العراق والأمم المتحدة بعد الاحتلال الأمريكي: ازدواجية الرؤية والفع
::cck::2422::/cck::
::introtext::
بأي طريقة يمكن الحكم على تجربة الأمم المتحدة في العراق، هل بطريقة التراجع إلى الوراء أم بطريقة التقدم نحو الأمام؟ يمكن القول إن تجربة الأمم المتحدة تأرجحت ما بين هذين النهجين طوال الفترة ما قبل وبعد الاحتلال الأمريكي، فتجربتها وسياستها في العراق تتمان في إطار علاقة اعتمادية تتسم بالتناقض الحاد ما بين وجهين من أوجه هذه السياسة، الوجه الأول ينطوي على كون سياستها كانت مصدراً للشك مزدوجاً مع الخطورة الناجمة عن إسباغ المشروعية على الاحتلال الأمريكي، أما الوجه الثاني فانطوى على حقيقة أن مصلحة الأمم المتحدة وواجبها الدولي يقتضيان العمل بكل ما من شأنه توفير السلم والاستقرار في العراق.
::/introtext::
::fulltext::
بأي طريقة يمكن الحكم على تجربة الأمم المتحدة في العراق، هل بطريقة التراجع إلى الوراء أم بطريقة التقدم نحو الأمام؟ يمكن القول إن تجربة الأمم المتحدة تأرجحت ما بين هذين النهجين طوال الفترة ما قبل وبعد الاحتلال الأمريكي، فتجربتها وسياستها في العراق تتمان في إطار علاقة اعتمادية تتسم بالتناقض الحاد ما بين وجهين من أوجه هذه السياسة، الوجه الأول ينطوي على كون سياستها كانت مصدراً للشك مزدوجاً مع الخطورة الناجمة عن إسباغ المشروعية على الاحتلال الأمريكي، أما الوجه الثاني فانطوى على حقيقة أن مصلحة الأمم المتحدة وواجبها الدولي يقتضيان العمل بكل ما من شأنه توفير السلم والاستقرار في العراق.
إن هذه الصورة التي رسمتها الظروف والمستجدات الحالية حول دور المنظمة الدولية في العراق توحي بالمحدودية الشديدة للتفاؤل، وتطرح أمامنا تساؤلات عدة حول مدى إمكانية هذه المنظمة وقدرتها على خوض تجارب عملياتية في مناطق أخرى من العالم في المستقبل المنظور؟
تصرف خارج نطاقها وقرار في إطارها
بعد أن فشلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الحصول على مشروع قرار من مجلس الأمن يبيح لها استخدام القوة ضد العراق، اتجه خيارها نحو خوض الحرب دون الحصول على إذن مسبق من الأمم المتحدة وتقرير نتيجة الحرب لصالحها وهو ما تم فعلاً، مما أوقع المنظمة الدولية في مأزق حرج كونها لم تتعرض جدياً لمناقشة الأزمة العراقية بشكل يقي الجميع أخطار الحرب.
ومع ذلك وبعد وقوع الحرب ارتفعت أصوات عراقية متعددة مطالبة بضرورة إشراك المنظمة الدولية في عملية بناء العراق نظراً لامتلاكها تجارب سابقة مشهود بنجاحها كما في تيمور الشرقية، لكن الولايات المتحدة تحدّت هذه المطالب مدّعية أنها تملك المقدرة الكافية على تحقيق هذا الهدف من دون الاستعانة بالأمم المتحدة، غير أن تزايد الاحتجاجات الدولية حول انتفاء مشروعية الحرب على العراق، والصعوبات التي واجهتها الولايات المتحدة في الساحة العراقية قد شكلت دافعاً قوياً لدى واشنطن للاستعانة بخدمات المنظمة الدولية مرة أخرى.
إن هذا بدوره يجعلنا نتساءل عن الدوافع القوية التي حفزت الولايات المتحدة على اتخاذ مثل هذا الإجراء والتراجع عن موقفها السابق:
1- اكتساب المشروعية اللازمة لسياستها العراقية بدءاً من الحرب ومروراً بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي وانتهاء بالإعداد للمرحلة المقبلة.
2- إزالة العوائق النفسية داخل العراق وخارجه التي بمقدورها تقييد أعمالها الحالية والمستقبلية وإضفاء طابع الشك والريبة عليها.
3- تشجيع الإحساس والشعور المتناميين برغبة الولايات المتحدة وهدفها في بناء عراق قوي ومستقل في إطار المنظمة الدولية وليس استغلاله ونهب ثرواته كما يشاع.
وفي المنحى ذاته نتساءل أيضاً عن الدوافع التي حثّت المنظمة على تلبية الطلب الأمريكي:
1-العودة ثانية وبقوة إلى الساحة العراقية التي أبعدتها عنها الولايات المتحدة قسراً.
2-تسريع وتائر إنهاء الاحتلال ووضع الإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك.
لذا جاء قرار 1483 الصادر في 22 أيار 2003 خطوة في هذا السبيل، ورغم أن هذا القرار نص على رفع العقوبات الدولية المفروضة على العراق منذ عام 1991، وقدم إطاراً دولياً لجهود إعادة الإعمار، غير أنه أسبغ المشروعية على الاحتلال الأمريكي ومنح سلطاته الإشراف على صندوق تنمية العراق الذي أنشئ بموجب هذا القرار.
كان من الطبيعي أن يصاب العراقيين بخيبة أمل نتيجة قيام المنظمة الدولية بمنح المشروعية للاحتلال الأمريكي والتصديق على سياساته ومن ثم تحمل أعباء الحرب والوجود العسكري الأمريكي في العراق ونفقاته عبر توفير الغطاء الدولي لها وهو ما كانت ترغب فيه واشنطن باستمرار، غير أن وجود المنظمة الدولية في العراق عبر هذا القرار وإن اتسم بمحدودية الفعالية أعطى بارقة أمل للعراقيين بأن المستقبل سيحمل معه مشاركة أوسع وأعمق تأثيراً للمنظمة في العراق.
تفجير محصلته الانسحاب
ساد مخططي السياسة الأمريكية بعد صدور القرار الآنف الذكر اعتقاد مفاده بأن أفكارهم ومشاريعهم قابلة للتوظيف في قرارات دولية، لذا لم يتوانوا عن بذل المزيد من الجهود لاستصدار قرار آخر من المنظمة الدولية يجيز تشكيل قوة دولية لحفظ السلام في العراق شريطة أن تكون تحت القيادة الأمريكية كما حصل أثناء الحرب الكورية 1950-1953 لكن الأمم المتحدة ونتيجة لاعتبارات الخشية من التورط في أعمال الاحتلال الأمريكي مالت إلى الرفض القاطع لهذا المشروع.
ويبدو أن مكافأتها كانت تفجير مبناها في بغداد في آب 2003 ليتحول التفاؤل الحذر إلى تشاؤم كبير لدى العراقيين عبر إعلان المنظمة الدولية سحب هيئاتها وموظفيها من العراق تاركة العراقيين يواجهون مصيرهم بمفردهم مع الاحتلال ويغرقون في بحر الفوضى الذي كان التخريب ومنه التفجير الأخير إحدى مسلماتها، وكأنها أرادت أن توصل رسالة لهم تبلغهم فيها أن الاعتماد عليها أكثر من المعتاد أمر غير مضمون العواقب.
وأياً كانت الجهة المسؤولة عن التفجير، والذي طال الاتهام عدداً كبيراً منها وبضمنها سلطات الاحتلال فإن الخاسر الأكبر كان الشعب العراقي الذي تركت مساهمات الأمم المتحدة وأعمالها في العراق طوال السنوات الماضية انطباعاً ايجابياً لديه بأن تفعيل دورها بعد الاحتلال يمكن أن يساعد العراق على تجاوز محنته الحالية، أما الرابح الأكبر فكان الولايات المتحدة التي كانت تحدوها الرغبة دائماً في إزاحة الأمم المتحدة عن الساحة العراقية والاستفراد بها وإفهامها أن وجودها في هذه الساحة مرهون بإرادة واشنطن وعلى وفق حاجاتها الملحة.
تشكيل الحكومة وبداية عهد جديد
كان من دواعي الأسف أن ترضخ الأمم المتحدة للضغوط التي تعرضت لها في العراق بعد التفجير وتسمح بتآكل دورها تدريجياً مما زاد من القلق الدولي حول تذبذب أداء الأمم المتحدة وضعف استجابتها للحدث. ويبدو أن المنظمة الدولية تنبهت لهذا الواقع، لذا لم تتردد في الإقدام على خطوة قبول رغبة واشنطن والأطراف العراقية في مساعدتهما على تشكيل الحكومة العراقية للخروج من وضع الاحتلال إلى وضع استعادة السيادة (وإن كانت هذه السيادة منقوصة) وأدركت أن عليها إقامة توازن فعّال يعكس إطاراً ذا أوجه أربعة، أولاً: الالتزام بأكبر قدر من الحياد والاستقلالية في تشكيل حكومة وطنية تمثل المصالح المختلفة للشعب العراقي، ثانياً : ضمان حصول هذه الحكومة على دعم الولايات المتحدة (الفاعل الرئيسي في العراق) ومساعدتها، ثالثاً : استعادة الثقة بدورها وإمكان الاعتماد عليها في المهمات الصعبة، رابعاً: إقناع العراقيين بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، فالأوضاع الأمنية الخطيرة في العراق سلّمت باستحالة أن يكون الجو مهيأً لتشكيل حكومة بناء ً على انتخابات عامة ومن ثم فإن اختيار حكومة غير منتخبة أمر ليس مفروضاً عليه ولكنه أمر أملته الظروف الحالية.
وانطلاقاً من هذه الرؤية واستجابة لطلب رئيس مجلس الحكم الانتقالي في رسالته التي بعثها إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 17 أيار 2004 مبدياً رغبة العراقيين في أن تنهض المنظمة الدولية بمهمة مساعدة بلادهم في تشكيل الحكومة، وتندرج في هذا الإطار رغبة سلطات الاحتلال ممثلة في الحاكم المدني للعراق آنذاك بول بريمر من أجل بناء توافق في الآراء بين العراقيين بشأن تشكيل الحكومة وهيئاتها حسب ادعائه، لذا واستجابة لهذه الرغبات لم يتورع الأمين العام عن إرسال ممثله الخاص الأخضر الإبراهيمي إلى العراق، حيث أجرى الأخير مشاوراته في رحلتين قام بهما في شهري نيسان وأيار 2004 مع الأحزاب والتنظيمات والقوى السياسية والمدنية من أجل استطلاع آرائهم حول تشكيلة هذه الحكومة، وبالفعل استطاع الإبراهيمي وبعد جهود مضنية التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المختلفة لتشكيل الحكومة التي استلمت السلطة في 28 حزيران 2004، ورغم صورية هذا الاستلام غير أن الإبراهيمي نجح في مهمته عبر تشكيل حكومة تضمنت حسب قوله “ما يكفي من المناصب ذات الأهمية الحقيقية والرمزية التي تسمح لمعظم الفئات المستهدفة الرئيسية إن لم يكن كلها أن تشعر بأنها ممثلة معترفاً بأنه “ليس من شأن عملية الاختيار – اختيار الحكومة – أن تكون غير سليمة وغامضة، كما أنه سيكون من الظلم لشعب العراق أن يدعي غير ذلك”.
والسؤال الذي يطرح هنا هو لماذا استدعت الولايات المتحدة المنظمة الدولية من أجل هذه المهمة؟ أليست مقاليد الأمور في العراق كلها بيدها؟ ألم يكن باستطاعتها تشكيل الحكومة وحدها من دون مشاركة أحد؟ الحقيقة أن الولايات المتحدة أدركت أنها بتشكيلها لهذه الحكومة تكون قد قضت على مصداقيتها – أي الحكومة – ووأدتها في مهدها حتى قبل أن ترى النور مانحة الفرصة للعراقيين لنبذها وعدم التعامل معها بافتراض أنها ألعوبة بيد الأمريكيين، لكن اختيار جهة تمتلك نوعاً من المصداقية والحيادية في عملها كالأمم المتحدة سيمكن واشنطن من تحقيق غرضين مزدوجين، الأول: الحصول على اعتراف معظم، إن لم يكن كل العراقيين، بحقيقة وجود هذه الحكومة وضرورة الخضوع لأوامرها، والثاني: استخدام هذه الحكومة كغطاء لتمرير العديد من الإجراءات والترتيبات والتغييرات التي ترغب واشنطن في إجرائها.
فضيحة النفط مقابل الغذاء..هل من سبيل للتواصل ثانية؟
بعد نجاحها في مهمة تشكيل الحكومة تنفست المنظمة الدولية الصعداء ثانية في العراق، غير أن فضيحة النفط مقابل الغذاء جاءت لتوجه ضربة قاصمة لجهود المنظمة ولتشكل انتكاسة وتراجعاً كبيراً لها. إن هذه الفضيحة زعزعت أركان مصداقية المنظمة الدولية التي قدمت نفسها طوال الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بوصفها حاملة لواء السلم والأمن الدوليين، فالمنظمة الدولية التي كان يعول عليها كثيراً في التخفيف من معاناة الشعب العراقي عبر الالتزام بتنفيذ هذا البرنامج الذي بدأ العمل به في عام 1996 لم تتردد في استغلال أموال هذا الشعب وإهدارها بشكل يدعو للاستغراب والدهشة. ومرة أخرى ارتفعت أصوات عراقية ودولية مطالبة بإجراء تحقيق شامل حول هذه الفضيحة ومعاقبة كل من يثبت تورطه من موظفي المنظمة الدولية في هذه القضية وإعادة الأموال المسروقة إلى الشعب العراقي.
ونتيجة لتزايد الضغوط الدولية عليه شكل الأمين العام للمنظمة كوفي أنان لجنة برئاسة الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بول فولكر للتحقيق في الموضوع استمرت في أعمالها بضعة أشهر لتصل إلى نتيجة مؤداها تورط عدد من موظفي المنظمة الدولية وعلى رأسهم مدير البرنامج بينون سيفان الذي اعترف التقرير بأن “تصرفه غير مناسب أخلاقيا وقوض بدرجة كبيرة نزاهة الأمم المتحدة”.
وأعرب الأمين العام عن شعوره بالصدمة لما خلصت إليه نتيجة التقرير، وأعطى أوامر باتخاذ إجراءات انضباطية ضد سيفان واعترف بأن ((تقرير اللجنة واضح جداً وهو يقدم توصيات جدية إلى المجلس ويدعوه إلى اتخاذ إجراءات سريعة لا لتقديم المسؤولين عن ارتكاب جرائم خطيرة إلى العدالة وإنما ليكون تحذيراً إلى الآخرين أيضاً)).
إننا نتساءل هنا مدفوعين بدهشتنا هل كانت الفضيحة بمستوى الحجم الذي صورته وسائل الإعلام العالمية بأنه أسوأ فضائح الفساد في التاريخ العالمي، وأنه تسبب للعراق بخسارة مليارات الدولارات؟ وهل فعلاً ثبت تورط عدد من المسؤولين الكبار في المنظمة الدولية عدا سيفان وبضمنهم نجل كوفي أنان، كما ادعت اللجنة المستقلة التي شكلها مجلس الشيوخ الأمريكي للتحقيق في هذه القضية؟ هذه الأسئلة التي باتت تطرق بقوة أذهان الكثير من الباحثين والساعين إلى معرفة الحقائق كاملة تتقرر الإجابة عنها من خلال فهم مغزى الحملة الإعلامية التي قادها مسؤولون وصحفيون أمريكيون محسوبون على اليمين الأمريكي لإثبات تورط الأمم المتحدة والتي لها جانبان:
الجانب الأول: إخراج الولايات المتحدة من هذه الفضيحة وساحتها مبرأة مقابل تجريم المنظمة الدولية واتهامها بأنها وحدها المسؤولة عما جرى لضرب مصداقيتها تمهيداً لإبعادها عن الساحة العراقية، فعبر إثبات أن يدها ملوثة بسرقة أموال الشعب العراقي يتوفر لواشنطن المسوغ الشرعي لإثبات حقيقة أن الأمم المتحدة لا يمكن الركون إليها لمساعدة العراق مستقبلاً.
هل الولايات المتحدة فعلاً بريئة من هذه الفضيحة (رغم إننا لا نبرئ هنا ساحة المنظمة الدولية التي ثبت تورطها فعلاً)؟ الجواب كلا، فهذا البرنامج وقبل البدء بسريان تنفيذه في إطار المنظمة الدولية التي وضعت آلية بالغة التعقيد والدقة للمراقبة قد حظي بمباركة واشنطن التي كانت تتزعم تحالفاً دولياً صارماً لتشديد قبضة الحصار المفروض على العراق، كما أنها كانت على علم بالكثير من التجاوزات التي رافقت عمل البرنامج، ولكنها كانت تتغاضى عنها أحيانا لغاية في نفس يعقوب ودلالة ذلك أنها كشفت عن حقائق وأرقام غاية في الدقة عن تجاوزات هذا البرنامج (من أين حصلت عليها؟)، كما أن الولايات المتحدة كانت تؤدي دوراً نشطاً ذا فعالية في لجنة 661 المكلفة بفرض العقوبات على العراق، ووضعت تحت تصرف مندوبها في اللجنة فريقاً من 60 خبيراً لفحص العقود التي كان يبرمها العراق مع الموردين، فكيف لم تنتبه لحقيقة أن بعض العقود كانت تترجم إلى رشى تدفع لنظام (صدام حسين كما ذكر جون رودجي في شهادته أمام لجنة العلاقات الدولية في مجلس الشيوخ الأمريكي في 28/4/2004)، فضلاً عن أن الأمم المتحدة غير مسؤولة عن عمليات تهريب النفط العراقي من قبل النظام السابق عبر الخليج العربي، فالبحرية الأمريكية التي كانت تتزعم قوة التدخل الدولية في الخليج كانت هي المكلفة بالمراقبة وليس الأمين العام للمنظمة.
الجانب الثاني: التغطية على تصرفات وسلوكيات إدارة الاحتلال في العراق، فالأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى تُظهر أن هناك مليارات الدولارات من أموال العراق تسرق تحت مرأى ومسمع سلطات الاحتلال وتحت إشرافها واتهام بول بريمر بسرقة أربعة مليارات دولار من صندوق التنمية أكبر دليل على ذلك، رغم أن قرار مجلس الأمن 1483 قد نص بألا تصرف الأموال المودعة في صندوق تنمية العراق إلا في حالة توفر شرطين، الإنفاق من قبل سلطة الاحتلال بالتشاور مع الحكومة العراقية ومراعاة الشفافية في إنفاق الأموال غير أنه لا يبدو أن شيئاً من ذلك قد تحقق.
ما المطلوب عراقياً من المنظمة الدولية مستقبلاً؟
بعدما تكشفت الحقائق هل نستطيع القول إن بالإمكان الارتكان ثانية إلى المنظمة الدولية في أي مسعى جدي لمساعدة العراق مستقبلاً سواء في إنجاز الأعمال السياسية ككتابة الدستور أو إجراء الانتخابات أو الأعمال الإنسانية وغيرها. إن القول بإمكانية استرجاع المنظمة الدولية لمصداقيتها لدى الشعب العراقي واكتساب ثقته ثانية وإشاعة جو من الثقة يمكن أن يشكل قاعدة أساسية للأنشطة المستقبلية في العراق مرهون بشكل أساسي بما يأتي:
1- العمل على كشف الحقائق كاملة بشأن التجاوزات التي رافقت تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء ومعاقبة المسؤولين علنياً.
2- التعهد بإعادة الأموال المسروقة من البرنامج إلى حكومة عراقية منتخبة دستورياً.
3- التزام جانب الحياد في أي نشاط مستقبلي داخل العراق من دون الانحياز لأي طرف.
4- الحرص على اختيار موظفين أمميين مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة للعمل داخل العراق.
5- العمل بشكل جدي على المستويين الإقليمي والعالمي وعبر إجراءات معينة لمساعدة الشعب العراقي على تجاوز صعوبات المرحلة الحالية.
وتتحدد أفضل التوقعات في المستقبل المنظور بأن هناك برنامجاً أمريكياً للانسحاب من العراق ( وإن كانت واشنطن ستحتفظ بقواعد عسكرية كما تؤكد الوقائع ) ولكن طبيعة هذا الخروج وشكله يمكن أن تحددهما الأمم المتحدة، حيث يعتقد أن واشنطن ستجد في المنظمة الدولية ضالتها المنشودة التي تحقق لها هدفها هذا بأقل عدد من الخسائر، فعبر استصدار قرار دولي يدعي فيه أن الولايات المتحدة حققت أهدافها في العراق بإرساء الديمقراطية وتعزيزها وإقامة نظام شرعي، لذا فإن مهمتها قد استكملت والانسحاب بات ضرورياً ووفق جدول تحدده المنظمة الدولية التي ستكون مدعوة برأينا إلى مسايرة الولايات المتحدة في رغبتها وهذا سيحقق لها أهدافا عدة ذات صفة توفيقية هي:
1- حفظ ماء وجه الولايات المتحدة التي سيكون خروجها من العراق مشرفاً وليس بوصفه هزيمة عسكرية يمكن أن تؤذي الولايات المتحدة وهيبتها العالمية.
2- تحقيق مصلحة الشعب العراقي بالتخلص من الوجود العسكري الأمريكي.
3- استعادة سمعتها التي فقدت جزءاً منها بسبب فضيحة النفط مقابل الغذاء ومساهمتها في توفير الشرعية للاحتلال الأمريكي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2422::/cck::
::introtext::
بأي طريقة يمكن الحكم على تجربة الأمم المتحدة في العراق، هل بطريقة التراجع إلى الوراء أم بطريقة التقدم نحو الأمام؟ يمكن القول إن تجربة الأمم المتحدة تأرجحت ما بين هذين النهجين طوال الفترة ما قبل وبعد الاحتلال الأمريكي، فتجربتها وسياستها في العراق تتمان في إطار علاقة اعتمادية تتسم بالتناقض الحاد ما بين وجهين من أوجه هذه السياسة، الوجه الأول ينطوي على كون سياستها كانت مصدراً للشك مزدوجاً مع الخطورة الناجمة عن إسباغ المشروعية على الاحتلال الأمريكي، أما الوجه الثاني فانطوى على حقيقة أن مصلحة الأمم المتحدة وواجبها الدولي يقتضيان العمل بكل ما من شأنه توفير السلم والاستقرار في العراق.
::/introtext::
::fulltext::
بأي طريقة يمكن الحكم على تجربة الأمم المتحدة في العراق، هل بطريقة التراجع إلى الوراء أم بطريقة التقدم نحو الأمام؟ يمكن القول إن تجربة الأمم المتحدة تأرجحت ما بين هذين النهجين طوال الفترة ما قبل وبعد الاحتلال الأمريكي، فتجربتها وسياستها في العراق تتمان في إطار علاقة اعتمادية تتسم بالتناقض الحاد ما بين وجهين من أوجه هذه السياسة، الوجه الأول ينطوي على كون سياستها كانت مصدراً للشك مزدوجاً مع الخطورة الناجمة عن إسباغ المشروعية على الاحتلال الأمريكي، أما الوجه الثاني فانطوى على حقيقة أن مصلحة الأمم المتحدة وواجبها الدولي يقتضيان العمل بكل ما من شأنه توفير السلم والاستقرار في العراق.
إن هذه الصورة التي رسمتها الظروف والمستجدات الحالية حول دور المنظمة الدولية في العراق توحي بالمحدودية الشديدة للتفاؤل، وتطرح أمامنا تساؤلات عدة حول مدى إمكانية هذه المنظمة وقدرتها على خوض تجارب عملياتية في مناطق أخرى من العالم في المستقبل المنظور؟
تصرف خارج نطاقها وقرار في إطارها
بعد أن فشلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الحصول على مشروع قرار من مجلس الأمن يبيح لها استخدام القوة ضد العراق، اتجه خيارها نحو خوض الحرب دون الحصول على إذن مسبق من الأمم المتحدة وتقرير نتيجة الحرب لصالحها وهو ما تم فعلاً، مما أوقع المنظمة الدولية في مأزق حرج كونها لم تتعرض جدياً لمناقشة الأزمة العراقية بشكل يقي الجميع أخطار الحرب.
ومع ذلك وبعد وقوع الحرب ارتفعت أصوات عراقية متعددة مطالبة بضرورة إشراك المنظمة الدولية في عملية بناء العراق نظراً لامتلاكها تجارب سابقة مشهود بنجاحها كما في تيمور الشرقية، لكن الولايات المتحدة تحدّت هذه المطالب مدّعية أنها تملك المقدرة الكافية على تحقيق هذا الهدف من دون الاستعانة بالأمم المتحدة، غير أن تزايد الاحتجاجات الدولية حول انتفاء مشروعية الحرب على العراق، والصعوبات التي واجهتها الولايات المتحدة في الساحة العراقية قد شكلت دافعاً قوياً لدى واشنطن للاستعانة بخدمات المنظمة الدولية مرة أخرى.
إن هذا بدوره يجعلنا نتساءل عن الدوافع القوية التي حفزت الولايات المتحدة على اتخاذ مثل هذا الإجراء والتراجع عن موقفها السابق:
1- اكتساب المشروعية اللازمة لسياستها العراقية بدءاً من الحرب ومروراً بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي وانتهاء بالإعداد للمرحلة المقبلة.
2- إزالة العوائق النفسية داخل العراق وخارجه التي بمقدورها تقييد أعمالها الحالية والمستقبلية وإضفاء طابع الشك والريبة عليها.
3- تشجيع الإحساس والشعور المتناميين برغبة الولايات المتحدة وهدفها في بناء عراق قوي ومستقل في إطار المنظمة الدولية وليس استغلاله ونهب ثرواته كما يشاع.
وفي المنحى ذاته نتساءل أيضاً عن الدوافع التي حثّت المنظمة على تلبية الطلب الأمريكي:
1-العودة ثانية وبقوة إلى الساحة العراقية التي أبعدتها عنها الولايات المتحدة قسراً.
2-تسريع وتائر إنهاء الاحتلال ووضع الإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك.
لذا جاء قرار 1483 الصادر في 22 أيار 2003 خطوة في هذا السبيل، ورغم أن هذا القرار نص على رفع العقوبات الدولية المفروضة على العراق منذ عام 1991، وقدم إطاراً دولياً لجهود إعادة الإعمار، غير أنه أسبغ المشروعية على الاحتلال الأمريكي ومنح سلطاته الإشراف على صندوق تنمية العراق الذي أنشئ بموجب هذا القرار.
كان من الطبيعي أن يصاب العراقيين بخيبة أمل نتيجة قيام المنظمة الدولية بمنح المشروعية للاحتلال الأمريكي والتصديق على سياساته ومن ثم تحمل أعباء الحرب والوجود العسكري الأمريكي في العراق ونفقاته عبر توفير الغطاء الدولي لها وهو ما كانت ترغب فيه واشنطن باستمرار، غير أن وجود المنظمة الدولية في العراق عبر هذا القرار وإن اتسم بمحدودية الفعالية أعطى بارقة أمل للعراقيين بأن المستقبل سيحمل معه مشاركة أوسع وأعمق تأثيراً للمنظمة في العراق.
تفجير محصلته الانسحاب
ساد مخططي السياسة الأمريكية بعد صدور القرار الآنف الذكر اعتقاد مفاده بأن أفكارهم ومشاريعهم قابلة للتوظيف في قرارات دولية، لذا لم يتوانوا عن بذل المزيد من الجهود لاستصدار قرار آخر من المنظمة الدولية يجيز تشكيل قوة دولية لحفظ السلام في العراق شريطة أن تكون تحت القيادة الأمريكية كما حصل أثناء الحرب الكورية 1950-1953 لكن الأمم المتحدة ونتيجة لاعتبارات الخشية من التورط في أعمال الاحتلال الأمريكي مالت إلى الرفض القاطع لهذا المشروع.
ويبدو أن مكافأتها كانت تفجير مبناها في بغداد في آب 2003 ليتحول التفاؤل الحذر إلى تشاؤم كبير لدى العراقيين عبر إعلان المنظمة الدولية سحب هيئاتها وموظفيها من العراق تاركة العراقيين يواجهون مصيرهم بمفردهم مع الاحتلال ويغرقون في بحر الفوضى الذي كان التخريب ومنه التفجير الأخير إحدى مسلماتها، وكأنها أرادت أن توصل رسالة لهم تبلغهم فيها أن الاعتماد عليها أكثر من المعتاد أمر غير مضمون العواقب.
وأياً كانت الجهة المسؤولة عن التفجير، والذي طال الاتهام عدداً كبيراً منها وبضمنها سلطات الاحتلال فإن الخاسر الأكبر كان الشعب العراقي الذي تركت مساهمات الأمم المتحدة وأعمالها في العراق طوال السنوات الماضية انطباعاً ايجابياً لديه بأن تفعيل دورها بعد الاحتلال يمكن أن يساعد العراق على تجاوز محنته الحالية، أما الرابح الأكبر فكان الولايات المتحدة التي كانت تحدوها الرغبة دائماً في إزاحة الأمم المتحدة عن الساحة العراقية والاستفراد بها وإفهامها أن وجودها في هذه الساحة مرهون بإرادة واشنطن وعلى وفق حاجاتها الملحة.
تشكيل الحكومة وبداية عهد جديد
كان من دواعي الأسف أن ترضخ الأمم المتحدة للضغوط التي تعرضت لها في العراق بعد التفجير وتسمح بتآكل دورها تدريجياً مما زاد من القلق الدولي حول تذبذب أداء الأمم المتحدة وضعف استجابتها للحدث. ويبدو أن المنظمة الدولية تنبهت لهذا الواقع، لذا لم تتردد في الإقدام على خطوة قبول رغبة واشنطن والأطراف العراقية في مساعدتهما على تشكيل الحكومة العراقية للخروج من وضع الاحتلال إلى وضع استعادة السيادة (وإن كانت هذه السيادة منقوصة) وأدركت أن عليها إقامة توازن فعّال يعكس إطاراً ذا أوجه أربعة، أولاً: الالتزام بأكبر قدر من الحياد والاستقلالية في تشكيل حكومة وطنية تمثل المصالح المختلفة للشعب العراقي، ثانياً : ضمان حصول هذه الحكومة على دعم الولايات المتحدة (الفاعل الرئيسي في العراق) ومساعدتها، ثالثاً : استعادة الثقة بدورها وإمكان الاعتماد عليها في المهمات الصعبة، رابعاً: إقناع العراقيين بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، فالأوضاع الأمنية الخطيرة في العراق سلّمت باستحالة أن يكون الجو مهيأً لتشكيل حكومة بناء ً على انتخابات عامة ومن ثم فإن اختيار حكومة غير منتخبة أمر ليس مفروضاً عليه ولكنه أمر أملته الظروف الحالية.
وانطلاقاً من هذه الرؤية واستجابة لطلب رئيس مجلس الحكم الانتقالي في رسالته التي بعثها إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 17 أيار 2004 مبدياً رغبة العراقيين في أن تنهض المنظمة الدولية بمهمة مساعدة بلادهم في تشكيل الحكومة، وتندرج في هذا الإطار رغبة سلطات الاحتلال ممثلة في الحاكم المدني للعراق آنذاك بول بريمر من أجل بناء توافق في الآراء بين العراقيين بشأن تشكيل الحكومة وهيئاتها حسب ادعائه، لذا واستجابة لهذه الرغبات لم يتورع الأمين العام عن إرسال ممثله الخاص الأخضر الإبراهيمي إلى العراق، حيث أجرى الأخير مشاوراته في رحلتين قام بهما في شهري نيسان وأيار 2004 مع الأحزاب والتنظيمات والقوى السياسية والمدنية من أجل استطلاع آرائهم حول تشكيلة هذه الحكومة، وبالفعل استطاع الإبراهيمي وبعد جهود مضنية التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المختلفة لتشكيل الحكومة التي استلمت السلطة في 28 حزيران 2004، ورغم صورية هذا الاستلام غير أن الإبراهيمي نجح في مهمته عبر تشكيل حكومة تضمنت حسب قوله “ما يكفي من المناصب ذات الأهمية الحقيقية والرمزية التي تسمح لمعظم الفئات المستهدفة الرئيسية إن لم يكن كلها أن تشعر بأنها ممثلة معترفاً بأنه “ليس من شأن عملية الاختيار – اختيار الحكومة – أن تكون غير سليمة وغامضة، كما أنه سيكون من الظلم لشعب العراق أن يدعي غير ذلك”.
والسؤال الذي يطرح هنا هو لماذا استدعت الولايات المتحدة المنظمة الدولية من أجل هذه المهمة؟ أليست مقاليد الأمور في العراق كلها بيدها؟ ألم يكن باستطاعتها تشكيل الحكومة وحدها من دون مشاركة أحد؟ الحقيقة أن الولايات المتحدة أدركت أنها بتشكيلها لهذه الحكومة تكون قد قضت على مصداقيتها – أي الحكومة – ووأدتها في مهدها حتى قبل أن ترى النور مانحة الفرصة للعراقيين لنبذها وعدم التعامل معها بافتراض أنها ألعوبة بيد الأمريكيين، لكن اختيار جهة تمتلك نوعاً من المصداقية والحيادية في عملها كالأمم المتحدة سيمكن واشنطن من تحقيق غرضين مزدوجين، الأول: الحصول على اعتراف معظم، إن لم يكن كل العراقيين، بحقيقة وجود هذه الحكومة وضرورة الخضوع لأوامرها، والثاني: استخدام هذه الحكومة كغطاء لتمرير العديد من الإجراءات والترتيبات والتغييرات التي ترغب واشنطن في إجرائها.
فضيحة النفط مقابل الغذاء..هل من سبيل للتواصل ثانية؟
بعد نجاحها في مهمة تشكيل الحكومة تنفست المنظمة الدولية الصعداء ثانية في العراق، غير أن فضيحة النفط مقابل الغذاء جاءت لتوجه ضربة قاصمة لجهود المنظمة ولتشكل انتكاسة وتراجعاً كبيراً لها. إن هذه الفضيحة زعزعت أركان مصداقية المنظمة الدولية التي قدمت نفسها طوال الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بوصفها حاملة لواء السلم والأمن الدوليين، فالمنظمة الدولية التي كان يعول عليها كثيراً في التخفيف من معاناة الشعب العراقي عبر الالتزام بتنفيذ هذا البرنامج الذي بدأ العمل به في عام 1996 لم تتردد في استغلال أموال هذا الشعب وإهدارها بشكل يدعو للاستغراب والدهشة. ومرة أخرى ارتفعت أصوات عراقية ودولية مطالبة بإجراء تحقيق شامل حول هذه الفضيحة ومعاقبة كل من يثبت تورطه من موظفي المنظمة الدولية في هذه القضية وإعادة الأموال المسروقة إلى الشعب العراقي.
ونتيجة لتزايد الضغوط الدولية عليه شكل الأمين العام للمنظمة كوفي أنان لجنة برئاسة الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بول فولكر للتحقيق في الموضوع استمرت في أعمالها بضعة أشهر لتصل إلى نتيجة مؤداها تورط عدد من موظفي المنظمة الدولية وعلى رأسهم مدير البرنامج بينون سيفان الذي اعترف التقرير بأن “تصرفه غير مناسب أخلاقيا وقوض بدرجة كبيرة نزاهة الأمم المتحدة”.
وأعرب الأمين العام عن شعوره بالصدمة لما خلصت إليه نتيجة التقرير، وأعطى أوامر باتخاذ إجراءات انضباطية ضد سيفان واعترف بأن ((تقرير اللجنة واضح جداً وهو يقدم توصيات جدية إلى المجلس ويدعوه إلى اتخاذ إجراءات سريعة لا لتقديم المسؤولين عن ارتكاب جرائم خطيرة إلى العدالة وإنما ليكون تحذيراً إلى الآخرين أيضاً)).
إننا نتساءل هنا مدفوعين بدهشتنا هل كانت الفضيحة بمستوى الحجم الذي صورته وسائل الإعلام العالمية بأنه أسوأ فضائح الفساد في التاريخ العالمي، وأنه تسبب للعراق بخسارة مليارات الدولارات؟ وهل فعلاً ثبت تورط عدد من المسؤولين الكبار في المنظمة الدولية عدا سيفان وبضمنهم نجل كوفي أنان، كما ادعت اللجنة المستقلة التي شكلها مجلس الشيوخ الأمريكي للتحقيق في هذه القضية؟ هذه الأسئلة التي باتت تطرق بقوة أذهان الكثير من الباحثين والساعين إلى معرفة الحقائق كاملة تتقرر الإجابة عنها من خلال فهم مغزى الحملة الإعلامية التي قادها مسؤولون وصحفيون أمريكيون محسوبون على اليمين الأمريكي لإثبات تورط الأمم المتحدة والتي لها جانبان:
الجانب الأول: إخراج الولايات المتحدة من هذه الفضيحة وساحتها مبرأة مقابل تجريم المنظمة الدولية واتهامها بأنها وحدها المسؤولة عما جرى لضرب مصداقيتها تمهيداً لإبعادها عن الساحة العراقية، فعبر إثبات أن يدها ملوثة بسرقة أموال الشعب العراقي يتوفر لواشنطن المسوغ الشرعي لإثبات حقيقة أن الأمم المتحدة لا يمكن الركون إليها لمساعدة العراق مستقبلاً.
هل الولايات المتحدة فعلاً بريئة من هذه الفضيحة (رغم إننا لا نبرئ هنا ساحة المنظمة الدولية التي ثبت تورطها فعلاً)؟ الجواب كلا، فهذا البرنامج وقبل البدء بسريان تنفيذه في إطار المنظمة الدولية التي وضعت آلية بالغة التعقيد والدقة للمراقبة قد حظي بمباركة واشنطن التي كانت تتزعم تحالفاً دولياً صارماً لتشديد قبضة الحصار المفروض على العراق، كما أنها كانت على علم بالكثير من التجاوزات التي رافقت عمل البرنامج، ولكنها كانت تتغاضى عنها أحيانا لغاية في نفس يعقوب ودلالة ذلك أنها كشفت عن حقائق وأرقام غاية في الدقة عن تجاوزات هذا البرنامج (من أين حصلت عليها؟)، كما أن الولايات المتحدة كانت تؤدي دوراً نشطاً ذا فعالية في لجنة 661 المكلفة بفرض العقوبات على العراق، ووضعت تحت تصرف مندوبها في اللجنة فريقاً من 60 خبيراً لفحص العقود التي كان يبرمها العراق مع الموردين، فكيف لم تنتبه لحقيقة أن بعض العقود كانت تترجم إلى رشى تدفع لنظام (صدام حسين كما ذكر جون رودجي في شهادته أمام لجنة العلاقات الدولية في مجلس الشيوخ الأمريكي في 28/4/2004)، فضلاً عن أن الأمم المتحدة غير مسؤولة عن عمليات تهريب النفط العراقي من قبل النظام السابق عبر الخليج العربي، فالبحرية الأمريكية التي كانت تتزعم قوة التدخل الدولية في الخليج كانت هي المكلفة بالمراقبة وليس الأمين العام للمنظمة.
الجانب الثاني: التغطية على تصرفات وسلوكيات إدارة الاحتلال في العراق، فالأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى تُظهر أن هناك مليارات الدولارات من أموال العراق تسرق تحت مرأى ومسمع سلطات الاحتلال وتحت إشرافها واتهام بول بريمر بسرقة أربعة مليارات دولار من صندوق التنمية أكبر دليل على ذلك، رغم أن قرار مجلس الأمن 1483 قد نص بألا تصرف الأموال المودعة في صندوق تنمية العراق إلا في حالة توفر شرطين، الإنفاق من قبل سلطة الاحتلال بالتشاور مع الحكومة العراقية ومراعاة الشفافية في إنفاق الأموال غير أنه لا يبدو أن شيئاً من ذلك قد تحقق.
ما المطلوب عراقياً من المنظمة الدولية مستقبلاً؟
بعدما تكشفت الحقائق هل نستطيع القول إن بالإمكان الارتكان ثانية إلى المنظمة الدولية في أي مسعى جدي لمساعدة العراق مستقبلاً سواء في إنجاز الأعمال السياسية ككتابة الدستور أو إجراء الانتخابات أو الأعمال الإنسانية وغيرها. إن القول بإمكانية استرجاع المنظمة الدولية لمصداقيتها لدى الشعب العراقي واكتساب ثقته ثانية وإشاعة جو من الثقة يمكن أن يشكل قاعدة أساسية للأنشطة المستقبلية في العراق مرهون بشكل أساسي بما يأتي:
1- العمل على كشف الحقائق كاملة بشأن التجاوزات التي رافقت تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء ومعاقبة المسؤولين علنياً.
2- التعهد بإعادة الأموال المسروقة من البرنامج إلى حكومة عراقية منتخبة دستورياً.
3- التزام جانب الحياد في أي نشاط مستقبلي داخل العراق من دون الانحياز لأي طرف.
4- الحرص على اختيار موظفين أمميين مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة للعمل داخل العراق.
5- العمل بشكل جدي على المستويين الإقليمي والعالمي وعبر إجراءات معينة لمساعدة الشعب العراقي على تجاوز صعوبات المرحلة الحالية.
وتتحدد أفضل التوقعات في المستقبل المنظور بأن هناك برنامجاً أمريكياً للانسحاب من العراق ( وإن كانت واشنطن ستحتفظ بقواعد عسكرية كما تؤكد الوقائع ) ولكن طبيعة هذا الخروج وشكله يمكن أن تحددهما الأمم المتحدة، حيث يعتقد أن واشنطن ستجد في المنظمة الدولية ضالتها المنشودة التي تحقق لها هدفها هذا بأقل عدد من الخسائر، فعبر استصدار قرار دولي يدعي فيه أن الولايات المتحدة حققت أهدافها في العراق بإرساء الديمقراطية وتعزيزها وإقامة نظام شرعي، لذا فإن مهمتها قد استكملت والانسحاب بات ضرورياً ووفق جدول تحدده المنظمة الدولية التي ستكون مدعوة برأينا إلى مسايرة الولايات المتحدة في رغبتها وهذا سيحقق لها أهدافا عدة ذات صفة توفيقية هي:
1- حفظ ماء وجه الولايات المتحدة التي سيكون خروجها من العراق مشرفاً وليس بوصفه هزيمة عسكرية يمكن أن تؤذي الولايات المتحدة وهيبتها العالمية.
2- تحقيق مصلحة الشعب العراقي بالتخلص من الوجود العسكري الأمريكي.
3- استعادة سمعتها التي فقدت جزءاً منها بسبب فضيحة النفط مقابل الغذاء ومساهمتها في توفير الشرعية للاحتلال الأمريكي.
::/fulltext::
::cck::2422::/cck::
