صراع الإرادات بين واشنطن وطهران وخطر إعادة رسم خريطة المنطقة
::cck::2407::/cck::
::introtext::
إن المراقب لما يجري منذ مدة ليست بالقصيرة بين طهران وواشنطن من (مواجهة) واستقطاب حادين على المستوى الدعائي والإعلامي والدبلوماسي يكاد يستنتج أن الحرب أو المواجهة العسكرية واقعة لا محالة بين الجانبين في أية لحظة لاسيما عندما يسمع بين الفينة والأخرى بأن الخطط لضرب إيران باتت جاهزة، ولا ينتظر صاحب القرار الأمريكي سوى اللحظة التي يقع فيها الخصم فريسة أول فخ ينصب له.
::/introtext::
::fulltext::
إن المراقب لما يجري منذ مدة ليست بالقصيرة بين طهران وواشنطن من (مواجهة) واستقطاب حادين على المستوى الدعائي والإعلامي والدبلوماسي يكاد يستنتج أن الحرب أو المواجهة العسكرية واقعة لا محالة بين الجانبين في أية لحظة لاسيما عندما يسمع بين الفينة والأخرى بأن الخطط لضرب إيران باتت جاهزة، ولا ينتظر صاحب القرار الأمريكي سوى اللحظة التي يقع فيها الخصم فريسة أول فخ ينصب له.
لكن عقلاء المراقبين يقولون إن كل من يتعمق ولو قليلاً بالوضع الأمريكي المزري وهو منتشر على امتداد (الهلال الإسلامي) -والتعبير للأمريكيين أنفسهم-منهك القوى ويعاني من إجهاد بليغ والتزامات كبرى تجاه الساحات المفتوحة على امتداد الهلال الآنف الذكر، سرعان ما يكتشف أن الأمر ليس بهذه البساطة، والأهم من ذلك أن كل ما يجري من عرض للعضلات ليس بعيداً عن الأهداف الدعائية والإعلامية والدبلوماسية المرسومة بعناية في دوائر صناعة القرار الأمريكي من أجل ابتزاز إيران إلى الحد الأقصى الممكن وجرها إلى طاولة المفاوضات وهي منهكة القوى والإرادة والقرار قبل الدخول في مفاوضات جدية يستعد لها المجتمع الدولي مع دولة أثبتت أنها ليست قادرة على مواجهة الحرب الباردة المفتوحة ضدها منذ أعوام بحنكة ومسؤولية وبحساب فقط، بل ومفاجأته من حيث لا يحتسب في أكثر من ساحة أو موقع.
ويضيف هؤلاء المراقبون. أن إيران من جهتها وهي التي أدركت مبكراً أن الخصم يعمل بعناية بالغة على إنجاح خطته الآنفة الذكر بأي ثمن كان، والتي علمتها الحرب العراقية-الإيرانية تكلفة المواجهات الشاملة من النوع الذي تفرضه القرارات الجنونية من جهة، ومن جهة ثانية تعلمت أيضاً مذهب إدارة المواجهات المتعددة بلغة الحرب الباردة وخطابها، خلصت إلى قناعة راسخة مفادها أن ما تأخذه من خلال توظيف عنصر الزمن وما تسميه هي بالصبر على الأذى و(المظلومية) ولو بعد حين قد لا يقل أهمية من هزيمة الخصم في ميدان القتال، وقررت أن تواجه الخصم بالسباحة بالاتجاه المعاكس لتياره الذي يبدو جارفاً مع تفادي الصدام والمواجهة الشاملة معه قدر الإمكان.
إنها (معادلة الكر والفر) الإيرانية إذن القاضية ببساطة بتوظيف الوقت إلى أقصى حد للوصول بالخصم إلى طاولة المفاوضات الحقيقية وهو في حالة الإعياء أو أشبه بمن شارف على الموت.
لذلك، ثمة من يرى في طبول الحرب التي تقرعها بعض الدوائر الأمريكية أنها ليست سوى زوبعة في فنجان، وآخرون يرون فيها (تلويحاً بالموت حتى تقبل إيران بالحمى) كما يقول المثل المعروف، وهو ما شرحناه آنفاً، غير أنني أجدها أقرب ما تكون إلى حرب استنزاف للموارد بلعبة أشبه ما تكون بلعبة القمار، وهي اللعبة التي يتقنها الأمريكي قطعاً بتفوق كبير، ويراهن على ربحها بكل ثقة، فيما يحاول الإيراني تفاديها بكل تصميم وهو واثق بأن من يلعبها معه لا بد أن يكون هو الخاسر الأكبر مهما وضع من أسهم عالية في سلة القمار.
فإيران تعرف تماماً أن المعارك الكبرى باتت مترابطة ليس في الهلال الإسلامي فحسب بل على الصعيد الدولي، ولم يعد بالإمكان فصلها عن بعضها البعض مهما حاول الأمريكي (المتشاطر) وبعض من يصدقه من المنبهرين بقوته أو سطوته من أبناء الإقليم، أن بالإمكان مقايضة الإيراني بملف على حساب ملف، أو مفاوضته بـ (المفرد)، أو إغرائه في هذه الساحة أو تلك، فهو مصمم على الصبر على الخصم (حتى يقطع أنفاسه) كما يقول بعض العارفين، وساعتها فقط سيتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض في يوم الشرق الأوسط (الجديد).
ثم ها هي خريطة النزاعات الإقليمية الأساسية المترابطة تكشف عن نفسها بكل وضوح:
فالعراق الجديد الذي ظنته أمريكا مرتعاً ومستقراً لعظمة إمبراطوريتها وإغراءاتها الديمقراطية والتحررية بعد اجتياحها السهل له، بالرغم من أنه ذاهب إلى مزيد من الاضطراب والفوضى وانعدام الأمن وإلى مزيد من التقسيم والتفتيت والشقاق والفتنة والنفاق إلا أنه ذاهب أيضاً وبكل قوة إلى الانفلات من هيمنة الإمبراطورية والانتصار عليها مع تباشير توحد المقاومة والمقاومين حول برنامج سياسي فيه من الوضوح كما من العقلانية الكثير مع كل يوم إضافي يمر على بلاد الرافدين المظلومة.
وفلسطين الجرح الدائم والمزمن ليست بأحسن حال من العراق إن لم تكن ذاهبة إلى الأسوأ بسبب ما تعاني منه أحياناً من ظلم بعض من أهل بيتها لها ممن راهنوا ولا يزالوا على (اللمعان) الإمبراطوري ودائماً مما يحضر لها من الطامعين في ما تبقى من خريطتها وأفخاخ الخريف القادمة على الطريق لن تكون نتائج لعبتهم أفضل حال من سابقاتها إن لم تكن أسوأ وأشد وطأة على المستعمِر وأدواته الكبار والصغار.
إيران قررت أن تواجه الخصم بالسباحة بالاتجاه المعاكس لتياره الجارف مع تفادي الصدام والمواجهة
ولبنان الموضوع على أجندة اللحاق القسري بالجرحين النازفين في إطار الفتنة الكبرى فإن المؤشرات وعلائم الانفراج القادمة إلينا من بلاد الأرز الشامخة تؤكد كلها أنه لا يزال في موقع الممانعة والمقاومة، وبعقلانية منقطعة النظير، رغم كل الأهوال والترويعات المحيطة بالمقاومة والمقاومين.
من جهة أخرى فإن الذي يعرف المدرسة الإيرانية في التفكير ومذهبها في الممارسة لابد أنه سيستحضر في هذا السياق القول الشهير لسيد البلاغة والخليفة الرابع للمسلمين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يكتب لعامله على مصر مالك الأشتر ما نصه: (وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً).
وإيران التي نعرف، نأمل بأن يكون تصميمها هو في الجمع بين مواجهة التحدي وبين استجلاب الخراج وعمارة الأرض، وليس الفصل بينهما أو إضفاء الأولوية لبعد على حساب بعد آخر.
ولا يخفى هنا على اللبيب من أبناء الأمة مدى الفرق الكبير بين النهجين، فالأول يعطي الأولوية لإدارة البلاد وعمارتها خدمة للعباد، فيما الثاني يستغرق في إدارة الأزمة لصالح بقاء أصحاب السلطة أياماً إضافية بأي ثمن كان! أي الوقوع في الفخ المنصوب، لكن من يعرف حال الأمة المترابطة قضاياها، كما أشرنا، يعرف تماماً بأن حالها ليست هي الحال الأنسب في كل مكان، فهي تعيش من جهة تحت وطأة قانون الغلبة الخارجي الظالم فيما هي مستغرقة في التخلف المعرفي من جهة أخرى، وبالتالي فهي منشغلة بإدارة الأزمة والتعايش معها في أماكن كثيرة أكثر مما هي بصدد اجتراح الحلول المناسبة لإدارة الحكم والصراع مع التحديات الداخلية والخارجية، الأمر الذي يجعلنا طعمة للتجارب الاستعمارية وفريسة سهلة للأفخاخ المنصوبة من قبلهم إلا ما ندر.
ففي العراق كما في فلسطين كما في لبنان، فإنه ثمة من يعمل على إدارة الأمور على قاعدة الشركة (الاستثمارية) الاستعمارية الشرهة والمفتوحة نفسها على النهب السريع والفعال والمزرعة المفتوحة آفاقها على شركاء لا يستحون ولا يخجلون في إعلان نواياهم للفتك بكل شيء وطني والنيل من كرامة الأمة ومصادرة كل ما تختزن من مقدرات ومقاومات، وهذه أمور تدعو إلى التأمل الطويل في ما نحن فيه من هلاك متعمد للبلاد والعباد لحساب طالبي الخراج و(الخوات) من الأجانب الطامعين في ثرواتنا ومن بطانتهم التي تستظل بظلهم (الوارف) والذين يعملون صباح مساء للانقضاض على ثرواتنا ونهبها مرتين مرة باسم الديمقراطية والتحرر من الاستبداد فيسقطون الهيكل على رؤوسنا جميعاً، ومرة باسم (إعادة الإعمار والبناء) وكلاهما براء من (حرامية بغداد) الدوليين الجدد والذين يجب أن نواجههم بالاتحاد أولاً واليقظة ثانياً لمنعهم من تكرار فعلتهم النكراء في أية عاصمة عربية أو إسلامية جديدة.
وهذا يتطلب أن ندير أمورنا بأكثر من عينين مفتوحتين، وأن نبصر العالم ونواجهه بعيون إضافية ثلاث هي العزيمة والعلم والعقل.
على صعيد آخر، فإن المراقب لتطورات الأحداث في منطقتنا العربية والإسلامية في وتيرتها المتسارعة سوف لن يخفى عليه الوجه الآخر من المشهد الشرق أوسطي الموغل بالتآمر والفتن الجاهزة. فمن قرار تقسيم العراق الكارثي بهدف تقطيع أوصاله وجعله جرس إنذار جديداً لكل من يتجرأ على التمرد على القرار الأمريكي من الحلفاء أو الأصدقاء، مهما قيل عنه إنه غير ملزم! إلى فضاءات الصدام اللبناني الذي تروج له وترعاه الإدارة الأمريكية بسبب الفيتو العلني الذي تضعه على الرئيس التوافقي، إلى أجواء مؤتمر خريف (السلام الشرق أوسطي) المفخخ إسرائيلياً، إلى حالة الاستقطاب المفتعل مع إيران على خلفية مدرسة غوبلز الهتلرية في الكذب المجاني المستمر حتى يصدقك الناس، ثمة أجواء مكفهرة تجتاح السماء العربية والإسلامية يبدو أنها كتب لها أن تستمر معنا إلى نهاية خريف المحافظين الجدد، الذي سيكون طويلاً ومملاً، لكنه سيكون متعباً أيضاً لمن لا يحسن قراءة القرائن والمعطيات على تراجع الأحادية الأمريكية الحاد وفي طليعتها حيثيات الفشل الأمريكي الموغل في مستنقع العراق.
المحافظون الجدد يهدفون من خلال مهرجاناتهم الخريفية إلى تصدير الفشل العراقي لسائر دول الجوار
إن أصحاب الذاكرة القوية يتذكرون جيداً أننا قلنا لمن يهمه الأمر من العراقيين الذين كانوا وقتها يعلنون – في الظاهر على الأقل- رفضهم للأجندة الأمريكية بخصوص غزو العراق واجتياحه العسكري الفج بحجة أسلحة الدمار الشامل الملفقة، نعم قلنا لهم إن أية تغطية لهذا الغزو والاجتياح مهما كانت المصالح الحزبية بل حتى (الوطنية) التي تبحثون عنها إنما ستؤدي لا محالة بالعراق وبكم إلى (عسكرة) ليس فضاءات العراق الداخلية وتحويله إلى ساحة صراع لميليشيات لا يعرف أحد كيف ستنبت مثل الفطر، ومن ثم إلى تمزيق العراق إرباً إرباً، بل إنكم ستفتحون العراق على مصاريعه مضطرين ومجبرين لكل أشكال التدخل الخارجي الفج أمنياً واستخباراتياً وعسكرياً، ولن تتمكنوا بالتالي مهما اعتمدتم على ما تسمونه (التذاكي) على الأمريكيين- كما كان ولا يزال يتفلسف جهابذة الحركة الإسلامية- من التخلص من مأزق ونفق الاحتلال والعسكرة والتقسيم والتبعية للخارج لمجرد أنكم كنتم يوماً وطنيين، وتعتقدون أنكم أذكياء بما فيه الكفاية للخروج من شرنقة تشابك المهمات بينكم وبين المحتل وتالياً تحرير أنفسكم مما اضطررتم للقبول به قسراً كما تقولون والذي كنتم ولا تزالون تصرون على تسميته بـ (تقاطع المصالح) مع الأمريكي.
وقتها قلنا لأكثر من زعيم ديني وزمني عراقي معارض إن الأمريكيين لهم أجندة طويلة عريضة ومعقدة ومتشابكة للمنطقة لن تقبل بأقل من تأمين مفتاح التحكم بوصول النفط بشكل سلس إلى الإمبراطورية الأمريكية وضمان أمن إسرائيل، وبالتالي فإن واشنطن والمحافظين الجدد أكثر تحديداً ليسوا (جمعية خيرية) لإزالة الدكتاتوريين وإشاعة الديمقراطية والدفاع عن حقوق المرأة والطفل والرجل العراقي أو غير العراقي ونشر الحريات في العالم!
وقتها غضب أكثرهم وحنق وكتب الرسائل وأصدر البيانات ضدنا واتهمنا بشتى الاتهامات بالرغم من تاريخنا الناصع والمعمّد بالدم في مقاومة ومناهضة الدكتاتورية والاستعمار والتبعية ، فقط وفقط لأننا قلنا لهم يومها: بأي وجه ستقابلون شعبكم عندما يسيل دمه أمامكم على يد المحتل الذي سيمعن في التقتيل والذبح لأبناء العراق ولن يرحم أحداً، وأن آخر همه حرية العراقيين ونظامهم الديمقراطي العتيد! في الوقت الذي قبلتم بأن يكون في صفوفكم من صرح علناً يومها (بأن اليهود سيكونون درة التاج العراقي)، فيما ذهب آخر ليقول بكل وقاحة (إن أصوات القنابل التي تسقط على بغداد أجمل سيمفونية سمعها في حياته)، وأنتم تعرفون من نقصد وأين أصبح مصير أمثال هؤلاء!
لم نكن يومها نقرأ في الفنجان، ولم ندع علم الغيب، ولم نكن كذلك نوابغ. فقط وفقط لأننا قرأنا التاريخ بشكل صحيح ونريد أن نقرأه لكم اليوم على الطريقة نفسها قبل فوات الآوان، ولأن العرب والمسلمين من دول الجوار المباشر وغير المباشر معنيون هذه المرة أيضاً ولكن بشكل مباشر وسريع أيضاً.
إن كل العلائم والقرائن والمعطيات التي بين يدي من يقرؤها من العقلاء تفيد بأن الأمريكيين لاسيما من المحافظين الجدد الحالمين بإنقاذ مشروعهم الإمبراطوري العالق بـ (طين) قاع المستنقع العراقي، لا يهدفون من وراء كل الضوضاء التي يثيرونها من حول تحركاتهم ومهرجاناتهم الخريفية وما بعد الخريفية، سوى إلى تصدير الفشل العراقي المحقق إلى سائر دول الجوار القريبة والبعيدة، لأنها الفرضية الوحيدة التي تجمّد هزيمة بوش الكارثية وحوارييه في العراق، وتدير فشلهم هناك إلى حين انكشاف العهد الأمريكي الجديد. لقد بدأوا اللعبة في لبنان، وها هم يريدون تطويرها وإشاعتها على مستوى العالمين العربي والإسلامي، ويبحثون عن تغطية عربية لها في مؤتمر التطبيع المجاني الخريفي مقابل إنهاء الصراع، وليس مقابل الأرض بالتأكيد، لكنهم سرعان ما سينقضون على الدول العربية والإسلامية الكبرى الواحدة بعد الأخرى بمشاريع التقسيم الجاهزة والتي لن تستثني أحداً، نعم من إيران وتركيا وباكستان مروراً بالسعودية وصولاً إلى مصر فضلاً عن سوريا، والخرائط والمخططات والدراسات جاهزة، المهم أن نقرأها اليوم وبعيون مفتوحة، لأن غداً سيكون متأخراً جداً، حتى لا نكون مصداق الحديث الشريف: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين).
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2407::/cck::
::introtext::
إن المراقب لما يجري منذ مدة ليست بالقصيرة بين طهران وواشنطن من (مواجهة) واستقطاب حادين على المستوى الدعائي والإعلامي والدبلوماسي يكاد يستنتج أن الحرب أو المواجهة العسكرية واقعة لا محالة بين الجانبين في أية لحظة لاسيما عندما يسمع بين الفينة والأخرى بأن الخطط لضرب إيران باتت جاهزة، ولا ينتظر صاحب القرار الأمريكي سوى اللحظة التي يقع فيها الخصم فريسة أول فخ ينصب له.
::/introtext::
::fulltext::
إن المراقب لما يجري منذ مدة ليست بالقصيرة بين طهران وواشنطن من (مواجهة) واستقطاب حادين على المستوى الدعائي والإعلامي والدبلوماسي يكاد يستنتج أن الحرب أو المواجهة العسكرية واقعة لا محالة بين الجانبين في أية لحظة لاسيما عندما يسمع بين الفينة والأخرى بأن الخطط لضرب إيران باتت جاهزة، ولا ينتظر صاحب القرار الأمريكي سوى اللحظة التي يقع فيها الخصم فريسة أول فخ ينصب له.
لكن عقلاء المراقبين يقولون إن كل من يتعمق ولو قليلاً بالوضع الأمريكي المزري وهو منتشر على امتداد (الهلال الإسلامي) -والتعبير للأمريكيين أنفسهم-منهك القوى ويعاني من إجهاد بليغ والتزامات كبرى تجاه الساحات المفتوحة على امتداد الهلال الآنف الذكر، سرعان ما يكتشف أن الأمر ليس بهذه البساطة، والأهم من ذلك أن كل ما يجري من عرض للعضلات ليس بعيداً عن الأهداف الدعائية والإعلامية والدبلوماسية المرسومة بعناية في دوائر صناعة القرار الأمريكي من أجل ابتزاز إيران إلى الحد الأقصى الممكن وجرها إلى طاولة المفاوضات وهي منهكة القوى والإرادة والقرار قبل الدخول في مفاوضات جدية يستعد لها المجتمع الدولي مع دولة أثبتت أنها ليست قادرة على مواجهة الحرب الباردة المفتوحة ضدها منذ أعوام بحنكة ومسؤولية وبحساب فقط، بل ومفاجأته من حيث لا يحتسب في أكثر من ساحة أو موقع.
ويضيف هؤلاء المراقبون. أن إيران من جهتها وهي التي أدركت مبكراً أن الخصم يعمل بعناية بالغة على إنجاح خطته الآنفة الذكر بأي ثمن كان، والتي علمتها الحرب العراقية-الإيرانية تكلفة المواجهات الشاملة من النوع الذي تفرضه القرارات الجنونية من جهة، ومن جهة ثانية تعلمت أيضاً مذهب إدارة المواجهات المتعددة بلغة الحرب الباردة وخطابها، خلصت إلى قناعة راسخة مفادها أن ما تأخذه من خلال توظيف عنصر الزمن وما تسميه هي بالصبر على الأذى و(المظلومية) ولو بعد حين قد لا يقل أهمية من هزيمة الخصم في ميدان القتال، وقررت أن تواجه الخصم بالسباحة بالاتجاه المعاكس لتياره الذي يبدو جارفاً مع تفادي الصدام والمواجهة الشاملة معه قدر الإمكان.
إنها (معادلة الكر والفر) الإيرانية إذن القاضية ببساطة بتوظيف الوقت إلى أقصى حد للوصول بالخصم إلى طاولة المفاوضات الحقيقية وهو في حالة الإعياء أو أشبه بمن شارف على الموت.
لذلك، ثمة من يرى في طبول الحرب التي تقرعها بعض الدوائر الأمريكية أنها ليست سوى زوبعة في فنجان، وآخرون يرون فيها (تلويحاً بالموت حتى تقبل إيران بالحمى) كما يقول المثل المعروف، وهو ما شرحناه آنفاً، غير أنني أجدها أقرب ما تكون إلى حرب استنزاف للموارد بلعبة أشبه ما تكون بلعبة القمار، وهي اللعبة التي يتقنها الأمريكي قطعاً بتفوق كبير، ويراهن على ربحها بكل ثقة، فيما يحاول الإيراني تفاديها بكل تصميم وهو واثق بأن من يلعبها معه لا بد أن يكون هو الخاسر الأكبر مهما وضع من أسهم عالية في سلة القمار.
فإيران تعرف تماماً أن المعارك الكبرى باتت مترابطة ليس في الهلال الإسلامي فحسب بل على الصعيد الدولي، ولم يعد بالإمكان فصلها عن بعضها البعض مهما حاول الأمريكي (المتشاطر) وبعض من يصدقه من المنبهرين بقوته أو سطوته من أبناء الإقليم، أن بالإمكان مقايضة الإيراني بملف على حساب ملف، أو مفاوضته بـ (المفرد)، أو إغرائه في هذه الساحة أو تلك، فهو مصمم على الصبر على الخصم (حتى يقطع أنفاسه) كما يقول بعض العارفين، وساعتها فقط سيتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض في يوم الشرق الأوسط (الجديد).
ثم ها هي خريطة النزاعات الإقليمية الأساسية المترابطة تكشف عن نفسها بكل وضوح:
فالعراق الجديد الذي ظنته أمريكا مرتعاً ومستقراً لعظمة إمبراطوريتها وإغراءاتها الديمقراطية والتحررية بعد اجتياحها السهل له، بالرغم من أنه ذاهب إلى مزيد من الاضطراب والفوضى وانعدام الأمن وإلى مزيد من التقسيم والتفتيت والشقاق والفتنة والنفاق إلا أنه ذاهب أيضاً وبكل قوة إلى الانفلات من هيمنة الإمبراطورية والانتصار عليها مع تباشير توحد المقاومة والمقاومين حول برنامج سياسي فيه من الوضوح كما من العقلانية الكثير مع كل يوم إضافي يمر على بلاد الرافدين المظلومة.
وفلسطين الجرح الدائم والمزمن ليست بأحسن حال من العراق إن لم تكن ذاهبة إلى الأسوأ بسبب ما تعاني منه أحياناً من ظلم بعض من أهل بيتها لها ممن راهنوا ولا يزالوا على (اللمعان) الإمبراطوري ودائماً مما يحضر لها من الطامعين في ما تبقى من خريطتها وأفخاخ الخريف القادمة على الطريق لن تكون نتائج لعبتهم أفضل حال من سابقاتها إن لم تكن أسوأ وأشد وطأة على المستعمِر وأدواته الكبار والصغار.
إيران قررت أن تواجه الخصم بالسباحة بالاتجاه المعاكس لتياره الجارف مع تفادي الصدام والمواجهة
ولبنان الموضوع على أجندة اللحاق القسري بالجرحين النازفين في إطار الفتنة الكبرى فإن المؤشرات وعلائم الانفراج القادمة إلينا من بلاد الأرز الشامخة تؤكد كلها أنه لا يزال في موقع الممانعة والمقاومة، وبعقلانية منقطعة النظير، رغم كل الأهوال والترويعات المحيطة بالمقاومة والمقاومين.
من جهة أخرى فإن الذي يعرف المدرسة الإيرانية في التفكير ومذهبها في الممارسة لابد أنه سيستحضر في هذا السياق القول الشهير لسيد البلاغة والخليفة الرابع للمسلمين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يكتب لعامله على مصر مالك الأشتر ما نصه: (وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً).
وإيران التي نعرف، نأمل بأن يكون تصميمها هو في الجمع بين مواجهة التحدي وبين استجلاب الخراج وعمارة الأرض، وليس الفصل بينهما أو إضفاء الأولوية لبعد على حساب بعد آخر.
ولا يخفى هنا على اللبيب من أبناء الأمة مدى الفرق الكبير بين النهجين، فالأول يعطي الأولوية لإدارة البلاد وعمارتها خدمة للعباد، فيما الثاني يستغرق في إدارة الأزمة لصالح بقاء أصحاب السلطة أياماً إضافية بأي ثمن كان! أي الوقوع في الفخ المنصوب، لكن من يعرف حال الأمة المترابطة قضاياها، كما أشرنا، يعرف تماماً بأن حالها ليست هي الحال الأنسب في كل مكان، فهي تعيش من جهة تحت وطأة قانون الغلبة الخارجي الظالم فيما هي مستغرقة في التخلف المعرفي من جهة أخرى، وبالتالي فهي منشغلة بإدارة الأزمة والتعايش معها في أماكن كثيرة أكثر مما هي بصدد اجتراح الحلول المناسبة لإدارة الحكم والصراع مع التحديات الداخلية والخارجية، الأمر الذي يجعلنا طعمة للتجارب الاستعمارية وفريسة سهلة للأفخاخ المنصوبة من قبلهم إلا ما ندر.
ففي العراق كما في فلسطين كما في لبنان، فإنه ثمة من يعمل على إدارة الأمور على قاعدة الشركة (الاستثمارية) الاستعمارية الشرهة والمفتوحة نفسها على النهب السريع والفعال والمزرعة المفتوحة آفاقها على شركاء لا يستحون ولا يخجلون في إعلان نواياهم للفتك بكل شيء وطني والنيل من كرامة الأمة ومصادرة كل ما تختزن من مقدرات ومقاومات، وهذه أمور تدعو إلى التأمل الطويل في ما نحن فيه من هلاك متعمد للبلاد والعباد لحساب طالبي الخراج و(الخوات) من الأجانب الطامعين في ثرواتنا ومن بطانتهم التي تستظل بظلهم (الوارف) والذين يعملون صباح مساء للانقضاض على ثرواتنا ونهبها مرتين مرة باسم الديمقراطية والتحرر من الاستبداد فيسقطون الهيكل على رؤوسنا جميعاً، ومرة باسم (إعادة الإعمار والبناء) وكلاهما براء من (حرامية بغداد) الدوليين الجدد والذين يجب أن نواجههم بالاتحاد أولاً واليقظة ثانياً لمنعهم من تكرار فعلتهم النكراء في أية عاصمة عربية أو إسلامية جديدة.
وهذا يتطلب أن ندير أمورنا بأكثر من عينين مفتوحتين، وأن نبصر العالم ونواجهه بعيون إضافية ثلاث هي العزيمة والعلم والعقل.
على صعيد آخر، فإن المراقب لتطورات الأحداث في منطقتنا العربية والإسلامية في وتيرتها المتسارعة سوف لن يخفى عليه الوجه الآخر من المشهد الشرق أوسطي الموغل بالتآمر والفتن الجاهزة. فمن قرار تقسيم العراق الكارثي بهدف تقطيع أوصاله وجعله جرس إنذار جديداً لكل من يتجرأ على التمرد على القرار الأمريكي من الحلفاء أو الأصدقاء، مهما قيل عنه إنه غير ملزم! إلى فضاءات الصدام اللبناني الذي تروج له وترعاه الإدارة الأمريكية بسبب الفيتو العلني الذي تضعه على الرئيس التوافقي، إلى أجواء مؤتمر خريف (السلام الشرق أوسطي) المفخخ إسرائيلياً، إلى حالة الاستقطاب المفتعل مع إيران على خلفية مدرسة غوبلز الهتلرية في الكذب المجاني المستمر حتى يصدقك الناس، ثمة أجواء مكفهرة تجتاح السماء العربية والإسلامية يبدو أنها كتب لها أن تستمر معنا إلى نهاية خريف المحافظين الجدد، الذي سيكون طويلاً ومملاً، لكنه سيكون متعباً أيضاً لمن لا يحسن قراءة القرائن والمعطيات على تراجع الأحادية الأمريكية الحاد وفي طليعتها حيثيات الفشل الأمريكي الموغل في مستنقع العراق.
المحافظون الجدد يهدفون من خلال مهرجاناتهم الخريفية إلى تصدير الفشل العراقي لسائر دول الجوار
إن أصحاب الذاكرة القوية يتذكرون جيداً أننا قلنا لمن يهمه الأمر من العراقيين الذين كانوا وقتها يعلنون – في الظاهر على الأقل- رفضهم للأجندة الأمريكية بخصوص غزو العراق واجتياحه العسكري الفج بحجة أسلحة الدمار الشامل الملفقة، نعم قلنا لهم إن أية تغطية لهذا الغزو والاجتياح مهما كانت المصالح الحزبية بل حتى (الوطنية) التي تبحثون عنها إنما ستؤدي لا محالة بالعراق وبكم إلى (عسكرة) ليس فضاءات العراق الداخلية وتحويله إلى ساحة صراع لميليشيات لا يعرف أحد كيف ستنبت مثل الفطر، ومن ثم إلى تمزيق العراق إرباً إرباً، بل إنكم ستفتحون العراق على مصاريعه مضطرين ومجبرين لكل أشكال التدخل الخارجي الفج أمنياً واستخباراتياً وعسكرياً، ولن تتمكنوا بالتالي مهما اعتمدتم على ما تسمونه (التذاكي) على الأمريكيين- كما كان ولا يزال يتفلسف جهابذة الحركة الإسلامية- من التخلص من مأزق ونفق الاحتلال والعسكرة والتقسيم والتبعية للخارج لمجرد أنكم كنتم يوماً وطنيين، وتعتقدون أنكم أذكياء بما فيه الكفاية للخروج من شرنقة تشابك المهمات بينكم وبين المحتل وتالياً تحرير أنفسكم مما اضطررتم للقبول به قسراً كما تقولون والذي كنتم ولا تزالون تصرون على تسميته بـ (تقاطع المصالح) مع الأمريكي.
وقتها قلنا لأكثر من زعيم ديني وزمني عراقي معارض إن الأمريكيين لهم أجندة طويلة عريضة ومعقدة ومتشابكة للمنطقة لن تقبل بأقل من تأمين مفتاح التحكم بوصول النفط بشكل سلس إلى الإمبراطورية الأمريكية وضمان أمن إسرائيل، وبالتالي فإن واشنطن والمحافظين الجدد أكثر تحديداً ليسوا (جمعية خيرية) لإزالة الدكتاتوريين وإشاعة الديمقراطية والدفاع عن حقوق المرأة والطفل والرجل العراقي أو غير العراقي ونشر الحريات في العالم!
وقتها غضب أكثرهم وحنق وكتب الرسائل وأصدر البيانات ضدنا واتهمنا بشتى الاتهامات بالرغم من تاريخنا الناصع والمعمّد بالدم في مقاومة ومناهضة الدكتاتورية والاستعمار والتبعية ، فقط وفقط لأننا قلنا لهم يومها: بأي وجه ستقابلون شعبكم عندما يسيل دمه أمامكم على يد المحتل الذي سيمعن في التقتيل والذبح لأبناء العراق ولن يرحم أحداً، وأن آخر همه حرية العراقيين ونظامهم الديمقراطي العتيد! في الوقت الذي قبلتم بأن يكون في صفوفكم من صرح علناً يومها (بأن اليهود سيكونون درة التاج العراقي)، فيما ذهب آخر ليقول بكل وقاحة (إن أصوات القنابل التي تسقط على بغداد أجمل سيمفونية سمعها في حياته)، وأنتم تعرفون من نقصد وأين أصبح مصير أمثال هؤلاء!
لم نكن يومها نقرأ في الفنجان، ولم ندع علم الغيب، ولم نكن كذلك نوابغ. فقط وفقط لأننا قرأنا التاريخ بشكل صحيح ونريد أن نقرأه لكم اليوم على الطريقة نفسها قبل فوات الآوان، ولأن العرب والمسلمين من دول الجوار المباشر وغير المباشر معنيون هذه المرة أيضاً ولكن بشكل مباشر وسريع أيضاً.
إن كل العلائم والقرائن والمعطيات التي بين يدي من يقرؤها من العقلاء تفيد بأن الأمريكيين لاسيما من المحافظين الجدد الحالمين بإنقاذ مشروعهم الإمبراطوري العالق بـ (طين) قاع المستنقع العراقي، لا يهدفون من وراء كل الضوضاء التي يثيرونها من حول تحركاتهم ومهرجاناتهم الخريفية وما بعد الخريفية، سوى إلى تصدير الفشل العراقي المحقق إلى سائر دول الجوار القريبة والبعيدة، لأنها الفرضية الوحيدة التي تجمّد هزيمة بوش الكارثية وحوارييه في العراق، وتدير فشلهم هناك إلى حين انكشاف العهد الأمريكي الجديد. لقد بدأوا اللعبة في لبنان، وها هم يريدون تطويرها وإشاعتها على مستوى العالمين العربي والإسلامي، ويبحثون عن تغطية عربية لها في مؤتمر التطبيع المجاني الخريفي مقابل إنهاء الصراع، وليس مقابل الأرض بالتأكيد، لكنهم سرعان ما سينقضون على الدول العربية والإسلامية الكبرى الواحدة بعد الأخرى بمشاريع التقسيم الجاهزة والتي لن تستثني أحداً، نعم من إيران وتركيا وباكستان مروراً بالسعودية وصولاً إلى مصر فضلاً عن سوريا، والخرائط والمخططات والدراسات جاهزة، المهم أن نقرأها اليوم وبعيون مفتوحة، لأن غداً سيكون متأخراً جداً، حتى لا نكون مصداق الحديث الشريف: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين).
::/fulltext::
::cck::2407::/cck::
