحالية من جانب العرض (مخرجات التعليم)، وإغفال، إلى حد ما، جانب الطلب، المتمثل في الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، بما ينجم عنه من عدم توفر تقديرات علمية للطلب على القوى العاملة حسب الأنشطة الاقتصادية.

ثانياً: سبل وآليات تصويب هذا الخلل

تبرز الضرورات الموضوعية، وبصورة أكثر إلحاحاً عن أي وقت مضى، لتحقيق المواءمة بين مخرجات التعليم، وحاجة أسواق العمل الخليجية المتزايدة من الطلب على العمالة الوطنية، وتقليص الفجوة بين كفاءة الخريجين واحتياجات سوق العمل. وفي القلب منها أهمية إحداث تغييرات جذرية في النظام التعليمي بشكل عام وتطوير هياكله ومحتواه، وبصورة فعالة، وإعادة هيكلته، بشكل ديناميكي مرن، يواكب الحاجات والمتغيرات، كأحد أكبر التحديات الاستراتيجية الراهنة، وبما يتوافق مع التطوير في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على مستوى دول المجلس مجتمعة. ودلالة ذلك، أن آفاق تطور التعليم في هذه الدول مرهونة بمدى قدرة هذه النظم على التكيف مع احتياجات الاقتصاد الوطني من القوى العاملة المؤهلة خلال السنوات المقبلة، واختيار الاستراتيجيات المناسبة للوصول به إلى مستوى عال من التنظيم المرن والقابل لسرعة ومرونة التحديث والتطوير المستمرين، في ضوء حقيقة أن تحديث نظم التعليم بما يتوافق والمتغيرات الاقتصادية، ونوعية رأس المال البشري بهدف تأمين الكفاءات اللازمة من العناصر المتخصصة الفنية والإدارية، والقوى العاملة الماهرة وشبه الماهرة لقطاعات الاقتصاد المختلفة، وبالذات من حملة المؤهلات الجامعية والعليا، وزيادة معدل الكفاءة ونوعية المخرجات، يعتبر شرطاً ضرورياً لتكيف مؤسسات التعليم وانتقالها إلى تطور متوازن، مقرون برفض حركة التطور التقليدية، والتي أصبحت لا توفر الكوادر المطلوبة لسوق العمل سريعة التغير، وضرورة تطوير جودة التعليم، بما يمكّن الخريجين من مواكبة مستجدات العصر. وقد كان للخصائص الديموغرافية للسكان، التي مالت بالتدريج لصالح الفئة العمرية الشابة، أثر واضح في ضرورة تبني اتجاهات جديدة لتطوير نظم التعليم والتدريب، في كثير من دول مجلس التعاون، لاسيما أن أعداد هذه الفئة العمرية، شكلت أكثر من نصف عدد السكان في معظم هذه الدول. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير نظم إدارة وإعداد الكوادر البشرية. كما تتجلى ضرورة إحداث التكامل في وظائف مؤسسات التعليم مع مؤسسات البحث العلمي والمؤسسات الإنتاجية في القطاعين العام والخاص، وجودة التعليم والتدريب المعرفي القائم على التكنولوجيا، وتوعية الخريجين، خاصة الجامعيين، بتغيير أسلوب ونمط رغباتهم في التوظيف ليتفاعلوا مع سوق العمل ومعطياته، التي توصف بالمرونة. ومما له صلة، ضرورة معالجة القصور في سياسات وبرامج التدريب المهني، وعشوائية التدريب، وعدم التنسيق بين تلك المراكز، وغياب توافر بنك للمعلومات عن سوق العمل واحتياجاته من المهن المختلفة، الأمر الذي أدى إلى الدفع بمخرجات ليس عليها طلب في السوق، وتدارس كيفية تطوير سياسة مجانية التعليم، التي أسهمت بوضعيتها الحالية، في خفض نوعية التعليم وزيادة أعداد الخريجين غير المؤهلين لمتطلبات أسواق العمل. وبالتالي، أهمية إعطاء المزيد من العناية لربط مسارات ومناهج النظام التعليمي، بدءاً من سنواته الأولى، بتنبؤات وتقديرات الطلب الكمي والنوعي لسوق العمل في مختلف أنشطة التنمية، وتغيير نمط نظام التعليم العام، وضرورة إدراج التعليم التقني والفني في بنيته الأساسية، وتفعيل المستوى العلمي لمدخلات التعليم الجامعي والتطبيقي والتدريبي، ومعالجة عزوف الطلاب عن الالتحاق بالتخصصات العلمية والفنية، وعدم تسربها بعد دخول سوق العمل لشغل الوظائف الإدارية والمكتبية، بما يكفل الإعداد السليم للكوادر الوطنية، ومعالجة الخلل الواضح في التكوين المهاري والمهني للعمالة الوطنية لغير صالح المهن الإنتاجية والفنية والحرفية، والتي تقف حائلاً دون حصول العمالة الوطنية على المزيد من فرص العمل، ومواكبتها للتطورات التكنولوجية والمواصفات المطلوبة في سوق العمل في القطاعين العام والخاص _ الذي تتواجد فيه طلبات متزايدة على العمالة الماهرة والعمالة العادية – ومعالجة البطالة المقنعة في القطاع الحكومي، التي تمثل شريحة غير منتجة. كما تتبدى أهمية ضرورة توجيه المزيد من الاهتمام لسياسات وبرامج التدريب النظامي والتحويلي باعتبارها الوسيلة الأكثر مرونة والأقرب زمنياً لتحقيق التوازن بين جانبي العرض والطلب للعمالة الوطنية على المديين المتوسط والقصير.

 وتتزايد أهمية هذه الضرورات مع توجه العديد من الدول الخليجية لتنفيذ برنامج الخصخصة، مما سيؤدي إلى انتقال ملكية العديد من المشاريع والمنشآت من القطاع العام، الذي يستوعب أعداداً كبيرة من المواطنين غير المؤهلين، مهنياً وسلوكياً، إلى الأعمال والوظائف، التي ستصبح تحت إدارة القطاع الخاص، الذي سيطبق بدوره معايير الاستثمار الصحيح على أسس التكلفة والمردود والإنتاجية والمنافسة. ولذلك تبرز ضرورة أن يواكب تنفيذ برنامج التخصيص، إعداد البرامج التدريبية المتقدمة لإعادة تأهيل هؤلاء العاملين، حتى يمكنهم الاحتفاظ بوظائفهم في ظل إدارة القطاع الخاص أو الالتحاق بوظائف أخرى يحتاجها سوق العمل بالفعل.

وفي التحليل الأخير، فإن معالجة الخلل الكمي والنوعي في سوق العمل، لا يمكن أن تتم بمعزل عن إصلاح بقية الاختلالات الهيكلية الأخرى سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو إدارية بالموازاة مع إجراء التغييرات الجذرية في نظم التعليم والتدريب الحالية من خلال التخطيط الذي يرتكز على أسس علمية وعملية واضحة ورؤية شمولية بعيدة المدى بمقدورها تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية المتاحة، وتكفل حسن توزيعها على مجموعات المهن والتخصصات المختلفة، وتشجيعها على العمل المهني والإنتاجي، والتشجيع أيضاً على الانتقال من فروع المعرفة التقليدية إلى تلك المتعلقة بأسواق العمل، وتوفير الاحتياجات من القوى العاملة الوطنية من مخرجات التعليم، وضمان تدفقها إلى كافة القطاعات، وتحقيق النسب المستهدفة في إعادة هيكلة القوى العاملة بين المواطنين والوافدين.

::/fulltext::
::cck::1826::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *