الصين تطرق ملف الدفاع الصاروخي – الجزء الثالث
::cck::1980::/cck::
::introtext::
يرى البعض أن الصين ستلجأ إلى نقض التزاماتها تجاه الحد من الأسلحة وعدم انتشارها كرد فعل على نظام الصواريخ الدفاعية الباليستية كأن تقوم مثلاً بتأجيل المصادقة على معاهدة حظر إجراء الاختبارات الشاملة. وفي هذا الصدد ورد تعليق لأحد المحللين الصينيين (إذا ما رأت الصين أن أمنها عرضة للاعتداء، وأحست بأن مصالحها الأمنية الوطنية في خطر، فمن المؤكد أنها ستفكر في نقض التزامها بالحد من الأسلحة مثل اتفاقية حظر إجراء الاختبارات الشاملة للحفاظ على مصالحها الأمنية).
::/introtext::
::fulltext::
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية “سرفايفل” (Survival)، المجلد السادس والأربعون، العدد الثاني، صيف عام 2004، (ص 123-142)
قام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره في سلسلة ترجمات خليجية – العدد التاسع – 2006
التراجع عن الالتزامات الخاصة بالحد من التسلح
يرى البعض أن الصين ستلجأ إلى نقض التزاماتها تجاه الحد من الأسلحة وعدم انتشارها كرد فعل على نظام الصواريخ الدفاعية الباليستية كأن تقوم مثلاً بتأجيل المصادقة على معاهدة حظر إجراء الاختبارات الشاملة. وفي هذا الصدد ورد تعليق لأحد المحللين الصينيين (إذا ما رأت الصين أن أمنها عرضة للاعتداء، وأحست بأن مصالحها الأمنية الوطنية في خطر، فمن المؤكد أنها ستفكر في نقض التزامها بالحد من الأسلحة مثل اتفاقية حظر إجراء الاختبارات الشاملة للحفاظ على مصالحها الأمنية).
ويبدو أنه كما أشار إلى ذلك تقرير صدر عام 2003 من مركز هنري ال. ستيمسون، أن الصين تجد نفسها تحت ضغط كبير لاستئناف الاختبارات النووية لشعورها بأن صواريخ الدفاع الوطني تشكل تهديداً لقدرة ردعها النووي. كما أن للصين تاريخاً في مجال محاولة ربط الدفاع الصاروخي بالمفاوضات متعددة الأطراف الخاصة بالحد من الأسلحة مثلما ربطت بين الصواريخ الدفاعية الباليستية ومناقشة الأمم المتحدة لمعاهدة الحد من المواد القابلة للانشطار. ولكن النقاش ظل من الناحية الفعلية مشلولاً، حيث رفضت الصين مواصلة المناقشات حول معاهدة الحد من المواد القابلة للانشطار ما لم يتزامن ذلك مع نقاش قرار أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1981 (منع سباق التسلح في الفضاء الخارجي). لكن محللين آخرين يرون أن صناع السياسة الصينيين يترددون الآن كثيراً قبل إثارة انقسام بين الولايات المتحدة والصين حول صواريخ الدفاع الباليستية.
فقد عمدت الصين، بسبب تركيزها المتزايد على إبراز صورتها على الصعيد العالمي كقوة عظمى مسؤولة، إلى عدم الربط بين صواريخ الدفاع الباليستية والتزاماتها تجاه الحد من الأسلحة وانتشارها. وأورد المحللون دليلاً على ذلك جهود الصين المتعاظمة لتحسين نظم ضوابط التصدير (مثلاً إجازة اللوائح المنظمة للتصدير). كما ظل القلق يساور الصين في ما يتعلق بمعاهدة موسكو المبرمة في مارس 2002، والتي اتفقت فيها الولايات المتحدة وروسيا على تخفيض مخزونهما النووي إلى ما بين 1700 و2200 رأس حربي.
فقد ذُكر أن إدارة بوش بينت للروس أنه يمكنهم إنتاج المركبة التي تستطيع العودة إلى الغلاف الجوي للأرض من جديد بعد رحلة فضائية، وتتمتع بالقدرة على المناورة إذا ما أحسوا بعدم الارتياح تجاه خطط الصواريخ الدفاعية الباليستية الأمريكية. ونتيجة لذلك، ألغت روسيا من الناحية العملية معاهدة ستارت 2 (معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية) في يونيو 2002 لتتمكن من وضع رؤوس حربية مركبة في صواريخها الاستراتيجية. ولم ترد في اتفاقية موسكو إشارة إلى تحقق أو تفتيش، وتحاشت الولايات المتحدة إجراء أي تخفيض في ترسانتها بأن أدرجت في التخفيض الرؤوس الحربية المنشورة من الناحية العملية فقط. ولذلك، لم تعتبر الصين اتفاقية موسكو خطة طريق لإجراء تخفيض حقيقي في المخزون النووي، بل مجرد إعادة ترتيب تطلق يد واشنطن وموسكو لتعزيز تفوقهما النووي الذي سيزيد بدوره من ضعف بكين من الناحية الاستراتيجية.
إعادة النظر في وضع نظرية الصين النووية
تشتمل نظرية الصين النووية القائمة على الحد الأدنى للردع النووي على سياسة معلنة، وهي عدم اللجوء إلى استعمال القوة النووية أولاً وغموض مقصود حول الحجم الحقيقي لهذه القوة النووية ومن أي شيء تتكون. والسؤال هو هل ستدفع أنظمة الدفاع الصاروخي الوطني (NMD) التي لديها المقدرة على إبطال قوة الردع النووي الصينية بالصين إلى تعديل نظريتها النووية؟ لقد ظل الخبراء النوويون الصينيون يؤكدون منذ الثمانينات أن الحد الأدنى للردع النووي لن يعطي الصين أمناً مناسباً. وسوف تزداد مثل هذه المخاوف من دون شك مع نشر أنظمة الدفاع الصاروخي الوطني ليؤدي الأمر إلى مزيد من الضغوط الداخلية على بكين من أجل تغيير موقفها النظري من قوة الردع النووي. أما الخيارات أمام الصين فتشمل التحول نحو رادع نووي محدود ستكون الصين بموجبه قادرة على الأقل من الناحية النظرية على الرد على كل مستويات الهجوم النووي. وإذا كان على الصين أن تعيد النظر في نظريتها النووية، فإن ذلك سوف يعني تغييرات جذرية نوعاً وكماً في قواتها العسكرية. وسوف يؤدي مثل هذا الموقف إلى بروز شكوك خارجية في أن الصين من وراء سعيها إلى تبني سياسة عسكرية نووية هجومية تهدف إلى تغيير الوضع الراهن في آسيا، الأمر الذي يجعل من ادعاء الصين أن قوتها النووية هي فقط قوة رادعة في طبيعتها أمراً تصعب المحافظة عليه. وسوف تكون التكلفة التكنولوجية والمالية والسياسية باهظة الثمن. لذلك، فقد تسعى الصين إلى تبني مزيد من الإجراءات المؤقتة زيادة بسيطة في العدد وتحسين متواضع في نوع القوات، لكنها تبقي خياراتها الأخرى مفتوحة.
لكن هناك أيضاً احتمال أن تسعى الصين إلى تعديل موقفها النووي استجابة لنظم الدفاع الصاروخي الوطني، وذلك بتقوية ردعها التكتيكي، وهذا أمر يقلق طوكيو. فالصين قد استهدفت في واقع الأمر كلاً من اليابان والقوات الأمريكية لديها بقواتها النووية التكتيكية، والتي تشتمل على صواريخ باليستية متوسطة المدى ذات وقود صلب.
ويقول تقرير نشرته (البنتاغون) في عام 2003 (إن هناك مؤشرات تدل على أن بعض الخبراء الاستراتيجيين الصينيين يعيدون النظر في الأحوال التي ستستعمل فيها الصين قواتها النووية التكتيكية ضد القوات الأمريكية المنتشرة في منطقة شرق آسيا).
وعلى الرغم من أن المحللين الصينيين لم يناقشوا هذا الموضوع بصورة واسعة، فإن بعضهم يرى أن مثل هذا التحول في التوازن التكتيكي الاستراتيجي كنتيجة لنشر نظم الدفاع الصاروخي الوطني أمر وارد. غير أن بعضهم يقول إن استهداف اليابان بصورة مباشرة هو قرار استراتيجي مهم بالنسبة للصين، ذلك أن بكين تملك أكثر من سبب يجعلها تحجم عن استعداء طوكيو، فالصين مهتمة أكثر بتوسيع الهوة بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، لا أن تدفع باليابان إلى التقارب مع أمريكا.
العامل الكوري
في أكتوبر 2002، اعترفت كوريا الشمالية بأنها استأنفت تطوير برنامجها الخاص بالأسلحة النووية انطلاقاً من برامجها السرية لتخصيب اليورانيوم. وفي الشهر التالي، انسحبت بيونغ يانغ تماماً من معاهدة مكافحة انتشار الأسلحة النووية ومن ترتيبات التفتيش النووي التي تضطلع بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومنذ ذلك الوقت، ما فتئت كوريا الشمالية تهدد بزيادة نشر أسلحتها والتخلي عن مهلة تجريب الصواريخ الباليستية إذا لم تستجب الولايات المتحدة لمطالبها، والتي تشمل اتفاقاً بعدم الاعتداء مع الولايات المتحدة. وقد لعبت الصين دوراً نشطاً في المحاولات الرامية إلى نزع فتيل الأزمة، حيث إنها قامت بتكوين فريق قيادي تم تكليفه ببحث أزمة كوريا الشمالية تحت قيادة الرئيس هو جينتاو ، ويقال إنها على اتصال دائم مع كوريا الشمالية على المستويات كافة.
وفي إحدى المرات، أبلغ نائب وزير الخارجية الصيني وانغ يي وزير خارجية كوريا الشمالية بيك نام صن في اجتماع لهما في بكين بضرورة تغيير موقفه والكف عن اللعب بالنار. ويُقال إن المبعوثين الصينيين حذروا حكومة بيونغ يانغ من أنه في حالة الهجوم على الولايات المتحدة أو قواتها أو حلفائها في المنطقة، فإن ذلك سوف يؤدي إلى هجوم أمريكي سريع رداً على ذلك الاعتداء، وأن الصين عندها لن تنبري للدفاع عن كوريا الشمالية. ويُقال إن خط أنابيب البترول الذي يربط بين كوريا الشمالية والصين شهد بعض المشكلات الفنية، وتم إغلاقه لمدة ثلاثة أيام في فبراير 2003 في حركة أرسلت إشارة قوية لحكومة بيونغ يانغ، وأسهمت في إقناع كوريا بالانضمام إلى جلسات المباحثات ثلاثية الأطراف التي عقدت في بيونغ يانغ في إبريل 2003.
وعلى الرغم من أن دبلوماسية إدارة بوش لحل الأزمة النووية والقائمة على التركيز على الدور الصيني لا تجد ترحيباً لدى الصين، فإن محادثات إبريل 2003 ينبغي النظر إليها باعتبارها نقلة كبيرة في سياسة الصين الخارجية التقليدية غير المبادِرة، والتي تقوم على ردود الأفعال.
وقد حدثت هذه النقلة بالتزامن مع تشكيل حكومة صينية جديدة بقيادة هو جينتاو، إضافة إلى تنامي الإحساس الصيني بأن بكين قد تفقد نفوذها الإقليمي إن هي لم تبذل قصارى جهدها لنزع فتيل الأزمة الكورية. إن إقناع كوريا الشمالية ليس بالتخلي عن طموحاتها النووية فقط بل التخلي كذلك عن برامجها للصواريخ الباليستية سوف يمثل دفعة قوية لوضع الصين السياسي في منطقة شرق آسيا.
إن تقليص تهديد الصواريخ الكورية بصورة خاصة سوف يمكن الصين من إبراز حجتها بأن الولايات المتحدة، واليابان خصوصاً، ليستا في حاجة إلى الدفاع العسكري التكتيكي. إن مشكلة كوريا الشمالية تمثل تحدياً مهماً للصين، ذلك أنها قد تؤدي، استناداً إلى ما يؤول إليه الوضع، إلى أوضاع قد لا تكون في صالح الأمن الصيني. والصين نفسها يمكن أن تعيش وإلى جانبها كوريا الشمالية النووية، ولكن ليس من الواضح تأثير مثل هذا الوضع في السياسة الأمنية اليابانية وسياسة الدولة المتعلقة بصواريخ الدفاع الباليستية. ومهما تكن الدعاوى ومهما يكن التعليل، فإن الحقيقة تبقى هي أن الدافع الأساسي للجوء اليابان إلى برنامج صواريخ الدفاع التكتيكية هو تهديد الصواريخ الكورية. ولذلك، فإنه إن بقي الوضع على ما هو عليه الآن فلن يصبح بمقدور الصين الاعتراض على برنامج اليابان حول صواريخ الدفاع التكتيكية. ويقر بعض المحللين الصينيين بهذا الأمر، ويقولون إنه لن يصبح بمقدور الصين أن تقدم قضية مقبولة ضد برامج صواريخ الدفاع التكتيكية ما لم يتم التوصل إلى حل لقضية كوريا حتى يتم تناول موضوع الصواريخ اليابانية والمسألة النووية أيضاً.
نظام دفاع الصواريخ الباليستية
لقد كانت استجابة الصين لنظام دفاع الصواريخ الباليستية هي الصمت، وهذا لا يعني أن الموضوع قد تم حسمه أو أن القلق الصيني قد ضعف. إن لهذا النظام المقدرة على تحييد وشل قدرات الرادع النووي الصيني، وذلك يعتمد على نوعية النظام المثبت. وعلى الرغم من أن هناك طرقاً عدة يمكن أن تتبعها الصين في الرد فإن هجوماً عنيفاً وكاسحاً قد تكون له آثار سلبية بالنسبة لبكين بالنظر إلى أن الصين أصبحت تركز حالياً على مسألة الاقتصاد الداخلي. يُضاف إلى ذلك أن أي رد فعل عنيف قد يضع نوايا الصين موضع التساؤل، ذلك أنه سوف يتم النظر إلى الصين بأنها تسعى إلى تغيير الوضع الراهن في قارة آسيا، وهو أمر قد يؤدي إلى زعزعة الأمن الإقليمي. وقد عبر بعض المحللين الصينيين عن أملهم في أن تتجنب الصين (ردة الفعل المُبالغ فيها) حيال استمرار الولايات المتحدة في نشر نظام دفاع الصواريخ الباليستية.
ومما لاشك فيه أن الصينيين قد فكروا طويلاً وبجدية حول نظام دفاع الصواريخ الباليستية: هل هو نظام يقود إلى زعزعة منطقة شرق آسيا أم هو مشروع ضخم ومكلف لا يمكن أن يحقق أهدافه أبداً؟ فبينما يحذر البعض من أن نظام دفاع الصواريخ الوطني هو في الواقع محاولة أمريكية للوصول إلى (الأمن المطلق) لنفسها يرى البعض الآخر أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر أظهرت أنه حتى بالنسبة لقوة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن تحقيق الحماية ضد الأخطار على المستويات كافة.
لقد قام الصينيون بدراسة كل هذه النقاشات بطريقة متأنية خلال سنوات عدة، ويبدو أنهم سوف يتابعون النقاش حول نظام دفاع الصواريخ الباليستية وآثاره بالنسبة لأمن منطقة شرق آسيا. ويبدو أن الصين أذعنت الآن لدعوى الولايات المتحدة الأمريكية بأن نشر نظام دفاع الصواريخ الباليستية لا يمكن على الأقل في الوقت الراهن أن يكون سبباً في زعزعة الاستقرار بالنظر إلى أن أغلب الأنظمة التي يتم تطويرها الآن لن تكون جاهزة للنشر قبل سبع سنوات على الأقل، وأنه حتى حينما يتم وضعها في الميدان فإن مقدرتها المحدودة لا يمكن أن تكون تهديداً لنظام الرادع النووي الصيني.
وبما أن نشر أنظمة دفاع الصواريخ الباليستية المتقدمة -إذا افترضنا حدوث ذلك كما تبشر به إدارة بوش- ما زالت أمامه سنوات عدة، فإن هذا يتيح فرصة لكل من الولايات المتحدة واليابان والصين لتوجيه الأحداث بطريقة قد تمنع وقوع أسوأ أنواع السيناريوهات. وقد عبر العديد من المحللين الصينيين عن أملهم في تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة واليابان والصين. وقد اقترح أحد هؤلاء المحللين أن (تقوم الولايات المتحدة واليابان والصين بإنشاء تحالف ثلاثي غير رسمي للعمل على مجابهة مثل هذه الاهتمامات الأمنية الماثلة مثل كوريا الشمالية، وأن يتم تطوير هذا التحالف بصورة تدريجية إلى قناة اتصال جديدة لمناقشة مواضيع أمنية أخرى مثل أنظمة دفاع الصواريخ الباليستية وآثارها بالنسبة لأمن منطقة شرق آسيا. وتشير مثل هذه التعليقات إلى وجود مساحة للنقاش البناء حول شرق آسيا بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والصين.
إن على جميع الأطراف أن تدرس بكل دقة وحرص مواقفها قبل الدخول في سلسلة من الأحداث التي يحركها التفكير في احتمالات وقوع أسوأ السنياريوهات، وعليهم أيضاً دراسة قدراتهم وخياراتهم السياسية والدخول في مزيد من الحوارات وتبادل الآراء حتى يتجنبوا التكهنات والشكوك غير المجدية.
إن على الولايات المتحدة الأمريكية واليابان في سعيهما إلى وضع خطط طويلة الأمد للدفاع الصاروخي الانتباه إلى أن المعارضة ذات المقدرات الكامنة ستظل عنصراً قائماً باستمرار ضمن مفردات المعادلة السياسية الصينية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1980::/cck::
::introtext::
يرى البعض أن الصين ستلجأ إلى نقض التزاماتها تجاه الحد من الأسلحة وعدم انتشارها كرد فعل على نظام الصواريخ الدفاعية الباليستية كأن تقوم مثلاً بتأجيل المصادقة على معاهدة حظر إجراء الاختبارات الشاملة. وفي هذا الصدد ورد تعليق لأحد المحللين الصينيين (إذا ما رأت الصين أن أمنها عرضة للاعتداء، وأحست بأن مصالحها الأمنية الوطنية في خطر، فمن المؤكد أنها ستفكر في نقض التزامها بالحد من الأسلحة مثل اتفاقية حظر إجراء الاختبارات الشاملة للحفاظ على مصالحها الأمنية).
::/introtext::
::fulltext::
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية “سرفايفل” (Survival)، المجلد السادس والأربعون، العدد الثاني، صيف عام 2004، (ص 123-142)
قام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره في سلسلة ترجمات خليجية – العدد التاسع – 2006
التراجع عن الالتزامات الخاصة بالحد من التسلح
يرى البعض أن الصين ستلجأ إلى نقض التزاماتها تجاه الحد من الأسلحة وعدم انتشارها كرد فعل على نظام الصواريخ الدفاعية الباليستية كأن تقوم مثلاً بتأجيل المصادقة على معاهدة حظر إجراء الاختبارات الشاملة. وفي هذا الصدد ورد تعليق لأحد المحللين الصينيين (إذا ما رأت الصين أن أمنها عرضة للاعتداء، وأحست بأن مصالحها الأمنية الوطنية في خطر، فمن المؤكد أنها ستفكر في نقض التزامها بالحد من الأسلحة مثل اتفاقية حظر إجراء الاختبارات الشاملة للحفاظ على مصالحها الأمنية).
ويبدو أنه كما أشار إلى ذلك تقرير صدر عام 2003 من مركز هنري ال. ستيمسون، أن الصين تجد نفسها تحت ضغط كبير لاستئناف الاختبارات النووية لشعورها بأن صواريخ الدفاع الوطني تشكل تهديداً لقدرة ردعها النووي. كما أن للصين تاريخاً في مجال محاولة ربط الدفاع الصاروخي بالمفاوضات متعددة الأطراف الخاصة بالحد من الأسلحة مثلما ربطت بين الصواريخ الدفاعية الباليستية ومناقشة الأمم المتحدة لمعاهدة الحد من المواد القابلة للانشطار. ولكن النقاش ظل من الناحية الفعلية مشلولاً، حيث رفضت الصين مواصلة المناقشات حول معاهدة الحد من المواد القابلة للانشطار ما لم يتزامن ذلك مع نقاش قرار أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1981 (منع سباق التسلح في الفضاء الخارجي). لكن محللين آخرين يرون أن صناع السياسة الصينيين يترددون الآن كثيراً قبل إثارة انقسام بين الولايات المتحدة والصين حول صواريخ الدفاع الباليستية.
فقد عمدت الصين، بسبب تركيزها المتزايد على إبراز صورتها على الصعيد العالمي كقوة عظمى مسؤولة، إلى عدم الربط بين صواريخ الدفاع الباليستية والتزاماتها تجاه الحد من الأسلحة وانتشارها. وأورد المحللون دليلاً على ذلك جهود الصين المتعاظمة لتحسين نظم ضوابط التصدير (مثلاً إجازة اللوائح المنظمة للتصدير). كما ظل القلق يساور الصين في ما يتعلق بمعاهدة موسكو المبرمة في مارس 2002، والتي اتفقت فيها الولايات المتحدة وروسيا على تخفيض مخزونهما النووي إلى ما بين 1700 و2200 رأس حربي.
فقد ذُكر أن إدارة بوش بينت للروس أنه يمكنهم إنتاج المركبة التي تستطيع العودة إلى الغلاف الجوي للأرض من جديد بعد رحلة فضائية، وتتمتع بالقدرة على المناورة إذا ما أحسوا بعدم الارتياح تجاه خطط الصواريخ الدفاعية الباليستية الأمريكية. ونتيجة لذلك، ألغت روسيا من الناحية العملية معاهدة ستارت 2 (معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية) في يونيو 2002 لتتمكن من وضع رؤوس حربية مركبة في صواريخها الاستراتيجية. ولم ترد في اتفاقية موسكو إشارة إلى تحقق أو تفتيش، وتحاشت الولايات المتحدة إجراء أي تخفيض في ترسانتها بأن أدرجت في التخفيض الرؤوس الحربية المنشورة من الناحية العملية فقط. ولذلك، لم تعتبر الصين اتفاقية موسكو خطة طريق لإجراء تخفيض حقيقي في المخزون النووي، بل مجرد إعادة ترتيب تطلق يد واشنطن وموسكو لتعزيز تفوقهما النووي الذي سيزيد بدوره من ضعف بكين من الناحية الاستراتيجية.
إعادة النظر في وضع نظرية الصين النووية
تشتمل نظرية الصين النووية القائمة على الحد الأدنى للردع النووي على سياسة معلنة، وهي عدم اللجوء إلى استعمال القوة النووية أولاً وغموض مقصود حول الحجم الحقيقي لهذه القوة النووية ومن أي شيء تتكون. والسؤال هو هل ستدفع أنظمة الدفاع الصاروخي الوطني (NMD) التي لديها المقدرة على إبطال قوة الردع النووي الصينية بالصين إلى تعديل نظريتها النووية؟ لقد ظل الخبراء النوويون الصينيون يؤكدون منذ الثمانينات أن الحد الأدنى للردع النووي لن يعطي الصين أمناً مناسباً. وسوف تزداد مثل هذه المخاوف من دون شك مع نشر أنظمة الدفاع الصاروخي الوطني ليؤدي الأمر إلى مزيد من الضغوط الداخلية على بكين من أجل تغيير موقفها النظري من قوة الردع النووي. أما الخيارات أمام الصين فتشمل التحول نحو رادع نووي محدود ستكون الصين بموجبه قادرة على الأقل من الناحية النظرية على الرد على كل مستويات الهجوم النووي. وإذا كان على الصين أن تعيد النظر في نظريتها النووية، فإن ذلك سوف يعني تغييرات جذرية نوعاً وكماً في قواتها العسكرية. وسوف يؤدي مثل هذا الموقف إلى بروز شكوك خارجية في أن الصين من وراء سعيها إلى تبني سياسة عسكرية نووية هجومية تهدف إلى تغيير الوضع الراهن في آسيا، الأمر الذي يجعل من ادعاء الصين أن قوتها النووية هي فقط قوة رادعة في طبيعتها أمراً تصعب المحافظة عليه. وسوف تكون التكلفة التكنولوجية والمالية والسياسية باهظة الثمن. لذلك، فقد تسعى الصين إلى تبني مزيد من الإجراءات المؤقتة زيادة بسيطة في العدد وتحسين متواضع في نوع القوات، لكنها تبقي خياراتها الأخرى مفتوحة.
لكن هناك أيضاً احتمال أن تسعى الصين إلى تعديل موقفها النووي استجابة لنظم الدفاع الصاروخي الوطني، وذلك بتقوية ردعها التكتيكي، وهذا أمر يقلق طوكيو. فالصين قد استهدفت في واقع الأمر كلاً من اليابان والقوات الأمريكية لديها بقواتها النووية التكتيكية، والتي تشتمل على صواريخ باليستية متوسطة المدى ذات وقود صلب.
ويقول تقرير نشرته (البنتاغون) في عام 2003 (إن هناك مؤشرات تدل على أن بعض الخبراء الاستراتيجيين الصينيين يعيدون النظر في الأحوال التي ستستعمل فيها الصين قواتها النووية التكتيكية ضد القوات الأمريكية المنتشرة في منطقة شرق آسيا).
وعلى الرغم من أن المحللين الصينيين لم يناقشوا هذا الموضوع بصورة واسعة، فإن بعضهم يرى أن مثل هذا التحول في التوازن التكتيكي الاستراتيجي كنتيجة لنشر نظم الدفاع الصاروخي الوطني أمر وارد. غير أن بعضهم يقول إن استهداف اليابان بصورة مباشرة هو قرار استراتيجي مهم بالنسبة للصين، ذلك أن بكين تملك أكثر من سبب يجعلها تحجم عن استعداء طوكيو، فالصين مهتمة أكثر بتوسيع الهوة بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، لا أن تدفع باليابان إلى التقارب مع أمريكا.
العامل الكوري
في أكتوبر 2002، اعترفت كوريا الشمالية بأنها استأنفت تطوير برنامجها الخاص بالأسلحة النووية انطلاقاً من برامجها السرية لتخصيب اليورانيوم. وفي الشهر التالي، انسحبت بيونغ يانغ تماماً من معاهدة مكافحة انتشار الأسلحة النووية ومن ترتيبات التفتيش النووي التي تضطلع بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومنذ ذلك الوقت، ما فتئت كوريا الشمالية تهدد بزيادة نشر أسلحتها والتخلي عن مهلة تجريب الصواريخ الباليستية إذا لم تستجب الولايات المتحدة لمطالبها، والتي تشمل اتفاقاً بعدم الاعتداء مع الولايات المتحدة. وقد لعبت الصين دوراً نشطاً في المحاولات الرامية إلى نزع فتيل الأزمة، حيث إنها قامت بتكوين فريق قيادي تم تكليفه ببحث أزمة كوريا الشمالية تحت قيادة الرئيس هو جينتاو ، ويقال إنها على اتصال دائم مع كوريا الشمالية على المستويات كافة.
وفي إحدى المرات، أبلغ نائب وزير الخارجية الصيني وانغ يي وزير خارجية كوريا الشمالية بيك نام صن في اجتماع لهما في بكين بضرورة تغيير موقفه والكف عن اللعب بالنار. ويُقال إن المبعوثين الصينيين حذروا حكومة بيونغ يانغ من أنه في حالة الهجوم على الولايات المتحدة أو قواتها أو حلفائها في المنطقة، فإن ذلك سوف يؤدي إلى هجوم أمريكي سريع رداً على ذلك الاعتداء، وأن الصين عندها لن تنبري للدفاع عن كوريا الشمالية. ويُقال إن خط أنابيب البترول الذي يربط بين كوريا الشمالية والصين شهد بعض المشكلات الفنية، وتم إغلاقه لمدة ثلاثة أيام في فبراير 2003 في حركة أرسلت إشارة قوية لحكومة بيونغ يانغ، وأسهمت في إقناع كوريا بالانضمام إلى جلسات المباحثات ثلاثية الأطراف التي عقدت في بيونغ يانغ في إبريل 2003.
وعلى الرغم من أن دبلوماسية إدارة بوش لحل الأزمة النووية والقائمة على التركيز على الدور الصيني لا تجد ترحيباً لدى الصين، فإن محادثات إبريل 2003 ينبغي النظر إليها باعتبارها نقلة كبيرة في سياسة الصين الخارجية التقليدية غير المبادِرة، والتي تقوم على ردود الأفعال.
وقد حدثت هذه النقلة بالتزامن مع تشكيل حكومة صينية جديدة بقيادة هو جينتاو، إضافة إلى تنامي الإحساس الصيني بأن بكين قد تفقد نفوذها الإقليمي إن هي لم تبذل قصارى جهدها لنزع فتيل الأزمة الكورية. إن إقناع كوريا الشمالية ليس بالتخلي عن طموحاتها النووية فقط بل التخلي كذلك عن برامجها للصواريخ الباليستية سوف يمثل دفعة قوية لوضع الصين السياسي في منطقة شرق آسيا.
إن تقليص تهديد الصواريخ الكورية بصورة خاصة سوف يمكن الصين من إبراز حجتها بأن الولايات المتحدة، واليابان خصوصاً، ليستا في حاجة إلى الدفاع العسكري التكتيكي. إن مشكلة كوريا الشمالية تمثل تحدياً مهماً للصين، ذلك أنها قد تؤدي، استناداً إلى ما يؤول إليه الوضع، إلى أوضاع قد لا تكون في صالح الأمن الصيني. والصين نفسها يمكن أن تعيش وإلى جانبها كوريا الشمالية النووية، ولكن ليس من الواضح تأثير مثل هذا الوضع في السياسة الأمنية اليابانية وسياسة الدولة المتعلقة بصواريخ الدفاع الباليستية. ومهما تكن الدعاوى ومهما يكن التعليل، فإن الحقيقة تبقى هي أن الدافع الأساسي للجوء اليابان إلى برنامج صواريخ الدفاع التكتيكية هو تهديد الصواريخ الكورية. ولذلك، فإنه إن بقي الوضع على ما هو عليه الآن فلن يصبح بمقدور الصين الاعتراض على برنامج اليابان حول صواريخ الدفاع التكتيكية. ويقر بعض المحللين الصينيين بهذا الأمر، ويقولون إنه لن يصبح بمقدور الصين أن تقدم قضية مقبولة ضد برامج صواريخ الدفاع التكتيكية ما لم يتم التوصل إلى حل لقضية كوريا حتى يتم تناول موضوع الصواريخ اليابانية والمسألة النووية أيضاً.
نظام دفاع الصواريخ الباليستية
لقد كانت استجابة الصين لنظام دفاع الصواريخ الباليستية هي الصمت، وهذا لا يعني أن الموضوع قد تم حسمه أو أن القلق الصيني قد ضعف. إن لهذا النظام المقدرة على تحييد وشل قدرات الرادع النووي الصيني، وذلك يعتمد على نوعية النظام المثبت. وعلى الرغم من أن هناك طرقاً عدة يمكن أن تتبعها الصين في الرد فإن هجوماً عنيفاً وكاسحاً قد تكون له آثار سلبية بالنسبة لبكين بالنظر إلى أن الصين أصبحت تركز حالياً على مسألة الاقتصاد الداخلي. يُضاف إلى ذلك أن أي رد فعل عنيف قد يضع نوايا الصين موضع التساؤل، ذلك أنه سوف يتم النظر إلى الصين بأنها تسعى إلى تغيير الوضع الراهن في قارة آسيا، وهو أمر قد يؤدي إلى زعزعة الأمن الإقليمي. وقد عبر بعض المحللين الصينيين عن أملهم في أن تتجنب الصين (ردة الفعل المُبالغ فيها) حيال استمرار الولايات المتحدة في نشر نظام دفاع الصواريخ الباليستية.
ومما لاشك فيه أن الصينيين قد فكروا طويلاً وبجدية حول نظام دفاع الصواريخ الباليستية: هل هو نظام يقود إلى زعزعة منطقة شرق آسيا أم هو مشروع ضخم ومكلف لا يمكن أن يحقق أهدافه أبداً؟ فبينما يحذر البعض من أن نظام دفاع الصواريخ الوطني هو في الواقع محاولة أمريكية للوصول إلى (الأمن المطلق) لنفسها يرى البعض الآخر أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر أظهرت أنه حتى بالنسبة لقوة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن تحقيق الحماية ضد الأخطار على المستويات كافة.
لقد قام الصينيون بدراسة كل هذه النقاشات بطريقة متأنية خلال سنوات عدة، ويبدو أنهم سوف يتابعون النقاش حول نظام دفاع الصواريخ الباليستية وآثاره بالنسبة لأمن منطقة شرق آسيا. ويبدو أن الصين أذعنت الآن لدعوى الولايات المتحدة الأمريكية بأن نشر نظام دفاع الصواريخ الباليستية لا يمكن على الأقل في الوقت الراهن أن يكون سبباً في زعزعة الاستقرار بالنظر إلى أن أغلب الأنظمة التي يتم تطويرها الآن لن تكون جاهزة للنشر قبل سبع سنوات على الأقل، وأنه حتى حينما يتم وضعها في الميدان فإن مقدرتها المحدودة لا يمكن أن تكون تهديداً لنظام الرادع النووي الصيني.
وبما أن نشر أنظمة دفاع الصواريخ الباليستية المتقدمة -إذا افترضنا حدوث ذلك كما تبشر به إدارة بوش- ما زالت أمامه سنوات عدة، فإن هذا يتيح فرصة لكل من الولايات المتحدة واليابان والصين لتوجيه الأحداث بطريقة قد تمنع وقوع أسوأ أنواع السيناريوهات. وقد عبر العديد من المحللين الصينيين عن أملهم في تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة واليابان والصين. وقد اقترح أحد هؤلاء المحللين أن (تقوم الولايات المتحدة واليابان والصين بإنشاء تحالف ثلاثي غير رسمي للعمل على مجابهة مثل هذه الاهتمامات الأمنية الماثلة مثل كوريا الشمالية، وأن يتم تطوير هذا التحالف بصورة تدريجية إلى قناة اتصال جديدة لمناقشة مواضيع أمنية أخرى مثل أنظمة دفاع الصواريخ الباليستية وآثارها بالنسبة لأمن منطقة شرق آسيا. وتشير مثل هذه التعليقات إلى وجود مساحة للنقاش البناء حول شرق آسيا بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والصين.
إن على جميع الأطراف أن تدرس بكل دقة وحرص مواقفها قبل الدخول في سلسلة من الأحداث التي يحركها التفكير في احتمالات وقوع أسوأ السنياريوهات، وعليهم أيضاً دراسة قدراتهم وخياراتهم السياسية والدخول في مزيد من الحوارات وتبادل الآراء حتى يتجنبوا التكهنات والشكوك غير المجدية.
إن على الولايات المتحدة الأمريكية واليابان في سعيهما إلى وضع خطط طويلة الأمد للدفاع الصاروخي الانتباه إلى أن المعارضة ذات المقدرات الكامنة ستظل عنصراً قائماً باستمرار ضمن مفردات المعادلة السياسية الصينية.
::/fulltext::
::cck::1980::/cck::
