قراءة سياسية في الاتفاق الثلاثي الكردي – العربي – (السني)

::cck::2077::/cck::
::introtext::

وقع كل من الحزب الإسلامي العراقي والحزبين الكرديين الرئيسيين اتفاقاً ثلاثياً في 24/12/2007 في منتجع دونكان؛ قد يمهد الطريق لتشكيل حكومة وحدة وطنية واستبدال حكومة المالكي التي انسحب أكثر من نصف أعضائها ولا تزال غير قادرة على تحمل مسؤولياتها في ظل تزايد حدة الانتقادات الداخلية والإقليمية والدولية لإدارة الحكومة ورئيسها؛ بحيث اتهمت بالطائفية والفشل في تفعيل إجراءات المصالحة الوطنية.

::/introtext::
::fulltext::

وقع كل من الحزب الإسلامي العراقي والحزبين الكرديين الرئيسيين اتفاقاً ثلاثياً في 24/12/2007 في منتجع دونكان؛ قد يمهد الطريق لتشكيل حكومة وحدة وطنية واستبدال حكومة المالكي التي انسحب أكثر من نصف أعضائها ولا تزال غير قادرة على تحمل مسؤولياتها في ظل تزايد حدة الانتقادات الداخلية والإقليمية والدولية لإدارة الحكومة ورئيسها؛ بحيث اتهمت بالطائفية والفشل في تفعيل إجراءات المصالحة الوطنية.

جاءت الاتفاقية الموقعة في 21 فقرة مع مقدمة استعرضت التاريخ المشترك بين العرب والأكراد بحيث لم تشر إلى مذهبية هذه الأطراف، بل يمكن أن تفهم أن هذه الاتفاقية إنما وقعت بين قوميتين عراقيتين لهما مذهب مشترك وهو سني. ويمكن ملاحظة النقاط التالية:

1- الاتفاقية في بنودها جاءت عامة وتتطابق مع ما جاءت فيه الاتفاقية الرباعية ومبادرة المصالحة الوطنية والعقد الوطني الذي جاء بمبادرة من الحزب الإسلامي.

2- الاتفاقية هي بين قوميتين لهما مذهب مشترك (سني) ورغم عدم تأكيد الاتفاقية على هذه النقطة بالنص إنما السياق العام والاتفاق الذي سبق توقيعه بين الأطراف الخمسة يعطي أن هذه الاتفاقية إنما جاءت لتمتين جبهة السنة وتأكيداً على طائفية العملية السياسية واعتبار المحاصصة الطائفية عماد الحل في العراق.

3- تركز هذه الاتفاقية على المظالم التي وقع فيها الشعب الكردي من الأنظمة السابقة، وتؤكد في أكثر من بند على ضرورة إرجاع الحقوق للأكراد وتطبيع الأوضاع في المناطق الكردية خارج منطقة كردستان أي كركوك والمناطق الإدارية في المحافظات الشمالية كنينوى وصلاح الدين وديالى.

4- تشير الاتفاقية إلى ضرورة معالجة القضايا العالقة بحسب ما جاءت فيه مواد الدستور الدائم؛ بحيث تشير هذه الاتفاقية إلى الصراع المتنامي في الوقت الحاضر بين المحافظات العراقية على حدودها ورغبة كل محافظة بالتوسع على حساب المحافظات الأخرى، مذهبياً كما هو بين محافظة النجف مع محافظة الأنبار أو قومياً كما هو بين محافظات كردستان الشمالية مع محافظات نينوى وديالا وصلاح الدين.

ونورد فيما يلي نص الاتفاقية مع تعليقنا الذي سيرد في ثنايا الاتفاق أو في نهاية النص:

مذكرة تفاهم

انطلاقاً من الأخوة العربية- الكردية التي شهدت تلاحماً رائعاً عبر مئات السنين مبنية على أسس الثقة والاحترام المتبادل والتاريخ المشترك والدين الواحد وأواصر القربى والنسب، انطلاقاً من كل ذلك نرى ضرورة تمتين العلاقة بين الحزب الإسلامي العراقي والحزبين الكردستانيين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

لقد أساءت الأنظمة السابقة بسياستها الرعناء إلى العلاقة التاريخية التي تربط بين الشعبين المتآخيين الكردي والعربي، ونال الشعب الكردي قسطاً من ظلم الأنظمة المستبدة وما جرائم الأنفال وحلبجة وغيرهما التي اقترفها النظام السابق إلا دليل على هذا الظلم الذي لحق بأبناء الشعب الكردي والذي لقي استنكاراً شديداً وإدانة واسعة من كل القوى الخيرة في العالم.

والآن يعيش بلدنا العراق في ظروف صعبة من جرائم الإرهاب والطائفية التي ترتكب بحق أبنائه يومياً وتطال الرجال والنساء والشيوخ والأطفال وكل الطوائف والقوميات، ومن أجل وضع حد لهذه الحالة التي تمزق شعبنا ووطننا تأتي هذه الخطوة في مرحلة صعبة وحساسة، لذا فهي بالنسبة لنا تمثل ضرورة ملحة وخطوة تاريخية للوصول إلى حالة من التفاهم المشترك تمهد للاتفاق على (عقد اجتماعي) يجمع العراقيين على مشروع وطني متفق عليه يساهم في حل المعضلة العراقية ويحقق الاستقرار المنشود لينطلق العراق بعد ذلك في مسيرة الديمقراطية والبناء في بلدنا الجريح.

وإيماناً منا بأنه لابد من التعاون والتنسيق في سبيل مستقبل بلدنا ليكون بلداً حراً، ديمقراطياً، تعددياً، فيدارلياً وموحداً يلتقي اليوم ممثلو الحزب الإسلامي العراقي والحزبين الكرديين (الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني) كي يضعوا الرؤية الآتية كمبادئ لآفاق التعاون المستقبلي.

لم يشر الاتفاق الثلاثي إلى قوات (البشمرجة) وفيما إذا كانت من القوات المسلحة المسيسة 

المبادئ العامة للحوار:

1- يشكل الحزبان الكرديان (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) والحزب الإسلامي العراقي أطرافاً أساسية مهمة في المعادلة العراقية، ولهذا تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة في إيصال العراق إلى شاطئ الأمان من خلال التحرك السياسي الفعال لاحتواء الأزمات والوقوف بوجه الاخطار التي تهدد الجميع والتوفيق بين القوى السياسية العراقية المختلفة لبلوغ الهدف في القضاء على الإرهاب والاحتراب الطائفي والعرقي وهو التحدي الأكبر الذي يعوق المساعي الهادفة لتحقيق الاستقرار  وبناء دولة عراقية ديقراطية وتعددية فيدرالية موحدة. (أي أنه يجعل من الحزب الإسلامي الممثل الأبرز لدى السنة طالما أننا نتحدث عن اتفاق طائفي والحزب يمثل السنة وفي ذلك إقصاء للأطراف السنية المشاركة في العملية السياسية الأخرى).

2- إن مذكرة التفاهم هذه تشكل خطوة متقدمة لبناء رؤية مشتركة تمهد لعقد اجتماعي يخدم العملية السياسية والمصالحة الوطنية وإنقاذ العراق من المأزق الخطير الذي يعيشه في مختلف المجالات السياسية والأمنية والخدمية وغيرها، وتتطلع الأطراف إلى تطوير ذلك إلى عمل سياسي أشمل. (تأتي هذه الاتفاقية لإنقاذ العملية السياسية وحكومة المالكي التي طالتها انتقادات عديدة واتهامات بالطائفية وصلت إلى حد انسحاب كتل سياسية مهمة كالصدريين والفضيلة والتوافق.. والحزب الإسلامي عبر سكرتيره العام بتوقيعه هذا الاتفاق إنما يتراجع عن الموقف الموحد المتخذ مع بقية الأطراف السنية المجتمعة في جبهة التوافق).

3- العمل من أجل عراق ديمقراطي تعددي فيدرالي موحد. (تأكيد على جوهر العملية السياسية، أي أنه يأخذ موافقة أولية من كل الأطراف على حق الأكراد في الفيدرالية).

4- دعم جهود مصالحة وطنية حقيقية والمساهمة الفعالة فيه. (دعم جهود الحكومة العراقية في تأصيل المصالحة الوطنية وإجراءاتها المتخذة، أي الموافقة على قانون المساءلة (اجتثاث البعث) وتوزيع الثروات وهي مطالب كانت ولا تزال جوهر الخلاف بين مختلف الأطراف العراقية المشكلة للعملية السياسية).

5- العمل من أجل الاستقلال الناجز للعراق سياسياً واستكمال جاهزية القوات المسلحة وبقية الأجهزة الأمنية لانسحاب القوات الأجنبية وفق جدول متوازن. (الربط بين جاهزية القوات العراقية وانسحاب مبرمج للقوات المتعددة الجنسيات).

6- دعم استقلالية ومهنية القوات المسلحة الوطنية ومنع تسييسها أو انحرافها خارج اطار المصالحة الوطنية المشتركة لعموم العراقيين، وتحقيق أقصى درجات التوازن فيها. ( لا يرد بالنص هنا كون قوات (البشمرجة) الكردية قوات خارجة عن وصف القوات الوطنية بحيث تكون لها منظومة قيادة ومتابعة تختلف عن بقية الأجهزة الوطنية، كأن واقع الحال يجعل منها قوات وطنية لا يطالها التسييس، في الوقت الذي يوجد جهازان للبشمرجة في كردستان العراق بحيث يتبع كل جهاز لأحد الأحزاب الرئيسة رغم اندماج حكومتي الإقليم في حكومة واحدة برئاسة نجرفان البرزاني).

7- تبادل وجهات النظر والتنسيق المشترك إزاء كل المستجدات من خلال آلية معتمدة من قبل الطرفين.  

8- رفض التدخل الإقليمي والخارجي في شؤون العراق.

9- إن الاستقرار في العراق الاتحادي يتطلب رفض سياسات الاستئثار والتهميش من جهة واللجوء إلى الآليات الديمقراطية وصناديق الاقتراع في بناء مؤسسات الدولة بشكل متوازن واعتماد مبدأ التوافق. (في إشارة إلى مختلف الأطراف الرافضة للعملية السياسية وتحديداً الصدريين وقوى المقاومة العراقية الأخرى).

10- الإرهاب مرفوض بكل صوره وأشكاله، والإرهاب في العراق آفة نرفضها ونعمل معاً لدحرها. (في الوقت نفسه لم يشر إلى حق المقاومة ورفض الاحتلال، في حين كان على الحزب الإسلامي التأكيد على هذه النقطة كونه لا يستطيع تجاهل القوى السنية التي يأتي هو وحزبه منها).

11- الالتزام بحقوق الشعب الكردي وفق ما ورد في دستور العراق الدائم.

12- الالتزام بالخطوات الدستورية في حل مشكلة المناطق المتنازع عليها وفق المادة 140 من الدستور. (أي ليس فقط تنفيذ المادة 140 المتعلقة بالاستفتاء على كركوك بل بقية المناطق التي تتواجد فيها أغلبية كردية مثل ديالا والموصل أي ضرورة تعديل الحدود الإدارية للمحافظات القريبة أو المحاذية للمناطق الكردية).

13- التعاون معاً من أجل خلق مجتمع مدني عصري يحافظ على التقاليد والأعراف، وذلك بتفعيل منظمات المجتمع المدني وترسيخ دولة المؤسسات وبناء دولة القانون، على خلفية أن احترام المجتمع الدولي لنا يستند إلى مدى التزامنا بهذه المبادئ.

14- العمل على إعادة الحقوق المغتصبة لجميع أبناء الشعب العراقي سواء تلك التي اغتصبت قبل تغيير النظام أو بعده، وفق ما ورد في دستور العراق الدائم. (إعادة تأكيد الحقوق الكردية رغم أن الفقرتين السابقتين رقم 11 و 12 أكدتا على هذه الحقوق).

15- التعاون المشترك على رد الظلم والتعسف والقهر من أي مصدر أتى، وبذل أقصى مساعدة ممكنة لتخفيف معاناة المهجرين وتوفير ملاذات آمنة لهم. (تتحدث الفقرة عن اللاجئين العراقيين الفارين من أعمال العنف رغم أن المناطق الكردية لم تستقبل موجة لاجئين عراقيين في السابق، بمعنى أن هذه المادة تؤكد على بقاء اللاجئين العراقيين في المناطق التي وصلوا إليها في المناطق الوسطى مع ضمان حياتهم وتوفير الأمن لهم).

16- العمل على تسريع إطلاق سراح المعتقلين الأبرياء في كل السجون العراقية والأجنبية.

17- تكوين لجان فرعية في مناطق التماس والمناطق المختلف عليها للوصول إلى حل للإشكاليات في تلك المناطق سعياً إلى علاقات صحية ومتكافئة (الملحق المرفق والمتعلق بمحافظة نينوى يعتبر جزءاً من مذكرة التفاهم هذه). (يتحدث عن المناطق في محافظة نينوى التي يسكنها أكراد والتي ترغب القيادة الكردية في تعديل الحدود لهذه المحافظة لتشمل المنطقة الكردية).

18- العمل المشترك لمشاركة الأطراف والجهات المعارضة للوضع الحالي في العملية السياسية.

19- مشروعية العمل من أجل تعديل الدستور وفق الآليات الواردة فيه وبما يحقق المصالح الوطنية المشتركة لجميع العراقيين ومكونات العراق.

20- السعي المشترك من أجل وضع المواطن المناسب في المكان المناسب، ومحاربة كل أشكال الفساد الإداري والمالي.

21- دعم استقلال القضاء ونزاهته.

ربط الاتفاق الثلاثي بين جاهزية القوات العراقية والانسحاب المبرمج للقوات الدولية

تعليق

تعيد هذه الاتفاقية التذكير على حقوق الأكراد من دون إشارة واضحة إلى حق السنة في المشاركة السياسية بصورة مناسبة، وهو المطلب الذي دائماً ما كانت تصر عليه الأطراف السنية التي التحقت بالعملية السياسية بضرورة إشراكها وتحقيق التوازن في الحقوق والواجبات بين مختلف مكونات المجتمع العراقي. وباستثناء ذلك فالاتفاقية لم تأت بشيء جديد، وتتقارب في فقراتها وحتى في صياغتها مع العقد الوطني الذي طالب فيه طارق الهاشمي مؤخراً وحصل وقتها على موافقة السيد السيستاني عليه، ولعله أراد أيضاً استحصال موافقة الأكراد عليه.

كانت فقرات الاتفاقية عامة باستثناء فقرة واحدة تحدثت عن تشكيل لجان تنسيق المواقف بين الأطراف الكردية والحزب الإسلامي. ويمكن الإشارة إلى أن هذه الاتفاقية تؤشر إلى ضعف عام لتمثيل السنة ووحدتهم في إطار جبهة واحدة (التوافق) لصالح صعود قوة وتأثير الحزب الإسلامي على الساحة السياسية السنية، ولعل توقيع هذه الاتفاقية مع الأكراد يأتي أيضاً لتعزيز جبهة السنة (باعتبار الأكراد هم أيضاً سنة) في مواجهة التحالف الشيعي ممثلاً بالمجلس الأعلى وحزب الدعوة؛ بحيث قصدت هذه الأطراف تقديم صورة للولايات المتحدة والإدارة الأمريكية التي تعالت مؤخراً فيها الأصوات المطالبة بتغيير حكومة المالكي؛ بحيث تأتي هذه الاتفاقية ثم الاتفاق الخماسي من قبلها مؤشراً إلى إمكانية تغيير الحكومة الحالية باستبدالها بحكومة وحدة وطنية. ولعل تصريح الرئيس جلال الطالباني على هذه الاتفاقية جاء متوافقاً مع هذه النظرة.

فقرات الاتفاقية عامة باستثناء فقرة واحدة تحدثت عن تشكيل لجان تنسيق المواقف بين الأطراف الكردية والحزب الإسلامي

وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة سوّقت مؤخراً فكرة التحسن الأمني نتيجة لزيادة عدد القوات الأمريكية وانخفاض العنف والاغتيالات، لكن لم يواكب هذا التحسن تحسن على المستوى السياسي مما يؤشر إلى أن المشكلة في العراق مشكلة سياسية وليست أمنية، سببها أطراف المعادلة السياسية جمعاء وتمسك كل طرف بمصالحه ورفض التنازل عنها، في الوقت نفسه تؤشر إلى نفاد الخيارات لدى الإدارة الأمريكية لتحسين الوضع السياسي، ومنها خيار إقصاء الحكومة الحالية عبر استبدالها بحكومة جديدة و الذي لم يعد ممكناً حالياً؛ فالوقت لم يعد متاحاً أمامها لاستبدال حكومة المالكي بحكومة جديدة، وعليه يأتي هذا الاتفاق (الخماسي) كخيار جديد لدى الإدارة الأمريكية للتشبث بعمليتها السياسية المتآكلة في العراق، ورفض الانقلاب عليها كما حاول البعض الترويج لذلك مؤخراً عبر إقناع الإدارة الأمريكية بتعليق الحكومة والبرلمان واستبدال الحكومة بحكومة عسكرية (محاولات إياد علاوي الحثيثة).

ولذلك يصبح الخيار الأمريكي بتغيير سياسي عوضاً عن العسكري متاحاً أكثر من خلال تشكيل ودعم حكومة وحدة وطنية خاصة من الأطراف التي لا تجاهر الولايات المتحدة العداء، كما كان عليه الوضع في حكومة المالكي حين تشكيلها؛ بحيث انضوت أطراف مثل الصدريين والفضيلة وأطراف التوافق الأخرى باستثناء الحزب الإسلامي في الحكومة الجديدة التي جاءت بعد الانتخابات؛ كما أن فرصة نجاح الحكومة المقبلة ممكنة مع دخول أطراف كانت تحسب في السابق على المقاومة.

إن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بحيث يكون للسنة دور أكبر من السابق فيها، تراه الحكومة العراقية والإدارة الأمريكية مناسباً، بل ينسجم مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في مواجهة الأطراف السنية وخصوصاً المقاومة عبر دعم وإسناد مجالس الصحوة؛ حيث سيكون لأفراد مجالس الصحوة التي تشكلت في المناطق الوسطى (الغربية) من العراق لمقارعة القاعدة دور كبير في إحلال واستبدال الأطراف السنية التي شاركت في العملية سابقاً، ولم تعد لها مكانة في الشارع السني بعد أن فقدت التأثير المناسب لصالح تنامي قوة مجالس الصحوة، خصوصاً تلك الموالية للحكومة والراغبة في دفع أفراد عشائرها للواجهة السياسية ، لذلك يفهم إصرار أمير ما يسمى عشائر الدليم أو القائد العسكري لمجلس إنقاذ الأنبار (حميد الهايس) على تقديم نفسه مرشحاً للمالكي؛ بحيث يكون نائباً لرئيس الوزراء المستقيل عن جبهة التوافق، واستبدال وزراء السنة المنسحبين من الحكومة بأفراد من مجالس الصحوة (العشائرية). ولعل الثمن هو الموافقة على المشروع المعد للعراق والمرفوض من قبل أغلبية السنة، أي الفيدرالية وتقسيم العراق. وهو ما عبر عنه صراحة حميد الهايس الذي دخل في نزاع مع رئيس إنقاذ الأنبار السابق ستار أبو الريشة الذي اغتيل مؤخراً؛ حيث أفصح الهايس عن رغبته في تقديم مرشحين للحكومة العراقية لتحقيق التوازن الطائفي فيها واستبدال وزراء التوافق المنسحبين من أفراد مجالس الصحوة المنتشرين في المناطق الغربية.

وهكذا يأتي الحزب الإسلامي والأكراد مرة أخرى كصمام أمان للحيلولة دون تدهور الأوضاع السياسية أكثر، ومنقذاً لخيارات الولايات المتحدة في العراق؛ بحيث تأتي حكومة الوحدة الوطنية استكمالاً للمشروع الذي أعد للعراق والمتمثل في تقسيمه إلى ثلاث فيدراليات طائفية، وهو ما أكد عليه كل من الاتفاق الرباعي (بين المجلس الأعلى والدعوة والحزبين الكرديين الرئيسيين) والاتفاق الثلاثي (بين الحزب الإسلامي والحزبين الكرديين) والاتفاق الخماسي (بين مجموع هذه الأحزاب).

وتشترك هذه التجمعات التي تبدو للوهلة الأولى غير متناسقة سياسياً أو اجتماعياً أو طائفياً في الموقف من الفيدرالية والوجود الأمريكي في العراق.

أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الاتفاق الثلاثي جاء بعد توقيع الأطراف للاتفاقية الخماسية وهو مؤشر يجدر الانتباه إليه كثيراً، فهو من جهة يعد أمراً لمواجهة الشيعة أو الأطراف الشيعية المشاركة في التحالف بضرورة احترام خيارات ومصالح الأطراف الأخرى المنضوين في التحالف؛ فكما هو معروف فإن الشيعة على العموم خلال اتفاقهم السابق مع الأكراد في انتخابات يناير 2005 وما أعقبها من تشكيل حكومة إبراهيم الجعفري لم يلتزموا بتغيير الأوضاع في كركوك، كما اتفق حينما قاد الشيعة الحكومة آنذاك، وهو ما اعتبر الحد الأقصى لرغبات الأكراد والدافع الأساسي وراء تحالفهم، وعليه تصبح إمكانية تشكيل حكومة سنية من العرب السنة والسنة الأكراد متاحة كثيراً؛ بحيث تكون كفيلة بتحقيق ما عجزت عنه الحكومة الشيعية، ومن جهة أخرى يأتي هذا الاتفاق لتمتين جبهة السنة وهو ما سيفهم بأنه تهديد للشيعة المنقسمين على أنفسهم الآن وتهديد أكبر لبقية الأطراف السنية خصوصاً في (التوافق) وقوى المقاومة المسلحة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2077::/cck::
::introtext::

وقع كل من الحزب الإسلامي العراقي والحزبين الكرديين الرئيسيين اتفاقاً ثلاثياً في 24/12/2007 في منتجع دونكان؛ قد يمهد الطريق لتشكيل حكومة وحدة وطنية واستبدال حكومة المالكي التي انسحب أكثر من نصف أعضائها ولا تزال غير قادرة على تحمل مسؤولياتها في ظل تزايد حدة الانتقادات الداخلية والإقليمية والدولية لإدارة الحكومة ورئيسها؛ بحيث اتهمت بالطائفية والفشل في تفعيل إجراءات المصالحة الوطنية.

::/introtext::
::fulltext::

وقع كل من الحزب الإسلامي العراقي والحزبين الكرديين الرئيسيين اتفاقاً ثلاثياً في 24/12/2007 في منتجع دونكان؛ قد يمهد الطريق لتشكيل حكومة وحدة وطنية واستبدال حكومة المالكي التي انسحب أكثر من نصف أعضائها ولا تزال غير قادرة على تحمل مسؤولياتها في ظل تزايد حدة الانتقادات الداخلية والإقليمية والدولية لإدارة الحكومة ورئيسها؛ بحيث اتهمت بالطائفية والفشل في تفعيل إجراءات المصالحة الوطنية.

جاءت الاتفاقية الموقعة في 21 فقرة مع مقدمة استعرضت التاريخ المشترك بين العرب والأكراد بحيث لم تشر إلى مذهبية هذه الأطراف، بل يمكن أن تفهم أن هذه الاتفاقية إنما وقعت بين قوميتين عراقيتين لهما مذهب مشترك وهو سني. ويمكن ملاحظة النقاط التالية:

1- الاتفاقية في بنودها جاءت عامة وتتطابق مع ما جاءت فيه الاتفاقية الرباعية ومبادرة المصالحة الوطنية والعقد الوطني الذي جاء بمبادرة من الحزب الإسلامي.

2- الاتفاقية هي بين قوميتين لهما مذهب مشترك (سني) ورغم عدم تأكيد الاتفاقية على هذه النقطة بالنص إنما السياق العام والاتفاق الذي سبق توقيعه بين الأطراف الخمسة يعطي أن هذه الاتفاقية إنما جاءت لتمتين جبهة السنة وتأكيداً على طائفية العملية السياسية واعتبار المحاصصة الطائفية عماد الحل في العراق.

3- تركز هذه الاتفاقية على المظالم التي وقع فيها الشعب الكردي من الأنظمة السابقة، وتؤكد في أكثر من بند على ضرورة إرجاع الحقوق للأكراد وتطبيع الأوضاع في المناطق الكردية خارج منطقة كردستان أي كركوك والمناطق الإدارية في المحافظات الشمالية كنينوى وصلاح الدين وديالى.

4- تشير الاتفاقية إلى ضرورة معالجة القضايا العالقة بحسب ما جاءت فيه مواد الدستور الدائم؛ بحيث تشير هذه الاتفاقية إلى الصراع المتنامي في الوقت الحاضر بين المحافظات العراقية على حدودها ورغبة كل محافظة بالتوسع على حساب المحافظات الأخرى، مذهبياً كما هو بين محافظة النجف مع محافظة الأنبار أو قومياً كما هو بين محافظات كردستان الشمالية مع محافظات نينوى وديالا وصلاح الدين.

ونورد فيما يلي نص الاتفاقية مع تعليقنا الذي سيرد في ثنايا الاتفاق أو في نهاية النص:

مذكرة تفاهم

انطلاقاً من الأخوة العربية- الكردية التي شهدت تلاحماً رائعاً عبر مئات السنين مبنية على أسس الثقة والاحترام المتبادل والتاريخ المشترك والدين الواحد وأواصر القربى والنسب، انطلاقاً من كل ذلك نرى ضرورة تمتين العلاقة بين الحزب الإسلامي العراقي والحزبين الكردستانيين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

لقد أساءت الأنظمة السابقة بسياستها الرعناء إلى العلاقة التاريخية التي تربط بين الشعبين المتآخيين الكردي والعربي، ونال الشعب الكردي قسطاً من ظلم الأنظمة المستبدة وما جرائم الأنفال وحلبجة وغيرهما التي اقترفها النظام السابق إلا دليل على هذا الظلم الذي لحق بأبناء الشعب الكردي والذي لقي استنكاراً شديداً وإدانة واسعة من كل القوى الخيرة في العالم.

والآن يعيش بلدنا العراق في ظروف صعبة من جرائم الإرهاب والطائفية التي ترتكب بحق أبنائه يومياً وتطال الرجال والنساء والشيوخ والأطفال وكل الطوائف والقوميات، ومن أجل وضع حد لهذه الحالة التي تمزق شعبنا ووطننا تأتي هذه الخطوة في مرحلة صعبة وحساسة، لذا فهي بالنسبة لنا تمثل ضرورة ملحة وخطوة تاريخية للوصول إلى حالة من التفاهم المشترك تمهد للاتفاق على (عقد اجتماعي) يجمع العراقيين على مشروع وطني متفق عليه يساهم في حل المعضلة العراقية ويحقق الاستقرار المنشود لينطلق العراق بعد ذلك في مسيرة الديمقراطية والبناء في بلدنا الجريح.

وإيماناً منا بأنه لابد من التعاون والتنسيق في سبيل مستقبل بلدنا ليكون بلداً حراً، ديمقراطياً، تعددياً، فيدارلياً وموحداً يلتقي اليوم ممثلو الحزب الإسلامي العراقي والحزبين الكرديين (الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني) كي يضعوا الرؤية الآتية كمبادئ لآفاق التعاون المستقبلي.

لم يشر الاتفاق الثلاثي إلى قوات (البشمرجة) وفيما إذا كانت من القوات المسلحة المسيسة 

المبادئ العامة للحوار:

1- يشكل الحزبان الكرديان (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) والحزب الإسلامي العراقي أطرافاً أساسية مهمة في المعادلة العراقية، ولهذا تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة في إيصال العراق إلى شاطئ الأمان من خلال التحرك السياسي الفعال لاحتواء الأزمات والوقوف بوجه الاخطار التي تهدد الجميع والتوفيق بين القوى السياسية العراقية المختلفة لبلوغ الهدف في القضاء على الإرهاب والاحتراب الطائفي والعرقي وهو التحدي الأكبر الذي يعوق المساعي الهادفة لتحقيق الاستقرار  وبناء دولة عراقية ديقراطية وتعددية فيدرالية موحدة. (أي أنه يجعل من الحزب الإسلامي الممثل الأبرز لدى السنة طالما أننا نتحدث عن اتفاق طائفي والحزب يمثل السنة وفي ذلك إقصاء للأطراف السنية المشاركة في العملية السياسية الأخرى).

2- إن مذكرة التفاهم هذه تشكل خطوة متقدمة لبناء رؤية مشتركة تمهد لعقد اجتماعي يخدم العملية السياسية والمصالحة الوطنية وإنقاذ العراق من المأزق الخطير الذي يعيشه في مختلف المجالات السياسية والأمنية والخدمية وغيرها، وتتطلع الأطراف إلى تطوير ذلك إلى عمل سياسي أشمل. (تأتي هذه الاتفاقية لإنقاذ العملية السياسية وحكومة المالكي التي طالتها انتقادات عديدة واتهامات بالطائفية وصلت إلى حد انسحاب كتل سياسية مهمة كالصدريين والفضيلة والتوافق.. والحزب الإسلامي عبر سكرتيره العام بتوقيعه هذا الاتفاق إنما يتراجع عن الموقف الموحد المتخذ مع بقية الأطراف السنية المجتمعة في جبهة التوافق).

3- العمل من أجل عراق ديمقراطي تعددي فيدرالي موحد. (تأكيد على جوهر العملية السياسية، أي أنه يأخذ موافقة أولية من كل الأطراف على حق الأكراد في الفيدرالية).

4- دعم جهود مصالحة وطنية حقيقية والمساهمة الفعالة فيه. (دعم جهود الحكومة العراقية في تأصيل المصالحة الوطنية وإجراءاتها المتخذة، أي الموافقة على قانون المساءلة (اجتثاث البعث) وتوزيع الثروات وهي مطالب كانت ولا تزال جوهر الخلاف بين مختلف الأطراف العراقية المشكلة للعملية السياسية).

5- العمل من أجل الاستقلال الناجز للعراق سياسياً واستكمال جاهزية القوات المسلحة وبقية الأجهزة الأمنية لانسحاب القوات الأجنبية وفق جدول متوازن. (الربط بين جاهزية القوات العراقية وانسحاب مبرمج للقوات المتعددة الجنسيات).

6- دعم استقلالية ومهنية القوات المسلحة الوطنية ومنع تسييسها أو انحرافها خارج اطار المصالحة الوطنية المشتركة لعموم العراقيين، وتحقيق أقصى درجات التوازن فيها. ( لا يرد بالنص هنا كون قوات (البشمرجة) الكردية قوات خارجة عن وصف القوات الوطنية بحيث تكون لها منظومة قيادة ومتابعة تختلف عن بقية الأجهزة الوطنية، كأن واقع الحال يجعل منها قوات وطنية لا يطالها التسييس، في الوقت الذي يوجد جهازان للبشمرجة في كردستان العراق بحيث يتبع كل جهاز لأحد الأحزاب الرئيسة رغم اندماج حكومتي الإقليم في حكومة واحدة برئاسة نجرفان البرزاني).

7- تبادل وجهات النظر والتنسيق المشترك إزاء كل المستجدات من خلال آلية معتمدة من قبل الطرفين.  

8- رفض التدخل الإقليمي والخارجي في شؤون العراق.

9- إن الاستقرار في العراق الاتحادي يتطلب رفض سياسات الاستئثار والتهميش من جهة واللجوء إلى الآليات الديمقراطية وصناديق الاقتراع في بناء مؤسسات الدولة بشكل متوازن واعتماد مبدأ التوافق. (في إشارة إلى مختلف الأطراف الرافضة للعملية السياسية وتحديداً الصدريين وقوى المقاومة العراقية الأخرى).

10- الإرهاب مرفوض بكل صوره وأشكاله، والإرهاب في العراق آفة نرفضها ونعمل معاً لدحرها. (في الوقت نفسه لم يشر إلى حق المقاومة ورفض الاحتلال، في حين كان على الحزب الإسلامي التأكيد على هذه النقطة كونه لا يستطيع تجاهل القوى السنية التي يأتي هو وحزبه منها).

11- الالتزام بحقوق الشعب الكردي وفق ما ورد في دستور العراق الدائم.

12- الالتزام بالخطوات الدستورية في حل مشكلة المناطق المتنازع عليها وفق المادة 140 من الدستور. (أي ليس فقط تنفيذ المادة 140 المتعلقة بالاستفتاء على كركوك بل بقية المناطق التي تتواجد فيها أغلبية كردية مثل ديالا والموصل أي ضرورة تعديل الحدود الإدارية للمحافظات القريبة أو المحاذية للمناطق الكردية).

13- التعاون معاً من أجل خلق مجتمع مدني عصري يحافظ على التقاليد والأعراف، وذلك بتفعيل منظمات المجتمع المدني وترسيخ دولة المؤسسات وبناء دولة القانون، على خلفية أن احترام المجتمع الدولي لنا يستند إلى مدى التزامنا بهذه المبادئ.

14- العمل على إعادة الحقوق المغتصبة لجميع أبناء الشعب العراقي سواء تلك التي اغتصبت قبل تغيير النظام أو بعده، وفق ما ورد في دستور العراق الدائم. (إعادة تأكيد الحقوق الكردية رغم أن الفقرتين السابقتين رقم 11 و 12 أكدتا على هذه الحقوق).

15- التعاون المشترك على رد الظلم والتعسف والقهر من أي مصدر أتى، وبذل أقصى مساعدة ممكنة لتخفيف معاناة المهجرين وتوفير ملاذات آمنة لهم. (تتحدث الفقرة عن اللاجئين العراقيين الفارين من أعمال العنف رغم أن المناطق الكردية لم تستقبل موجة لاجئين عراقيين في السابق، بمعنى أن هذه المادة تؤكد على بقاء اللاجئين العراقيين في المناطق التي وصلوا إليها في المناطق الوسطى مع ضمان حياتهم وتوفير الأمن لهم).

16- العمل على تسريع إطلاق سراح المعتقلين الأبرياء في كل السجون العراقية والأجنبية.

17- تكوين لجان فرعية في مناطق التماس والمناطق المختلف عليها للوصول إلى حل للإشكاليات في تلك المناطق سعياً إلى علاقات صحية ومتكافئة (الملحق المرفق والمتعلق بمحافظة نينوى يعتبر جزءاً من مذكرة التفاهم هذه). (يتحدث عن المناطق في محافظة نينوى التي يسكنها أكراد والتي ترغب القيادة الكردية في تعديل الحدود لهذه المحافظة لتشمل المنطقة الكردية).

18- العمل المشترك لمشاركة الأطراف والجهات المعارضة للوضع الحالي في العملية السياسية.

19- مشروعية العمل من أجل تعديل الدستور وفق الآليات الواردة فيه وبما يحقق المصالح الوطنية المشتركة لجميع العراقيين ومكونات العراق.

20- السعي المشترك من أجل وضع المواطن المناسب في المكان المناسب، ومحاربة كل أشكال الفساد الإداري والمالي.

21- دعم استقلال القضاء ونزاهته.

ربط الاتفاق الثلاثي بين جاهزية القوات العراقية والانسحاب المبرمج للقوات الدولية

تعليق

تعيد هذه الاتفاقية التذكير على حقوق الأكراد من دون إشارة واضحة إلى حق السنة في المشاركة السياسية بصورة مناسبة، وهو المطلب الذي دائماً ما كانت تصر عليه الأطراف السنية التي التحقت بالعملية السياسية بضرورة إشراكها وتحقيق التوازن في الحقوق والواجبات بين مختلف مكونات المجتمع العراقي. وباستثناء ذلك فالاتفاقية لم تأت بشيء جديد، وتتقارب في فقراتها وحتى في صياغتها مع العقد الوطني الذي طالب فيه طارق الهاشمي مؤخراً وحصل وقتها على موافقة السيد السيستاني عليه، ولعله أراد أيضاً استحصال موافقة الأكراد عليه.

كانت فقرات الاتفاقية عامة باستثناء فقرة واحدة تحدثت عن تشكيل لجان تنسيق المواقف بين الأطراف الكردية والحزب الإسلامي. ويمكن الإشارة إلى أن هذه الاتفاقية تؤشر إلى ضعف عام لتمثيل السنة ووحدتهم في إطار جبهة واحدة (التوافق) لصالح صعود قوة وتأثير الحزب الإسلامي على الساحة السياسية السنية، ولعل توقيع هذه الاتفاقية مع الأكراد يأتي أيضاً لتعزيز جبهة السنة (باعتبار الأكراد هم أيضاً سنة) في مواجهة التحالف الشيعي ممثلاً بالمجلس الأعلى وحزب الدعوة؛ بحيث قصدت هذه الأطراف تقديم صورة للولايات المتحدة والإدارة الأمريكية التي تعالت مؤخراً فيها الأصوات المطالبة بتغيير حكومة المالكي؛ بحيث تأتي هذه الاتفاقية ثم الاتفاق الخماسي من قبلها مؤشراً إلى إمكانية تغيير الحكومة الحالية باستبدالها بحكومة وحدة وطنية. ولعل تصريح الرئيس جلال الطالباني على هذه الاتفاقية جاء متوافقاً مع هذه النظرة.

فقرات الاتفاقية عامة باستثناء فقرة واحدة تحدثت عن تشكيل لجان تنسيق المواقف بين الأطراف الكردية والحزب الإسلامي

وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة سوّقت مؤخراً فكرة التحسن الأمني نتيجة لزيادة عدد القوات الأمريكية وانخفاض العنف والاغتيالات، لكن لم يواكب هذا التحسن تحسن على المستوى السياسي مما يؤشر إلى أن المشكلة في العراق مشكلة سياسية وليست أمنية، سببها أطراف المعادلة السياسية جمعاء وتمسك كل طرف بمصالحه ورفض التنازل عنها، في الوقت نفسه تؤشر إلى نفاد الخيارات لدى الإدارة الأمريكية لتحسين الوضع السياسي، ومنها خيار إقصاء الحكومة الحالية عبر استبدالها بحكومة جديدة و الذي لم يعد ممكناً حالياً؛ فالوقت لم يعد متاحاً أمامها لاستبدال حكومة المالكي بحكومة جديدة، وعليه يأتي هذا الاتفاق (الخماسي) كخيار جديد لدى الإدارة الأمريكية للتشبث بعمليتها السياسية المتآكلة في العراق، ورفض الانقلاب عليها كما حاول البعض الترويج لذلك مؤخراً عبر إقناع الإدارة الأمريكية بتعليق الحكومة والبرلمان واستبدال الحكومة بحكومة عسكرية (محاولات إياد علاوي الحثيثة).

ولذلك يصبح الخيار الأمريكي بتغيير سياسي عوضاً عن العسكري متاحاً أكثر من خلال تشكيل ودعم حكومة وحدة وطنية خاصة من الأطراف التي لا تجاهر الولايات المتحدة العداء، كما كان عليه الوضع في حكومة المالكي حين تشكيلها؛ بحيث انضوت أطراف مثل الصدريين والفضيلة وأطراف التوافق الأخرى باستثناء الحزب الإسلامي في الحكومة الجديدة التي جاءت بعد الانتخابات؛ كما أن فرصة نجاح الحكومة المقبلة ممكنة مع دخول أطراف كانت تحسب في السابق على المقاومة.

إن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بحيث يكون للسنة دور أكبر من السابق فيها، تراه الحكومة العراقية والإدارة الأمريكية مناسباً، بل ينسجم مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في مواجهة الأطراف السنية وخصوصاً المقاومة عبر دعم وإسناد مجالس الصحوة؛ حيث سيكون لأفراد مجالس الصحوة التي تشكلت في المناطق الوسطى (الغربية) من العراق لمقارعة القاعدة دور كبير في إحلال واستبدال الأطراف السنية التي شاركت في العملية سابقاً، ولم تعد لها مكانة في الشارع السني بعد أن فقدت التأثير المناسب لصالح تنامي قوة مجالس الصحوة، خصوصاً تلك الموالية للحكومة والراغبة في دفع أفراد عشائرها للواجهة السياسية ، لذلك يفهم إصرار أمير ما يسمى عشائر الدليم أو القائد العسكري لمجلس إنقاذ الأنبار (حميد الهايس) على تقديم نفسه مرشحاً للمالكي؛ بحيث يكون نائباً لرئيس الوزراء المستقيل عن جبهة التوافق، واستبدال وزراء السنة المنسحبين من الحكومة بأفراد من مجالس الصحوة (العشائرية). ولعل الثمن هو الموافقة على المشروع المعد للعراق والمرفوض من قبل أغلبية السنة، أي الفيدرالية وتقسيم العراق. وهو ما عبر عنه صراحة حميد الهايس الذي دخل في نزاع مع رئيس إنقاذ الأنبار السابق ستار أبو الريشة الذي اغتيل مؤخراً؛ حيث أفصح الهايس عن رغبته في تقديم مرشحين للحكومة العراقية لتحقيق التوازن الطائفي فيها واستبدال وزراء التوافق المنسحبين من أفراد مجالس الصحوة المنتشرين في المناطق الغربية.

وهكذا يأتي الحزب الإسلامي والأكراد مرة أخرى كصمام أمان للحيلولة دون تدهور الأوضاع السياسية أكثر، ومنقذاً لخيارات الولايات المتحدة في العراق؛ بحيث تأتي حكومة الوحدة الوطنية استكمالاً للمشروع الذي أعد للعراق والمتمثل في تقسيمه إلى ثلاث فيدراليات طائفية، وهو ما أكد عليه كل من الاتفاق الرباعي (بين المجلس الأعلى والدعوة والحزبين الكرديين الرئيسيين) والاتفاق الثلاثي (بين الحزب الإسلامي والحزبين الكرديين) والاتفاق الخماسي (بين مجموع هذه الأحزاب).

وتشترك هذه التجمعات التي تبدو للوهلة الأولى غير متناسقة سياسياً أو اجتماعياً أو طائفياً في الموقف من الفيدرالية والوجود الأمريكي في العراق.

أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الاتفاق الثلاثي جاء بعد توقيع الأطراف للاتفاقية الخماسية وهو مؤشر يجدر الانتباه إليه كثيراً، فهو من جهة يعد أمراً لمواجهة الشيعة أو الأطراف الشيعية المشاركة في التحالف بضرورة احترام خيارات ومصالح الأطراف الأخرى المنضوين في التحالف؛ فكما هو معروف فإن الشيعة على العموم خلال اتفاقهم السابق مع الأكراد في انتخابات يناير 2005 وما أعقبها من تشكيل حكومة إبراهيم الجعفري لم يلتزموا بتغيير الأوضاع في كركوك، كما اتفق حينما قاد الشيعة الحكومة آنذاك، وهو ما اعتبر الحد الأقصى لرغبات الأكراد والدافع الأساسي وراء تحالفهم، وعليه تصبح إمكانية تشكيل حكومة سنية من العرب السنة والسنة الأكراد متاحة كثيراً؛ بحيث تكون كفيلة بتحقيق ما عجزت عنه الحكومة الشيعية، ومن جهة أخرى يأتي هذا الاتفاق لتمتين جبهة السنة وهو ما سيفهم بأنه تهديد للشيعة المنقسمين على أنفسهم الآن وتهديد أكبر لبقية الأطراف السنية خصوصاً في (التوافق) وقوى المقاومة المسلحة.

::/fulltext::
::cck::2077::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *