دول مجلس التعاون: جهود مستمرة لمكافحة الاتجار في البشر
::cck::2390::/cck::
::introtext::
ناضلت البشرية قروناً طويلة من أجل القضاء على كافة مظاهر الرق والاستعباد، ورغم أنها قطعت شوطاً ملموساً في هذا الصدد، لاسيما مع إقرار المواثيق الدولية التي كفلت للإنسان حقوقه وحرياته، إلا أن شكلاً حديثاً من أشكال عبودية البشر بدأ يظهر من جديد كتهديد عالمي متزايد لحياة وحرية ملايين الرجال والنساء والأطفال، الذين يتم الاتجار فيهم عبر الحدود لأغراض العمالة القسرية وممارسة الجنس.
::/introtext::
::fulltext::
ناضلت البشرية قروناً طويلة من أجل القضاء على كافة مظاهر الرق والاستعباد، ورغم أنها قطعت شوطاً ملموساً في هذا الصدد، لاسيما مع إقرار المواثيق الدولية التي كفلت للإنسان حقوقه وحرياته، إلا أن شكلاً حديثاً من أشكال عبودية البشر بدأ يظهر من جديد كتهديد عالمي متزايد لحياة وحرية ملايين الرجال والنساء والأطفال، الذين يتم الاتجار فيهم عبر الحدود لأغراض العمالة القسرية وممارسة الجنس.
لقد شهدت ظاهرة (الاتجار في البشر)، والتي غالباً ما تقف وراءها جماعات إجرامية منظمة تسعى إلى جني أرباح طائلة على حساب ضحاياها من البشر، نمواً مخيفاً في السنوات الماضية؛ حيث أضحت تلك المشكلة أحد التحديات الكبرى التي تهدد أمن وكيان المجتمعات البشرية واستقرارها، كما أصبحت جرائمها تجارة تحتل المركز الثالث في الأرباح بعد تجارة السلاح والمخدرات، فضلاً عن أنها أصبحت أكثر نمواً واتساعاً حتى أصبحت مشكلة عالمية تخص كافة دول العالم سواء أكانت هذه الدول نقاط تجمع أو محطات عبور أو وجهة نهائية لتلك التجارة، ومن ثم تعد جرائمها الآن من الجرائم الدولية المنظمة العابرة للدول أو ما يسمى (عبر الوطنية)، وهو ما أكده تقرير أصدره مكتب الجريمة والمخدرات التابع للأمم المتحدة في إبريل 2006 أن كل دولة من دول العالم تقريباً متأثرة بكارثة الاتجار في البشر، بما في ذلك الدول المتقدمة والراعية لحقوق الإنسان، وهو ما يفرض على كافة دول العالم التعاون والتنسيق معاً من أجل مواجهة ظاهرة أضحت تشكل وصمة في جبين عالم يتشدق ليل نهار بحقوق الإنسان وحمايتها.
بداية، يقصد بتعبير (الاتجار في البشر) كما عرفه بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار في الأشخاص بأنه (تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء).
وهكذا، تتعدد صور وأنماط هذه التجارة، فهناك الضحايا من ممارسة الدعارة، وأخرى من الخدمة المنزلية، وثالثة من العمل الأسود والعمل بالإكراه، والزواج الذي يستهدف المتعة الرخيصة (الزواج السياحي )، والسياحة الجنسية، والتمثيل في أفلام الدعارة، وتشغيل الضحايا في مجال التسول، والاستخدام في الأعمال الإجرامية، وما إلى ذلك. وما يعقبها من ممارسات لا إنسانية كالإجبار على الإجهاض أو العكس للمتاجرة في الأطفال.
وفي خضم كل هذا، أدركت دول مجلس التعاون الخليجي مدى الخطورة التي تمثلها تلك التجارة سواء على الأفراد أو على المجتمعات، فسارعت إلى اتخاذ خطوات إيجابية جادة هدفت منها إلى مواجهة تلك التجارة اللاإنسانية والتي تتعارض ليس مع التزاماتها الدولية فقط، وإنما مع مبادئها وقيمها الراسخة المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحة التي تمثل المصدر الأساسي للتشريع في هذه الدول.

وعلى هذا، يمكننا رصد الجهود التي بذلتها هذه الدول في مجال مكافحة هذه الجريمة من خلال محورين:
أولاً- الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية والإقليمية ذات الصلة:
انضمت دول مجلس التعاون إلى العديد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية ذات الصلة لتؤكد حرصها على تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها بصفة عامة، ومكافحة هذه الجريمة بصفة خاصة، ويأتي هذا الانضمام اتساقاً مع قيم وعادات وموروثات تلك المجتمعات المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحة.
ومن أهم الاتفاقيات التي انضمت إليها: الاتفاقية الخاصة بالرق عام 1926، الاتفاقيتان المعنيتان بالقضاء على السخرة والعمل الإجباري (1981-1998) على التوالي، اتفاقية مناهضة التعذيب عام 1998، اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل عام 1992، الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز العنصري عام 1965، بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين براً وبحراً وجواً، بروتوكول منع وقمع الاتجار في الأشخاص وخاصة النساء والأطفال، والمكملان لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية، الاتفاقيتان المعنيتان بمنع استخدام الأطفال والقاصرين (1999-2000) على التوالي.
ثانياً- إصدار التشريعات ذات الصلة:
تنفيذاً لالتزاماتها الدولية واتساقاً مع قيمها ومبادئها الراسخة في احترام وتعزيز حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، حرصت دول مجلس التعاون الخليجي على إصدار التشريعات والقوانين ذات الصلة.
وفي هذا الإطار، أصدرت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين قانوناً لمنع الاتجار في البشر، ففي دولة الإمارات صدر القانون الاتحادي الخاص بمكافحة جرائم الاتجار في البشر، وذلك في نوفمبر 2006 والذي وضع عقوبات مشددة على كل من يتورط بهذه الجرائم، والأمر كذلك في البحرين حيث صدر عام 2007 قانون مكافحة الاتجار في البشر.
هذا إلى جانب ما أصدرته هاتان الدولتان من قوانين وقرارات ذات علاقة بتلك القضية ومنها قانون مكافحة التسول وقانون هيئة سوق العمل في مملكة البحرين، وفي الإمارات صدر قرار عام 2002 يحظر تشغيل الأطفال أقل من 15 سنة في سباقات الهجن.
ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل اتخذت بقية دول مجلس التعاون الأخرى خطوات جادة على الطريق ذاته من خلال صدور قرارات تحظر كافة الأعمال المتعلقة بتلك الظاهرة، ففي المملكة العربية السعودية صدر قرار وزير العمل بحظر كل أشكال المتاجرة في الأشخاص مثل بيع التأشيرات ورخص العمل والإقامة، وكذلك قرار وزير الداخلية بمنع الأطفال من مزاولة البيع في تقاطعات الطرق وغيرها من المهن.
صدر في الإمارات عام 2002 قرار يحظر تشغيل الأطفال أقل من 15 سنة في سباقات الهجن
كما جاءت القوانين في كل من قطر والكويت وسلطنة عمان لمواجهة تلك الظاهرة، فقد جرّم قانون العقوبات القطري العديد من الأفعال التي ترتقي لمفهوم الاتجار في البشر والمعترف بها دولياً كالاستغلال الجنسي والبغاء والاسترقاق، كما صدر قانون رقم 22 لسنة 2005 بشأن حظر جلب وتشغيل وتدريب وإشراك الأطفال في سباقات الهجن، فضلاً عن ذلك حظر قانون الجزاء الكويتي بعض صور الاتجار مثل ذلك تجارة الرقيق، وكذلك الدعارة القسرية، كما أفرد قانون الجزاء العماني مواد تنص على معاقبة كل من ينتهك الحقوق والحريات ومنها معاقبة كل من استعبد شخصاً أو وضعه في حالة تشبه العبودية في السجن، كما صدر قرار وزير العمل بوضع قواعد وشروط العمل الخاص بالمستخدمين بالمنازل لتوفير أكبر قدر من الحماية لهم.
ولم يقتصر الأمر كذلك على مجرد إصدار التشريعات والقوانين والقرارات، وإنما اتخذت دول المجلس العديد من الإجراءات التنفيذية التي هدفت إلى مكافحة تلك الجريمة سواء من خلال إنشاء الهيئات والإدارات المعنية بحماية حقوق الإنسان بصفة عامة وبهذه الجريمة بصفة خاصة أو من خلال نشر الوعي بمدى خطورتها ومن ذلك:
1- إنشاء الهيئات والإدارات المعنية بقضايا حقوق الإنسان، ومن ذلك إنشاء مملكة البحرين لما أطلق عليه (هيئة حقوق الإنسان) وهي هيئة مستقلة تختص بوضع خطة متكاملة لتعزيز وتنمية وحماية حقوق الإنسان واقتراح الوسائل الكفيلة بتنفيذها، كما أنشئت شعبة مكافحة الاتجار في البشر تابعة لوزارة الداخلية، وكذلك إنشاء دولة الإمارات عام 1995 ما تسمى (إدارة رعاية حقوق الإنسان بشرطة دبي) كما تم عام 2006 إشهار جمعية الإمارات لحقوق الإنسان، وهي أول جمعية أهلية لحقوق الإنسان، وأنشئت في المملكة العربية السعودية هيئة حقوق الإنسان، كما أنشئت أيضاً الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، فضلاً عن إنشاء إدارة رعاية شؤون العمالة الوافدة في وزارة العمل السعودية، وفي قطر تم تأسيس المكتب الوطني لمكافحة الاتجار في البشر، وفي الكويت أيضاً أنشئ مكتب لحقوق الإنسان تابع لوزارة العدل.
انضمت دول مجلس التعاون إلى العديد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية الرامية لمكافحة الاتجار في البشر
2- إنشاء وتأسيس العديد من الدور والمؤسسات الاجتماعية، ومن ذلك قيام وزارة التنمية الاجتماعية البحرينية بإنشاء دار الأمان لإيواء (المعنفات)، ومركز لحماية الطفل، دار لإيواء المتسولين، كما قامت الحكومة الإماراتية بإنشاء العديد من الملاجئ للأطفال، وفي المملكة العربية السعودية قامت وزارة الشؤون الاجتماعية بإنشاء دور مخصصة لإيواء العاملات المنزليات، وكذلك قيام وزارة العمل بإنشاء العديد من اللجان العمالية للنظر في الشكاوى المقدمة من العمال، وفي قطر تم إنشاء الدار القطرية للإيواء والرعاية الإنسانية، كما أنشأت الكويت مقار مؤقتة لإيواء العمالة الوافدة، وكذلك إيواء الخدم.
3- العمل على نشر الوعي بخطورة هذه الجريمة وتداعياتها على الفرد والمجتمع من خلال عقد الندوات والمؤتمرات وحلقات المناقشة للوقوف على أبعاد المشكلة من كافة جوانبها.
والحقيقة أنه على الرغم من هذه الجهود التي عكست مدى إدراك دول الخليج لأهمية وخطورة ظاهرة الاتجار في البشر، وأنها بقدر الإمكان تجاهد لمكافحتها، جاء التقرير السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2007، ليضع خمس دول خليجية هي: السعودية والبحرين والكويت وقطر وسلطنة عمان على لائحة سوداء من 16 بلداً قالت إنه لم يحصل فيها أي تقدم في مواجهة الاتجار في البشر، بما يعني أن هذه الدول معرضة لعقوبات أبرزها إلغاء المساعدات الأمريكية، في حين تم وضع دولة الإمارات في المستوى الثاني الذي تضع فيه الدول تحت قائمة المراقبة.
ولكن، رغم المبالغة التي اتسم بها التقرير فيما رصده من تجاوزات أو فيما وجهه من انتقادات لهذه الدول في ما يتعلق بهذه الجريمة، إلا أن الواقع يستوجب اتخاذ مزيد من الإجراءات لمواجهة مثل هذه الجريمة بشكل نهائي، فلا شك في أن الواقع ما زال يشهد وجوداً لبعض أنماطها، وهو ما يتطلب العمل على أكثر من مستوى:
الأول- على مستوى العلاقات بين الأطراف المعنية، وذلك على النحو التالي:
1- العمل على تعزيز التعاون والتنسيق بين وزارات العمل في كل من الدول المصدّرة والمستقبلة للعمالة بما يتضمن التوقيع على الاتفاقيات الثنائية لتعزيز حقوق المرأة العاملة الوافدة وخاصة عاملات المنازل بما يتماشى والاتفاقيات الدولية.
2- دراسة إمكانية عقد اتفاقيات ثنائية بين الدول المصدّرة والدول المستقبلة للعمالة لتنظيم سفر العمالة والأجور والرعاية الاجتماعية والصحية وضمان الحقوق المترتبة على العلاقة التعاقدية بين صاحب العمل والعامل.
3- تنظيم عملية اختيار العمالة الوافدة من خلال التدقيق ومراقبة مكاتب الاستخدام في الدول المصدّرة لها حسب احتياجات الدول المستقبلة.
4- العمل على دعم التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني ووزارات العمل والوزارات المعنية بالعمالة الوافدة في الدول المصدرة والمستقبلة للعمالة في مجال تنظيم الهجرة وحماية حقوق جميع الأطراف المعنية بمن فيهم المرأة العاملة الوافدة.
5- العمل على التنسيق المباشر بين وزارات العمل في الدول المصدّرة والمستقبلة للعمالة الوافدة للحد من عملية الاتجار في البشر والهجرة غير الشرعية.
6- تشجيع تبادل الخبرات والتجارب وبصفة خاصة في مجال تأهيل المرأة المهاجرة.
7- الحث على احترام الحريات الثقافية والاجتماعية للمهاجرين مع عدم الإخلال بأوضاع الدول المستقبلة.
الثاني- من حيث تنظيم العمالة الوافدة، وذلك على النحو التالي:
1- العمل على تبني نموذج عقد عمل خاص بالعاملين والعاملات في المنازل يحدد الحقوق والواجبات لجميع الأطراف بمن فيهم المرأة العاملة الوافدة.
2- العمل على دراسة إمكانية تعديل مواد قانون العمل أو إصدار تشريع خاص (للدول التي تستثني العاملات والعاملين في المنازل من أحكام تطبيق قانون العمل) يشمل هذه الفئة.
3- العمل وبالاشتراك مع الجهات المعنية على وضع آلية لرصد الشكاوى والانتهاكات بحق العمالة الوافدة بشكلٍ عام، والمرأة الوافدة بشكلٍ خاص.
4- العمل على تنظيم عمل مكاتب الاستقدام والاستخدام للعمالة الوافدة بالشكل الذي يحمي حقوق جميع الأطراف المعنية وخاصة عاملات المنازل.
الثالث- من حيث حملات التوعية، وذلك على النحو التالي:
1- العمل على وضع برامج توعية لأصحاب العمل ومكاتب الاستقدام والاستخدام وجميع الأطراف المعنية في الدول المستقبلة والمصدّرة للعمالة للتعريف بدورهم في حماية حقوق المرأة العاملة الوافدة.
2- العمل على تطوير البرامج والدورات التدريبية المخصصة للعمالة الوافدة في الدول المصدّرة للعمالة لتواكب الثقافة والإجراءات التي تنظم العمالة في الدول المستقبلة.
3- العمل على إصدار نشرات توعية من قبل وزارات العمل في الدول المستقبلة للعمالة لتعزيز وعي العمالة الوافدة وخاصة العاملات في المنازل بحقوقهن وواجباتهن والجهات المعنية التي توفر الحماية والدعم لهن.
4- العمل على إعداد برامج توعية وتدريبية للأطراف المعنية للحد من عملية الاتجار في البشر والتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية والتي تعتبر المدخل للاتجار في البشر.
5- تطوير ودعم دور وسائل الإعلام في توعية المهاجرات بحقوقهن وواجباتهن في بلدان المهجر.
ولا يبقى في النهاية إلا التأكيد على أن هذا النوع من الجرائم سري وتحكمه اعتبارات معقدة، كما أن كثافة وجود العمالة الأجنبية في دول الخليج تجعل التعامل مع مشكلاتهم إحدى المعضلات الحقيقية، وهو ما يستوجب اتخاذ المزيد من الخطوات وبذل المزيد من الجهود لمواجهتها مع الأخذ في الاعتبار حقيقة مهمة وهي أن القضاء تماماً على هذه الظاهرة يتطلب تعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحتها. فهذا النوع من الجرائم الذي يروج في البلدان التي تشهد ازدهاراً اقتصادياً، وترتفع فيها مستويات المعيشة ومعدلات دخل الفرد، تقع مسؤولية مكافحته على ثلاثة أطراف رئيسية وهي (دولة المنشأ ودولة العبور ودولة المقصد) فالأولى يتعين عليها اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف عمليات خطف وتهريب ضحايا الاتجار وخاصة من النساء والأطفال وملاحقة الجهات التي تقف وراء هذه العمليات. أما الثانية فمطالبة أيضاً باتخاذ الإجراءات التي تحول دون اتخاذها محطة عبور سهلة لهذا النوع من الجرائم. وأخيراً يأتي دور دولة المقصد في مكافحة هذه الظاهرة من خلال ملاحقة العناصر المتورطة بهذه الجرائم، وإعادة تأهيل ضحاياها، وخاصة من النساء والأطفال وإعادتهم إلى بلادهم، ومن ثم فالحاجة تبدو ضرورية لتعزيز التعاون ليس بين هذه الأطراف الثلاث فقط، ولكن بين أطراف المجتمع الدولي كافة.
كما أن مكافحة هذه الظاهرة تحتاج أيضاً إلى تعاون كل قطاعات المجتمع، وخاصة القطاع الخاص الذي يمكنه أن يلعب دوراً مهماً في هذا الصدد من خلال صياغة مواثيق شرف تحظر كافة الممارسات التي يمكن أن تدخل في نطاق جرائم الاتجار في البشر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2390::/cck::
::introtext::
ناضلت البشرية قروناً طويلة من أجل القضاء على كافة مظاهر الرق والاستعباد، ورغم أنها قطعت شوطاً ملموساً في هذا الصدد، لاسيما مع إقرار المواثيق الدولية التي كفلت للإنسان حقوقه وحرياته، إلا أن شكلاً حديثاً من أشكال عبودية البشر بدأ يظهر من جديد كتهديد عالمي متزايد لحياة وحرية ملايين الرجال والنساء والأطفال، الذين يتم الاتجار فيهم عبر الحدود لأغراض العمالة القسرية وممارسة الجنس.
::/introtext::
::fulltext::
ناضلت البشرية قروناً طويلة من أجل القضاء على كافة مظاهر الرق والاستعباد، ورغم أنها قطعت شوطاً ملموساً في هذا الصدد، لاسيما مع إقرار المواثيق الدولية التي كفلت للإنسان حقوقه وحرياته، إلا أن شكلاً حديثاً من أشكال عبودية البشر بدأ يظهر من جديد كتهديد عالمي متزايد لحياة وحرية ملايين الرجال والنساء والأطفال، الذين يتم الاتجار فيهم عبر الحدود لأغراض العمالة القسرية وممارسة الجنس.
لقد شهدت ظاهرة (الاتجار في البشر)، والتي غالباً ما تقف وراءها جماعات إجرامية منظمة تسعى إلى جني أرباح طائلة على حساب ضحاياها من البشر، نمواً مخيفاً في السنوات الماضية؛ حيث أضحت تلك المشكلة أحد التحديات الكبرى التي تهدد أمن وكيان المجتمعات البشرية واستقرارها، كما أصبحت جرائمها تجارة تحتل المركز الثالث في الأرباح بعد تجارة السلاح والمخدرات، فضلاً عن أنها أصبحت أكثر نمواً واتساعاً حتى أصبحت مشكلة عالمية تخص كافة دول العالم سواء أكانت هذه الدول نقاط تجمع أو محطات عبور أو وجهة نهائية لتلك التجارة، ومن ثم تعد جرائمها الآن من الجرائم الدولية المنظمة العابرة للدول أو ما يسمى (عبر الوطنية)، وهو ما أكده تقرير أصدره مكتب الجريمة والمخدرات التابع للأمم المتحدة في إبريل 2006 أن كل دولة من دول العالم تقريباً متأثرة بكارثة الاتجار في البشر، بما في ذلك الدول المتقدمة والراعية لحقوق الإنسان، وهو ما يفرض على كافة دول العالم التعاون والتنسيق معاً من أجل مواجهة ظاهرة أضحت تشكل وصمة في جبين عالم يتشدق ليل نهار بحقوق الإنسان وحمايتها.
بداية، يقصد بتعبير (الاتجار في البشر) كما عرفه بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار في الأشخاص بأنه (تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء).
وهكذا، تتعدد صور وأنماط هذه التجارة، فهناك الضحايا من ممارسة الدعارة، وأخرى من الخدمة المنزلية، وثالثة من العمل الأسود والعمل بالإكراه، والزواج الذي يستهدف المتعة الرخيصة (الزواج السياحي )، والسياحة الجنسية، والتمثيل في أفلام الدعارة، وتشغيل الضحايا في مجال التسول، والاستخدام في الأعمال الإجرامية، وما إلى ذلك. وما يعقبها من ممارسات لا إنسانية كالإجبار على الإجهاض أو العكس للمتاجرة في الأطفال.
وفي خضم كل هذا، أدركت دول مجلس التعاون الخليجي مدى الخطورة التي تمثلها تلك التجارة سواء على الأفراد أو على المجتمعات، فسارعت إلى اتخاذ خطوات إيجابية جادة هدفت منها إلى مواجهة تلك التجارة اللاإنسانية والتي تتعارض ليس مع التزاماتها الدولية فقط، وإنما مع مبادئها وقيمها الراسخة المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحة التي تمثل المصدر الأساسي للتشريع في هذه الدول.

وعلى هذا، يمكننا رصد الجهود التي بذلتها هذه الدول في مجال مكافحة هذه الجريمة من خلال محورين:
أولاً- الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية والإقليمية ذات الصلة:
انضمت دول مجلس التعاون إلى العديد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية ذات الصلة لتؤكد حرصها على تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها بصفة عامة، ومكافحة هذه الجريمة بصفة خاصة، ويأتي هذا الانضمام اتساقاً مع قيم وعادات وموروثات تلك المجتمعات المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحة.
ومن أهم الاتفاقيات التي انضمت إليها: الاتفاقية الخاصة بالرق عام 1926، الاتفاقيتان المعنيتان بالقضاء على السخرة والعمل الإجباري (1981-1998) على التوالي، اتفاقية مناهضة التعذيب عام 1998، اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل عام 1992، الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز العنصري عام 1965، بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين براً وبحراً وجواً، بروتوكول منع وقمع الاتجار في الأشخاص وخاصة النساء والأطفال، والمكملان لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية، الاتفاقيتان المعنيتان بمنع استخدام الأطفال والقاصرين (1999-2000) على التوالي.
ثانياً- إصدار التشريعات ذات الصلة:
تنفيذاً لالتزاماتها الدولية واتساقاً مع قيمها ومبادئها الراسخة في احترام وتعزيز حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، حرصت دول مجلس التعاون الخليجي على إصدار التشريعات والقوانين ذات الصلة.
وفي هذا الإطار، أصدرت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين قانوناً لمنع الاتجار في البشر، ففي دولة الإمارات صدر القانون الاتحادي الخاص بمكافحة جرائم الاتجار في البشر، وذلك في نوفمبر 2006 والذي وضع عقوبات مشددة على كل من يتورط بهذه الجرائم، والأمر كذلك في البحرين حيث صدر عام 2007 قانون مكافحة الاتجار في البشر.
هذا إلى جانب ما أصدرته هاتان الدولتان من قوانين وقرارات ذات علاقة بتلك القضية ومنها قانون مكافحة التسول وقانون هيئة سوق العمل في مملكة البحرين، وفي الإمارات صدر قرار عام 2002 يحظر تشغيل الأطفال أقل من 15 سنة في سباقات الهجن.
ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل اتخذت بقية دول مجلس التعاون الأخرى خطوات جادة على الطريق ذاته من خلال صدور قرارات تحظر كافة الأعمال المتعلقة بتلك الظاهرة، ففي المملكة العربية السعودية صدر قرار وزير العمل بحظر كل أشكال المتاجرة في الأشخاص مثل بيع التأشيرات ورخص العمل والإقامة، وكذلك قرار وزير الداخلية بمنع الأطفال من مزاولة البيع في تقاطعات الطرق وغيرها من المهن.
صدر في الإمارات عام 2002 قرار يحظر تشغيل الأطفال أقل من 15 سنة في سباقات الهجن
كما جاءت القوانين في كل من قطر والكويت وسلطنة عمان لمواجهة تلك الظاهرة، فقد جرّم قانون العقوبات القطري العديد من الأفعال التي ترتقي لمفهوم الاتجار في البشر والمعترف بها دولياً كالاستغلال الجنسي والبغاء والاسترقاق، كما صدر قانون رقم 22 لسنة 2005 بشأن حظر جلب وتشغيل وتدريب وإشراك الأطفال في سباقات الهجن، فضلاً عن ذلك حظر قانون الجزاء الكويتي بعض صور الاتجار مثل ذلك تجارة الرقيق، وكذلك الدعارة القسرية، كما أفرد قانون الجزاء العماني مواد تنص على معاقبة كل من ينتهك الحقوق والحريات ومنها معاقبة كل من استعبد شخصاً أو وضعه في حالة تشبه العبودية في السجن، كما صدر قرار وزير العمل بوضع قواعد وشروط العمل الخاص بالمستخدمين بالمنازل لتوفير أكبر قدر من الحماية لهم.
ولم يقتصر الأمر كذلك على مجرد إصدار التشريعات والقوانين والقرارات، وإنما اتخذت دول المجلس العديد من الإجراءات التنفيذية التي هدفت إلى مكافحة تلك الجريمة سواء من خلال إنشاء الهيئات والإدارات المعنية بحماية حقوق الإنسان بصفة عامة وبهذه الجريمة بصفة خاصة أو من خلال نشر الوعي بمدى خطورتها ومن ذلك:
1- إنشاء الهيئات والإدارات المعنية بقضايا حقوق الإنسان، ومن ذلك إنشاء مملكة البحرين لما أطلق عليه (هيئة حقوق الإنسان) وهي هيئة مستقلة تختص بوضع خطة متكاملة لتعزيز وتنمية وحماية حقوق الإنسان واقتراح الوسائل الكفيلة بتنفيذها، كما أنشئت شعبة مكافحة الاتجار في البشر تابعة لوزارة الداخلية، وكذلك إنشاء دولة الإمارات عام 1995 ما تسمى (إدارة رعاية حقوق الإنسان بشرطة دبي) كما تم عام 2006 إشهار جمعية الإمارات لحقوق الإنسان، وهي أول جمعية أهلية لحقوق الإنسان، وأنشئت في المملكة العربية السعودية هيئة حقوق الإنسان، كما أنشئت أيضاً الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، فضلاً عن إنشاء إدارة رعاية شؤون العمالة الوافدة في وزارة العمل السعودية، وفي قطر تم تأسيس المكتب الوطني لمكافحة الاتجار في البشر، وفي الكويت أيضاً أنشئ مكتب لحقوق الإنسان تابع لوزارة العدل.
انضمت دول مجلس التعاون إلى العديد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية الرامية لمكافحة الاتجار في البشر
2- إنشاء وتأسيس العديد من الدور والمؤسسات الاجتماعية، ومن ذلك قيام وزارة التنمية الاجتماعية البحرينية بإنشاء دار الأمان لإيواء (المعنفات)، ومركز لحماية الطفل، دار لإيواء المتسولين، كما قامت الحكومة الإماراتية بإنشاء العديد من الملاجئ للأطفال، وفي المملكة العربية السعودية قامت وزارة الشؤون الاجتماعية بإنشاء دور مخصصة لإيواء العاملات المنزليات، وكذلك قيام وزارة العمل بإنشاء العديد من اللجان العمالية للنظر في الشكاوى المقدمة من العمال، وفي قطر تم إنشاء الدار القطرية للإيواء والرعاية الإنسانية، كما أنشأت الكويت مقار مؤقتة لإيواء العمالة الوافدة، وكذلك إيواء الخدم.
3- العمل على نشر الوعي بخطورة هذه الجريمة وتداعياتها على الفرد والمجتمع من خلال عقد الندوات والمؤتمرات وحلقات المناقشة للوقوف على أبعاد المشكلة من كافة جوانبها.
والحقيقة أنه على الرغم من هذه الجهود التي عكست مدى إدراك دول الخليج لأهمية وخطورة ظاهرة الاتجار في البشر، وأنها بقدر الإمكان تجاهد لمكافحتها، جاء التقرير السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2007، ليضع خمس دول خليجية هي: السعودية والبحرين والكويت وقطر وسلطنة عمان على لائحة سوداء من 16 بلداً قالت إنه لم يحصل فيها أي تقدم في مواجهة الاتجار في البشر، بما يعني أن هذه الدول معرضة لعقوبات أبرزها إلغاء المساعدات الأمريكية، في حين تم وضع دولة الإمارات في المستوى الثاني الذي تضع فيه الدول تحت قائمة المراقبة.
ولكن، رغم المبالغة التي اتسم بها التقرير فيما رصده من تجاوزات أو فيما وجهه من انتقادات لهذه الدول في ما يتعلق بهذه الجريمة، إلا أن الواقع يستوجب اتخاذ مزيد من الإجراءات لمواجهة مثل هذه الجريمة بشكل نهائي، فلا شك في أن الواقع ما زال يشهد وجوداً لبعض أنماطها، وهو ما يتطلب العمل على أكثر من مستوى:
الأول- على مستوى العلاقات بين الأطراف المعنية، وذلك على النحو التالي:
1- العمل على تعزيز التعاون والتنسيق بين وزارات العمل في كل من الدول المصدّرة والمستقبلة للعمالة بما يتضمن التوقيع على الاتفاقيات الثنائية لتعزيز حقوق المرأة العاملة الوافدة وخاصة عاملات المنازل بما يتماشى والاتفاقيات الدولية.
2- دراسة إمكانية عقد اتفاقيات ثنائية بين الدول المصدّرة والدول المستقبلة للعمالة لتنظيم سفر العمالة والأجور والرعاية الاجتماعية والصحية وضمان الحقوق المترتبة على العلاقة التعاقدية بين صاحب العمل والعامل.
3- تنظيم عملية اختيار العمالة الوافدة من خلال التدقيق ومراقبة مكاتب الاستخدام في الدول المصدّرة لها حسب احتياجات الدول المستقبلة.
4- العمل على دعم التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني ووزارات العمل والوزارات المعنية بالعمالة الوافدة في الدول المصدرة والمستقبلة للعمالة في مجال تنظيم الهجرة وحماية حقوق جميع الأطراف المعنية بمن فيهم المرأة العاملة الوافدة.
5- العمل على التنسيق المباشر بين وزارات العمل في الدول المصدّرة والمستقبلة للعمالة الوافدة للحد من عملية الاتجار في البشر والهجرة غير الشرعية.
6- تشجيع تبادل الخبرات والتجارب وبصفة خاصة في مجال تأهيل المرأة المهاجرة.
7- الحث على احترام الحريات الثقافية والاجتماعية للمهاجرين مع عدم الإخلال بأوضاع الدول المستقبلة.
الثاني- من حيث تنظيم العمالة الوافدة، وذلك على النحو التالي:
1- العمل على تبني نموذج عقد عمل خاص بالعاملين والعاملات في المنازل يحدد الحقوق والواجبات لجميع الأطراف بمن فيهم المرأة العاملة الوافدة.
2- العمل على دراسة إمكانية تعديل مواد قانون العمل أو إصدار تشريع خاص (للدول التي تستثني العاملات والعاملين في المنازل من أحكام تطبيق قانون العمل) يشمل هذه الفئة.
3- العمل وبالاشتراك مع الجهات المعنية على وضع آلية لرصد الشكاوى والانتهاكات بحق العمالة الوافدة بشكلٍ عام، والمرأة الوافدة بشكلٍ خاص.
4- العمل على تنظيم عمل مكاتب الاستقدام والاستخدام للعمالة الوافدة بالشكل الذي يحمي حقوق جميع الأطراف المعنية وخاصة عاملات المنازل.
الثالث- من حيث حملات التوعية، وذلك على النحو التالي:
1- العمل على وضع برامج توعية لأصحاب العمل ومكاتب الاستقدام والاستخدام وجميع الأطراف المعنية في الدول المستقبلة والمصدّرة للعمالة للتعريف بدورهم في حماية حقوق المرأة العاملة الوافدة.
2- العمل على تطوير البرامج والدورات التدريبية المخصصة للعمالة الوافدة في الدول المصدّرة للعمالة لتواكب الثقافة والإجراءات التي تنظم العمالة في الدول المستقبلة.
3- العمل على إصدار نشرات توعية من قبل وزارات العمل في الدول المستقبلة للعمالة لتعزيز وعي العمالة الوافدة وخاصة العاملات في المنازل بحقوقهن وواجباتهن والجهات المعنية التي توفر الحماية والدعم لهن.
4- العمل على إعداد برامج توعية وتدريبية للأطراف المعنية للحد من عملية الاتجار في البشر والتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية والتي تعتبر المدخل للاتجار في البشر.
5- تطوير ودعم دور وسائل الإعلام في توعية المهاجرات بحقوقهن وواجباتهن في بلدان المهجر.
ولا يبقى في النهاية إلا التأكيد على أن هذا النوع من الجرائم سري وتحكمه اعتبارات معقدة، كما أن كثافة وجود العمالة الأجنبية في دول الخليج تجعل التعامل مع مشكلاتهم إحدى المعضلات الحقيقية، وهو ما يستوجب اتخاذ المزيد من الخطوات وبذل المزيد من الجهود لمواجهتها مع الأخذ في الاعتبار حقيقة مهمة وهي أن القضاء تماماً على هذه الظاهرة يتطلب تعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحتها. فهذا النوع من الجرائم الذي يروج في البلدان التي تشهد ازدهاراً اقتصادياً، وترتفع فيها مستويات المعيشة ومعدلات دخل الفرد، تقع مسؤولية مكافحته على ثلاثة أطراف رئيسية وهي (دولة المنشأ ودولة العبور ودولة المقصد) فالأولى يتعين عليها اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف عمليات خطف وتهريب ضحايا الاتجار وخاصة من النساء والأطفال وملاحقة الجهات التي تقف وراء هذه العمليات. أما الثانية فمطالبة أيضاً باتخاذ الإجراءات التي تحول دون اتخاذها محطة عبور سهلة لهذا النوع من الجرائم. وأخيراً يأتي دور دولة المقصد في مكافحة هذه الظاهرة من خلال ملاحقة العناصر المتورطة بهذه الجرائم، وإعادة تأهيل ضحاياها، وخاصة من النساء والأطفال وإعادتهم إلى بلادهم، ومن ثم فالحاجة تبدو ضرورية لتعزيز التعاون ليس بين هذه الأطراف الثلاث فقط، ولكن بين أطراف المجتمع الدولي كافة.
كما أن مكافحة هذه الظاهرة تحتاج أيضاً إلى تعاون كل قطاعات المجتمع، وخاصة القطاع الخاص الذي يمكنه أن يلعب دوراً مهماً في هذا الصدد من خلال صياغة مواثيق شرف تحظر كافة الممارسات التي يمكن أن تدخل في نطاق جرائم الاتجار في البشر.
::/fulltext::
::cck::2390::/cck::
