في المسألة العراقية: العلاقات بين ضفتي الأطلسي.. الاستقطابات والثوابت
::cck::1998::/cck::
::introtext::
تثير المسألة العراقية بأبعادها المختلفة الكثير من القضايا والتساؤلات، فقد كانت العلاقات الأوروبية – الأمريكية منذ بدء هذه الأزمة في مد وجزر، وكانت الساحة الأطلسية مثار جدل كبير بين القاطنين على ضفتيها في الولايات المتحدة وأوروبا بغربها وشرقها، وكان الإطار العام للخلاف في بداية الأزمة العراقية – الأمريكية يتحدد بمسألتين تتقدمان على غيرهما في قضايا الأمن العالمي عموماً هما: طبيعة التهديد ومدى الرد المطلوب.
لقد شهد السجال الأمريكي – الأوروبي تجاه المسألة العراقية استحضار التاريخ والاستراتيجيا والثقافة والمبادئ، بينما كانت المصالح هي المحرك الأكبر والبعد الحقيقي من وراء الخلافات. ث
::/introtext::
::fulltext::
تثير المسألة العراقية بأبعادها المختلفة الكثير من القضايا والتساؤلات، فقد كانت العلاقات الأوروبية – الأمريكية منذ بدء هذه الأزمة في مد وجزر، وكانت الساحة الأطلسية مثار جدل كبير بين القاطنين على ضفتيها في الولايات المتحدة وأوروبا بغربها وشرقها، وكان الإطار العام للخلاف في بداية الأزمة العراقية – الأمريكية يتحدد بمسألتين تتقدمان على غيرهما في قضايا الأمن العالمي عموماً هما: طبيعة التهديد ومدى الرد المطلوب.
لقد شهد السجال الأمريكي – الأوروبي تجاه المسألة العراقية استحضار التاريخ والاستراتيجيا والثقافة والمبادئ، بينما كانت المصالح هي المحرك الأكبر والبعد الحقيقي من وراء الخلافات.
وعندما قادت فرنسا التيار المناهض للحرب على العراق تدعمها ألمانيا، تحدث الأمريكيون عن دورهم الكبير في إنقاذ فرنسا من براثن الاحتلال النازي، إبان الحرب العالمية الثانية، ليستذكر الفرنسيون بالمقابل كيف أنهم دعموا الأمريكيين في حرب التحرير، بينما التاريخ الحديث يحوي بين طياته خذلاناً أمريكياً لفرنسا إبان حرب السويس عام 1956، وكيف أذلت فرنسا عند أجبرت من قبل الصديق والحليف الأمريكي على الانسحاب من قناة السويس هي وأقطاب العدوان الثلاثي البريطانيون والإسرائيليون. حتى إن الكثيرين عدّوا الموقف الفرنسي تجاه الحرب على العراق ضغطاً متعمداً يذكر بالموقف الأمريكي في حرب السويس.
وفي إطار التجاذب الثقافي طرح وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد مقولته الشهيرة عن أوروبا العجوز، من دون الانتباه إلى أن أوروبا العجوز التي أشار إليها، تضم أيضاً حلفاء الولايات المتحدة من البريطانيين والإسبان والإيطاليين.
لقد كان هناك موقف يرفض الحرب ويدعو إلى نزع أسلحة العراقعن طريق عمليات التفتيش تمحورت حوله العديد من دول أوروبا، تقدمته فرنسا وألمانيا وأيدته بلجيكا واليونان، وأغلب دول شمالأوروبا وإن بدرجات متفاوتة. وكان هذا الموقف يحظى بدعم من خارج أوروبا مثله الروس والصينيون الذين هددوا مراراً باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي للحيلولة دون شن الحرب أو تخويل الولايات المتحدة بالتصرف وتقديم التغطية الشرعية لفعلها. كما وجد الموقف المعارض للحرب دعماً مضافاً من جيران الولايات المتحدة الأقربين في المكسيك وكندا وتشيلي وفنزويلا وكوبا في أمريكا اللاتينية.
الخلافات السياسية كانت هي الأساس للانشقاق الأوروبي- الأوروبي حول الأزمة العراقية
وشهدت تداعيات المسألة العراقية حالتين من التعاطي الأطلسي اتجهت أولاهما نحو الاستقطاب، وظهور تحالفات أوروبية مؤيدة، وأخرى مناهضة للحرب على العراق، وعندما عرضت الولايات المتحدة على دول الأطلسي تقديم المساعدة لتركيا على خلفية الأزمة العراقية اعترضت كلمن فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ، على اعتبار أن (الوقت الآن غير مناسب).
وكان من الواضح أن أوروبا انقسمت بشأن الموقف من استراتيجية الحرب الاستباقية التي تبنتها الولايات المتحدة في عام 2002، حيث أيدتها بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا والعديد من دول شرق أوروبا التي كانت مرشحة للدخول إلى الأطلسي، وترغب في دعم أمريكي لمطالبها. بينما لم تؤيد دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا تلك الاستراتيجية، وأعلنت معارضتها الصريحة لها. ومع اندلاع الحرب على العراق، تنفيذاً لتلك الاستراتيجية، كان لا بد لعملية الاستقطاب على ضفتي الأطلسي أن تكون أكثر وضوحاً. وخاصة في جانبها الأوروبي، حيث شهد الاتحاد الأوروبي نفسه مظاهر الانقسام عندما تفرق بين مؤيد للحرب الأمريكية على العراق ومساند لها من دون تحفظ، وتلك كانت حال بريطانيا وإسبانيا وهولندا وإيطاليا والبرتغال والدنمارك، ودول أوروبا الشرقية التي كانت قد انضمت حديثاً إلى الاتحاد الأوروبي وهي بولندا وأستونيا ولاتفيا وليتوانيا وسلوفاكيا.
وعمل هذا الفريق على دعم الموقف الأمريكي بفعل التحالف الاستراتيجي لبعض دول أوروبا مع الولايات المتحدة كما هي الحال مع بريطانيا، التي ترى في تحالفها مع الولايات المتحدة فرصة لممارسة تأثير على الدبلوماسية الأمريكية، وقدراً من الحضور في الساحة الدولية، بعد أن غابت الشمس عن مستعمراتها منذ زمن بعيد، وإسبانيا التي كانت تتحسب من إمكانية تصاعد الدور الألماني والفرنسي في أوروبا. أما دول شرق أوروبا فقد كانت ترى في تأييدها للجانب الأمريكي ضمانة أمنية وطريقاً للحصول على المساعدات الاقتصادية التي كانت بحاجة ماسة إليها لبناء اقتصاداتها الضعيفة، كما تدفعها إلى ذلك الخشية من طموحات جيرانها الفرنسيين والألمان، بالإضافة إلى الروس الذين كانوا إلى وقت قريب يهيمنون على القرار السياسي والاقتصادي والعسكري في شرق أوروبا.
وفي الفريق الثاني المعارض للحرب وقفت فرنسا ورئيسها السابق جاك شيراك الذي كان يرى أن امتلاك الولايات المتحدة كل تلك القوة أمر غير صحي، وأن على فرنسا إقامة قطب أوروبي بديل لموازنة القوة الأمريكية، ودعا روسيا للانضمام إلى عملية الاستقطاب الأوروبي. بينما يرى البعض أن ألمانيا هي التي كانت تقود المعارضة للموقف الأمريكي، وأن التصلب الفرنسي جاء بدفع ألماني. وإلى جانب هاتين الدولتين وقفت بلجيكا واليونان ولوكسمبورغ.
لقد دفع المعارضون الأوروبيون للحرب الأمريكية على العراق بعدم شرعية هذه الحرب، لأن الولايات المتحدة قادتها دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، ومن غير المقبول ترك الولايات المتحدة تتصرف على هواها من دون أن تعبأ بالمنظمات الدولية.
ومن المؤكد أن المسالة العراقية مثلت منعطفاً خطيراً في تاريخ العلاقات الدولية عموماً والعلاقات الأمريكية – الأوروبية وعبر ضفتي الأطلسي بل والعلاقات الأوروبية- الأوروبية. وباتت أوروبا الموحدة منقسمة على نفسها ليس وفق معطيات الحرب الباردة إلى شرق وغرب، بل إلى غرب منقسم على نفسه، وشرق اصطف إلى جانب أحد الطرفين، بينما المحرك الأساسي لعملية الاستقطاب هو الجانب الأمريكي، الذي حاول تعبئة الأوروبيين إلى جانبه بأساليب الإغراء، كما هي الحال مع دول شرق أوروبا، والابتزاز كما هي الحال مع دول غرب أوروبا المعارضة لسياسة الهيمنة الأمريكية، والتي كان عليها سماع الكثير عن الفرص الضائعة في الحصول على عقود لإعمار العراق بعد الحرب.
لقد استمرت الخلافات والانقسامات حول الشأن العراقي، في عام 2004، وحينما دعت الولايات المتحدة إلى دور أكبر لحلف شمالي الأطلسي في العراق، الأمر الذي عارضه التحالف المناوئ للحرب والذي انضمت إليه إسبانيا في هذه المرحلة عندما أدى صعود الحزب الاشتراكي للسلطة فيها إلى سحب القوات الإسبانية من العراق في ربيع ذلك العام، لتلحق بها قوات هنغاريا في العام نفسه.
وحقيقة الأمر أنه رغم ما بدا من اتساع الهوة في عملية الاستقطاب الأطلسية، فإن الخلاف لم يكن نتيجة استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية في معالجة الأزمة مع العراق، وإنما نتيجة اختلاف التصورات للتهديدات، في إطار ما سمي الحرب على الإرهاب، حيث إن استخدام الولايات المتحدة القوة لتغيير الوضع السياسي في الشرق الأوسط، رأى فيه المعارضون للحرب عملاً غير مبرر سياسياً وقانونياً.
إن الخلافات السياسية كانت هي الأساس للانشقاق الأوروبي- الأوروبي حول الأزمة العراقية، وهو محصلة للتفاعل بين العامل الأمريكي والتوجهات الأطلسية لعدد من دول الاتحاد الأوروبي، وبين عدم فاعلية آليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، التي أدت إلى عدم إمكانية اتخاذ موقف توافقي بين أعضاء الاتحاد الأوروبي من تلك القضية الحساسة وهو الوتر الذي لعبت عليه الإدارة الأمريكية في تعميق عملية الاستقطاب والتصدع داخل دول الاتحاد الأوروبي.
أما العامل الآخر الذي أثار حفيظة العديد من الدول الأوروبية، فتمثل – مع ترافق الدعوة الأمريكية لدول حلف شمالي الأطلسي إلى زيادة ميزانياتها العسكرية بحجة مواجهة التهديدات الإرهابية – في قيام الولايات المتحدة بزيادة هائلة في ميزانيتها العسكرية مما أثار المخاوف لدى دول أوروبا من زيادة الفجوة التكنولوجية بين طرفي الأطلسي الأمريكي والأوروبي.
ويمكن القول إن التوترات بين ضفتي الأطلسي، التي نجمت بفعل المسألة العراقية، عمقت التباينات التي ظهرت على السطح بعد انتهاءالحرب الباردة، وعكست بشكل أو آخر، التوجهات المختلفة للأوروبيين والأمريكيين بعد أن زال التهديد السوفييتي الذي كان العامل الرئيسي في التقارب بين الجانبين في تلك المرحلة، وعبر عن رغبة الدولتين الأوروبيتين الكبيرتين فرنسا وألمانيا في استعادة الدور الريادي في القارة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، حيث الطموحات السياسية للمستشار الألماني السابق جيرهارد شرويدر قادته لتحريك التيار الشعبي المعارض للحرب للفوز بالانتخابات، كما كانت معارضة جاكشيراك لمحاولات الانفراد الأمريكي بالقرار الدولي، اختباراً لمشروعه الديغولي لجعل أوروبا منافساً للقوةالأمريكية.
إلا أن العلاقات بين الجانبين الأطلسيين شهدت تطوراً واضحاً في المرحلة اللاحقة بفعل تحولات الموقف الأمريكي، خاصة بعد إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش لفترة رئاسية ثانية، حيث وضع في مقدمة أولوياته رأب الصدع في العلاقات الأمريكية – الأوروبية، رغم أن الجانب الأمريكي وضع هدفاً جديداً لتأطير هذا التعاون وهو مواجهة الأوروبيين والأمريكيين للبرنامج النووي الإيراني، ودعوة الأوروبيين للمشاركة السياسية بفاعلية في تنفيذ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وإغراء الأوروبيين بالمكاسب التي يمكن أن يحققوها إن هم تعاونوا مع الجانب الأمريكي، وبشكل خاص الحصول على عقود للاستثمار والإعمار في العراق. وبفعل التغييرات السياسية في العديد من دول أوروبا وفي مقدمتها ألمانيا التي تحولت إلى داعم للموقف الأمريكي بعد صعود أنجيلا ميركل إلى سدة الحكم فيها، وفي فرنسا بصعود نيكولا ساركوزي الذي أعلن دعمه غير المشروط للمشروع الأمريكي في العراق، وقاد حملة واسعة ضد البرنامج النووي الإيراني، في اصطفاف واضح إلى جانب الإدارة الأمريكية، مدفوعاً بالطموح لاستعادة دور فرنسا الفاعل في الشؤون الدولية.

وهكذا شهدت السنوات اللاحقة نشاطاً دبلوماسياً أمريكياً نحو أوروبا بدأ بجولة الرئيس جورج بوش في فبراير عام 2005، لإعادة الثقة بين جانبي الأطلسي، وإنهاء صفحة الخلافات، حيث قال الرئيس الأمريكي (إن العالم سيكون أفضل، وإن الولايات المتحدة ستكون في حال أفضل، وأن أوروبا ستكون في حال أفضل عندما نعمل سوياً).
ومن الواضح أن العلاقات الأمريكية – الأوروبية أكثر ترابطاً من حيث المصالح والأهداف الاستراتيجية التي يعمل الطرفان على تحقيقها، وأن الاختلافات والتناقضات التي تظهر بين الحين والآخر نتيجة لتعارض المصالح لا تلغي النتيجة التي تظهر أن الجانبين اعتادا التوصل إلى صيغة مشتركة لمعالجة المشكلات بينهما وضمان عدم المساس بتلك المصالح.
وهكذا فإن المسألة العراقية بقدر ما كانت سبباً في عملية استقطاب جديدة في القارة الأمريكية إلى جانب أو بالضد من الموقف الأمريكي فإنها كانت فرصة للجانبين لإعادة النظر في بعض الأسس التي قامت عليها العلاقات الأمريكية- الأوروبية، والتأكيد على ثبات الاستراتيجية التي تؤطر العلاقات بين الدول المطلة على ضفتي الأطلسي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1998::/cck::
::introtext::
تثير المسألة العراقية بأبعادها المختلفة الكثير من القضايا والتساؤلات، فقد كانت العلاقات الأوروبية – الأمريكية منذ بدء هذه الأزمة في مد وجزر، وكانت الساحة الأطلسية مثار جدل كبير بين القاطنين على ضفتيها في الولايات المتحدة وأوروبا بغربها وشرقها، وكان الإطار العام للخلاف في بداية الأزمة العراقية – الأمريكية يتحدد بمسألتين تتقدمان على غيرهما في قضايا الأمن العالمي عموماً هما: طبيعة التهديد ومدى الرد المطلوب.
لقد شهد السجال الأمريكي – الأوروبي تجاه المسألة العراقية استحضار التاريخ والاستراتيجيا والثقافة والمبادئ، بينما كانت المصالح هي المحرك الأكبر والبعد الحقيقي من وراء الخلافات. ث
::/introtext::
::fulltext::
تثير المسألة العراقية بأبعادها المختلفة الكثير من القضايا والتساؤلات، فقد كانت العلاقات الأوروبية – الأمريكية منذ بدء هذه الأزمة في مد وجزر، وكانت الساحة الأطلسية مثار جدل كبير بين القاطنين على ضفتيها في الولايات المتحدة وأوروبا بغربها وشرقها، وكان الإطار العام للخلاف في بداية الأزمة العراقية – الأمريكية يتحدد بمسألتين تتقدمان على غيرهما في قضايا الأمن العالمي عموماً هما: طبيعة التهديد ومدى الرد المطلوب.
لقد شهد السجال الأمريكي – الأوروبي تجاه المسألة العراقية استحضار التاريخ والاستراتيجيا والثقافة والمبادئ، بينما كانت المصالح هي المحرك الأكبر والبعد الحقيقي من وراء الخلافات.
وعندما قادت فرنسا التيار المناهض للحرب على العراق تدعمها ألمانيا، تحدث الأمريكيون عن دورهم الكبير في إنقاذ فرنسا من براثن الاحتلال النازي، إبان الحرب العالمية الثانية، ليستذكر الفرنسيون بالمقابل كيف أنهم دعموا الأمريكيين في حرب التحرير، بينما التاريخ الحديث يحوي بين طياته خذلاناً أمريكياً لفرنسا إبان حرب السويس عام 1956، وكيف أذلت فرنسا عند أجبرت من قبل الصديق والحليف الأمريكي على الانسحاب من قناة السويس هي وأقطاب العدوان الثلاثي البريطانيون والإسرائيليون. حتى إن الكثيرين عدّوا الموقف الفرنسي تجاه الحرب على العراق ضغطاً متعمداً يذكر بالموقف الأمريكي في حرب السويس.
وفي إطار التجاذب الثقافي طرح وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد مقولته الشهيرة عن أوروبا العجوز، من دون الانتباه إلى أن أوروبا العجوز التي أشار إليها، تضم أيضاً حلفاء الولايات المتحدة من البريطانيين والإسبان والإيطاليين.
لقد كان هناك موقف يرفض الحرب ويدعو إلى نزع أسلحة العراقعن طريق عمليات التفتيش تمحورت حوله العديد من دول أوروبا، تقدمته فرنسا وألمانيا وأيدته بلجيكا واليونان، وأغلب دول شمالأوروبا وإن بدرجات متفاوتة. وكان هذا الموقف يحظى بدعم من خارج أوروبا مثله الروس والصينيون الذين هددوا مراراً باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي للحيلولة دون شن الحرب أو تخويل الولايات المتحدة بالتصرف وتقديم التغطية الشرعية لفعلها. كما وجد الموقف المعارض للحرب دعماً مضافاً من جيران الولايات المتحدة الأقربين في المكسيك وكندا وتشيلي وفنزويلا وكوبا في أمريكا اللاتينية.
الخلافات السياسية كانت هي الأساس للانشقاق الأوروبي- الأوروبي حول الأزمة العراقية
وشهدت تداعيات المسألة العراقية حالتين من التعاطي الأطلسي اتجهت أولاهما نحو الاستقطاب، وظهور تحالفات أوروبية مؤيدة، وأخرى مناهضة للحرب على العراق، وعندما عرضت الولايات المتحدة على دول الأطلسي تقديم المساعدة لتركيا على خلفية الأزمة العراقية اعترضت كلمن فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ، على اعتبار أن (الوقت الآن غير مناسب).
وكان من الواضح أن أوروبا انقسمت بشأن الموقف من استراتيجية الحرب الاستباقية التي تبنتها الولايات المتحدة في عام 2002، حيث أيدتها بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا والعديد من دول شرق أوروبا التي كانت مرشحة للدخول إلى الأطلسي، وترغب في دعم أمريكي لمطالبها. بينما لم تؤيد دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا تلك الاستراتيجية، وأعلنت معارضتها الصريحة لها. ومع اندلاع الحرب على العراق، تنفيذاً لتلك الاستراتيجية، كان لا بد لعملية الاستقطاب على ضفتي الأطلسي أن تكون أكثر وضوحاً. وخاصة في جانبها الأوروبي، حيث شهد الاتحاد الأوروبي نفسه مظاهر الانقسام عندما تفرق بين مؤيد للحرب الأمريكية على العراق ومساند لها من دون تحفظ، وتلك كانت حال بريطانيا وإسبانيا وهولندا وإيطاليا والبرتغال والدنمارك، ودول أوروبا الشرقية التي كانت قد انضمت حديثاً إلى الاتحاد الأوروبي وهي بولندا وأستونيا ولاتفيا وليتوانيا وسلوفاكيا.
وعمل هذا الفريق على دعم الموقف الأمريكي بفعل التحالف الاستراتيجي لبعض دول أوروبا مع الولايات المتحدة كما هي الحال مع بريطانيا، التي ترى في تحالفها مع الولايات المتحدة فرصة لممارسة تأثير على الدبلوماسية الأمريكية، وقدراً من الحضور في الساحة الدولية، بعد أن غابت الشمس عن مستعمراتها منذ زمن بعيد، وإسبانيا التي كانت تتحسب من إمكانية تصاعد الدور الألماني والفرنسي في أوروبا. أما دول شرق أوروبا فقد كانت ترى في تأييدها للجانب الأمريكي ضمانة أمنية وطريقاً للحصول على المساعدات الاقتصادية التي كانت بحاجة ماسة إليها لبناء اقتصاداتها الضعيفة، كما تدفعها إلى ذلك الخشية من طموحات جيرانها الفرنسيين والألمان، بالإضافة إلى الروس الذين كانوا إلى وقت قريب يهيمنون على القرار السياسي والاقتصادي والعسكري في شرق أوروبا.
وفي الفريق الثاني المعارض للحرب وقفت فرنسا ورئيسها السابق جاك شيراك الذي كان يرى أن امتلاك الولايات المتحدة كل تلك القوة أمر غير صحي، وأن على فرنسا إقامة قطب أوروبي بديل لموازنة القوة الأمريكية، ودعا روسيا للانضمام إلى عملية الاستقطاب الأوروبي. بينما يرى البعض أن ألمانيا هي التي كانت تقود المعارضة للموقف الأمريكي، وأن التصلب الفرنسي جاء بدفع ألماني. وإلى جانب هاتين الدولتين وقفت بلجيكا واليونان ولوكسمبورغ.
لقد دفع المعارضون الأوروبيون للحرب الأمريكية على العراق بعدم شرعية هذه الحرب، لأن الولايات المتحدة قادتها دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، ومن غير المقبول ترك الولايات المتحدة تتصرف على هواها من دون أن تعبأ بالمنظمات الدولية.
ومن المؤكد أن المسالة العراقية مثلت منعطفاً خطيراً في تاريخ العلاقات الدولية عموماً والعلاقات الأمريكية – الأوروبية وعبر ضفتي الأطلسي بل والعلاقات الأوروبية- الأوروبية. وباتت أوروبا الموحدة منقسمة على نفسها ليس وفق معطيات الحرب الباردة إلى شرق وغرب، بل إلى غرب منقسم على نفسه، وشرق اصطف إلى جانب أحد الطرفين، بينما المحرك الأساسي لعملية الاستقطاب هو الجانب الأمريكي، الذي حاول تعبئة الأوروبيين إلى جانبه بأساليب الإغراء، كما هي الحال مع دول شرق أوروبا، والابتزاز كما هي الحال مع دول غرب أوروبا المعارضة لسياسة الهيمنة الأمريكية، والتي كان عليها سماع الكثير عن الفرص الضائعة في الحصول على عقود لإعمار العراق بعد الحرب.
لقد استمرت الخلافات والانقسامات حول الشأن العراقي، في عام 2004، وحينما دعت الولايات المتحدة إلى دور أكبر لحلف شمالي الأطلسي في العراق، الأمر الذي عارضه التحالف المناوئ للحرب والذي انضمت إليه إسبانيا في هذه المرحلة عندما أدى صعود الحزب الاشتراكي للسلطة فيها إلى سحب القوات الإسبانية من العراق في ربيع ذلك العام، لتلحق بها قوات هنغاريا في العام نفسه.
وحقيقة الأمر أنه رغم ما بدا من اتساع الهوة في عملية الاستقطاب الأطلسية، فإن الخلاف لم يكن نتيجة استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية في معالجة الأزمة مع العراق، وإنما نتيجة اختلاف التصورات للتهديدات، في إطار ما سمي الحرب على الإرهاب، حيث إن استخدام الولايات المتحدة القوة لتغيير الوضع السياسي في الشرق الأوسط، رأى فيه المعارضون للحرب عملاً غير مبرر سياسياً وقانونياً.
إن الخلافات السياسية كانت هي الأساس للانشقاق الأوروبي- الأوروبي حول الأزمة العراقية، وهو محصلة للتفاعل بين العامل الأمريكي والتوجهات الأطلسية لعدد من دول الاتحاد الأوروبي، وبين عدم فاعلية آليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، التي أدت إلى عدم إمكانية اتخاذ موقف توافقي بين أعضاء الاتحاد الأوروبي من تلك القضية الحساسة وهو الوتر الذي لعبت عليه الإدارة الأمريكية في تعميق عملية الاستقطاب والتصدع داخل دول الاتحاد الأوروبي.
أما العامل الآخر الذي أثار حفيظة العديد من الدول الأوروبية، فتمثل – مع ترافق الدعوة الأمريكية لدول حلف شمالي الأطلسي إلى زيادة ميزانياتها العسكرية بحجة مواجهة التهديدات الإرهابية – في قيام الولايات المتحدة بزيادة هائلة في ميزانيتها العسكرية مما أثار المخاوف لدى دول أوروبا من زيادة الفجوة التكنولوجية بين طرفي الأطلسي الأمريكي والأوروبي.
ويمكن القول إن التوترات بين ضفتي الأطلسي، التي نجمت بفعل المسألة العراقية، عمقت التباينات التي ظهرت على السطح بعد انتهاءالحرب الباردة، وعكست بشكل أو آخر، التوجهات المختلفة للأوروبيين والأمريكيين بعد أن زال التهديد السوفييتي الذي كان العامل الرئيسي في التقارب بين الجانبين في تلك المرحلة، وعبر عن رغبة الدولتين الأوروبيتين الكبيرتين فرنسا وألمانيا في استعادة الدور الريادي في القارة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، حيث الطموحات السياسية للمستشار الألماني السابق جيرهارد شرويدر قادته لتحريك التيار الشعبي المعارض للحرب للفوز بالانتخابات، كما كانت معارضة جاكشيراك لمحاولات الانفراد الأمريكي بالقرار الدولي، اختباراً لمشروعه الديغولي لجعل أوروبا منافساً للقوةالأمريكية.
إلا أن العلاقات بين الجانبين الأطلسيين شهدت تطوراً واضحاً في المرحلة اللاحقة بفعل تحولات الموقف الأمريكي، خاصة بعد إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش لفترة رئاسية ثانية، حيث وضع في مقدمة أولوياته رأب الصدع في العلاقات الأمريكية – الأوروبية، رغم أن الجانب الأمريكي وضع هدفاً جديداً لتأطير هذا التعاون وهو مواجهة الأوروبيين والأمريكيين للبرنامج النووي الإيراني، ودعوة الأوروبيين للمشاركة السياسية بفاعلية في تنفيذ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وإغراء الأوروبيين بالمكاسب التي يمكن أن يحققوها إن هم تعاونوا مع الجانب الأمريكي، وبشكل خاص الحصول على عقود للاستثمار والإعمار في العراق. وبفعل التغييرات السياسية في العديد من دول أوروبا وفي مقدمتها ألمانيا التي تحولت إلى داعم للموقف الأمريكي بعد صعود أنجيلا ميركل إلى سدة الحكم فيها، وفي فرنسا بصعود نيكولا ساركوزي الذي أعلن دعمه غير المشروط للمشروع الأمريكي في العراق، وقاد حملة واسعة ضد البرنامج النووي الإيراني، في اصطفاف واضح إلى جانب الإدارة الأمريكية، مدفوعاً بالطموح لاستعادة دور فرنسا الفاعل في الشؤون الدولية.

وهكذا شهدت السنوات اللاحقة نشاطاً دبلوماسياً أمريكياً نحو أوروبا بدأ بجولة الرئيس جورج بوش في فبراير عام 2005، لإعادة الثقة بين جانبي الأطلسي، وإنهاء صفحة الخلافات، حيث قال الرئيس الأمريكي (إن العالم سيكون أفضل، وإن الولايات المتحدة ستكون في حال أفضل، وأن أوروبا ستكون في حال أفضل عندما نعمل سوياً).
ومن الواضح أن العلاقات الأمريكية – الأوروبية أكثر ترابطاً من حيث المصالح والأهداف الاستراتيجية التي يعمل الطرفان على تحقيقها، وأن الاختلافات والتناقضات التي تظهر بين الحين والآخر نتيجة لتعارض المصالح لا تلغي النتيجة التي تظهر أن الجانبين اعتادا التوصل إلى صيغة مشتركة لمعالجة المشكلات بينهما وضمان عدم المساس بتلك المصالح.
وهكذا فإن المسألة العراقية بقدر ما كانت سبباً في عملية استقطاب جديدة في القارة الأمريكية إلى جانب أو بالضد من الموقف الأمريكي فإنها كانت فرصة للجانبين لإعادة النظر في بعض الأسس التي قامت عليها العلاقات الأمريكية- الأوروبية، والتأكيد على ثبات الاستراتيجية التي تؤطر العلاقات بين الدول المطلة على ضفتي الأطلسي.
::/fulltext::
::cck::1998::/cck::
