مستقبل العراق بعد الانتخابات.. إلى أين؟
::cck::2413::/cck::
::introtext::
اعتقد الكثيرون أن الانتخابات العراقية التي جرت في الثلاثين من يناير2005 هي نهاية المطاف لتشكيل المشهد السياسي العراقي بالرغم من بقاء العديد من الأزمات والإشكاليات الداخلية خاصة في ما يتعلق بمستقبل الاحتلال الأمريكي –البريطاني للعراق، وصورة الملف الأمني، وطبيعة الخارطة السياسية التي يمكن أن تؤثر في الحكومات العراقية التي ستحكم العراق في المستقبل المنظور، لكن الحقيقة المهمة في هذا الجانب أنه مع انتهاء الانتخابات بدأت الساحة العراقية في مخاض مرحلة جديدة مفعمة بقضايا مهمة لا بد من حسمها قبل الحديث عن مستقبل العراق السياسي والعملية السياسية برمتها .
::/introtext::
::fulltext::
اعتقد الكثيرون أن الانتخابات العراقية التي جرت في الثلاثين من يناير2005 هي نهاية المطاف لتشكيل المشهد السياسي العراقي بالرغم من بقاء العديد من الأزمات والإشكاليات الداخلية خاصة في ما يتعلق بمستقبل الاحتلال الأمريكي –البريطاني للعراق، وصورة الملف الأمني، وطبيعة الخارطة السياسية التي يمكن أن تؤثر في الحكومات العراقية التي ستحكم العراق في المستقبل المنظور، لكن الحقيقة المهمة في هذا الجانب أنه مع انتهاء الانتخابات بدأت الساحة العراقية في مخاض مرحلة جديدة مفعمة بقضايا مهمة لا بد من حسمها قبل الحديث عن مستقبل العراق السياسي والعملية السياسية برمتها من أبرزها:
1- مستقبل الوجود العسكري الأمريكي (الاحتلال).
2- مستقبل الوضع الأمني.
3- مستقبل الوضع الإداري والمؤسساتي.
4- مستقبل الوحدة الوطنية.
5- مستقبل العملية السياسية.
وسيتم تناولها تباعاً بنوع من الإسهاب:
1- مستقبل الوجود العسكري الأمريكي (الاحتلال):
تضاربت آراء الأمريكيين بشأن وجود قواتهم العسكرية في العراق، ففريق منهم يصرح تارة بأن بقاء قوات الاحتلال الأمريكي مرتبط باستقرار الوضع الأمني في العراق، وأن انتفاء وجودهم تحدده عدة متغيرات: أولها انخفاض مستوى العمليات العسكرية ضدهم في محافظات العراق، وقدرة أجهزة وزارتي الداخلية والدفاع على استتباب الأمن، وموقف الحكومة العراقية المقبلة من وجود القوات الأجنبية على أرض العراق، كل هذه المتطلبات يضعها هذا الفريق في دائرة الجدل لتضع أي مراقب منصف في دوامة لمعرفة متى وكيف ستضع الأمور نصابها؟
أما الفريق الآخر فإنهم يستبعدون خروج القوات الأمريكية في المستقبل المنظور على أقل تقدير مع إبقاء الباب مفتوحاً لتمديد وجودهم مستقبلاً على المديين المتوسط والبعيد بدعوى أن هناك إمكانية للشراكة الأمنية والاستراتيجية بين حكومات القوات الأجنبية والحكومة العراقية في إطار معاهدات واتفاقيات يوقع عليها الطرفان لتنظيم الوجود العسكري الأجنبي.
وأخيرا يوجد فريق ثالث داخل الولايات المتحدة الأمريكية قريب من مراكز البحوث الاستراتيجية وصناع القرار يتألف من نخبة من المفكرين والعسكريين ذوي الاتجاهات المعتدلة يحذر من مغبة استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق مع دعوته للإدارة الأمريكية إلى مزيد من التواضع والواقعية والإقرار بالحقيقة التي تكشف الوضع المتأزم التي تعيشه القوات الأمريكية في العراق، ويربط بين التجربة المأساوية التي عاشها الجنود الأمريكيون في فيتنام، وإمكانية اتساع (المستنقع العراقي)، وينصح هذا التيار صناع القرار الأمريكيين بأن تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في العراق ستتضاعف في ضوء ازدياد القتلى الأمريكيين الذين يتساقطون يوميا والخسائر المادية التي أصابت الماكنة العسكرية الأمريكية والتكاليف السياسية التي يمكن أن تصيب أطر السياسة الخارجية الأمريكية وتأثيرها في المشروع الكوني الأمريكي في العالم والترتيبات الأمنية الأمريكية في المنطقة خاصة ما يسمى (مشروع الشرق الأوسط الكبير) وما يمكن أن يسهم به الوجود العسكري الأمريكي في العراق من تدعيم لهذا المشروع ومستقبل وجوده وما سيتركه من تأثيرات جيوسياسية إقليميا ودوليا، فهو من جانب يشكل مصداً خلفياً لحماية إسرائيل، وكما قال الجنرال المتقاعد (زيني) من قوات البحرية الأمريكية /المارنيز ((لقد ذهبنا إلى العراق لضمان أمن إسرائيل))، ومتراساً بوجه بعض الأنظمة السياسية لاسيما إيران وسوريا، وساحة خلفية للنفوذ الأمريكي في أوراسيا عبر الباب التركي، وعامل ضغط على الدول العربية وخاصة الخليجية لجعلها تتأقلم مع عناوين المشاريع الأمريكية والغربية لتطبيق الإصلاح والديمقراطية والحكم الصالح، وجعل العراق أنموذجا يحتذى به في منطقة الخليج العربي التي بدأت تبرز فيها عدة إشارات توحي بتأثيرات الوجود الأمريكي في العراق ومجريات العملية السياسية فيه: إجراء الانتخابات لاختيار الجمعية الوطنية ومجالس المحافظات. ومنها محاولات لتأسيس أحزاب إسلامية في الكويت (تأسيس حزب الأمة الكويتي الإسلامي) مرورا بالانتخابات البلدية في السعودية (بالرغم من الإخفاقات التي شابتها منها منع مشاركة النساء فيها)، وانتهاء ببروز دلائل على إمكانية اندلاع العنف في منطقة الخليج العربي (المواجهات الأمنية مع بعض العناصر في الكويت والتي أدت إلى إصابة بعض رجال الأمن الكويتيين في يناير2005 ) بعد أن دعت أكثر من جهة إلى خروج القوات الأجنبية ذات الوجود العسكري من المنطقة. لاشك في أن إرادة الاحتلال الأمريكي سوف لا تكون نتائجها محصورة بالساحة العراقية فحسب وإنما يمكن أن ينتقل صداها إقليمياً ودولياً وهو ما تشير إليه الكثير من الدلائل.
2- مستقبل الوضع الأمني:
تابع أغلب العراقيين ما عرضته القنوات المحلية العراقية من اعترافات لجهات تمارس العنف في العراق من مختلف الجنسيات، ويبرز أمام المراقب المنصف التساؤل الآتي: هل إن الملف الأمني يمكن أن يعالج من زاوية واحدة وهي المتابعة وإلقاء القبض على الفاعلين وعرضهم من على شاشات التلفاز فحسب؟ أم أن تبلور ونضوج ملامح الملف الأمني يحتاجان إلى عدة متطلبات. إذاً ما هي متطلبات تشكيل صورة الملف الأمني وسحبه نحو الاستقرار؟
الواقع أن معالجة الملف الأمني لا بد أن تشمل عدة قضايا من شأنها تعزيز الوضع الأمني وردم الثغرات التي يمكن أن تستغل لاتجاهه نحو الاضطراب والتأزم، ولعل من أبرزها هو سماع الرأي الآخر، حيث إن الواجب يقتضي من الحكومة العراقية التفتيش عن نوع من التقارب وإجراء الاتصالات مع الأطراف التي لها وجهة نظرها واحترامها لأنه لا يوجد في الكون من يقف بوجه أي شعب يريد أن يعبر عن موقفه وخاصة تجاه احتلال بلده عبر المقاومة المسلحة لأن هذه الحالة لا تقرها القوانين الوضعية في الدول فحسب، وإنما تقرها الشرائع السماوية المعاهدات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة كحق مشروع للدفاع عن النفس وتعزيز حق تقرير المصير. إذاً لا بد من وقفة موضوعية مع هذه الأطراف وبدء حوار جدي ووطني هدفه الاتفاق على صورة مشرفة لإنهاء هذه الحالة لأن أصل المشكلة هو وجود قوات الاحتلال وهذا الوجود هو مبرر لأي جهة أن ترفع السلاح من باب إخراج المحتل من البلاد. وعليه في حالة انعدام أي تقارب وسماع الرأي الآخر سيظل طرفا المعادلة في صراع عسكري وسياسي واقتصادي بالرغم من تفوق القوات الأمريكية إلا أن هذا التفوق لم يمنع استمرار المواجهات وبقاء نزيف الدم العراقي متواصلاً.
ومن المستلزمات الواجب تفعيلها للمحافظة على الاستقرار الأمني هي إشراك الأحزاب والعشائر ومنظمات المجتمع المدني في تعبئة شعبية لتأسيس إطار فكري للمجتمع لجعل واجب المحافظة على الأمن مسؤولية جماعية وليس مقتصراً على الأجهزة التنفيذية بحيث يصار إلى تكريس منطلقات المواطنة وحب الوطن وتعزيز صيغ التعاون بين الأهالي وأعمدة القوم ووجهاء المناطق لإشاعة الأمن والاستقرار، وأن استغلال جمهور الأحزاب والانتماءات القبلية وأعضاء المنظمات المدنية لتعزيز أطر الوحدة الوطنية من خلال التفكير بجدية في خلق وسائل تحجّم من نشاطات الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها سيدعم ركائز الوضع الأمني بصيغة أو بأخرى. ويسلط أغلب المراقبين الضوء على أهمية إيلاء ظاهرة انتشار البطالة بشكل واسع في المجتمع العراقي وضرورة تشغيل الشباب حسب إمكاناتهم العلمية ومؤهلاتهم في دوائر الدولة، أو زج العاطلين في مشاريع إعمار العراق، ناهيك عن ضرورة معالجة المسرّحين من وظائفهم في دوائر الإعلام والجيش العراقي، إذ إن هذه الشرائح عانت ومازالت تعاني منذ بدء الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من أبريل 2003 من قسوة الوضع الاقتصادي، وأن بقاء إشكالية عدم استغلالها ستعقد الوضع الأمني في العراق بسبب خشية انخراط البعض في مهمات يتقاضون منها أجوراً تساهم في خلخلة الوضع الأمني.
3- مستقبل الوضع الإداري والمؤسساتي:
لا شك في أن دوائر الدولة تواجه معضلات عديدة وخاصة التي لها علاقة بتقديم خدمات إلى المواطنين ومنها خدمات (الكهرباء والماء والوقود والتصريف الصحي والمجاري والصحة)، حيث مازالت تلك الخدمات دون المستوى المطلوب بحيث أصبحت تشغل اهتمامات المواطن العراقي لأنه يعيش في ظل ظلام دامس بعد أن ازدادت فترات القطع الكهربائي ناهيك عن تلوث المياه التي أثرت في صحة المواطن في ظل نقص الأدوية ورداءة الخدمات الصحية، أما مشكلة الوقود فحدّث ولا حرج فلقد أصيب المواطن بخيبة أمل بسبب عدم تمكنه من توفير المشتقات النفطية من نفط أبيض وبنزين وإذا توفرت فأسعارها لا تطاق. المهم أن المواطن عاش فترات عصيبة وهو ينتظر في طوابير تمتد كيلو مترات لانتظار التزود بالوقود فضلا عن حدوث امتعاض واشتباكات في محطات الوقود لحصول تسرب للبنزين وظهور السوق السوداء في هذا المجال، لذا بدأ المواطن يتساءل هل من المعقول أن العراق من البلدان الغنية في العالم التي تصدر المشتقات النفطية يعيش في ظل أزمات خانقة جراء صعوبة حصوله على احتياجاته من تلك المواد ؟
4- مستقبل الوحدة الوطنية:
مازال موضوع الوحدة الوطنية يثار في دائرة الحوار والنقاش والسؤال الذي يفرض نفسه هل العراق مازال مرشحاً في ظل الأوضاع السائدة لحدوث تفكك داخلي وتشرذم لكيانه السياسي؟ الواقع أن انقضاء عامين ونصف العام من الاحتلال تخللها استهداف البنى وركائز الوحدة الوطنية كاستهداف المراقد الدينية للسنة والشيعة والمسيحيين بأعمال مسلحة، ناهيك عن استهداف الناس أثناء أداء طقوسهم الدينية، فضلاً عن شعور بعض الأطراف بأنها مهمشة أو غير حاضرة في العملية السياسية، وطرح خيارات مستقبل العراق السياسي الذي قد تتم تجزئته إلى فيدراليات اتحادية يحكمها المركز، وهل ستكتفي أو تقبل بعض الأطراف بهذه الصيغة؟ كل هذه الإشكاليات مازالت تهدد الوحدة الوطنية لأن احتكاكاً بين أي طرف سياسي أو ديني مع الأطراف الأخرى قد يجر العراق إلى ويلات الحرب الأهلية، لأن كل طرف يحاول تبرير آرائه وقد يتطور الأمر إلى حدوث تصادم بين تلك الأطراف لا تحمد عواقبه.
5- مستقبل العملية السياسية:
أمام العراق أقل من عام لبناء الخريطة السياسية لينتقل إلى نهاية عام 2005 لطرح حكومة جديدة واستفتاء على الدستور وخلال هذه الفترة لا بد أن تتفهم القوى السياسية التي نجحت في الحصول على مقاعد داخل الجمعية الوطنية لترتيب أوضاعها واستخدام لغة التوافق والتجانس عند توزيع الحقائب الوزارية وعدم نسيان أي قوى سياسية لم تشارك في الانتخابات لفسح المجال أمامها لإشغال مناصب ودرجات وزارية مهمة للخروج من هذه المرحلة الانتقالية بأقل التكاليف وأفضل الإنجازات، لا سيما أن الجميع يتفق على سلامة النيات للمحافظة على مكاسب انتخابات 30 يناير 2005 لإرساء العملية الديمقراطية في العراق والتفرغ لإشكالية الاحتلال لحسمها وجدولة خروج القوات الأجنبية لتحجيم تصاعد الانفلات الأمني والتفرغ لمهمة بناء العراق وتحسين الوضع الاقتصادي والانتقال إلى مراحل جديدة من بناء العراق الجديد.
سيناريوهات مستقبلية للعراق
قد يكون من المجازفة استقراء أوضاع العراق السياسية لفترة تزيد أكثر من عام، لأن وضع إطار مستقبلي أبعد من ذلك قد يكون نوعاً من المبالغة في ظل تسارع الأوضاع لما سيكون عليه العراق بعد عام وهي تندرج فيما يلي:
1- عدم استقرار الوضع السياسي:
بعد إجراء الانتخابات العراقية في 30 يناير2005 واجهت العملية السياسية في العراق عدة إشكاليات منها انتخاب الحكومة العراقية لمدة عام من قبل الجمعية الوطنية المنتخبة وما يرتبط بها من توزيع المناصب الحكومية، حيث تطالب أكثر من جهة سياسية عراقية بمنحها قسطا وافيا من الدرجات الوزارية والحكومية سواء كانت لها مقاعد داخل الجمعية الوطنية، أو خارجها. فالسؤال المطروح: هل ستستطيع القوى السياسية العراقية طرح مبادئ التوافق والتراضي لتوزيع الحقائب الوزارية والدرجات الحكومية المهمة وخاصة في المناصب السيادية؟ وهل ستستطيع إرضاء كل من يريد أن يكون له مكان داخل هذه الحكومة؟ الدلائل تشير إلى أنه حتى لو خرجت تشكيلة الحكومة العراقية بأعلى درجات التناغم إلا أنها سوف لا تضم كل الأطراف في الساحة العراقية وعلى رأسها القوى التي تعارض الوجود العسكري الأمريكي، وإذا فكرت القوى السياسية بمنح هذه الأطراف حقائب وزارية فما هي صيغة التعامل مع الاحتلال الأمريكي: هل بمقدورها القول إلى قوات الاحتلال والوجود العسكري الأجنبي أن دورها قد انتهى وحان الوقت ليمارس العراقيون دورهم في إدارة شؤونهم؟ والجواب عن ذلك قد يكون سلبياً لأن أغلب القوى السياسية العراقية التي حازت على مقاعد داخل الجمعية الوطنية تعتقد أن رحيل القوات الأمريكية مازال مبكراً في ظل عدم استقرار واستتباب الأوضاع الأمنية. إذاً متى ستستقر الأوضاع في ظل تصاعد العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال الأمريكي؟ لذلك وفي ظل تصارع إرادات القوى السياسية التي تمارس العملية السياسية داخل الجمعية الوطنية أو خارجها سواء كانت التي تعارض الاحتلال سلميا أو عسكريا من المؤكد أن صورة المشهد السياسي العراقي ستكون غير مستقرة.
2- استقرار الوضع السياسي:
في هذا السيناريو قد تسير الحياة السياسية بصورة طبيعية من دون مشكلات أو على الأقل من دون عراقيل، فقد تشكل الحكومة العراقية بعد أن يمثل فيها أغلب القوى السياسية العراقية، وستنتج عن ذلك محاولات الحكومة المنتخبة معالجة عدة ملفات ساخنة ومهمة، لعل من أبرزها جدولة انسحاب قوات الاحتلال، والتعامل مع القوى التي تعارض الوجود الأجنبي غير المشروع وخاصة العسكري بنوع من الموضوعية والواقعية بعد أن تستمع إلى آرائها ومحاولة جذبها إلى العملية السياسية إذا كان ذلك ممكنا مع إبقاء عامل المواجهة العسكرية مع قوات الاحتلال خياراً لها في حالة عدم الوصول إلى صيغ توافقية إلا الرابط المشترك في القوى السياسية المؤتلفة وهو حماية الوحدة الوطنية العراقية من أي محاولة لضربها أو استهداف بنيتها. ويبدو أن تحقيق السيناريو الأول أكثر حظاً من إمكانية حدوث السيناريو الثاني.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2413::/cck::
::introtext::
اعتقد الكثيرون أن الانتخابات العراقية التي جرت في الثلاثين من يناير2005 هي نهاية المطاف لتشكيل المشهد السياسي العراقي بالرغم من بقاء العديد من الأزمات والإشكاليات الداخلية خاصة في ما يتعلق بمستقبل الاحتلال الأمريكي –البريطاني للعراق، وصورة الملف الأمني، وطبيعة الخارطة السياسية التي يمكن أن تؤثر في الحكومات العراقية التي ستحكم العراق في المستقبل المنظور، لكن الحقيقة المهمة في هذا الجانب أنه مع انتهاء الانتخابات بدأت الساحة العراقية في مخاض مرحلة جديدة مفعمة بقضايا مهمة لا بد من حسمها قبل الحديث عن مستقبل العراق السياسي والعملية السياسية برمتها .
::/introtext::
::fulltext::
اعتقد الكثيرون أن الانتخابات العراقية التي جرت في الثلاثين من يناير2005 هي نهاية المطاف لتشكيل المشهد السياسي العراقي بالرغم من بقاء العديد من الأزمات والإشكاليات الداخلية خاصة في ما يتعلق بمستقبل الاحتلال الأمريكي –البريطاني للعراق، وصورة الملف الأمني، وطبيعة الخارطة السياسية التي يمكن أن تؤثر في الحكومات العراقية التي ستحكم العراق في المستقبل المنظور، لكن الحقيقة المهمة في هذا الجانب أنه مع انتهاء الانتخابات بدأت الساحة العراقية في مخاض مرحلة جديدة مفعمة بقضايا مهمة لا بد من حسمها قبل الحديث عن مستقبل العراق السياسي والعملية السياسية برمتها من أبرزها:
1- مستقبل الوجود العسكري الأمريكي (الاحتلال).
2- مستقبل الوضع الأمني.
3- مستقبل الوضع الإداري والمؤسساتي.
4- مستقبل الوحدة الوطنية.
5- مستقبل العملية السياسية.
وسيتم تناولها تباعاً بنوع من الإسهاب:
1- مستقبل الوجود العسكري الأمريكي (الاحتلال):
تضاربت آراء الأمريكيين بشأن وجود قواتهم العسكرية في العراق، ففريق منهم يصرح تارة بأن بقاء قوات الاحتلال الأمريكي مرتبط باستقرار الوضع الأمني في العراق، وأن انتفاء وجودهم تحدده عدة متغيرات: أولها انخفاض مستوى العمليات العسكرية ضدهم في محافظات العراق، وقدرة أجهزة وزارتي الداخلية والدفاع على استتباب الأمن، وموقف الحكومة العراقية المقبلة من وجود القوات الأجنبية على أرض العراق، كل هذه المتطلبات يضعها هذا الفريق في دائرة الجدل لتضع أي مراقب منصف في دوامة لمعرفة متى وكيف ستضع الأمور نصابها؟
أما الفريق الآخر فإنهم يستبعدون خروج القوات الأمريكية في المستقبل المنظور على أقل تقدير مع إبقاء الباب مفتوحاً لتمديد وجودهم مستقبلاً على المديين المتوسط والبعيد بدعوى أن هناك إمكانية للشراكة الأمنية والاستراتيجية بين حكومات القوات الأجنبية والحكومة العراقية في إطار معاهدات واتفاقيات يوقع عليها الطرفان لتنظيم الوجود العسكري الأجنبي.
وأخيرا يوجد فريق ثالث داخل الولايات المتحدة الأمريكية قريب من مراكز البحوث الاستراتيجية وصناع القرار يتألف من نخبة من المفكرين والعسكريين ذوي الاتجاهات المعتدلة يحذر من مغبة استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق مع دعوته للإدارة الأمريكية إلى مزيد من التواضع والواقعية والإقرار بالحقيقة التي تكشف الوضع المتأزم التي تعيشه القوات الأمريكية في العراق، ويربط بين التجربة المأساوية التي عاشها الجنود الأمريكيون في فيتنام، وإمكانية اتساع (المستنقع العراقي)، وينصح هذا التيار صناع القرار الأمريكيين بأن تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في العراق ستتضاعف في ضوء ازدياد القتلى الأمريكيين الذين يتساقطون يوميا والخسائر المادية التي أصابت الماكنة العسكرية الأمريكية والتكاليف السياسية التي يمكن أن تصيب أطر السياسة الخارجية الأمريكية وتأثيرها في المشروع الكوني الأمريكي في العالم والترتيبات الأمنية الأمريكية في المنطقة خاصة ما يسمى (مشروع الشرق الأوسط الكبير) وما يمكن أن يسهم به الوجود العسكري الأمريكي في العراق من تدعيم لهذا المشروع ومستقبل وجوده وما سيتركه من تأثيرات جيوسياسية إقليميا ودوليا، فهو من جانب يشكل مصداً خلفياً لحماية إسرائيل، وكما قال الجنرال المتقاعد (زيني) من قوات البحرية الأمريكية /المارنيز ((لقد ذهبنا إلى العراق لضمان أمن إسرائيل))، ومتراساً بوجه بعض الأنظمة السياسية لاسيما إيران وسوريا، وساحة خلفية للنفوذ الأمريكي في أوراسيا عبر الباب التركي، وعامل ضغط على الدول العربية وخاصة الخليجية لجعلها تتأقلم مع عناوين المشاريع الأمريكية والغربية لتطبيق الإصلاح والديمقراطية والحكم الصالح، وجعل العراق أنموذجا يحتذى به في منطقة الخليج العربي التي بدأت تبرز فيها عدة إشارات توحي بتأثيرات الوجود الأمريكي في العراق ومجريات العملية السياسية فيه: إجراء الانتخابات لاختيار الجمعية الوطنية ومجالس المحافظات. ومنها محاولات لتأسيس أحزاب إسلامية في الكويت (تأسيس حزب الأمة الكويتي الإسلامي) مرورا بالانتخابات البلدية في السعودية (بالرغم من الإخفاقات التي شابتها منها منع مشاركة النساء فيها)، وانتهاء ببروز دلائل على إمكانية اندلاع العنف في منطقة الخليج العربي (المواجهات الأمنية مع بعض العناصر في الكويت والتي أدت إلى إصابة بعض رجال الأمن الكويتيين في يناير2005 ) بعد أن دعت أكثر من جهة إلى خروج القوات الأجنبية ذات الوجود العسكري من المنطقة. لاشك في أن إرادة الاحتلال الأمريكي سوف لا تكون نتائجها محصورة بالساحة العراقية فحسب وإنما يمكن أن ينتقل صداها إقليمياً ودولياً وهو ما تشير إليه الكثير من الدلائل.
2- مستقبل الوضع الأمني:
تابع أغلب العراقيين ما عرضته القنوات المحلية العراقية من اعترافات لجهات تمارس العنف في العراق من مختلف الجنسيات، ويبرز أمام المراقب المنصف التساؤل الآتي: هل إن الملف الأمني يمكن أن يعالج من زاوية واحدة وهي المتابعة وإلقاء القبض على الفاعلين وعرضهم من على شاشات التلفاز فحسب؟ أم أن تبلور ونضوج ملامح الملف الأمني يحتاجان إلى عدة متطلبات. إذاً ما هي متطلبات تشكيل صورة الملف الأمني وسحبه نحو الاستقرار؟
الواقع أن معالجة الملف الأمني لا بد أن تشمل عدة قضايا من شأنها تعزيز الوضع الأمني وردم الثغرات التي يمكن أن تستغل لاتجاهه نحو الاضطراب والتأزم، ولعل من أبرزها هو سماع الرأي الآخر، حيث إن الواجب يقتضي من الحكومة العراقية التفتيش عن نوع من التقارب وإجراء الاتصالات مع الأطراف التي لها وجهة نظرها واحترامها لأنه لا يوجد في الكون من يقف بوجه أي شعب يريد أن يعبر عن موقفه وخاصة تجاه احتلال بلده عبر المقاومة المسلحة لأن هذه الحالة لا تقرها القوانين الوضعية في الدول فحسب، وإنما تقرها الشرائع السماوية المعاهدات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة كحق مشروع للدفاع عن النفس وتعزيز حق تقرير المصير. إذاً لا بد من وقفة موضوعية مع هذه الأطراف وبدء حوار جدي ووطني هدفه الاتفاق على صورة مشرفة لإنهاء هذه الحالة لأن أصل المشكلة هو وجود قوات الاحتلال وهذا الوجود هو مبرر لأي جهة أن ترفع السلاح من باب إخراج المحتل من البلاد. وعليه في حالة انعدام أي تقارب وسماع الرأي الآخر سيظل طرفا المعادلة في صراع عسكري وسياسي واقتصادي بالرغم من تفوق القوات الأمريكية إلا أن هذا التفوق لم يمنع استمرار المواجهات وبقاء نزيف الدم العراقي متواصلاً.
ومن المستلزمات الواجب تفعيلها للمحافظة على الاستقرار الأمني هي إشراك الأحزاب والعشائر ومنظمات المجتمع المدني في تعبئة شعبية لتأسيس إطار فكري للمجتمع لجعل واجب المحافظة على الأمن مسؤولية جماعية وليس مقتصراً على الأجهزة التنفيذية بحيث يصار إلى تكريس منطلقات المواطنة وحب الوطن وتعزيز صيغ التعاون بين الأهالي وأعمدة القوم ووجهاء المناطق لإشاعة الأمن والاستقرار، وأن استغلال جمهور الأحزاب والانتماءات القبلية وأعضاء المنظمات المدنية لتعزيز أطر الوحدة الوطنية من خلال التفكير بجدية في خلق وسائل تحجّم من نشاطات الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها سيدعم ركائز الوضع الأمني بصيغة أو بأخرى. ويسلط أغلب المراقبين الضوء على أهمية إيلاء ظاهرة انتشار البطالة بشكل واسع في المجتمع العراقي وضرورة تشغيل الشباب حسب إمكاناتهم العلمية ومؤهلاتهم في دوائر الدولة، أو زج العاطلين في مشاريع إعمار العراق، ناهيك عن ضرورة معالجة المسرّحين من وظائفهم في دوائر الإعلام والجيش العراقي، إذ إن هذه الشرائح عانت ومازالت تعاني منذ بدء الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من أبريل 2003 من قسوة الوضع الاقتصادي، وأن بقاء إشكالية عدم استغلالها ستعقد الوضع الأمني في العراق بسبب خشية انخراط البعض في مهمات يتقاضون منها أجوراً تساهم في خلخلة الوضع الأمني.
3- مستقبل الوضع الإداري والمؤسساتي:
لا شك في أن دوائر الدولة تواجه معضلات عديدة وخاصة التي لها علاقة بتقديم خدمات إلى المواطنين ومنها خدمات (الكهرباء والماء والوقود والتصريف الصحي والمجاري والصحة)، حيث مازالت تلك الخدمات دون المستوى المطلوب بحيث أصبحت تشغل اهتمامات المواطن العراقي لأنه يعيش في ظل ظلام دامس بعد أن ازدادت فترات القطع الكهربائي ناهيك عن تلوث المياه التي أثرت في صحة المواطن في ظل نقص الأدوية ورداءة الخدمات الصحية، أما مشكلة الوقود فحدّث ولا حرج فلقد أصيب المواطن بخيبة أمل بسبب عدم تمكنه من توفير المشتقات النفطية من نفط أبيض وبنزين وإذا توفرت فأسعارها لا تطاق. المهم أن المواطن عاش فترات عصيبة وهو ينتظر في طوابير تمتد كيلو مترات لانتظار التزود بالوقود فضلا عن حدوث امتعاض واشتباكات في محطات الوقود لحصول تسرب للبنزين وظهور السوق السوداء في هذا المجال، لذا بدأ المواطن يتساءل هل من المعقول أن العراق من البلدان الغنية في العالم التي تصدر المشتقات النفطية يعيش في ظل أزمات خانقة جراء صعوبة حصوله على احتياجاته من تلك المواد ؟
4- مستقبل الوحدة الوطنية:
مازال موضوع الوحدة الوطنية يثار في دائرة الحوار والنقاش والسؤال الذي يفرض نفسه هل العراق مازال مرشحاً في ظل الأوضاع السائدة لحدوث تفكك داخلي وتشرذم لكيانه السياسي؟ الواقع أن انقضاء عامين ونصف العام من الاحتلال تخللها استهداف البنى وركائز الوحدة الوطنية كاستهداف المراقد الدينية للسنة والشيعة والمسيحيين بأعمال مسلحة، ناهيك عن استهداف الناس أثناء أداء طقوسهم الدينية، فضلاً عن شعور بعض الأطراف بأنها مهمشة أو غير حاضرة في العملية السياسية، وطرح خيارات مستقبل العراق السياسي الذي قد تتم تجزئته إلى فيدراليات اتحادية يحكمها المركز، وهل ستكتفي أو تقبل بعض الأطراف بهذه الصيغة؟ كل هذه الإشكاليات مازالت تهدد الوحدة الوطنية لأن احتكاكاً بين أي طرف سياسي أو ديني مع الأطراف الأخرى قد يجر العراق إلى ويلات الحرب الأهلية، لأن كل طرف يحاول تبرير آرائه وقد يتطور الأمر إلى حدوث تصادم بين تلك الأطراف لا تحمد عواقبه.
5- مستقبل العملية السياسية:
أمام العراق أقل من عام لبناء الخريطة السياسية لينتقل إلى نهاية عام 2005 لطرح حكومة جديدة واستفتاء على الدستور وخلال هذه الفترة لا بد أن تتفهم القوى السياسية التي نجحت في الحصول على مقاعد داخل الجمعية الوطنية لترتيب أوضاعها واستخدام لغة التوافق والتجانس عند توزيع الحقائب الوزارية وعدم نسيان أي قوى سياسية لم تشارك في الانتخابات لفسح المجال أمامها لإشغال مناصب ودرجات وزارية مهمة للخروج من هذه المرحلة الانتقالية بأقل التكاليف وأفضل الإنجازات، لا سيما أن الجميع يتفق على سلامة النيات للمحافظة على مكاسب انتخابات 30 يناير 2005 لإرساء العملية الديمقراطية في العراق والتفرغ لإشكالية الاحتلال لحسمها وجدولة خروج القوات الأجنبية لتحجيم تصاعد الانفلات الأمني والتفرغ لمهمة بناء العراق وتحسين الوضع الاقتصادي والانتقال إلى مراحل جديدة من بناء العراق الجديد.
سيناريوهات مستقبلية للعراق
قد يكون من المجازفة استقراء أوضاع العراق السياسية لفترة تزيد أكثر من عام، لأن وضع إطار مستقبلي أبعد من ذلك قد يكون نوعاً من المبالغة في ظل تسارع الأوضاع لما سيكون عليه العراق بعد عام وهي تندرج فيما يلي:
1- عدم استقرار الوضع السياسي:
بعد إجراء الانتخابات العراقية في 30 يناير2005 واجهت العملية السياسية في العراق عدة إشكاليات منها انتخاب الحكومة العراقية لمدة عام من قبل الجمعية الوطنية المنتخبة وما يرتبط بها من توزيع المناصب الحكومية، حيث تطالب أكثر من جهة سياسية عراقية بمنحها قسطا وافيا من الدرجات الوزارية والحكومية سواء كانت لها مقاعد داخل الجمعية الوطنية، أو خارجها. فالسؤال المطروح: هل ستستطيع القوى السياسية العراقية طرح مبادئ التوافق والتراضي لتوزيع الحقائب الوزارية والدرجات الحكومية المهمة وخاصة في المناصب السيادية؟ وهل ستستطيع إرضاء كل من يريد أن يكون له مكان داخل هذه الحكومة؟ الدلائل تشير إلى أنه حتى لو خرجت تشكيلة الحكومة العراقية بأعلى درجات التناغم إلا أنها سوف لا تضم كل الأطراف في الساحة العراقية وعلى رأسها القوى التي تعارض الوجود العسكري الأمريكي، وإذا فكرت القوى السياسية بمنح هذه الأطراف حقائب وزارية فما هي صيغة التعامل مع الاحتلال الأمريكي: هل بمقدورها القول إلى قوات الاحتلال والوجود العسكري الأجنبي أن دورها قد انتهى وحان الوقت ليمارس العراقيون دورهم في إدارة شؤونهم؟ والجواب عن ذلك قد يكون سلبياً لأن أغلب القوى السياسية العراقية التي حازت على مقاعد داخل الجمعية الوطنية تعتقد أن رحيل القوات الأمريكية مازال مبكراً في ظل عدم استقرار واستتباب الأوضاع الأمنية. إذاً متى ستستقر الأوضاع في ظل تصاعد العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال الأمريكي؟ لذلك وفي ظل تصارع إرادات القوى السياسية التي تمارس العملية السياسية داخل الجمعية الوطنية أو خارجها سواء كانت التي تعارض الاحتلال سلميا أو عسكريا من المؤكد أن صورة المشهد السياسي العراقي ستكون غير مستقرة.
2- استقرار الوضع السياسي:
في هذا السيناريو قد تسير الحياة السياسية بصورة طبيعية من دون مشكلات أو على الأقل من دون عراقيل، فقد تشكل الحكومة العراقية بعد أن يمثل فيها أغلب القوى السياسية العراقية، وستنتج عن ذلك محاولات الحكومة المنتخبة معالجة عدة ملفات ساخنة ومهمة، لعل من أبرزها جدولة انسحاب قوات الاحتلال، والتعامل مع القوى التي تعارض الوجود الأجنبي غير المشروع وخاصة العسكري بنوع من الموضوعية والواقعية بعد أن تستمع إلى آرائها ومحاولة جذبها إلى العملية السياسية إذا كان ذلك ممكنا مع إبقاء عامل المواجهة العسكرية مع قوات الاحتلال خياراً لها في حالة عدم الوصول إلى صيغ توافقية إلا الرابط المشترك في القوى السياسية المؤتلفة وهو حماية الوحدة الوطنية العراقية من أي محاولة لضربها أو استهداف بنيتها. ويبدو أن تحقيق السيناريو الأول أكثر حظاً من إمكانية حدوث السيناريو الثاني.
::/fulltext::
::cck::2413::/cck::
