في ضوء زيارة محمد بن راشد إلى بكين:آفاق تطور الشراكة في العلاقات الإماراتية – الصينية

::cck::2249::/cck::
::introtext::

الحقيقة التي لا مراء فيها، أن الزيارة الرسمية الأولى، منذ 18 عاماً، لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم إمارة دبي، إلى بكين في 31 مارس الماضي، ولمدة أربعة أيام، تكتسي أهمية خاصة لجهة تفعيل ومزيد من تدشين ومدّ جسور جديدة تمهد لشراكة استراتيجية بعيدة المدى محورها رأس المال الإماراتي والتكنولوجيا والسوق الواسع في الصين لاسيما في القطاعات الاقتصادية والتقنية والعلمية المتنوعة في علاقات البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها على مستوى جديد في مختلف القطاعات، ووسائل دعم مساهمة القطاع الخاص في تحقيق هذه الشراكة التي يستحوذ الاقتصاد والتجارة على الجانب الأكبر من التفاعلات الثنائية.

::/introtext::
::fulltext::

الحقيقة التي لا مراء فيها، أن الزيارة الرسمية الأولى، منذ 18 عاماً، لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم إمارة دبي، إلى بكين في 31 مارس الماضي، ولمدة أربعة أيام، تكتسي أهمية خاصة لجهة تفعيل ومزيد من تدشين ومدّ جسور جديدة تمهد لشراكة استراتيجية بعيدة المدى محورها رأس المال الإماراتي والتكنولوجيا والسوق الواسع في الصين لاسيما في القطاعات الاقتصادية والتقنية والعلمية المتنوعة في علاقات البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها على مستوى جديد في مختلف القطاعات، ووسائل دعم مساهمة القطاع الخاص في تحقيق هذه الشراكة التي يستحوذ الاقتصاد والتجارة على الجانب الأكبر من التفاعلات الثنائية.

تأتي الزيارة في سياق التكثيف المتواصل للزيارات رفيعة المستوى بين البلدين في ضوء الرغبة والإرادة والرعاية المشتركة من قيادتي البلدين والجهود المتضافرة من حكومتيهما، مما دفع العلاقات إلى قطع أشواط كبيرة في مسيرتها المطردة. ولم يكن غريباً مرافقة وفد رسمي رفيع المستوى، كما ضم 50 من الفعاليات الاقتصادية من رجال المال والأعمال ورؤساء غالبية كبرى الشركات الإماراتية التي لها وجود في السوق الصيني، لاسيما في شنغهاي.

تحرص الإمارات على تسريع مفاوضات إقامة منطقة تجارة حرة بين دول مجلس التعاون والصين

أولاً: أهمية وحصاد الزيارة

تمخضت هذه الزيارة التاريخية عن جملة نتائج مهمة، حيث أبرزت المباحثات مع أركان القيادة الصينية تطابق وجهات النظر بين البلدين في مجمل القضايا ذات الاهتمام المشترك. وعلى خلفية غلبة الطابع الاقتصادي فقد تبدى الترحيب الصيني بالمستثمرين الإماراتيين لممارسة أنشطتهم الاقتصادية في الصين وتشجيع الشركات الصينية الكبرى على الاستثمار في الإمارات، وطرح إمكانية توسيع التعاون الثنائي بين المستثمرين بين البلدين للقيام بمشاريع استثمارية في دول أخرى، وإمكانية بناء جسور جديدة للتواصل الاستثماري والتقني والسياحي بين البلدين والتعاون الأكاديمي بين الجامعات الصينية والمؤسسات التعليمية العليا في الإمارات، وإمكانية تبادل البعثات الدراسية والشبابية بين المؤسسات المختصة في كلا البلدين. وتم توقيع ثلاث مذكرات تفاهم لدولة الإمارات مع جمهورية الصين الشعبية في مجال التعليم العالي والبحث العلمي والحجر الصحي، والتعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وعلى صعيد تبادل المعلومات والاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية بالإضافة إلى اتفاقية أمنية حول التعاون في التحقيقات الجنائية والشؤون القضائية. كما التقى وفد رجال الأعمال الذي اقتصر حضوره على شنغهاي، العاصمة التجارية للصين وعاصمة الأعمال فيها، نظراءه من رجال الأعمال الصينيين خلال الملتقى الاقتصادي والتجاري بين البلدين، ومداولاته المكثفة على صعيد الاستثمارات المالية وإقامة المشاريع المشتركة خاصة في المجال الصناعي المتطور في الصين، عطفاً على مجالات التعاون في القطاع العقاري بما يواكب النهضة العمرانية التي تشهدها الإمارات. وتمخض ذلك عن توقيع أربع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين شركات إماراتية وصينية كبرى، أبرزها بين شركة إعمار العقارية وشركة (شاينا كروب ليمتد) بهدف دراسة جدوى إقامة مشاريع عقارية وترفيهية وتعليمية في شنغهاي والعديد من المدن الصينية، وبين (اتصالات) وشركة هواي واووي الصينية بهدف إنشاء مركز للإبداع والاتصالات في الإمارات، ووقعت (تجاري) مع مجموعة شين داو، ومع شنغهاي ورث، لبناء شراكات تجارية تقنية بين الجانبين، وتزامنت الزيارة مع إطلاق (دبي العالمية) إحدى أكبر الشركات القابضة في العالم موقعاً إلكترونياً جديداً باللغة الصينية الرسمية.

تم خلال الزيارة توقيع ثلاث مذكرات تفاهم بين دولة الإمارات وجمهورية الصين

ثانياً: موقع الزيارة من مسيرة تطور العلاقات

ليس من قبيل المبالغة، رصد حقيقة أن العلاقات الثنائية علاقات مميزة منذ إعلان إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين في مطلع نوفمبر 1984، حيث تتأسس العلاقات الثنائية على قاعدة متينة وراسخة، عمادها الصداقة الوطيدة والتعاون والمنفعة المتبادلة، وتسودها روح التشاور في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتبدت أهمية الزيارة الرسمية التي قام بها المغفور له الشيخ زايد إلى الصين عام 1990 في وضع أسس قوية للعلاقات. ويبرز الطابع المؤسسي بالنظر إلى اللجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين، والتي يناط بها العمل على تطوير هذه العلاقات إلى مستوى أفضل من خلال التنسيق والتفكر والتشاور بين الجانبين، وانتظام عقد اجتماعاتها، وما توصلت إليه من تفاهمات للبناء على أسس قائمة لتعاون متعدد المجالات، كما ترتبت على توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي عام 1985، واتفاقية حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي بين الجانبين عام 1993، دفعة جديدة: فالحقائق والمعطيات الموضوعية تؤكد أن الصين، التي تعد من القوى الدولية الصاعدة بقوة على المسرح الدولي على المستويين الاقتصادي والسياسي، تملك اقتصاداً عملاقاً واعداً، يعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الاقتصاد الأمريكي بمعدل نمو اقتصادي متسارع بلغ عام 2004، 9.5 في المائة، مما أدى إلى زيادة طلبها على النفط، كما وصل الناتج المحلي الإجمالي لها في عام 2000، على سبيل المثال، إلى 4.5 تريليون دولار، وبلغت قيمة تجارتها مع العالم 1.24 تريليون دولار، ويمثل تعداد سكانها قرابة مليار و300 مليون نسمة، أي 22 في المائة من إجمالي سكان العالم، وكونها أكبر سوق استهلاكي في العالم يتمتع بجاذبية كبيرة نتيجة لما تتمتع به من استقرار سياسي. والصين هي ثاني أكبر دولة مستهلكة للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وصل استهلاكها عام 2003 إلى 100 مليون طن، واستحوذت على 30 في المائة من إجمالي الزيادة في الطلب العالمي على النفط خلال عام 2004، ومن المتوقع أن تبلغ احتياجاتها 9 ملايين برميل يومياً عام 2025م، وبالتالي، ستكون منطقة الخليج، التي بدأت الصين استيراد النفط منها في عام 1995 أحد أهم مصادر إمدادات الصين من النفط خلال تلك الفترة لما تنتجه هذه المنطقة وتعد مصدراً مهماً للطاقة في العالم، حيث فيها 45 في المائة من

الاحتياطي العالمي، وتسهم بنحو 20 في المائة من إنتاج النفط العالمي، ولما لذلك من أثر بارز في العلاقات التبادلية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي. ومن المقدر أن تعتمد الصين على النفط الخليجي بنسبة 95 في المائة من إجمالي استيرادها من الخارج خلال السنوات المقبلة، بعدما كان يمثل 58 في المائة من إجمالي واردات الصين من النفط والغاز

على الجانب المقابل، تحرص دولة الإمارات العربية المتحدة على تسريع مفاوضات إقامة منطقة تجارة حرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، التي بدأت مفاوضاتها عام 2004 لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين وما تبديه الدول الخليجية لهذه المفاوضات من أهمية قصوى، سواء لأهمية الصين الاقتصادية أو للطريقة التي تتم بها المفاوضات، حيث تتفاوض بكين مع هذه البلدان مجتمعة بعكس الولايات المتحدة التي تصر على إجراء المفاوضات بشكل ثنائي. وفي هذا الخصوص، استطاعت دولة الإمارات إيجاد بنية هيكلية تنافسية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي من خلال تعزيز النمو الاقتصادي، لما تتمتع به من اقتصاد حر وبيئة استثمارية، وإطار تشريعي وقانوني جاذب للاستثمارات، تسهل من عملية إعادة التصدير إلى بقية دول العالم، جعل البلاد تعد مركزاً تجارياً استراتيجياً عملاقاً في المنطقة ينعكس إيجاباً على تمكين المنتجات والخدمات الصينية من أن تصل إلى أسواق جديدة في العالم، وما تبنته خلال السنوات الماضية من قاعدة استراتيجية اقتصادية تعتمد على التنويع الاقتصادي، وعبر التركيز على قطاعات حيوية جديدة، حيث مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي للدولة أصبحت تصل إلى 62.5 في المائة، وتطوير مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد عبر الاستثمارات والخبرات ونقل المعرفة، وما تتميز به الإمارات من احتياطي نفطي وامتلاكها فوائض مالية وخبرات تسويقية واستثمارية عالية، فضلاً عن القرب الجغرافي النسبي.

ولقد شهدت السنوات الماضية تنامياً متسارعاً في العلاقات الثنائية القائمة، تبرز مؤشراتها في العديد من المجالات، منها: تزايد حجم التبادل التجاري بين البلدين، حيث تعد الإمارات الشريك التجاري الأول بالنسبة إلى الصين في منطقتي الخليج والعالم العربي، والذي وصل إلى خمسة مليارات دولار عام 1995، و5.8 مليار دولار عام 2003، ثم إلى 14 ملياراً و206 ملايين دولار في عام 2006، و20.4 مليار دولار عام 2007، مقابل 70 مليون دولار عام 1984. وتعتبر الإمارات أكبر دولة مستوردة للمنتجات الصينية في الخليج بنسبة 60 في المائة من إجمالي صادرات الصين إلى المنطقة، وتستحوذ على ثلث حجم التبادل التجاري بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، وفقاً لأرقام عام 2005. ومن الأهمية بيان أن الصين تعتبر ثامن أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى 34 مليار دولار عام 2005، وتتوقع الصين أن يصل هذا الرقم إلى 100 مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة. وتتمثل الصادرات الإماراتية للصين، بشكل أساسي، في المنتجات البترولية والغاز والبتروكيماويات والمنسوجات، في حين تتركز الواردات الرئيسية من الصين للإمارات في السلع الاستهلاكية، خاصة الملابس وأجهزة الحاسوب والاتصالات السلكية ليصل حجم هذه الصادرات إلى قرابة 17 مليار دولار عام 2007، مقابل 3 مليارات دولار حجم البضائع الإماراتية التي يتم تصديرها للصين.

ستكون منطقة الخليج أحد أهم مصادر إمدادات الصين من النفط في السنوات المقبلة

وقد تزايدت أعداد الجالية الصينية المقيمة في دولة الإمارات، حيث تتجاوز 200 ألف مواطن صيني، ويوجد نحو 2000 من الشركات الصينية باستثمارات قيمتها 300 مليون دولار، والتي تتخذ من السوق الإماراتي مركزاً لأعمالها ونشاطاتها العالمية. وتتبدى أهمية (سوق التنين)، الذي يتخذ شكل تنين ضخم، ويقع في مشروع المدينة العالمية الذي تطوره دبي في منطقة الورسان، حيث يعد أكبر مجمع تجاري في العالم لعرض وبيع المنتجات الصينية في مكان واحد خارج الصين بأجنحة عرض لأكثر من 3000 شركة تجارية وصناعية توفر عشرات الآلاف من المنتجات لكون السوق نقطة اتصال بين المستوردين من منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب غربي آسيا وشرق أوروبا، في خطوة استراتيجية نحو تعزيز أطر العلاقات الثنائية، ولما سيحدثه ذلك من تحولات كبيرة في العلاقات التجارية بين الصين وبقية دول العالم لجهة تسهيل التعامل التجاري من خلال تقريب الشركات من الأسواق العالمية، وعدم الحاجة للوسطاء، وتقليل الزمن والسفر في عملية ترتيب الصفقات التجارية. كما أن الصين تعد أكبر شريك تجاري لدبي، ووصلت قيمة البضائع الصينية التي مرت عبر المنطقة الحرة في (جبل علي) إلى 4.9 مليار دولار عام 2006. وحرصت خطوط طيران الإمارات على تسيير رحلات مباشرة يومية بين بكين ودبي وكذلك أبوظبي، وما يمكن أن يعنيه ذلك من لعب دور مهم من حيث تعزيز العلاقات التجارية والسياحية والاستثمارية بين البلدين. بيد أن الاستثمارات الخليجية في الصين تبدو محدودة، حيث إن عدد المشروعات الاستثمارية العربية مجتمعة لا يتجاوز 425 مشروعاً حتى عام 2004 بقيمة مليار دولار، نصفها جاء من الإمارات، والبقية من السعودية والكويت، ومعظمها مستثمرة في الغاز الطبيعي والأسمدة والكيماويات والعقارات. ومن المشروعات الكبيرة نسبياً في الصين: مشروعا استثمار الغاز الطبيعي في بحر الصين الجنوبي باستثمار كويتي، ومشروع العقارات في (شانغهاي) باستثمار من الإمارات. وبلغت الاستثمارات الصينية في دول مجلس التعاون خلال عام 2005 خمسة مليارات دولار، فيما وصلت الاستثمارات الخليجية في الصين إلى نحو700 مليون دولار.

ثالثاً: رؤية في الآفاق المستقبلية

تمثل الزيارة بكل ما تمخضت عنه دفعة قوية لمزيد من تفعيل وترقية العلاقات الثنائية، التي رغم اطراد تطورها بيد أنها دون المعدلات المأمولة، ولا تعبر عن المستوى الممكن تحقيقه من التعاون الاقتصادي والتجاري، نتيجة لكونهما يستطيعان أن يكمل كل منهما الآخر، ولتكريس الاهتمام العميق بالدائرة الآسيوية و(الاتجاه شرقاً) في السياسة الخارجية الإماراتية، وفتح آفاق جديدة لهذه السياسة، وبما يعكس تنامي دور الإمارات وقوتها على الصعيد الدولي بشكل عام، وفي محيطها الآسيوي بشكل خاص. وثمة فضاءات رحبة وواسعة يمكن للعلاقات ارتيادها، وهناك إمكانية كبيرة ومستقبل واعد للتعاون الثنائي عبر العديد من المشروعات الاقتصادية والتجارية والتقنية والطاقة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية وغيرها، والتي يمكن أن تتعاون الدولتان في تنفيذها. فالشراكة مع الصين من دون تكلفة سياسية، ولا مكان فيها للشروط والإملاء أو الاستقواء، وعلى الصعيد الأمني يمكن أن تشهد في الفترة المقبلة حضوراً صينياً بشكل أو آخر في قضية أمن الخليج، لاسيما في ضوء تزايد حاجة الصين إلى الطاقة الخليجية، والحديث المتصاعد خلال الفترة الأخيرة عن (حروب الطاقة) ودور حلف (الناتو) فيها. وسياسياً، يمكن رصد تصاعد التوجه السياسي الصيني تجاه دول مجلس التعاون الخليجي ومنها دولة الإمارات، وهو ما يتبدى من كثافة زيارات المسؤولين الصينيين إلى المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وعلى الضفة الأخرى، تبدي الدول الخليجية اهتماماً كبيراً بالعلاقة مع الصين في إطار سعيها لتنويع خيارات التحرك السياسي والاستراتيجي لديها بما ينعكس بصورة إيجابية على زيادة التفاهم وتعزيز الصداقة ودعم التعاون المشترك.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2249::/cck::
::introtext::

الحقيقة التي لا مراء فيها، أن الزيارة الرسمية الأولى، منذ 18 عاماً، لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم إمارة دبي، إلى بكين في 31 مارس الماضي، ولمدة أربعة أيام، تكتسي أهمية خاصة لجهة تفعيل ومزيد من تدشين ومدّ جسور جديدة تمهد لشراكة استراتيجية بعيدة المدى محورها رأس المال الإماراتي والتكنولوجيا والسوق الواسع في الصين لاسيما في القطاعات الاقتصادية والتقنية والعلمية المتنوعة في علاقات البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها على مستوى جديد في مختلف القطاعات، ووسائل دعم مساهمة القطاع الخاص في تحقيق هذه الشراكة التي يستحوذ الاقتصاد والتجارة على الجانب الأكبر من التفاعلات الثنائية.

::/introtext::
::fulltext::

الحقيقة التي لا مراء فيها، أن الزيارة الرسمية الأولى، منذ 18 عاماً، لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم إمارة دبي، إلى بكين في 31 مارس الماضي، ولمدة أربعة أيام، تكتسي أهمية خاصة لجهة تفعيل ومزيد من تدشين ومدّ جسور جديدة تمهد لشراكة استراتيجية بعيدة المدى محورها رأس المال الإماراتي والتكنولوجيا والسوق الواسع في الصين لاسيما في القطاعات الاقتصادية والتقنية والعلمية المتنوعة في علاقات البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها على مستوى جديد في مختلف القطاعات، ووسائل دعم مساهمة القطاع الخاص في تحقيق هذه الشراكة التي يستحوذ الاقتصاد والتجارة على الجانب الأكبر من التفاعلات الثنائية.

تأتي الزيارة في سياق التكثيف المتواصل للزيارات رفيعة المستوى بين البلدين في ضوء الرغبة والإرادة والرعاية المشتركة من قيادتي البلدين والجهود المتضافرة من حكومتيهما، مما دفع العلاقات إلى قطع أشواط كبيرة في مسيرتها المطردة. ولم يكن غريباً مرافقة وفد رسمي رفيع المستوى، كما ضم 50 من الفعاليات الاقتصادية من رجال المال والأعمال ورؤساء غالبية كبرى الشركات الإماراتية التي لها وجود في السوق الصيني، لاسيما في شنغهاي.

تحرص الإمارات على تسريع مفاوضات إقامة منطقة تجارة حرة بين دول مجلس التعاون والصين

أولاً: أهمية وحصاد الزيارة

تمخضت هذه الزيارة التاريخية عن جملة نتائج مهمة، حيث أبرزت المباحثات مع أركان القيادة الصينية تطابق وجهات النظر بين البلدين في مجمل القضايا ذات الاهتمام المشترك. وعلى خلفية غلبة الطابع الاقتصادي فقد تبدى الترحيب الصيني بالمستثمرين الإماراتيين لممارسة أنشطتهم الاقتصادية في الصين وتشجيع الشركات الصينية الكبرى على الاستثمار في الإمارات، وطرح إمكانية توسيع التعاون الثنائي بين المستثمرين بين البلدين للقيام بمشاريع استثمارية في دول أخرى، وإمكانية بناء جسور جديدة للتواصل الاستثماري والتقني والسياحي بين البلدين والتعاون الأكاديمي بين الجامعات الصينية والمؤسسات التعليمية العليا في الإمارات، وإمكانية تبادل البعثات الدراسية والشبابية بين المؤسسات المختصة في كلا البلدين. وتم توقيع ثلاث مذكرات تفاهم لدولة الإمارات مع جمهورية الصين الشعبية في مجال التعليم العالي والبحث العلمي والحجر الصحي، والتعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وعلى صعيد تبادل المعلومات والاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية بالإضافة إلى اتفاقية أمنية حول التعاون في التحقيقات الجنائية والشؤون القضائية. كما التقى وفد رجال الأعمال الذي اقتصر حضوره على شنغهاي، العاصمة التجارية للصين وعاصمة الأعمال فيها، نظراءه من رجال الأعمال الصينيين خلال الملتقى الاقتصادي والتجاري بين البلدين، ومداولاته المكثفة على صعيد الاستثمارات المالية وإقامة المشاريع المشتركة خاصة في المجال الصناعي المتطور في الصين، عطفاً على مجالات التعاون في القطاع العقاري بما يواكب النهضة العمرانية التي تشهدها الإمارات. وتمخض ذلك عن توقيع أربع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين شركات إماراتية وصينية كبرى، أبرزها بين شركة إعمار العقارية وشركة (شاينا كروب ليمتد) بهدف دراسة جدوى إقامة مشاريع عقارية وترفيهية وتعليمية في شنغهاي والعديد من المدن الصينية، وبين (اتصالات) وشركة هواي واووي الصينية بهدف إنشاء مركز للإبداع والاتصالات في الإمارات، ووقعت (تجاري) مع مجموعة شين داو، ومع شنغهاي ورث، لبناء شراكات تجارية تقنية بين الجانبين، وتزامنت الزيارة مع إطلاق (دبي العالمية) إحدى أكبر الشركات القابضة في العالم موقعاً إلكترونياً جديداً باللغة الصينية الرسمية.

تم خلال الزيارة توقيع ثلاث مذكرات تفاهم بين دولة الإمارات وجمهورية الصين

ثانياً: موقع الزيارة من مسيرة تطور العلاقات

ليس من قبيل المبالغة، رصد حقيقة أن العلاقات الثنائية علاقات مميزة منذ إعلان إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين في مطلع نوفمبر 1984، حيث تتأسس العلاقات الثنائية على قاعدة متينة وراسخة، عمادها الصداقة الوطيدة والتعاون والمنفعة المتبادلة، وتسودها روح التشاور في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتبدت أهمية الزيارة الرسمية التي قام بها المغفور له الشيخ زايد إلى الصين عام 1990 في وضع أسس قوية للعلاقات. ويبرز الطابع المؤسسي بالنظر إلى اللجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين، والتي يناط بها العمل على تطوير هذه العلاقات إلى مستوى أفضل من خلال التنسيق والتفكر والتشاور بين الجانبين، وانتظام عقد اجتماعاتها، وما توصلت إليه من تفاهمات للبناء على أسس قائمة لتعاون متعدد المجالات، كما ترتبت على توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي عام 1985، واتفاقية حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي بين الجانبين عام 1993، دفعة جديدة: فالحقائق والمعطيات الموضوعية تؤكد أن الصين، التي تعد من القوى الدولية الصاعدة بقوة على المسرح الدولي على المستويين الاقتصادي والسياسي، تملك اقتصاداً عملاقاً واعداً، يعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الاقتصاد الأمريكي بمعدل نمو اقتصادي متسارع بلغ عام 2004، 9.5 في المائة، مما أدى إلى زيادة طلبها على النفط، كما وصل الناتج المحلي الإجمالي لها في عام 2000، على سبيل المثال، إلى 4.5 تريليون دولار، وبلغت قيمة تجارتها مع العالم 1.24 تريليون دولار، ويمثل تعداد سكانها قرابة مليار و300 مليون نسمة، أي 22 في المائة من إجمالي سكان العالم، وكونها أكبر سوق استهلاكي في العالم يتمتع بجاذبية كبيرة نتيجة لما تتمتع به من استقرار سياسي. والصين هي ثاني أكبر دولة مستهلكة للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وصل استهلاكها عام 2003 إلى 100 مليون طن، واستحوذت على 30 في المائة من إجمالي الزيادة في الطلب العالمي على النفط خلال عام 2004، ومن المتوقع أن تبلغ احتياجاتها 9 ملايين برميل يومياً عام 2025م، وبالتالي، ستكون منطقة الخليج، التي بدأت الصين استيراد النفط منها في عام 1995 أحد أهم مصادر إمدادات الصين من النفط خلال تلك الفترة لما تنتجه هذه المنطقة وتعد مصدراً مهماً للطاقة في العالم، حيث فيها 45 في المائة من

الاحتياطي العالمي، وتسهم بنحو 20 في المائة من إنتاج النفط العالمي، ولما لذلك من أثر بارز في العلاقات التبادلية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي. ومن المقدر أن تعتمد الصين على النفط الخليجي بنسبة 95 في المائة من إجمالي استيرادها من الخارج خلال السنوات المقبلة، بعدما كان يمثل 58 في المائة من إجمالي واردات الصين من النفط والغاز

على الجانب المقابل، تحرص دولة الإمارات العربية المتحدة على تسريع مفاوضات إقامة منطقة تجارة حرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، التي بدأت مفاوضاتها عام 2004 لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين وما تبديه الدول الخليجية لهذه المفاوضات من أهمية قصوى، سواء لأهمية الصين الاقتصادية أو للطريقة التي تتم بها المفاوضات، حيث تتفاوض بكين مع هذه البلدان مجتمعة بعكس الولايات المتحدة التي تصر على إجراء المفاوضات بشكل ثنائي. وفي هذا الخصوص، استطاعت دولة الإمارات إيجاد بنية هيكلية تنافسية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي من خلال تعزيز النمو الاقتصادي، لما تتمتع به من اقتصاد حر وبيئة استثمارية، وإطار تشريعي وقانوني جاذب للاستثمارات، تسهل من عملية إعادة التصدير إلى بقية دول العالم، جعل البلاد تعد مركزاً تجارياً استراتيجياً عملاقاً في المنطقة ينعكس إيجاباً على تمكين المنتجات والخدمات الصينية من أن تصل إلى أسواق جديدة في العالم، وما تبنته خلال السنوات الماضية من قاعدة استراتيجية اقتصادية تعتمد على التنويع الاقتصادي، وعبر التركيز على قطاعات حيوية جديدة، حيث مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي للدولة أصبحت تصل إلى 62.5 في المائة، وتطوير مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد عبر الاستثمارات والخبرات ونقل المعرفة، وما تتميز به الإمارات من احتياطي نفطي وامتلاكها فوائض مالية وخبرات تسويقية واستثمارية عالية، فضلاً عن القرب الجغرافي النسبي.

ولقد شهدت السنوات الماضية تنامياً متسارعاً في العلاقات الثنائية القائمة، تبرز مؤشراتها في العديد من المجالات، منها: تزايد حجم التبادل التجاري بين البلدين، حيث تعد الإمارات الشريك التجاري الأول بالنسبة إلى الصين في منطقتي الخليج والعالم العربي، والذي وصل إلى خمسة مليارات دولار عام 1995، و5.8 مليار دولار عام 2003، ثم إلى 14 ملياراً و206 ملايين دولار في عام 2006، و20.4 مليار دولار عام 2007، مقابل 70 مليون دولار عام 1984. وتعتبر الإمارات أكبر دولة مستوردة للمنتجات الصينية في الخليج بنسبة 60 في المائة من إجمالي صادرات الصين إلى المنطقة، وتستحوذ على ثلث حجم التبادل التجاري بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، وفقاً لأرقام عام 2005. ومن الأهمية بيان أن الصين تعتبر ثامن أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى 34 مليار دولار عام 2005، وتتوقع الصين أن يصل هذا الرقم إلى 100 مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة. وتتمثل الصادرات الإماراتية للصين، بشكل أساسي، في المنتجات البترولية والغاز والبتروكيماويات والمنسوجات، في حين تتركز الواردات الرئيسية من الصين للإمارات في السلع الاستهلاكية، خاصة الملابس وأجهزة الحاسوب والاتصالات السلكية ليصل حجم هذه الصادرات إلى قرابة 17 مليار دولار عام 2007، مقابل 3 مليارات دولار حجم البضائع الإماراتية التي يتم تصديرها للصين.

ستكون منطقة الخليج أحد أهم مصادر إمدادات الصين من النفط في السنوات المقبلة

وقد تزايدت أعداد الجالية الصينية المقيمة في دولة الإمارات، حيث تتجاوز 200 ألف مواطن صيني، ويوجد نحو 2000 من الشركات الصينية باستثمارات قيمتها 300 مليون دولار، والتي تتخذ من السوق الإماراتي مركزاً لأعمالها ونشاطاتها العالمية. وتتبدى أهمية (سوق التنين)، الذي يتخذ شكل تنين ضخم، ويقع في مشروع المدينة العالمية الذي تطوره دبي في منطقة الورسان، حيث يعد أكبر مجمع تجاري في العالم لعرض وبيع المنتجات الصينية في مكان واحد خارج الصين بأجنحة عرض لأكثر من 3000 شركة تجارية وصناعية توفر عشرات الآلاف من المنتجات لكون السوق نقطة اتصال بين المستوردين من منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب غربي آسيا وشرق أوروبا، في خطوة استراتيجية نحو تعزيز أطر العلاقات الثنائية، ولما سيحدثه ذلك من تحولات كبيرة في العلاقات التجارية بين الصين وبقية دول العالم لجهة تسهيل التعامل التجاري من خلال تقريب الشركات من الأسواق العالمية، وعدم الحاجة للوسطاء، وتقليل الزمن والسفر في عملية ترتيب الصفقات التجارية. كما أن الصين تعد أكبر شريك تجاري لدبي، ووصلت قيمة البضائع الصينية التي مرت عبر المنطقة الحرة في (جبل علي) إلى 4.9 مليار دولار عام 2006. وحرصت خطوط طيران الإمارات على تسيير رحلات مباشرة يومية بين بكين ودبي وكذلك أبوظبي، وما يمكن أن يعنيه ذلك من لعب دور مهم من حيث تعزيز العلاقات التجارية والسياحية والاستثمارية بين البلدين. بيد أن الاستثمارات الخليجية في الصين تبدو محدودة، حيث إن عدد المشروعات الاستثمارية العربية مجتمعة لا يتجاوز 425 مشروعاً حتى عام 2004 بقيمة مليار دولار، نصفها جاء من الإمارات، والبقية من السعودية والكويت، ومعظمها مستثمرة في الغاز الطبيعي والأسمدة والكيماويات والعقارات. ومن المشروعات الكبيرة نسبياً في الصين: مشروعا استثمار الغاز الطبيعي في بحر الصين الجنوبي باستثمار كويتي، ومشروع العقارات في (شانغهاي) باستثمار من الإمارات. وبلغت الاستثمارات الصينية في دول مجلس التعاون خلال عام 2005 خمسة مليارات دولار، فيما وصلت الاستثمارات الخليجية في الصين إلى نحو700 مليون دولار.

ثالثاً: رؤية في الآفاق المستقبلية

تمثل الزيارة بكل ما تمخضت عنه دفعة قوية لمزيد من تفعيل وترقية العلاقات الثنائية، التي رغم اطراد تطورها بيد أنها دون المعدلات المأمولة، ولا تعبر عن المستوى الممكن تحقيقه من التعاون الاقتصادي والتجاري، نتيجة لكونهما يستطيعان أن يكمل كل منهما الآخر، ولتكريس الاهتمام العميق بالدائرة الآسيوية و(الاتجاه شرقاً) في السياسة الخارجية الإماراتية، وفتح آفاق جديدة لهذه السياسة، وبما يعكس تنامي دور الإمارات وقوتها على الصعيد الدولي بشكل عام، وفي محيطها الآسيوي بشكل خاص. وثمة فضاءات رحبة وواسعة يمكن للعلاقات ارتيادها، وهناك إمكانية كبيرة ومستقبل واعد للتعاون الثنائي عبر العديد من المشروعات الاقتصادية والتجارية والتقنية والطاقة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية وغيرها، والتي يمكن أن تتعاون الدولتان في تنفيذها. فالشراكة مع الصين من دون تكلفة سياسية، ولا مكان فيها للشروط والإملاء أو الاستقواء، وعلى الصعيد الأمني يمكن أن تشهد في الفترة المقبلة حضوراً صينياً بشكل أو آخر في قضية أمن الخليج، لاسيما في ضوء تزايد حاجة الصين إلى الطاقة الخليجية، والحديث المتصاعد خلال الفترة الأخيرة عن (حروب الطاقة) ودور حلف (الناتو) فيها. وسياسياً، يمكن رصد تصاعد التوجه السياسي الصيني تجاه دول مجلس التعاون الخليجي ومنها دولة الإمارات، وهو ما يتبدى من كثافة زيارات المسؤولين الصينيين إلى المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وعلى الضفة الأخرى، تبدي الدول الخليجية اهتماماً كبيراً بالعلاقة مع الصين في إطار سعيها لتنويع خيارات التحرك السياسي والاستراتيجي لديها بما ينعكس بصورة إيجابية على زيادة التفاهم وتعزيز الصداقة ودعم التعاون المشترك.

::/fulltext::
::cck::2249::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *