لا حرج في إصلاح ولو بضغط خارجي

::cck::1842::/cck::
::introtext::

في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتوجيه الاتهامات الأمريكية إلى البيئة الثقافية العربية بأنها المسؤولة عن إفراز الفكر المتطرف الذي شحن به هؤلاء الذين ضربوا أمريكا تلك الضربة الموجعة والتي ذكرتهم بكارثة (بيرل هاربر) قبل 60 عاماً، انشغلت الأرض العربية بجدل كبير حول مراجعة المناهج التعليمية السائدة بهدف تخليصها من أي مفاهيم أو أفكار قد تدفع الناشئة إلى التطرف والكراهية.

::/introtext::
::fulltext::

في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتوجيه الاتهامات الأمريكية إلى البيئة الثقافية العربية بأنها المسؤولة عن إفراز الفكر المتطرف الذي شحن به هؤلاء الذين ضربوا أمريكا تلك الضربة الموجعة والتي ذكرتهم بكارثة (بيرل هاربر) قبل 60 عاماً، انشغلت الأرض العربية بجدل كبير حول مراجعة المناهج التعليمية السائدة بهدف تخليصها من أي مفاهيم أو أفكار قد تدفع الناشئة إلى التطرف والكراهية.

لقد انقسم العرب إلى فريقين، فريق يرى ضرورة إصلاح التعليم وتطويره وتجديد مناهجه انطلاقاً من حاجات داخلية، واستجابة لمتطلبات التنمية، ومواكبة لمتغيرات روح العصر، وضرورة ملحة لعبور هوة التخلف وتشغيل طاقات التجديد الكامنة بتعليم قادر على مواجهة التحديات المعاصرة ومؤهل لتحصين الناشئة من الأفكار المتطرفة وقد شكل هذا الفريق الرأي الغالب لدى النخب السياسية والثقافية العربية، لكن فريقاً آخر من العرب، عارض هذا التوجه، ورأى أن في دعوة المراجعة والتطوير للمناهج، حقاً يراد به باطل، ونوعاً من الرضوخ للمطالب الأمريكية والقبول بإملاءاته، وأن الوقت غير ملائم لإجراء تلك المراجعات، فلتؤجل تلك الإصلاحات إلى وقت آخر.

ولأننا لو أجرينا تلك المراجعات واستجبنا للضغوط الأمريكية لأكدنا الاتهامات الأمريكية لمناهجنا بأنها تفرز أفكار التطرف والكراهية، ولذلك يجب رفض تطوير المناهج (نكاية) في أمريكا. فهل مراجعة المناهج التعليمية وتطويرها ضرورة وطنية أم استجابة للضغوط الخارجية؟

لعل خير إجابة عن هذا التساؤل الحيوي أن نقول إن الهم الإصلاحي هم قديم متجدد، غير مرتبط بزمن أو مناسبة وإذا كان الآخر يطالبنا به لتضرره من جمود أوضاعنا التعليمية وتخلف مناهجنا الدراسية، فهذا لا يبرر تقاعسنا عنه وهروبنا من تحمل المسؤولية، وأن يتم ذلك بأيدينا خير من أن يفرض علينا، ولذلك على دعاة الإصلاح والتجديد عدم الالتفات إلى إرهاب أصحاب الظنون والشائعات الذين يروجون بأن تطوير التعليم مؤامرة أمريكية لإلغاء موضوع الجهاد وعدم تدريس آيات القتال، لأن هذا التعليم المأزوم قد (أزمن) واستطال، ولم يقدم حلولاً نافعة لمجتمعاتنا كما لم يحصن شبابنا من الأمراض الفكرية كالتعصب والغلو والتطرف والتكفير، فضلاً عن تخلف مخرجات التعليم السائد عن الوفاء باحتياجات التنمية الشاملة.

شخّص خبراء التعليم العربي المنظومة التعليمية وأخضعوها للمراجعة قبل أحداث سبتمبر مطالبين بالتجديد

لقد شخص خبراء التعليم العربي الذين أخضعوا المنظومة التعليمية برمتها (المناهج والمقررات والكتب والمدرسين والأنشطة المتصلة بها وطرق التدريس) لعمليات الفحص والمراجعة والتقييم، وذلك من قبل أحداث سبتمبر 2001 بزمن طويل، وطالبوا بضرورة تجديد التعليم العربي في مناسبات عديدة وعبر مؤتمرات وندوات وورش متخصصة لأن التعليم العربي السائد قد أخفق في تحقيق أهدافه الكبرى المنشودة ومن أبرزها عدم ملاءمة مخرجاته لمتطلبات التنمية والإنتاج.

وخلال دراسات علمية عديدة شخصت علل وأمراض النظام التعليمي العربي، واقترحت حلولاً محددة ومعالجات عملية لم تجد آذاناً صاغية، لعل أبرزها، الدراسات المنهجية التي أجراها الدكتور سعد الدين إبراهيم وفريقه في عام 1990، وشملت 20 دولة عربية، وتوصلت إلى تشخيص أمراض التعليم العربي في علل ست هي:

1- التركيز على الماضي وإهمال الحاضر.

2- التركيز على الحفظ والتلقين لا التفكير والتحليل.

3- دعم الامتثال والقهر ومحاربة الابتكار والتفرد.

4- دعم القهر والتسلط ومناهضة الاستقلالية والفكر النقدي.

5- تمجيد الحصول على الشهادات والاعتماد على الوظائف الحكومية.

6- تشجيع الاستبداد والخنوع والسلبية لا المشاركة والديمقراطية.

وقد انتهت الدراسة إلى إطلاق صيحة تحذيرية بعنوان (تطوير التعليم أو الكارثة) وقالت إنه إذا استمر الوضع التعليمي كما هو، فمن الممكن أن يؤدي إلى كارثة محققة خلال 20 عاماً، وأنه لا سبيل أمام العرب لدخول القرن 21 مادام هذا التعليم سائداًَ، لأنه يعيد إنتاج التخلف والتبعية والتجزئة، وأن القرن المقبل ينطوي على تحديات لا تقوى على مواجهتها إلا مجتمعات عالمة ومتعلمة، وأنه لا بد من إدارة سياسية مجتمعة لإعادة صياغة العملية التعليمية شكلاً ومضموناً، مؤكدة أن المال ليس هو العقبة، لأن التعليم السيء أكثر تكلفة في المديين المتوسط والبعيد لأنه يخرج إنساناً عاجزاً فكرياً ومهنياً، ويريد وظيفة، فإذا وفرت له الدولة الوظيفة يكلفها مزيداً من المال دون عائد حقيقي، فتكون التكلفة مضاعفة من خلال:

1- الإنفاق على تعليم هزيل.

2- توظيف عقيم.

وأشارت الدراسة إلى نقطة مهمة وهي أنه رغم الإنفاق الهائل على التعليم إلا أنه لم يحقق تقدماً علمياً أو اقتصادياً أو أمنياً، فنحن كما كنا صبيحة يوم الاستقلال 1950 ما زلنا نعتمد على الآخر في طعامه وسلاحه ودوائه وسلعه، وقد وصلت ديوننا إلى أرقام فلكية ولا يزال عندنا ندرة في إنتاج العلماء والمخترعين بل حتى القلة المبدعة التي لا تجد مناخاً سياسياً واجتماعياً ملائماً مضطرة للهجرة. وبعد 12 عاماً من هذه الدراسة، تأتي دراسة أخرى عن (التنمية الإنسانية العربية) لعام 2002 لتؤكد نبوءات ومخاوف الدراسات السابقة، وتشير إلى تدني نوعية التعليم في ما يتعلق بالتحصيل المعرفي والقدرات التحليلية والابتكارية، وتؤكد وجود خلل بين سوق العمل ومستوى التنمية من جهة، وخريجي النظام التعليمي من جهة أخرى، يتمثل في ضعف إنتاجية العمالة واختلال هيكل الأجور وتفشي البطالة، كما تشير الدراسة إلى أن الإنفاق على البحث والتطوير أقل من سُبع المعدل العالمي، وتخلص الدراسة إلى أن غياب حكم ديمقراطي كفء وصالح يمثل عقبة أمام التنمية، فالعرب أثرياء لكنهم فقراء في التنمية.

لا يزال تعليمنا يحكمه موقف تمييزي من المرأة نراه في تهميش دورها في الحياة العامة وإساءة الظن بها

وتأتي دراسة منهجية معمقة ثالثة في يناير 2004 بعنوان التربية وإعادة تشكيل الوعي العربي، للخبير التربوي الكبير محمد جواد رضا قدمت إلى ندوة ( العصر العربي الجديد) بالكويت، وشخصت علل التعليم العربي في أوهام خمسة هي:

1- وهم الهوية.

2- وهم (أعلوية) الذكر على الأنثى.

3- وهم (أعلوية) الفكر الغيبي على الفكر العلمي التجريبي.

4- وهم الخوف من الحداثة والديمقراطية.

5- وهم الإحساس بالاضطهاد العالمي للعرب.

ولاحظت الدراسة ملاحظة مهمة حين أشارت إلى أن هذه التربية ظلت طيلة الأعوام الثمانية الماضية، تربية مسيسة، وكان التسيس نفسه ذا طبيعة ماضوية فظل الماضي يشكل الحاضر، حتى صار يوحى للناشئة جيلاً بعد جيل بأن الحاضر الحقيقي هو الماضي الذي يجب استعادته، حتى وصل الأمر إلى أن يقول أحد ألمع التربويين القوميين العرب عبدالله عبدالدايم: إن التربية العربية كانت عملية منظمة لاغتيال العقول والنفوس وتعبئتها بما نشاء من أفكار وقيم واتجاهات، ونتجه بها إلى تقديس الماضي تقديساً صنمياً، أقام حاجزاً منيعاً بين تجربة الأمة العربية والإسلامية الماضية وتجارب الأمم الأخرى.

وفي تصوري أن علل التعليم العربي أعقد مما توصلت إليه كل تلك الدراسات وعلى الرغم من كل عمليات المراجعة والتنقيح والتطوير التي تم إجراؤها عبر السنوات السبع التي أعقبت أحداث سبتمبر.

ودعوني ألخص العلل البنيوية المزمنة في التعليم العربي عامة في أربعة مواقف هي:

1- الموقف التمجيدي:

لايزال خطابنا التعليمي يقوم على موقف تمجيدي مع بخس الحق التاريخي للآخرين، ففي التاريخ يحشى ذهن الطفل بأمجاد أمته والافتخار بها بصورة مبالغة مع البعد والتجاهل عن إيضاح أخطائنا التاريخية تجاه الأمم الأخرى. ومن الطبيعي لمثل هذا الطفل عندما يصبح رجلاً يافعاً أن يكون وجدانه قد امتلأ بنعرة قومية أو عنصرية أو دينية متطرفة لا مبرر لها نحو الأمم الأخرى كما يقول الكاتب أحمد عبدالقادر دسوقي وهو محق.

رغم الإنفاق العربي الهائل على التعليم لكنه لم يحقق تقدماً علمياً أو اقتصادياً أو أمنياً

ونفخر بتدريس أطفالنا قول الخليفة العباسي هارون الرشيد للغمامة (أمطري حيث شئت فسيأتي خراجك لي)، ولا يخطر ببالنا الدماء التي أريقت، وأشلاء الجماهير التي تقدم هذا الخراج للسلطان كما يقول خالص حلبي.

2- الموقف التمييزي:

لا يزال تعليمنا يحكمه موقف تمييزي من المرأة، نراه في تهميش دورها في الحياة العامة وإساءة الظن بها واعتبارها مصدر الخطيئة والعار والفتنة، وتصور مناهجنا المرأة كائناً ناقصاً لا وظيفة لها إلا خدمة الرجل وإمتاعه وتربية أولاده، كما لايزال التعليم يصور المرأة سيئة التصرف في المواقف الحياتية العامة ولا بد من وجود الولي أو الوصي الرجل الذي يكبح جماح المرأة ويرشد سلوكياتها ويكمل نقص عقلها ويحد من طغيان عاطفتها وسوء تقديرها للأمور.

3- الموقف الإقصائي:

لا يزال التعليم العربي يقوم على موقف إقصاء الآخر المختلف دينياً أو مذهباً أو طائفة أو قومية، ولا يزال الآخر في تعليمنا ومناهجنا وفي طرق تدريسنا وحتى في خطابنا الديني والإعلامي (مريباً ومتآمراً) يريد بنا الشر دائماً، ولا يأتي منه خير أبداً، وحتى حين نوجه ناشئتنا لتعلم لغة الآخر فمن أجل أن نأمن شرهم ومكرهم لا من أجل التواصل الإنساني والإفادة من تجاربهم. كما أن الآخر المحلي إذا كان من طائفة أخرى أو مذهب آخر فهو مشكوك في عقيدته، لأن العقيدة الصحيحة واحدة أصحابها يستأثرون بالجنة وصورها، أما بقية الفرق الإسلامية فهي ضالة ومنحرفة ومبتدعة.

4- الموقف التعظيمي:

إن تعليمنا يعظم دور الفرد البطل أو القائد باعتباره صانع الأحداث، وهو المنقذ والمحرر، لكنه يهمش دور الشعوب ويغيبه تماماً ولا نرى أي دور لمجتمعاتنا عبر التاريخ الطويل ولا أي تأثير في تحولاته، فهناك دائماً البطل أو القائد المطاع وهناك دائماً أيضاً الشعوب الخاضعة المسيرة تبعاً لرغبات البطل القائد.

وقد أفرز هذا الموقف التعظيمي للرموز والقادة أن الشعوب العربية أصبحت مولعة بالقادة الطغاة، يرفعون صورهم، ويسيرون وراءهم، حتى لو قادوهم للهاوية. فلا عجب لبكاء قطاعات عريضة من المجتمعات العربية على قادتهم المهزومين وتعلقهم بهم حتى بعد مماتهم.

هذا الموقف التعظيمي للبطل المنقذ، أوجد تركيبة ثقافية هشة لمجتمعاتنا وأضعف حصانتها تجاه مقاومة الظلم وجعل عندها القابلية والاستسلام للاستبداد والعنف والتسلط، وقد أبدع في وصفه عبدالله القصيمي في كتيبه (لئلا يعود هارون الرشيد) وأكده الغذامي في تشخيصه الدقيق لظاهرة (الفحل) كنسق في الخطاب الشعري خاصة والأدبي عامة. وهذا الموقف التقديسي له امتداد مستقبلي فيما يسمى (المهدي) المنتظر كنوع من التعويض أو الفشل أو العجز عن تغيير الشعوب لأوضاعها وأملها في هذا المهدي أن يأتي بالعدل.

وختاماً فإن هم تطوير التعليم لم يقتصر على دولة خليجية دون غيرها، إذ أصبح هماً خليجياً وعربياً عاماً ومطلباً ملحاً للشعوب قبل أن يكون ضغطاً أو تشجيعاً خارجياًً، ولا أدل من اتفاق قادة دول مجلس التعاون في قمتهم في الكويت رقم 24 على ضرورة إصلاح وتطوير التعليم، لذلك فإن الدعوة إلى التجديد والتطوير والإصلا ح اليوم أكثر إلحاحاً بسبب التردي المزمن للأوضاع وبسبب الإفرازات السلبية لهذا التعليم، أبرزها هذا المد المتطرف الكاره للحياة والأحياء والمجتمع والمعادي للعصر وحضارته لدرجة الانتحار، ومن الخطأ أن يقال إن الوقت غير مناسب لأن الآخر يملي علينا ويطالبنا بالإصلاح، فهؤلاء الذين (يخوّفوننا) من الإصلاح هم أصحاب عقول منغلقة وأيديولوجيات متعصبة، يعانون حساسية مرضية تجاه الآخر، وإذا كان الآخر يطالبنا اليوم بمراجعة المنظومة التعليمية وإصلاحها فذلك لتضررها من إفرازاتها السلبية كما تضررنا. حيث إن من قواعد ديننا أن نشكر من أهدى إلينا عيوبنا أو نبهنا إليها، فلا حساسية عندنا من الإصلاح ولو كان ضغطاً خارجياً، لكن المهم أن يتم على أيدينا، وإصلاحات العرب عبر قرن كامل ما تمت إلا بضغط أو تأثير خارجي، ولن يتحقق أي إصلاح في دنيا العرب بمعزل عن الخارج، لكن من الضروري كما قلنا أن يتم ذلك على أيدينا لا على أيدي عمرو وكفانا أوهاماً وظنوناً فالعالم أصبح قرية واحدة يتأثر بعضه ببعض وما هو داخلي أصبح خارجياً، كما أن الخارجي أصبح موصولاً بالداخل، وأن يتم الإصلاح اليوم خير من أن يؤجل ويستعصي علاجه.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1842::/cck::
::introtext::

في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتوجيه الاتهامات الأمريكية إلى البيئة الثقافية العربية بأنها المسؤولة عن إفراز الفكر المتطرف الذي شحن به هؤلاء الذين ضربوا أمريكا تلك الضربة الموجعة والتي ذكرتهم بكارثة (بيرل هاربر) قبل 60 عاماً، انشغلت الأرض العربية بجدل كبير حول مراجعة المناهج التعليمية السائدة بهدف تخليصها من أي مفاهيم أو أفكار قد تدفع الناشئة إلى التطرف والكراهية.

::/introtext::
::fulltext::

في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتوجيه الاتهامات الأمريكية إلى البيئة الثقافية العربية بأنها المسؤولة عن إفراز الفكر المتطرف الذي شحن به هؤلاء الذين ضربوا أمريكا تلك الضربة الموجعة والتي ذكرتهم بكارثة (بيرل هاربر) قبل 60 عاماً، انشغلت الأرض العربية بجدل كبير حول مراجعة المناهج التعليمية السائدة بهدف تخليصها من أي مفاهيم أو أفكار قد تدفع الناشئة إلى التطرف والكراهية.

لقد انقسم العرب إلى فريقين، فريق يرى ضرورة إصلاح التعليم وتطويره وتجديد مناهجه انطلاقاً من حاجات داخلية، واستجابة لمتطلبات التنمية، ومواكبة لمتغيرات روح العصر، وضرورة ملحة لعبور هوة التخلف وتشغيل طاقات التجديد الكامنة بتعليم قادر على مواجهة التحديات المعاصرة ومؤهل لتحصين الناشئة من الأفكار المتطرفة وقد شكل هذا الفريق الرأي الغالب لدى النخب السياسية والثقافية العربية، لكن فريقاً آخر من العرب، عارض هذا التوجه، ورأى أن في دعوة المراجعة والتطوير للمناهج، حقاً يراد به باطل، ونوعاً من الرضوخ للمطالب الأمريكية والقبول بإملاءاته، وأن الوقت غير ملائم لإجراء تلك المراجعات، فلتؤجل تلك الإصلاحات إلى وقت آخر.

ولأننا لو أجرينا تلك المراجعات واستجبنا للضغوط الأمريكية لأكدنا الاتهامات الأمريكية لمناهجنا بأنها تفرز أفكار التطرف والكراهية، ولذلك يجب رفض تطوير المناهج (نكاية) في أمريكا. فهل مراجعة المناهج التعليمية وتطويرها ضرورة وطنية أم استجابة للضغوط الخارجية؟

لعل خير إجابة عن هذا التساؤل الحيوي أن نقول إن الهم الإصلاحي هم قديم متجدد، غير مرتبط بزمن أو مناسبة وإذا كان الآخر يطالبنا به لتضرره من جمود أوضاعنا التعليمية وتخلف مناهجنا الدراسية، فهذا لا يبرر تقاعسنا عنه وهروبنا من تحمل المسؤولية، وأن يتم ذلك بأيدينا خير من أن يفرض علينا، ولذلك على دعاة الإصلاح والتجديد عدم الالتفات إلى إرهاب أصحاب الظنون والشائعات الذين يروجون بأن تطوير التعليم مؤامرة أمريكية لإلغاء موضوع الجهاد وعدم تدريس آيات القتال، لأن هذا التعليم المأزوم قد (أزمن) واستطال، ولم يقدم حلولاً نافعة لمجتمعاتنا كما لم يحصن شبابنا من الأمراض الفكرية كالتعصب والغلو والتطرف والتكفير، فضلاً عن تخلف مخرجات التعليم السائد عن الوفاء باحتياجات التنمية الشاملة.

شخّص خبراء التعليم العربي المنظومة التعليمية وأخضعوها للمراجعة قبل أحداث سبتمبر مطالبين بالتجديد

لقد شخص خبراء التعليم العربي الذين أخضعوا المنظومة التعليمية برمتها (المناهج والمقررات والكتب والمدرسين والأنشطة المتصلة بها وطرق التدريس) لعمليات الفحص والمراجعة والتقييم، وذلك من قبل أحداث سبتمبر 2001 بزمن طويل، وطالبوا بضرورة تجديد التعليم العربي في مناسبات عديدة وعبر مؤتمرات وندوات وورش متخصصة لأن التعليم العربي السائد قد أخفق في تحقيق أهدافه الكبرى المنشودة ومن أبرزها عدم ملاءمة مخرجاته لمتطلبات التنمية والإنتاج.

وخلال دراسات علمية عديدة شخصت علل وأمراض النظام التعليمي العربي، واقترحت حلولاً محددة ومعالجات عملية لم تجد آذاناً صاغية، لعل أبرزها، الدراسات المنهجية التي أجراها الدكتور سعد الدين إبراهيم وفريقه في عام 1990، وشملت 20 دولة عربية، وتوصلت إلى تشخيص أمراض التعليم العربي في علل ست هي:

1- التركيز على الماضي وإهمال الحاضر.

2- التركيز على الحفظ والتلقين لا التفكير والتحليل.

3- دعم الامتثال والقهر ومحاربة الابتكار والتفرد.

4- دعم القهر والتسلط ومناهضة الاستقلالية والفكر النقدي.

5- تمجيد الحصول على الشهادات والاعتماد على الوظائف الحكومية.

6- تشجيع الاستبداد والخنوع والسلبية لا المشاركة والديمقراطية.

وقد انتهت الدراسة إلى إطلاق صيحة تحذيرية بعنوان (تطوير التعليم أو الكارثة) وقالت إنه إذا استمر الوضع التعليمي كما هو، فمن الممكن أن يؤدي إلى كارثة محققة خلال 20 عاماً، وأنه لا سبيل أمام العرب لدخول القرن 21 مادام هذا التعليم سائداًَ، لأنه يعيد إنتاج التخلف والتبعية والتجزئة، وأن القرن المقبل ينطوي على تحديات لا تقوى على مواجهتها إلا مجتمعات عالمة ومتعلمة، وأنه لا بد من إدارة سياسية مجتمعة لإعادة صياغة العملية التعليمية شكلاً ومضموناً، مؤكدة أن المال ليس هو العقبة، لأن التعليم السيء أكثر تكلفة في المديين المتوسط والبعيد لأنه يخرج إنساناً عاجزاً فكرياً ومهنياً، ويريد وظيفة، فإذا وفرت له الدولة الوظيفة يكلفها مزيداً من المال دون عائد حقيقي، فتكون التكلفة مضاعفة من خلال:

1- الإنفاق على تعليم هزيل.

2- توظيف عقيم.

وأشارت الدراسة إلى نقطة مهمة وهي أنه رغم الإنفاق الهائل على التعليم إلا أنه لم يحقق تقدماً علمياً أو اقتصادياً أو أمنياً، فنحن كما كنا صبيحة يوم الاستقلال 1950 ما زلنا نعتمد على الآخر في طعامه وسلاحه ودوائه وسلعه، وقد وصلت ديوننا إلى أرقام فلكية ولا يزال عندنا ندرة في إنتاج العلماء والمخترعين بل حتى القلة المبدعة التي لا تجد مناخاً سياسياً واجتماعياً ملائماً مضطرة للهجرة. وبعد 12 عاماً من هذه الدراسة، تأتي دراسة أخرى عن (التنمية الإنسانية العربية) لعام 2002 لتؤكد نبوءات ومخاوف الدراسات السابقة، وتشير إلى تدني نوعية التعليم في ما يتعلق بالتحصيل المعرفي والقدرات التحليلية والابتكارية، وتؤكد وجود خلل بين سوق العمل ومستوى التنمية من جهة، وخريجي النظام التعليمي من جهة أخرى، يتمثل في ضعف إنتاجية العمالة واختلال هيكل الأجور وتفشي البطالة، كما تشير الدراسة إلى أن الإنفاق على البحث والتطوير أقل من سُبع المعدل العالمي، وتخلص الدراسة إلى أن غياب حكم ديمقراطي كفء وصالح يمثل عقبة أمام التنمية، فالعرب أثرياء لكنهم فقراء في التنمية.

لا يزال تعليمنا يحكمه موقف تمييزي من المرأة نراه في تهميش دورها في الحياة العامة وإساءة الظن بها

وتأتي دراسة منهجية معمقة ثالثة في يناير 2004 بعنوان التربية وإعادة تشكيل الوعي العربي، للخبير التربوي الكبير محمد جواد رضا قدمت إلى ندوة ( العصر العربي الجديد) بالكويت، وشخصت علل التعليم العربي في أوهام خمسة هي:

1- وهم الهوية.

2- وهم (أعلوية) الذكر على الأنثى.

3- وهم (أعلوية) الفكر الغيبي على الفكر العلمي التجريبي.

4- وهم الخوف من الحداثة والديمقراطية.

5- وهم الإحساس بالاضطهاد العالمي للعرب.

ولاحظت الدراسة ملاحظة مهمة حين أشارت إلى أن هذه التربية ظلت طيلة الأعوام الثمانية الماضية، تربية مسيسة، وكان التسيس نفسه ذا طبيعة ماضوية فظل الماضي يشكل الحاضر، حتى صار يوحى للناشئة جيلاً بعد جيل بأن الحاضر الحقيقي هو الماضي الذي يجب استعادته، حتى وصل الأمر إلى أن يقول أحد ألمع التربويين القوميين العرب عبدالله عبدالدايم: إن التربية العربية كانت عملية منظمة لاغتيال العقول والنفوس وتعبئتها بما نشاء من أفكار وقيم واتجاهات، ونتجه بها إلى تقديس الماضي تقديساً صنمياً، أقام حاجزاً منيعاً بين تجربة الأمة العربية والإسلامية الماضية وتجارب الأمم الأخرى.

وفي تصوري أن علل التعليم العربي أعقد مما توصلت إليه كل تلك الدراسات وعلى الرغم من كل عمليات المراجعة والتنقيح والتطوير التي تم إجراؤها عبر السنوات السبع التي أعقبت أحداث سبتمبر.

ودعوني ألخص العلل البنيوية المزمنة في التعليم العربي عامة في أربعة مواقف هي:

1- الموقف التمجيدي:

لايزال خطابنا التعليمي يقوم على موقف تمجيدي مع بخس الحق التاريخي للآخرين، ففي التاريخ يحشى ذهن الطفل بأمجاد أمته والافتخار بها بصورة مبالغة مع البعد والتجاهل عن إيضاح أخطائنا التاريخية تجاه الأمم الأخرى. ومن الطبيعي لمثل هذا الطفل عندما يصبح رجلاً يافعاً أن يكون وجدانه قد امتلأ بنعرة قومية أو عنصرية أو دينية متطرفة لا مبرر لها نحو الأمم الأخرى كما يقول الكاتب أحمد عبدالقادر دسوقي وهو محق.

رغم الإنفاق العربي الهائل على التعليم لكنه لم يحقق تقدماً علمياً أو اقتصادياً أو أمنياً

ونفخر بتدريس أطفالنا قول الخليفة العباسي هارون الرشيد للغمامة (أمطري حيث شئت فسيأتي خراجك لي)، ولا يخطر ببالنا الدماء التي أريقت، وأشلاء الجماهير التي تقدم هذا الخراج للسلطان كما يقول خالص حلبي.

2- الموقف التمييزي:

لا يزال تعليمنا يحكمه موقف تمييزي من المرأة، نراه في تهميش دورها في الحياة العامة وإساءة الظن بها واعتبارها مصدر الخطيئة والعار والفتنة، وتصور مناهجنا المرأة كائناً ناقصاً لا وظيفة لها إلا خدمة الرجل وإمتاعه وتربية أولاده، كما لايزال التعليم يصور المرأة سيئة التصرف في المواقف الحياتية العامة ولا بد من وجود الولي أو الوصي الرجل الذي يكبح جماح المرأة ويرشد سلوكياتها ويكمل نقص عقلها ويحد من طغيان عاطفتها وسوء تقديرها للأمور.

3- الموقف الإقصائي:

لا يزال التعليم العربي يقوم على موقف إقصاء الآخر المختلف دينياً أو مذهباً أو طائفة أو قومية، ولا يزال الآخر في تعليمنا ومناهجنا وفي طرق تدريسنا وحتى في خطابنا الديني والإعلامي (مريباً ومتآمراً) يريد بنا الشر دائماً، ولا يأتي منه خير أبداً، وحتى حين نوجه ناشئتنا لتعلم لغة الآخر فمن أجل أن نأمن شرهم ومكرهم لا من أجل التواصل الإنساني والإفادة من تجاربهم. كما أن الآخر المحلي إذا كان من طائفة أخرى أو مذهب آخر فهو مشكوك في عقيدته، لأن العقيدة الصحيحة واحدة أصحابها يستأثرون بالجنة وصورها، أما بقية الفرق الإسلامية فهي ضالة ومنحرفة ومبتدعة.

4- الموقف التعظيمي:

إن تعليمنا يعظم دور الفرد البطل أو القائد باعتباره صانع الأحداث، وهو المنقذ والمحرر، لكنه يهمش دور الشعوب ويغيبه تماماً ولا نرى أي دور لمجتمعاتنا عبر التاريخ الطويل ولا أي تأثير في تحولاته، فهناك دائماً البطل أو القائد المطاع وهناك دائماً أيضاً الشعوب الخاضعة المسيرة تبعاً لرغبات البطل القائد.

وقد أفرز هذا الموقف التعظيمي للرموز والقادة أن الشعوب العربية أصبحت مولعة بالقادة الطغاة، يرفعون صورهم، ويسيرون وراءهم، حتى لو قادوهم للهاوية. فلا عجب لبكاء قطاعات عريضة من المجتمعات العربية على قادتهم المهزومين وتعلقهم بهم حتى بعد مماتهم.

هذا الموقف التعظيمي للبطل المنقذ، أوجد تركيبة ثقافية هشة لمجتمعاتنا وأضعف حصانتها تجاه مقاومة الظلم وجعل عندها القابلية والاستسلام للاستبداد والعنف والتسلط، وقد أبدع في وصفه عبدالله القصيمي في كتيبه (لئلا يعود هارون الرشيد) وأكده الغذامي في تشخيصه الدقيق لظاهرة (الفحل) كنسق في الخطاب الشعري خاصة والأدبي عامة. وهذا الموقف التقديسي له امتداد مستقبلي فيما يسمى (المهدي) المنتظر كنوع من التعويض أو الفشل أو العجز عن تغيير الشعوب لأوضاعها وأملها في هذا المهدي أن يأتي بالعدل.

وختاماً فإن هم تطوير التعليم لم يقتصر على دولة خليجية دون غيرها، إذ أصبح هماً خليجياً وعربياً عاماً ومطلباً ملحاً للشعوب قبل أن يكون ضغطاً أو تشجيعاً خارجياًً، ولا أدل من اتفاق قادة دول مجلس التعاون في قمتهم في الكويت رقم 24 على ضرورة إصلاح وتطوير التعليم، لذلك فإن الدعوة إلى التجديد والتطوير والإصلا ح اليوم أكثر إلحاحاً بسبب التردي المزمن للأوضاع وبسبب الإفرازات السلبية لهذا التعليم، أبرزها هذا المد المتطرف الكاره للحياة والأحياء والمجتمع والمعادي للعصر وحضارته لدرجة الانتحار، ومن الخطأ أن يقال إن الوقت غير مناسب لأن الآخر يملي علينا ويطالبنا بالإصلاح، فهؤلاء الذين (يخوّفوننا) من الإصلاح هم أصحاب عقول منغلقة وأيديولوجيات متعصبة، يعانون حساسية مرضية تجاه الآخر، وإذا كان الآخر يطالبنا اليوم بمراجعة المنظومة التعليمية وإصلاحها فذلك لتضررها من إفرازاتها السلبية كما تضررنا. حيث إن من قواعد ديننا أن نشكر من أهدى إلينا عيوبنا أو نبهنا إليها، فلا حساسية عندنا من الإصلاح ولو كان ضغطاً خارجياً، لكن المهم أن يتم على أيدينا، وإصلاحات العرب عبر قرن كامل ما تمت إلا بضغط أو تأثير خارجي، ولن يتحقق أي إصلاح في دنيا العرب بمعزل عن الخارج، لكن من الضروري كما قلنا أن يتم ذلك على أيدينا لا على أيدي عمرو وكفانا أوهاماً وظنوناً فالعالم أصبح قرية واحدة يتأثر بعضه ببعض وما هو داخلي أصبح خارجياً، كما أن الخارجي أصبح موصولاً بالداخل، وأن يتم الإصلاح اليوم خير من أن يؤجل ويستعصي علاجه.

::/fulltext::
::cck::1842::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *