التعاون الأمني بين (الناتو) ودول الخليج: (الفرص والقيود)

::cck::2376::/cck::
::introtext::

تعد منطقة الخليج العربي منطقة مهمة وحيوية للعالم بأسره، بل أصبحت منطقة محورية للأمن العالمي، وبات الحفاظ على أمنها واستقرارها مسؤولية دولية نظراً للموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية الموجودة فيها، والدور الاستثماري والاقتصادي لهذه الدول في النظام الدولي، إذ تساهم منطقة الخليج العربي بنسبة 60 في المائة تقريباً من احتياطيات النفط العالمية المؤكدة، و30 في المائة من إجمالي النفط المتداول في التجارة العالمية.

::/introtext::
::fulltext::

تعد منطقة الخليج العربي منطقة مهمة وحيوية للعالم بأسره، بل أصبحت منطقة محورية للأمن العالمي، وبات الحفاظ على أمنها واستقرارها مسؤولية دولية نظراً للموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية الموجودة فيها، والدور الاستثماري والاقتصادي لهذه الدول في النظام الدولي، إذ تساهم منطقة الخليج العربي بنسبة 60 في المائة تقريباً من احتياطيات النفط العالمية المؤكدة، و30 في المائة من إجمالي النفط المتداول في التجارة العالمية.

يضاف إلى ذلك أن المنطقة لم تتوصل بعد إلى نظام أمني إقليمي قادر على استقطاب الأطراف الإقليمية المعنية كافة في ظل استمرار تباين مصالح ومواقف وأهداف دول المنطقة وتقاطعها أو تلاقيها مع المصالح والمواقف الدولية. فهناك خلاف جوهري بين الرؤية الإيرانية لأمن الخليج ورؤى دول مجلس التعاون الخليجي لهذا الأمر، فإيران تريد خليجاً مغلقاً تقود فيه صيغة الأمن وتحقق فيه الهيمنة، ودول مجلس التعاون تريد خليجاً منفتحاً على العالم ومرتبطاً بالمصالح الإقليمية والدولية، ولا يفرّق بين دوله الأخرى. ومن هنا فإن إيران ترفض الوجود العسكري الأمريكي من الأساس، بينما ترى فيه دول المجلس الضامن المرحلي المباشر والموازن للأمن في الخليج.

وفي ظل عدم التوازن الشديد والفجوة الواسعة بين مصادر القوة المادية النسبية المتمثلة في الثروة النفطية لدول مجلس التعاون ومستوى قوتها العسكرية وبين مصادر القوة والثروة لدى الدول الإقليمية الأخرى في المنطقة وخاصة إيران التي تزايدت قوتها ونفوذها بعد احتلال العراق، تجد الدول الخليجية نفسها أمام الخيار الصعب من أجل تحقيق توازن في علاقاتها مع بقية الأطراف، وهو التعامل مع التهديدات والمخاطر من بعض دول المنطقة بالاعتماد على مصادر قوة مساندة خارجية.

وأصبحت دول مجلس التعاون الخليجي اليوم ضمن اهتمامات حلف الناتو أكثر من أي وقت مضى في ظل تغير أولويات واهتمامات حلف الناتو من الاهتمامات الإقليمية إلى الدولية، فقد تحوّل من حلف دفاعي استراتيجي منغلق إلى حلف تعاوني تنسيقي يسعى إلى قيام شراكة سياسية وأمنية مع المجموعات الدولية والإقليمية.

 

 

وبادر حلف الناتو إلى طرح برامج ومبادرات للتعاون والتنسيق الأمني الجماعي، ومن أهمها برنامج الحوار المشترك مع مناطق يعتبرها الحلف استراتيجية ومنها جنوب المتوسط والشرق الأوسط ووسط آسيا والقوقاز، حيث تتضمن هذه البرامج حواراً يستهدف تعزيز الثقة والتعاون، ويتضمن علاقات لا تنتهي بالعضوية في الحلف.

وتعد مبادرة اسطنبول للتعاون مع دول الخليج في يونيو من عام 2004 التي تمثل خطوة عملية للتعاون، وتعكس توافقاً متنامياً لدى كل من الناتو ودول مجلس التعاون على ضرورة مساهمة حلف الناتو، مساهمة حقيقية وفاعلة في ضمان الحفاظ على أمن الخليج، وترتكز أهداف هذه المبادرة على تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين من خلال دور جديد للحلف في المنطقة واستفادة دول المنطقة في المجالات الآتية:

* تعزيز التعاون في مجالات تخطيط الطوارئ المدني من خلال تقديم برامج التدريب في هذا المجال، وفي مجال التنسيق المدني والعسكري والاستجابة للأزمات في البحر والجو.

* تعزيز التعاون في مجالات أمن الحدود، خاصة بشأن الإرهاب والأسلحة الصغيرة والخفيفة وضد التهريب غير المشروع وتقديم خبرة الحلف في هذه المجالات.

* تقديم النصائح في مجالات الإصلاح الدفاعي والميزانيات العسكرية والتخطيط الدفاعي والعلاقات المدنية العسكرية.

* تعزيز التعاون العسكري من خلال المشاركة في تدريبات عسكرية مختارة وأنشطة تدريبية وتعليمية مرتبطة بها.

ونظراً لأهمية مبادرة اسطنبول للتعاون أنشأ الناتو إدارة كاملة للعمل على الترويج للمبادرة بين دول الخليج العربية من خلال الزيارات الرسمية والندوات وورش العمل والاجتماع بالمسؤولين الخليجيين الكبار من أجل تعريفهم بالمبادرة.

ومنذ عام 2004 وحتى الآن استضافت بعض العواصم الخليجية لقاءات وحوارات عدة بين الجانبين (الدوحة يونيو 2005، محادثات سعودية أطلسية في بروكسل عام 2005، الكويت ديسمبر 2006، المنامة يونيو 2007) بمشاركة شخصيات بارزة ومؤثرة من دول حلف الأطلسي ودول مجلس التعاون الخليجي ولتعبر عن الاتجاه نحو تفعيل التعاون مع المنظومات الأمنية والعسكرية الكبرى بالتوازي مع التعاون الثنائي بحثاً عن مظلة أمنية شاملة، وكان من أبرز نتائج هذه اللقاءات والحوارات:

* انضمام أربع دول خليجية (الكويت والإمارات وقطر والبحرين) إلى مبادرة اسطنبول التي أقرها الحلف عام 2004، من أجل زيادة الأمن والاستقرار عبر تعزيز العلاقات الثنائية وتوفير استشارات متخصصة تبعاً لاحتياجات الدول ومراعاة خصوصية كل دولة في مجال الإصلاح والتطوير الأمني.

* معرفة دول الخليج بطبيعة (الناتو) الأمنية، فتاريخياً لم تكن للحلف علاقات رسمية مع دول المجلس وبعد انضمام أربع دول من الخليج أصبح هناك تعاون رسمي بين البرلمانيين والقائمين على شؤون الدفاع، وأصبح هناك تعاون بين دول مجلس التعاون و(الناتو) في بعض القضايا الأمنية، مثل: مكافحة غسل الأموال، ومكافحة تهريب المخدرات. كما أن الحلف أصبح أكثر فهماً لطبيعة دول الخليج والتحديات التي تواجهها، ونجح الحلف في تسويق نفسه كمنتدى سياسي للحوار وتبادل وجهات النظر الأمنية، فلقد كان تركيز الناتو في السابق على نموذج الشراكة من أجل السلام الذي تبناه وطبقه بنجاح مع الدول الأعضاء سابقاً في حلف وارسو، واتضح للحلف عدم قبول دول الخليج بهذا النموذج الذي صاحبه تدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولم يتوقف عند حدود التعاون الأمني والعسكري، فغيّر الحلف من استراتيجيته في مبادرة اسطنبول التي تركز على النواحي الأمنية والعسكرية والسياسية من خلال مجموعة كبيرة من الخيارات ومجالات التعاون يمكن لدول الخليج العربية منفردة اختيار ما تريده من مجال وتعمل على أساسه في تحقيق التعاون مع الناتو.

* التوقيع على اتفاقية للتعاون في مجال أمن المعلومات بين دولة الكويت وحلف الناتو: وهي اتفاقية مرنة تعطي الدولة الموقعة حق الاستفادة من معلومات يتم تدويرها بين دول الحلف مع الالتزام بكتمانها، وتستطيع الدولة الموقعة أن تقدم معلومات مع تحديد نطاق توزيعها داخل الحلف والدول ذات العلاقة فيه، وتمهد للتوصل إلى اتفاقيات أخرى أشمل من بينها اتفاقية حرية العبور بين الجانبين، ولكن لم يتوصل الجانبان الخليجي والأوروبي إلى رؤية مشتركة قادرة على احتضان أمن الخليج، حيث لا تزال هناك عوامل عدة تحد من فاعلية قيام الحلف بدور رئيسي في مسألة أمن الخليج، منها:

* تباين رؤى دول الخليج في ما يتعلق بمستقبل الأمن وأدوار الأطراف الدولية فيه، الأمر الذي أدى إلى عدم انضمام كل من السعودية وسلطنة عمان إلى مبادرة اسطنبول.

* وجود شكوك بشأن موقف الناتو في التعامل مع قضايا الخليج وأهدافه بعيدة المدى في المنطقة وارتباطها بمصالح الحلف، وخاصة السعي للهيمنة والاستئثار بالثروة النفطية في المنطقة.

* وجود اختلاف في الرؤية بين حلف الناتو ودول مجلس التعاون حول بعض المفاهيم، في مقدمتها تعريف الإرهاب والمقاومة المسلحة وحق الدفاع الشرعي عن النفس، وهي مفاهيم تثير انقساماً واضحاً بين أعضاء الناتو ودول الخليج، وتثير أيضاً شكوكاً حول أهداف الناتو من إجراء مثل هذه الحوارات مع دول الخليج، حيث يرى البعض أن الهدف هو تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج.

* إن دول الخليج العربية لديها ترتيبات أمنية ثنائية مع بعض الدول الرئيسية في الناتو كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وهي ترتيبات فاعلة في حماية أمن تلك الدول والدفاع عنها، لذلك فهي لا تتطلع إلى تغير مثل هذه الترتيبات الأمنية نحو صياغة ترتيبات أمنية جديدة مع الناتو قد تثير إشكاليات عدة أهمها كيفية توفيق الدول الخليجية بين التزاماتها في إطار الاتفاقيات الأمنية الثنائية المبرمة مع بعض أعضاء الناتو والصيغ الجديدة المقترحة من جانب الناتو الذي يؤكد أن مبادرته ليست بديلاً عن الترتيبات الثنائية القائمة مع دول المنطقة ودول رئيسية أخرى في العالم وإنما هي ترتيبات مكملة لها.

* شكوك بعض دول الخليج في قدرة الناتو مهما بلغت قدراته العسكرية على حل المعضلات التي تعاني منها منطقة الخليج، ويأتي في مقدمتها الخلل بين أطراف تلك المنظومة، وأن دور الناتو لا يمكن أن يخرج عن النطاق الذي تسمح به واشنطن الفاعل الرئيسي في أمن المنطقة وتفاعلاتها.

ولهذا فإن دول المجلس ورغم ترحيبها بالتعاون الأمني مع الناتو، إلا أنها أصرت على أن يكون هذا التعاون في إطار قاعدة الاحترام المتبادل البعيد عن منطق فرض الهيمنة لتحقيق المصالح المتبادلة بين الجانبين، وهو ما يتطلب:

أ- إجراءات بناء الثقة المتبادلة، التي تقوم على مبدأ المصارحة وكشف الأجندة الفعلية لكل طرف وأهدافه من هذه الشراكة وكيفية توزيع الأعباء الناتجة عنها، الأمر الذي يتطلب مدة زمنية طويلة، يتخللها العمل المشترك على بناء الثقة، وتساعد إجراءات بناء الثقة، بدورها على تعميق درجة الفهم المتبادل كل حسب احتياجاته ومصالحه، بما يسهم في تشكيل رأي عام واعٍ لأهمية هذه الشراكة، بل مشارك أيضاً في صياغتها سواء من حيث أهدافها أو وظائفها.

ب- أن يستند أي تعاون إلى احترام سيادة دول الخليج وخصوصيات مجتمعاتها وخياراتها السياسية والفكرية وقيمها الاجتماعية، وأن يكون موقف دول حلف الناتو من قضايا المنطقة متوازناً، ولا يثير استياء دول المنطقة، ولا يتعارض مع مصالحها ومواقفها الثابتة القائمة على مقررات الشرعية الدولية.

ج- دعم التعاون في مجالات معينة من دون أن يكون هناك إطار لتحالف رسمي بين الناتو ودول المجلس، وهذا التعاون قد يشمل التدريب المتخصص في مجال التخطيط المدني للتعامل مع حالات الطوارئ والكوارث، والتدريب في مجال إعداد الكوادر اللازمة للاضطلاع بمهام الإنقاذ وحفظ السلام وأمن الحدود ومحاربة عمليات التهريب، وتنسيق الأنشطة الاستخباراتية والعمليات الأمنية المشتركة، وتدريب القوات العسكرية الخليجية على العمليات غير الهجومية، إضافة إلى تبادل المعلومات في مجالات التحليل الأمني للتطورات الإقليمية، وإقامة علاقات مؤسساتية أفضل بين مختلف الأجهزة الأمنية في الجانبين. ويمكن أن يقوم الناتو بدور مهم في مجال التطور التكنولوجي والبحث العلمي والمساعدة في الحفاظ على المصادر الطبيعية وحماية البيئة.وهو ما أكد عليه أمين عام الحلف في مناسبات مختلفة حيث قال: (يمكننا البحث في تبادل المعلومات، ووسائل الدفاع، وملاءمة عتاد الدفاع، وإعادة هيكلة القوات المسلحة، ومهمات حفظ السلام، وتدريب ضباط البلدان المعنية في أكاديميات الدفاع التابعة للحلف).

والخلاصة أن هناك الكثير من التحديات المشتركة التي تفرض التعاون الأمني بين الناتو ودول الخليج، كما أن هناك العديد من المجالات التي يمكن أن تستفيد منها دول الخليج من هذا التعاون، ويمكن لكل دولة أن تختار ما يناسبها وتترك ما لا يناسبها، شريطة أن يكون هذا التعاون قائماً على قيم الاحترام والمساواة والعدالة والثقة المتبادلة.

 

::/fulltext::

45-58-91b
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2376::/cck::
::introtext::

تعد منطقة الخليج العربي منطقة مهمة وحيوية للعالم بأسره، بل أصبحت منطقة محورية للأمن العالمي، وبات الحفاظ على أمنها واستقرارها مسؤولية دولية نظراً للموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية الموجودة فيها، والدور الاستثماري والاقتصادي لهذه الدول في النظام الدولي، إذ تساهم منطقة الخليج العربي بنسبة 60 في المائة تقريباً من احتياطيات النفط العالمية المؤكدة، و30 في المائة من إجمالي النفط المتداول في التجارة العالمية.

::/introtext::
::fulltext::

تعد منطقة الخليج العربي منطقة مهمة وحيوية للعالم بأسره، بل أصبحت منطقة محورية للأمن العالمي، وبات الحفاظ على أمنها واستقرارها مسؤولية دولية نظراً للموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية الموجودة فيها، والدور الاستثماري والاقتصادي لهذه الدول في النظام الدولي، إذ تساهم منطقة الخليج العربي بنسبة 60 في المائة تقريباً من احتياطيات النفط العالمية المؤكدة، و30 في المائة من إجمالي النفط المتداول في التجارة العالمية.

يضاف إلى ذلك أن المنطقة لم تتوصل بعد إلى نظام أمني إقليمي قادر على استقطاب الأطراف الإقليمية المعنية كافة في ظل استمرار تباين مصالح ومواقف وأهداف دول المنطقة وتقاطعها أو تلاقيها مع المصالح والمواقف الدولية. فهناك خلاف جوهري بين الرؤية الإيرانية لأمن الخليج ورؤى دول مجلس التعاون الخليجي لهذا الأمر، فإيران تريد خليجاً مغلقاً تقود فيه صيغة الأمن وتحقق فيه الهيمنة، ودول مجلس التعاون تريد خليجاً منفتحاً على العالم ومرتبطاً بالمصالح الإقليمية والدولية، ولا يفرّق بين دوله الأخرى. ومن هنا فإن إيران ترفض الوجود العسكري الأمريكي من الأساس، بينما ترى فيه دول المجلس الضامن المرحلي المباشر والموازن للأمن في الخليج.

وفي ظل عدم التوازن الشديد والفجوة الواسعة بين مصادر القوة المادية النسبية المتمثلة في الثروة النفطية لدول مجلس التعاون ومستوى قوتها العسكرية وبين مصادر القوة والثروة لدى الدول الإقليمية الأخرى في المنطقة وخاصة إيران التي تزايدت قوتها ونفوذها بعد احتلال العراق، تجد الدول الخليجية نفسها أمام الخيار الصعب من أجل تحقيق توازن في علاقاتها مع بقية الأطراف، وهو التعامل مع التهديدات والمخاطر من بعض دول المنطقة بالاعتماد على مصادر قوة مساندة خارجية.

وأصبحت دول مجلس التعاون الخليجي اليوم ضمن اهتمامات حلف الناتو أكثر من أي وقت مضى في ظل تغير أولويات واهتمامات حلف الناتو من الاهتمامات الإقليمية إلى الدولية، فقد تحوّل من حلف دفاعي استراتيجي منغلق إلى حلف تعاوني تنسيقي يسعى إلى قيام شراكة سياسية وأمنية مع المجموعات الدولية والإقليمية.

 

 

وبادر حلف الناتو إلى طرح برامج ومبادرات للتعاون والتنسيق الأمني الجماعي، ومن أهمها برنامج الحوار المشترك مع مناطق يعتبرها الحلف استراتيجية ومنها جنوب المتوسط والشرق الأوسط ووسط آسيا والقوقاز، حيث تتضمن هذه البرامج حواراً يستهدف تعزيز الثقة والتعاون، ويتضمن علاقات لا تنتهي بالعضوية في الحلف.

وتعد مبادرة اسطنبول للتعاون مع دول الخليج في يونيو من عام 2004 التي تمثل خطوة عملية للتعاون، وتعكس توافقاً متنامياً لدى كل من الناتو ودول مجلس التعاون على ضرورة مساهمة حلف الناتو، مساهمة حقيقية وفاعلة في ضمان الحفاظ على أمن الخليج، وترتكز أهداف هذه المبادرة على تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين من خلال دور جديد للحلف في المنطقة واستفادة دول المنطقة في المجالات الآتية:

* تعزيز التعاون في مجالات تخطيط الطوارئ المدني من خلال تقديم برامج التدريب في هذا المجال، وفي مجال التنسيق المدني والعسكري والاستجابة للأزمات في البحر والجو.

* تعزيز التعاون في مجالات أمن الحدود، خاصة بشأن الإرهاب والأسلحة الصغيرة والخفيفة وضد التهريب غير المشروع وتقديم خبرة الحلف في هذه المجالات.

* تقديم النصائح في مجالات الإصلاح الدفاعي والميزانيات العسكرية والتخطيط الدفاعي والعلاقات المدنية العسكرية.

* تعزيز التعاون العسكري من خلال المشاركة في تدريبات عسكرية مختارة وأنشطة تدريبية وتعليمية مرتبطة بها.

ونظراً لأهمية مبادرة اسطنبول للتعاون أنشأ الناتو إدارة كاملة للعمل على الترويج للمبادرة بين دول الخليج العربية من خلال الزيارات الرسمية والندوات وورش العمل والاجتماع بالمسؤولين الخليجيين الكبار من أجل تعريفهم بالمبادرة.

ومنذ عام 2004 وحتى الآن استضافت بعض العواصم الخليجية لقاءات وحوارات عدة بين الجانبين (الدوحة يونيو 2005، محادثات سعودية أطلسية في بروكسل عام 2005، الكويت ديسمبر 2006، المنامة يونيو 2007) بمشاركة شخصيات بارزة ومؤثرة من دول حلف الأطلسي ودول مجلس التعاون الخليجي ولتعبر عن الاتجاه نحو تفعيل التعاون مع المنظومات الأمنية والعسكرية الكبرى بالتوازي مع التعاون الثنائي بحثاً عن مظلة أمنية شاملة، وكان من أبرز نتائج هذه اللقاءات والحوارات:

* انضمام أربع دول خليجية (الكويت والإمارات وقطر والبحرين) إلى مبادرة اسطنبول التي أقرها الحلف عام 2004، من أجل زيادة الأمن والاستقرار عبر تعزيز العلاقات الثنائية وتوفير استشارات متخصصة تبعاً لاحتياجات الدول ومراعاة خصوصية كل دولة في مجال الإصلاح والتطوير الأمني.

* معرفة دول الخليج بطبيعة (الناتو) الأمنية، فتاريخياً لم تكن للحلف علاقات رسمية مع دول المجلس وبعد انضمام أربع دول من الخليج أصبح هناك تعاون رسمي بين البرلمانيين والقائمين على شؤون الدفاع، وأصبح هناك تعاون بين دول مجلس التعاون و(الناتو) في بعض القضايا الأمنية، مثل: مكافحة غسل الأموال، ومكافحة تهريب المخدرات. كما أن الحلف أصبح أكثر فهماً لطبيعة دول الخليج والتحديات التي تواجهها، ونجح الحلف في تسويق نفسه كمنتدى سياسي للحوار وتبادل وجهات النظر الأمنية، فلقد كان تركيز الناتو في السابق على نموذج الشراكة من أجل السلام الذي تبناه وطبقه بنجاح مع الدول الأعضاء سابقاً في حلف وارسو، واتضح للحلف عدم قبول دول الخليج بهذا النموذج الذي صاحبه تدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولم يتوقف عند حدود التعاون الأمني والعسكري، فغيّر الحلف من استراتيجيته في مبادرة اسطنبول التي تركز على النواحي الأمنية والعسكرية والسياسية من خلال مجموعة كبيرة من الخيارات ومجالات التعاون يمكن لدول الخليج العربية منفردة اختيار ما تريده من مجال وتعمل على أساسه في تحقيق التعاون مع الناتو.

* التوقيع على اتفاقية للتعاون في مجال أمن المعلومات بين دولة الكويت وحلف الناتو: وهي اتفاقية مرنة تعطي الدولة الموقعة حق الاستفادة من معلومات يتم تدويرها بين دول الحلف مع الالتزام بكتمانها، وتستطيع الدولة الموقعة أن تقدم معلومات مع تحديد نطاق توزيعها داخل الحلف والدول ذات العلاقة فيه، وتمهد للتوصل إلى اتفاقيات أخرى أشمل من بينها اتفاقية حرية العبور بين الجانبين، ولكن لم يتوصل الجانبان الخليجي والأوروبي إلى رؤية مشتركة قادرة على احتضان أمن الخليج، حيث لا تزال هناك عوامل عدة تحد من فاعلية قيام الحلف بدور رئيسي في مسألة أمن الخليج، منها:

* تباين رؤى دول الخليج في ما يتعلق بمستقبل الأمن وأدوار الأطراف الدولية فيه، الأمر الذي أدى إلى عدم انضمام كل من السعودية وسلطنة عمان إلى مبادرة اسطنبول.

* وجود شكوك بشأن موقف الناتو في التعامل مع قضايا الخليج وأهدافه بعيدة المدى في المنطقة وارتباطها بمصالح الحلف، وخاصة السعي للهيمنة والاستئثار بالثروة النفطية في المنطقة.

* وجود اختلاف في الرؤية بين حلف الناتو ودول مجلس التعاون حول بعض المفاهيم، في مقدمتها تعريف الإرهاب والمقاومة المسلحة وحق الدفاع الشرعي عن النفس، وهي مفاهيم تثير انقساماً واضحاً بين أعضاء الناتو ودول الخليج، وتثير أيضاً شكوكاً حول أهداف الناتو من إجراء مثل هذه الحوارات مع دول الخليج، حيث يرى البعض أن الهدف هو تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج.

* إن دول الخليج العربية لديها ترتيبات أمنية ثنائية مع بعض الدول الرئيسية في الناتو كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وهي ترتيبات فاعلة في حماية أمن تلك الدول والدفاع عنها، لذلك فهي لا تتطلع إلى تغير مثل هذه الترتيبات الأمنية نحو صياغة ترتيبات أمنية جديدة مع الناتو قد تثير إشكاليات عدة أهمها كيفية توفيق الدول الخليجية بين التزاماتها في إطار الاتفاقيات الأمنية الثنائية المبرمة مع بعض أعضاء الناتو والصيغ الجديدة المقترحة من جانب الناتو الذي يؤكد أن مبادرته ليست بديلاً عن الترتيبات الثنائية القائمة مع دول المنطقة ودول رئيسية أخرى في العالم وإنما هي ترتيبات مكملة لها.

* شكوك بعض دول الخليج في قدرة الناتو مهما بلغت قدراته العسكرية على حل المعضلات التي تعاني منها منطقة الخليج، ويأتي في مقدمتها الخلل بين أطراف تلك المنظومة، وأن دور الناتو لا يمكن أن يخرج عن النطاق الذي تسمح به واشنطن الفاعل الرئيسي في أمن المنطقة وتفاعلاتها.

ولهذا فإن دول المجلس ورغم ترحيبها بالتعاون الأمني مع الناتو، إلا أنها أصرت على أن يكون هذا التعاون في إطار قاعدة الاحترام المتبادل البعيد عن منطق فرض الهيمنة لتحقيق المصالح المتبادلة بين الجانبين، وهو ما يتطلب:

أ- إجراءات بناء الثقة المتبادلة، التي تقوم على مبدأ المصارحة وكشف الأجندة الفعلية لكل طرف وأهدافه من هذه الشراكة وكيفية توزيع الأعباء الناتجة عنها، الأمر الذي يتطلب مدة زمنية طويلة، يتخللها العمل المشترك على بناء الثقة، وتساعد إجراءات بناء الثقة، بدورها على تعميق درجة الفهم المتبادل كل حسب احتياجاته ومصالحه، بما يسهم في تشكيل رأي عام واعٍ لأهمية هذه الشراكة، بل مشارك أيضاً في صياغتها سواء من حيث أهدافها أو وظائفها.

ب- أن يستند أي تعاون إلى احترام سيادة دول الخليج وخصوصيات مجتمعاتها وخياراتها السياسية والفكرية وقيمها الاجتماعية، وأن يكون موقف دول حلف الناتو من قضايا المنطقة متوازناً، ولا يثير استياء دول المنطقة، ولا يتعارض مع مصالحها ومواقفها الثابتة القائمة على مقررات الشرعية الدولية.

ج- دعم التعاون في مجالات معينة من دون أن يكون هناك إطار لتحالف رسمي بين الناتو ودول المجلس، وهذا التعاون قد يشمل التدريب المتخصص في مجال التخطيط المدني للتعامل مع حالات الطوارئ والكوارث، والتدريب في مجال إعداد الكوادر اللازمة للاضطلاع بمهام الإنقاذ وحفظ السلام وأمن الحدود ومحاربة عمليات التهريب، وتنسيق الأنشطة الاستخباراتية والعمليات الأمنية المشتركة، وتدريب القوات العسكرية الخليجية على العمليات غير الهجومية، إضافة إلى تبادل المعلومات في مجالات التحليل الأمني للتطورات الإقليمية، وإقامة علاقات مؤسساتية أفضل بين مختلف الأجهزة الأمنية في الجانبين. ويمكن أن يقوم الناتو بدور مهم في مجال التطور التكنولوجي والبحث العلمي والمساعدة في الحفاظ على المصادر الطبيعية وحماية البيئة.وهو ما أكد عليه أمين عام الحلف في مناسبات مختلفة حيث قال: (يمكننا البحث في تبادل المعلومات، ووسائل الدفاع، وملاءمة عتاد الدفاع، وإعادة هيكلة القوات المسلحة، ومهمات حفظ السلام، وتدريب ضباط البلدان المعنية في أكاديميات الدفاع التابعة للحلف).

والخلاصة أن هناك الكثير من التحديات المشتركة التي تفرض التعاون الأمني بين الناتو ودول الخليج، كما أن هناك العديد من المجالات التي يمكن أن تستفيد منها دول الخليج من هذا التعاون، ويمكن لكل دولة أن تختار ما يناسبها وتترك ما لا يناسبها، شريطة أن يكون هذا التعاون قائماً على قيم الاحترام والمساواة والعدالة والثقة المتبادلة.

 

::/fulltext::
::cck::2376::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *