الثابت والمتغير في علاقة روسيا بالمنطقة العربية

::cck::2396::/cck::
::introtext::

نشأت العلاقة بين روسيا والعالم العربي، قبل حوالي أحد عشر قرناً، على يد المؤرخ والأديب والدبلوماسي العربي الشهير أحمد بن فضلان، الذي أُرسل من دار الخلافة العباسية في بغداد في عام 921 م على رأس بعثة إلى روسيا، ليعرفهم بآداب الإسلام وتعاملاته ويدرسهم اللغة العربية والأدب العربي.

::/introtext::
::fulltext::

نشأت العلاقة بين روسيا والعالم العربي، قبل حوالي أحد عشر قرناً، على يد المؤرخ والأديب والدبلوماسي العربي الشهير أحمد بن فضلان، الذي أُرسل من دار الخلافة العباسية في بغداد في عام 921 م على رأس بعثة إلى روسيا، ليعرفهم بآداب الإسلام وتعاملاته ويدرسهم اللغة العربية والأدب العربي.

طوال تلك الحقب التاريخية ظلت علاقة روسيا بالمنطقة العربية محكومة بعوامل ثابتة تقريباً، فروسيا القيصرية كانت محكومة برؤية الكنيسة الأرثوذكسية إلى العالمين العربي والإسلامي وبظروف المنافسة مع الدولة العثمانية، أما روسيا السوفييتية فكانت محكومة برؤيتها العقائدية وبصراعها مع الغرب للهيمنة على هذه المنطقة. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تهيأت فرصة تاريخية لإجراء مراجعة شاملة لأسس تلك العلاقة وخاصة بعد التغيير السياسي والاقتصادي الذي شهدته روسيا بعد تولي الرئيس بوتين، الذي هيأ أرضية مناسبة لتغيير أسس تلك العلاقة ونقلها من الرغبة في الهيمنة وبسط النفوذ إلى أجواء التعاون على أساس المصالح المشتركة.

في هذا المقال سنقف عند أهم الحقب التاريخية التي مرت بها روسيا لتشخيص العوامل الثابتة والمتغيرة في علاقتها بالمنطقة العربية.

الحقبة القيصرية

اقتصرت علاقة روسيا بالعالم العربي خلال العهد القيصري على محاولتها التوسع في المناطق الإسلامية المجاورة، التي تشكل المجال الحيوي والمحيط الجغرافي المباشر لروسيا، فقد فرضت ظروف الجغرافيا وأحلام بناء الإمبراطورية ومناخ الحروب الذي هيمن على القرون الوسطى على الروس في تلك الحقبة الاهتمام بالعالمين العربي والإسلامي ووضع المنطقة العربية في بؤرة سياستها الخارجية. فبعد أن ظلت روسيا خاضعة لحكم المسلمين، تم تحريرها في القرن الخامس عشر على يد إيفان الثالث الذي هزم التتار المسلمين وأعلن ظهور الإمبراطورية الروسية، ومع وصول حفيده إيفان الرابع الملقب بـ (إيفان الرهيب) إلى السلطة، بدأت روسيا بالزحف على المناطق الإسلامية المجاورة وضمها بالتدرج لتكوين إمبراطوريتها، ومنذ منتصف القرن السابع عشر ظهرت روسيا كدولة مؤثرة في السياسة الدولية، بعد أن تمكن بطرس الأكبر (1682-1725 ) وهو المؤسس الحقيقي للإمبراطورية الروسية الحديثة، من دمج روسيا في الحضارة الأوروبية والنهوض بالصناعة والتعليم والجيش، ثم واصلت الإمبراطورة كاترين الثانية (1762-1796 ) عمليات الإصلاح الداخلي والتوسع الخارجي وإرساء دعائم القوة الروسية، حتى أصبحت روسيا في مطلع القرن التاسع عشر إحدى القوى الكبرى، خاصة مع الضعف الذي أصاب منافسها التقليدي وهو الدولة العثمانية.

الحقبة السوفييتية

عند الانتقال إلى المرحلة السوفييتية، نجد أن اهتمام روسيا بالمنطقة العربية قد ازداد كثيراً، خاصة خلال فترة الحرب الباردة بين القطبين الأمريكي والسوفييتي التي فرضت على موسكو تنشيط علاقاتها مع الدول العربية لدخولها في منافسة شديدة مع واشنطن لتقاسم النفوذ في تلك المنطقة، فأثمر هذا التوجه عن علاقات كانت الأكثر دفئاً بين روسيا وعدد غير قليل من الدول العربية، ربما على مدى تاريخ علاقة روسيا بالمنطقة

ففيمنتصف الخمسينات في القرن العشرين وتحديداً خلال فترة الحصار الأمريكي الغربي على مصر، ازدادت الروابط العربية – الروسيةوخاصة المصرية – السوفييتية، ولم تقتصر تلك العلاقة على مصر، بل امتدت إلى سوريا والعراق وفلسطين وليبيا وأقطار الخليج العربي. وبقدر ما قدم السوفييت من مساعدات عسكرية وتصنيعية وزراعية وثقافيةواستراتيجية للعرب، بقدر ما أخذوا منهم، فنهلوا من منبع هذه العلاقات نفوذاً دولياً وتقدماً تكنولوجياً، وكانت ساحات المعارك في البلاد العربية حقلاً لتجاربهم في مجالتطوير معداتهم وأسلحتهم، كما انتفعوا من السواحل العربية على البحر الأبيض المتوسط وعلى الخليج وعلى البحر الأحمر، وتمكنوا من كسر طوق العزلة المفروضة عليهم من الولايات المتحدة والغرب وخاصة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ويمكن أن نجمل أهم العوامل المؤثرة في علاقة روسيا بالمنطقة العربية خلال المرحلة السوفييتية بالآتي:

1- الجوار الجغرافي العربي لروسيا أضفى أهمية جغرافية سياسية واستراتيجية للشواطئ العربيةعلى البحر الأبيض المتوسط والخليج والبحر الأحمر.

 2- انفتاح الأسواق العربية أمام السلاحوالصناعات السوفييتية، في مناخ الحروب العربية مع إسرائيل، وقد تعزز هذا الانفتاح بملاءمة التكنولوجيا السوفييتية ورخصها أمام هذه الأسواق التي كانت عطشى للتشبع بالتكنولوجيا السوفييتية.

3- حاجة الدول العربية المستقلة حديثاً إلىسند ضد محاولات إرجاعها للهيمنة الاستعمارية الغربية من جديد،وتطابق معظم مواصفات هذه القوة المساندة على الاتحادالسوفييتي السابق.

4- التقارب العقائدي بين الأنظمة العربية في كل من مصر والعراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن الجنوبي السابق والنظام السوفييتي، خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن العشرين، فقد تبنت هذه الأنظمة مجموعة من الأفكار والعقائد الاشتراكية التي تلتقي في مضمونها مع العقيدة الماركسية –اللينينية التي يتبناها النظام السوفييتي، فضلاً عن التقائها مع التوجهات السوفييتية في مسألة العداء للولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً، وقد توج هذا التقارب بإقامة معاهدات صداقة وتعاون اقتصادي وعسكري وأمني بين هذه المجموعة من الدول العربية والاتحاد السوفييتي السابق.

5- الموقف السوفييتي الداعم للعرب خلال حروبهم مع إسرائيل في عامي (1967 – 1973) وتأييده الدائم للحق العربي في فلسطين، كما اتسم الموقف السوفييتي في مجلس الأمن بقدر كبير من التوازن وعدم التحيز الواضح لأحد الطرفين مقارنة بالموقف الأمريكي.

الوضع الراهن للعلاقات العربية – الروسية

  مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي دخلت السياسة الروسية في مرحلة جديدة أخذت ملامحها تتشكل مع تولي الرئيس فلاديمير بوتين السلطة في مارس 2000، فشهدت التوجهات الأساسية للقيادة الروسية تجاه العالمين العربي والإسلامي عموماً تفعيلاً واضحاً، بعد الجمود الذي أصاب السياسة الروسية بصفة عامة وتجاه العالم العربي بخاصة في أواخر عهد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، فوجدت الدول العربية نفسها أمام طراز جديد من التعامل يميل نحو إقامة علاقات تعاونية تخدم مصالح الطرفين.

 ويمكن ربط التحركات الجديدة للسياسة الخارجية الروسية تجاه العالم العربي بمجموعة من العوامل أهمها:

1- اختفاء أو تقليص الإرادة السياسية المبنية على العقائد الاشتراكية في كل من روسيا والأنظمة العربية الحالية، فأصبح تأثير هذا العامل ضعيفاً في التوجهات السياسية الخارجية لدى الطرفين.

2-تسارع خطى العولمة وتعثر وانحسار آليات النمو المستقل على الجانبين الروسيوالعربي، أدت إلى ضمورواختفاء عوامل النزوع نحو تحقيق التنمية المستقلة والتوجه نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي.

 3- سعي روسيا إلى تفعيل دورها كقوة عظمى، وإن كان على نحو متدرج وبثقة كبيرة، فرض عليها العمل على إظهار ثقلها على المسرح الدولي، وخاصة في أعقاب التطورات التي رافقت الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003.

4- التخوف من انتقال التدهور في الوضع الأمني في المنطقة العربية إلى منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، وربما إلى روسيا نفسها.

5- ينطلق التركيز الروسي على المنطقة العربية من فهم موضوعي قوامه أن السيطرة الأمريكية الحالية على المنطقة انطلاقاً من كابول إلى العراق ستمتد لاحقاً إلى طهران ثم إلى بقية الخليج العربي والبحر المتوسط وستصل إلى مناطق بحر قزوين ثم إلى روسيا ذاتها.

6- البحث عن بدائل الاستثمارات والمساعدات الأمريكية والغربية لروسيا، ومحاولة فتح أسواق جديدة تساعدها على تجاوز أزماتها الاقتصادية.

لذا فإن أي عملية تقييم للعلاقات الروسية – العربية يجب أن تراعي المسائل الآتية:

* رؤية قيادات الكرملين للعلاقات مع العرب وما يرتبط بها من قضايا في مقدمتها حجم النفوذ اليهودي داخل روسيا، وتأثيره في عملية صنع القرار في روسيا.

* الضعف في مكانة الدول العربية ضمن أولويات القيادة الروسية الذي ارتبط بضعف استجابة الأنظمة العربية للمصالح الروسية في المنطقة، وعدم اهتمام هذه الأنظمة بموضوع ربط روسيا بشبكة مصالح ذات تأثير في توجهات القيادة الروسية لتفعيل دورها في المنطقة، فضلاً عن ضعف الاستثمارات والمبادلات التجارية العربية مع روسيا، كما أن صادرات روسيا من الأسلحة للدول العربية لا تزال عند أدنى مستوى لها مقارنة بالطموح الروسي، ورغبة القيادة الروسية في التعاون واستعدادها لتصدير أسلحة متقدمة تكنولوجياً، ترفض الولايات المتحدة تصديرها لاعتبارات تتعلق بتوازن القوى في المنطقة.

* هيمنة أمريكا على شؤون الشرق الأوسط، وحرصها على التفرد بدور الوسيط في عملية التسوية السلمية في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية.

* توسع النفوذ اليهودي داخل روسيا، بعد أن تمكن اليهود الروس من إقامة إمبراطوريات إعلامية واقتصادية اكتسبت نفوذاً سياسياً واسعاً خلال فترة الرئيس الروسي السابق يلتسين، بل إن نفوذهم امتد إلى الكرملين ذاته، وأصبح لهم تأثير قوي في عملية صنع القرار، واختيار المسؤولين التنفيذيين في مختلف المواقع، رغم محاولات الرئيس بوتين ومنذ توليه السلطة تحجيم هذا النفوذ.

اقتصرت علاقة روسيا بالعالم العربي خلال العهد القيصري على محاولتها التوسع في المناطق الإسلامية

في الختام  يمكن أن نستنتج بناء على كل ما تقدم، أن السياسة الروسية في المنطقة العربية تحكمها اليوم مجموعتان من المصالح:

أولاً- المصالح الاقتصادية: وتتمثل في الطموح الروسي إلى استعادة مكانة الاتحاد السوفييتي السابق وإعادة الهيبة إلى الاقتصاد الروسي من خلال العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة والحصول على المساعدات من مختلف دول العالم وفي مقدمتها الدول العربية الغنية، فضلاً عن تنشيط تجارة السلاح والصادرات الروسية من السلع والخدمات إلى دول المنطقة.

ثانياً- المصالح الأمنية التقليدية: وتتمثل في السعي للتخفيف من غلواء التوسع الأمريكي في المنطقة والعمل على تحقيق الاستقرار والحفاظ على التوازن الإقليمي.

إن هاتين المصلحتين تفسران رغبة روسيا القوية في بسط يد العون مع الدول العربية، كما تلمّس ذلك القادة العرب في زيارة الرئيس بوتين الأخيرة إلى السعودية وقطر والإمارات والأردن، لكن على العرب فهم معطيات هذا التوجه، وإجراء عملية إعادة تقييم شاملة لإمكانات روسيا الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتقصي إمكانات الاستفادة منها، وجعلها أحد العناصر التي يمكن تساعد على تحقيق الاستقرار في المنطقة والنهوض بعملية التنمية في الدول العربية. لذا يجب أن يتجاوز التعاون المجال العسكري ليمتد وبقوة إلى المجال الاقتصادي الصناعي والزراعي والنفطي، وخاصة مع دول الخليج التي ينبغي عليها أن تدرك أهمية روسيا، بصفتها أكبر منتج للنفط خارج نطاق منظمة أوبك، وأكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، فضلاً عن تأثيرها الكبير في أسواق الطاقة العالمية.

 

::/fulltext::

45-99-db1
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2396::/cck::
::introtext::

نشأت العلاقة بين روسيا والعالم العربي، قبل حوالي أحد عشر قرناً، على يد المؤرخ والأديب والدبلوماسي العربي الشهير أحمد بن فضلان، الذي أُرسل من دار الخلافة العباسية في بغداد في عام 921 م على رأس بعثة إلى روسيا، ليعرفهم بآداب الإسلام وتعاملاته ويدرسهم اللغة العربية والأدب العربي.

::/introtext::
::fulltext::

نشأت العلاقة بين روسيا والعالم العربي، قبل حوالي أحد عشر قرناً، على يد المؤرخ والأديب والدبلوماسي العربي الشهير أحمد بن فضلان، الذي أُرسل من دار الخلافة العباسية في بغداد في عام 921 م على رأس بعثة إلى روسيا، ليعرفهم بآداب الإسلام وتعاملاته ويدرسهم اللغة العربية والأدب العربي.

طوال تلك الحقب التاريخية ظلت علاقة روسيا بالمنطقة العربية محكومة بعوامل ثابتة تقريباً، فروسيا القيصرية كانت محكومة برؤية الكنيسة الأرثوذكسية إلى العالمين العربي والإسلامي وبظروف المنافسة مع الدولة العثمانية، أما روسيا السوفييتية فكانت محكومة برؤيتها العقائدية وبصراعها مع الغرب للهيمنة على هذه المنطقة. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تهيأت فرصة تاريخية لإجراء مراجعة شاملة لأسس تلك العلاقة وخاصة بعد التغيير السياسي والاقتصادي الذي شهدته روسيا بعد تولي الرئيس بوتين، الذي هيأ أرضية مناسبة لتغيير أسس تلك العلاقة ونقلها من الرغبة في الهيمنة وبسط النفوذ إلى أجواء التعاون على أساس المصالح المشتركة.

في هذا المقال سنقف عند أهم الحقب التاريخية التي مرت بها روسيا لتشخيص العوامل الثابتة والمتغيرة في علاقتها بالمنطقة العربية.

الحقبة القيصرية

اقتصرت علاقة روسيا بالعالم العربي خلال العهد القيصري على محاولتها التوسع في المناطق الإسلامية المجاورة، التي تشكل المجال الحيوي والمحيط الجغرافي المباشر لروسيا، فقد فرضت ظروف الجغرافيا وأحلام بناء الإمبراطورية ومناخ الحروب الذي هيمن على القرون الوسطى على الروس في تلك الحقبة الاهتمام بالعالمين العربي والإسلامي ووضع المنطقة العربية في بؤرة سياستها الخارجية. فبعد أن ظلت روسيا خاضعة لحكم المسلمين، تم تحريرها في القرن الخامس عشر على يد إيفان الثالث الذي هزم التتار المسلمين وأعلن ظهور الإمبراطورية الروسية، ومع وصول حفيده إيفان الرابع الملقب بـ (إيفان الرهيب) إلى السلطة، بدأت روسيا بالزحف على المناطق الإسلامية المجاورة وضمها بالتدرج لتكوين إمبراطوريتها، ومنذ منتصف القرن السابع عشر ظهرت روسيا كدولة مؤثرة في السياسة الدولية، بعد أن تمكن بطرس الأكبر (1682-1725 ) وهو المؤسس الحقيقي للإمبراطورية الروسية الحديثة، من دمج روسيا في الحضارة الأوروبية والنهوض بالصناعة والتعليم والجيش، ثم واصلت الإمبراطورة كاترين الثانية (1762-1796 ) عمليات الإصلاح الداخلي والتوسع الخارجي وإرساء دعائم القوة الروسية، حتى أصبحت روسيا في مطلع القرن التاسع عشر إحدى القوى الكبرى، خاصة مع الضعف الذي أصاب منافسها التقليدي وهو الدولة العثمانية.

الحقبة السوفييتية

عند الانتقال إلى المرحلة السوفييتية، نجد أن اهتمام روسيا بالمنطقة العربية قد ازداد كثيراً، خاصة خلال فترة الحرب الباردة بين القطبين الأمريكي والسوفييتي التي فرضت على موسكو تنشيط علاقاتها مع الدول العربية لدخولها في منافسة شديدة مع واشنطن لتقاسم النفوذ في تلك المنطقة، فأثمر هذا التوجه عن علاقات كانت الأكثر دفئاً بين روسيا وعدد غير قليل من الدول العربية، ربما على مدى تاريخ علاقة روسيا بالمنطقة

ففيمنتصف الخمسينات في القرن العشرين وتحديداً خلال فترة الحصار الأمريكي الغربي على مصر، ازدادت الروابط العربية – الروسيةوخاصة المصرية – السوفييتية، ولم تقتصر تلك العلاقة على مصر، بل امتدت إلى سوريا والعراق وفلسطين وليبيا وأقطار الخليج العربي. وبقدر ما قدم السوفييت من مساعدات عسكرية وتصنيعية وزراعية وثقافيةواستراتيجية للعرب، بقدر ما أخذوا منهم، فنهلوا من منبع هذه العلاقات نفوذاً دولياً وتقدماً تكنولوجياً، وكانت ساحات المعارك في البلاد العربية حقلاً لتجاربهم في مجالتطوير معداتهم وأسلحتهم، كما انتفعوا من السواحل العربية على البحر الأبيض المتوسط وعلى الخليج وعلى البحر الأحمر، وتمكنوا من كسر طوق العزلة المفروضة عليهم من الولايات المتحدة والغرب وخاصة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ويمكن أن نجمل أهم العوامل المؤثرة في علاقة روسيا بالمنطقة العربية خلال المرحلة السوفييتية بالآتي:

1- الجوار الجغرافي العربي لروسيا أضفى أهمية جغرافية سياسية واستراتيجية للشواطئ العربيةعلى البحر الأبيض المتوسط والخليج والبحر الأحمر.

 2- انفتاح الأسواق العربية أمام السلاحوالصناعات السوفييتية، في مناخ الحروب العربية مع إسرائيل، وقد تعزز هذا الانفتاح بملاءمة التكنولوجيا السوفييتية ورخصها أمام هذه الأسواق التي كانت عطشى للتشبع بالتكنولوجيا السوفييتية.

3- حاجة الدول العربية المستقلة حديثاً إلىسند ضد محاولات إرجاعها للهيمنة الاستعمارية الغربية من جديد،وتطابق معظم مواصفات هذه القوة المساندة على الاتحادالسوفييتي السابق.

4- التقارب العقائدي بين الأنظمة العربية في كل من مصر والعراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن الجنوبي السابق والنظام السوفييتي، خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن العشرين، فقد تبنت هذه الأنظمة مجموعة من الأفكار والعقائد الاشتراكية التي تلتقي في مضمونها مع العقيدة الماركسية –اللينينية التي يتبناها النظام السوفييتي، فضلاً عن التقائها مع التوجهات السوفييتية في مسألة العداء للولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً، وقد توج هذا التقارب بإقامة معاهدات صداقة وتعاون اقتصادي وعسكري وأمني بين هذه المجموعة من الدول العربية والاتحاد السوفييتي السابق.

5- الموقف السوفييتي الداعم للعرب خلال حروبهم مع إسرائيل في عامي (1967 – 1973) وتأييده الدائم للحق العربي في فلسطين، كما اتسم الموقف السوفييتي في مجلس الأمن بقدر كبير من التوازن وعدم التحيز الواضح لأحد الطرفين مقارنة بالموقف الأمريكي.

الوضع الراهن للعلاقات العربية – الروسية

  مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي دخلت السياسة الروسية في مرحلة جديدة أخذت ملامحها تتشكل مع تولي الرئيس فلاديمير بوتين السلطة في مارس 2000، فشهدت التوجهات الأساسية للقيادة الروسية تجاه العالمين العربي والإسلامي عموماً تفعيلاً واضحاً، بعد الجمود الذي أصاب السياسة الروسية بصفة عامة وتجاه العالم العربي بخاصة في أواخر عهد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، فوجدت الدول العربية نفسها أمام طراز جديد من التعامل يميل نحو إقامة علاقات تعاونية تخدم مصالح الطرفين.

 ويمكن ربط التحركات الجديدة للسياسة الخارجية الروسية تجاه العالم العربي بمجموعة من العوامل أهمها:

1- اختفاء أو تقليص الإرادة السياسية المبنية على العقائد الاشتراكية في كل من روسيا والأنظمة العربية الحالية، فأصبح تأثير هذا العامل ضعيفاً في التوجهات السياسية الخارجية لدى الطرفين.

2-تسارع خطى العولمة وتعثر وانحسار آليات النمو المستقل على الجانبين الروسيوالعربي، أدت إلى ضمورواختفاء عوامل النزوع نحو تحقيق التنمية المستقلة والتوجه نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي.

 3- سعي روسيا إلى تفعيل دورها كقوة عظمى، وإن كان على نحو متدرج وبثقة كبيرة، فرض عليها العمل على إظهار ثقلها على المسرح الدولي، وخاصة في أعقاب التطورات التي رافقت الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003.

4- التخوف من انتقال التدهور في الوضع الأمني في المنطقة العربية إلى منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، وربما إلى روسيا نفسها.

5- ينطلق التركيز الروسي على المنطقة العربية من فهم موضوعي قوامه أن السيطرة الأمريكية الحالية على المنطقة انطلاقاً من كابول إلى العراق ستمتد لاحقاً إلى طهران ثم إلى بقية الخليج العربي والبحر المتوسط وستصل إلى مناطق بحر قزوين ثم إلى روسيا ذاتها.

6- البحث عن بدائل الاستثمارات والمساعدات الأمريكية والغربية لروسيا، ومحاولة فتح أسواق جديدة تساعدها على تجاوز أزماتها الاقتصادية.

لذا فإن أي عملية تقييم للعلاقات الروسية – العربية يجب أن تراعي المسائل الآتية:

* رؤية قيادات الكرملين للعلاقات مع العرب وما يرتبط بها من قضايا في مقدمتها حجم النفوذ اليهودي داخل روسيا، وتأثيره في عملية صنع القرار في روسيا.

* الضعف في مكانة الدول العربية ضمن أولويات القيادة الروسية الذي ارتبط بضعف استجابة الأنظمة العربية للمصالح الروسية في المنطقة، وعدم اهتمام هذه الأنظمة بموضوع ربط روسيا بشبكة مصالح ذات تأثير في توجهات القيادة الروسية لتفعيل دورها في المنطقة، فضلاً عن ضعف الاستثمارات والمبادلات التجارية العربية مع روسيا، كما أن صادرات روسيا من الأسلحة للدول العربية لا تزال عند أدنى مستوى لها مقارنة بالطموح الروسي، ورغبة القيادة الروسية في التعاون واستعدادها لتصدير أسلحة متقدمة تكنولوجياً، ترفض الولايات المتحدة تصديرها لاعتبارات تتعلق بتوازن القوى في المنطقة.

* هيمنة أمريكا على شؤون الشرق الأوسط، وحرصها على التفرد بدور الوسيط في عملية التسوية السلمية في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية.

* توسع النفوذ اليهودي داخل روسيا، بعد أن تمكن اليهود الروس من إقامة إمبراطوريات إعلامية واقتصادية اكتسبت نفوذاً سياسياً واسعاً خلال فترة الرئيس الروسي السابق يلتسين، بل إن نفوذهم امتد إلى الكرملين ذاته، وأصبح لهم تأثير قوي في عملية صنع القرار، واختيار المسؤولين التنفيذيين في مختلف المواقع، رغم محاولات الرئيس بوتين ومنذ توليه السلطة تحجيم هذا النفوذ.

اقتصرت علاقة روسيا بالعالم العربي خلال العهد القيصري على محاولتها التوسع في المناطق الإسلامية

في الختام  يمكن أن نستنتج بناء على كل ما تقدم، أن السياسة الروسية في المنطقة العربية تحكمها اليوم مجموعتان من المصالح:

أولاً- المصالح الاقتصادية: وتتمثل في الطموح الروسي إلى استعادة مكانة الاتحاد السوفييتي السابق وإعادة الهيبة إلى الاقتصاد الروسي من خلال العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة والحصول على المساعدات من مختلف دول العالم وفي مقدمتها الدول العربية الغنية، فضلاً عن تنشيط تجارة السلاح والصادرات الروسية من السلع والخدمات إلى دول المنطقة.

ثانياً- المصالح الأمنية التقليدية: وتتمثل في السعي للتخفيف من غلواء التوسع الأمريكي في المنطقة والعمل على تحقيق الاستقرار والحفاظ على التوازن الإقليمي.

إن هاتين المصلحتين تفسران رغبة روسيا القوية في بسط يد العون مع الدول العربية، كما تلمّس ذلك القادة العرب في زيارة الرئيس بوتين الأخيرة إلى السعودية وقطر والإمارات والأردن، لكن على العرب فهم معطيات هذا التوجه، وإجراء عملية إعادة تقييم شاملة لإمكانات روسيا الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتقصي إمكانات الاستفادة منها، وجعلها أحد العناصر التي يمكن تساعد على تحقيق الاستقرار في المنطقة والنهوض بعملية التنمية في الدول العربية. لذا يجب أن يتجاوز التعاون المجال العسكري ليمتد وبقوة إلى المجال الاقتصادي الصناعي والزراعي والنفطي، وخاصة مع دول الخليج التي ينبغي عليها أن تدرك أهمية روسيا، بصفتها أكبر منتج للنفط خارج نطاق منظمة أوبك، وأكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، فضلاً عن تأثيرها الكبير في أسواق الطاقة العالمية.

 

::/fulltext::
::cck::2396::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *