مستقبل العلاقات العراقية – السورية في ضوء الاحتلال الأمريكي للعراق
::cck::2439::/cck::
::introtext::
لقد استحدثت أحداث 11 أيلول 2001 أرضية جديدة للولايات المتحدة للتعامل بشكل مختلف وجديد مع دول العالم حيث اغتنمتها فرصة سانحة لإعادة رؤية العالم بمنظار جديد يعتمد الهيمنة المطلقة والمباشرة على أهم بقاع العالم اقتصادياً واستراتيجياً وأولها منطقة آسيا ذات الأغلبية المسلمة أولاً، والغنية بالثروات النفطية ثانياً وخاصة منطقة الخليج التي توضحت المعالم الاستراتيجية للولايات المتحدة فيها بشكل كبير بعد حرب الخليج الثانية من خلال طرح فكرة بناء هيكل أمريكي أمني جديد في المنطقة .
::/introtext::
::fulltext::
لقد استحدثت أحداث 11 أيلول 2001 أرضية جديدة للولايات المتحدة للتعامل بشكل مختلف وجديد مع دول العالم حيث اغتنمتها فرصة سانحة لإعادة رؤية العالم بمنظار جديد يعتمد الهيمنة المطلقة والمباشرة على أهم بقاع العالم اقتصادياً واستراتيجياً وأولها منطقة آسيا ذات الأغلبية المسلمة أولاً، والغنية بالثروات النفطية ثانياً وخاصة منطقة الخليج التي توضحت المعالم الاستراتيجية للولايات المتحدة فيها بشكل كبير بعد حرب الخليج الثانية من خلال طرح فكرة بناء هيكل أمريكي أمني جديد في المنطقة يعتمد على:
1- الحصول على النفط بشكل مستمر.
2- ضمان سيطرتها الكاملة على المنطقة بآبارها النفطية بحيث تضمن عدم سيطرة قوة (عدائية) على النفط وتصديره، وتلعب دوراً ضاغطاً على الدول المستهلكة والحليفة للولايات المتحدة الأمريكية.
3- الاستعداد لاستخدام القوة عند الضرورة لحماية هذه المصالح.
ووفقاً لهذه الرؤية الأمريكية الجديدة لمستلزمات الهيكل الأمني للمنطقة كان العراق يمثل المحور الأساسي أو العجلة التي تدير ماكنة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، والسيطرة على العراق تعني السيطرة على البوابة الشرقية للوطن العربي وما يترتب عليها من إعادة لترتيب خارطة آسيا العربية والأمنية والسياسية والاقتصادية والقيمية بشكل يضمن تساقط جميع الأنظمة بعدها أمام المخططات الأمنية الأمريكية المستقبلية كلعب “الدومينو” الواحد تلو الآخر ومن دون مقاومة.
إن تداعيات الحرب على العراق وما أعقبها من احتلال، تركت خلالها على طبيعة ومستقبل العلاقات العراقية – السورية لأنها تتأثر سلبياً وإيجابياً بتداعيات العدوان والاحتلال ولأسباب عدة، أولاً: إن سوريا من الدول التي صنفت على أنها دولة (مارقة) راعية للإرهاب ويجب معاقبتها وبالتالي فقد تكون أولى قطع الدومينو التي تسقط بعد العراق لا سمح الله. وثانياً: إن سوريا وبحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي من الصراع العربي – الصهيوني تمثل حلقة وسط بين العراق وإسرائيل، فمن جهة يجب تطويعها للسير بمباحثات السلام مع إسرائيل وتغيير موقفها السلبي منها، ومن جهة أخرى جعلها امتداداً للوجود الأمريكي المباشر في العراق، ودولة جوار موالية لجميع أشكال الاحتلال والترتيبات التي يطرحها سواء في العراق أو في المنطقة العربية ككل وأهمها مشروع الشرق الأوسط الكبير. وثالثاً: إن العراق يحتل بمؤهلاته وإمكاناته الجغرافية والاقتصادية والبشرية دوراً فعالاً ومؤثراً في العلاقات السورية – التركية أولاً لعلاقات الجوار مع البلدين وثانياً لالتقاء وتنافر المصالح معهما وتبعاً لذلك فإن مستقبل العلاقات السورية – العراقية يشير إلى احتمالات عدة.
إذاً، فدراسة العلاقات العراقية – السورية تشير إلى توتر وخلاف دائم بين البلدين وإن اتحدت أيديولوجيتهما، فقد اتسمت العلاقات بين سوريا والعراق ومنذ انقلاب حسني الزعيم عام 1948 بالخلافات والتوتر ووصلت في بعض مراحلها إلى العداء والقطيعة لسنوات طويلة وحتى بعد تسلم حزب البعث السلطة في بغداد ودمشق عام 1963 ووجود عقيدة واحدة في العاصمتين إلا أن العلاقات بقيت متسمة بالتجاذب والاستقطاب والمنافسة والتوتر، واختارت سوريا الوقوف إلى جانب إيران في حرب الخليج الأولى (1980-1988) وكذلك الوقوف إلى جانب قوات التحالف في حرب الخليج الثانية عام 1991 ضمن إعلان دمشق وهذا التوجه السوري المضاد للعراق كان لصالح مثلث عربي سوري – سعودي – مصري أسهم في دفع سوريا نحو تنازلات مهمة في عملية السلام، إلا أن العلاقات العراقية – السورية شهدت مع بداية عام 1996 نوعاً من التقارب والانفراج المحسوب بدقة من قبل الطرفين تدفعه عوامل عديدة منها تسلم بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 1997 فبدأت سوريا تسير باتجاه مختلف في علاقتها مع العراق، فاختارت نهج تطبيع العلاقات معه، كوسيلة لتوسيع هامش المناورة لديها مع إسرائيل فضلاً عن تزايد المخاطر المشتركة ضد سوريا والعراق من جراء التدخل التركي المتزايد في شمال العراق كما أن للدوافع الاقتصادية أثرها في توسيع وتعميق هذه العلاقات.
فالاقتصاد السوري يعاني من أزمات متكررة وفشل البعد الاقتصادي لإعلان دمشق وعدم حصوله على مساعدات كبيرة من دول الخليج، فضلاً عن تعثر مفاوضات السلام مع الكيان الصهيوني وجميعها كانت دوافع نحو تعميق هذه العلاقة مع العراق رغم أجواء الشك وعدم الثقة المتوارثة بين النظامين، يضاف إلى ذلك أن هذا التطور التدريجي للعلاقات جاء ليكمل سياسة التقاربات الإقليمية التي حدثت في المنطقة منها التقارب بين العراق – إيران، ومصر – إيران، في إطار سعي دول الإقليم لبناء معادلة شرق أوسطية لتحقيق حالة التوازن أمام التحالف التركي – الإسرائيلي من جهة وتعثر عملية السلام على المسارين الإسرائيلي – الفلسطيني والإسرائيلي – السوري من جهة ثانية. وبرز العراق كفاعل إقليمي مهم في هذه التوازنات وخاصة لسوريا حيث يمثل عمقاً استراتيجياً مهماً لها وكانت زيارة رئيس الوزراء العراقي السابق (طارق عزيز) لدمشق في 22 تشرين الثاني عام 1997 ولقائه مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام وتعاقب المواقف السورية الايجابية تجاه العراق ومنها معارضتها إقامة منطقة عازلة في شمال العراق. وأشار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في 5 تموز 1997 إلى إن تدمير العراق سيعقبه تدمير دول عربية أخرى، كما انتقدت الحظر الجوي المفروض على العراق عام 1998.
إن هذا التعاون على الرغم من أنه قد تجاوز مرحلة التكتيك إلى مرحلة تعميق العلاقات وجعلها هدفاً استراتيجياً لتغيير ملامح خارطة الشرق الأوسط، إلا إن سوريا بقيت حساسة في التعامل مع العراق فهي من جهة تتمسك بالشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن حيث صوتت لصالح الولايات المتحدة على أغلب القرارات المتعلقة بالعراق التي صدرت عن مجلس الأمن كونها عضواً غير دائم فيه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حرصت على تطوير العلاقات الاقتصادية مع العراق خاصة في المجال النفطي، فقد أكدت جهات عديدة معلومات تفيد بتدفق نحو (150) ألف برميل من النفط يومياً مما يوفر نحو مليار دولار للسوريين من قيمة الصادرات النفطية، كما أصدر الرئيس الراحل حافظ الأسد مرسوماً رئاسياً يسمح بفتح مكتب تجاري في بغداد بعد فتح بعثة دبلوماسية للعراق في سوريا هي الأولى بعد قطيعة استمرت ما يقارب عشرين عاماً.
ومع وصول الرئيس بشار الأسد إلى سدة الحكم تصاعدت مؤشرات التقارب خاصة مع سعي العراق الحثيث إلى اتخاذ خطوات عملية لكسر الحظر الاقتصادي والجوي المفروض عليه من خلال التوقيع على العديد من اتفاقيات التبادل التجاري بين البلدين واستعادة العلاقات الدبلوماسية مع دول عربية عديدة وأولها سوريا من جهة ثانية. ووصلت العلاقات ذروتها عام 2001 واشتداد الضغط الأمريكي على العراق ويمكن تحديد سبب التوسع في هذه العلاقات في الآتي:
1- إن العلاقات العراقية – العربية بدأت تأخذ اتجاهاً جديداً، فالحديث عن تطور هذه العلاقات وعودة العراق إلى الصف العربي لم يختلف عليه أغلب الدول العربية ما عدا الكويت والسعودية، وكثير من الدول العربية حاولت التوفيق بين العراق وكل من العراق والسعودية، وسوريا واحدة من هذه الدول، فزيارة الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى الكويت ومحاولته القيام بدور سوري في إطار التقريب بين الموقفين العراقي والكويتي لا تخرج عن هذا الإطار خاصة أن سوريا تسعى لضمان التوفيق بين خيارين الأول، عدم خسارة المحور الكويتي – السعودي المهم في الحسابات الاقتصادية والسياسية، والثاني، العراق وما يحمله من مكاسب اقتصادية واستراتيجية في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة تعاني منها سوريا.
2- القلق وعدم والتوازن في النظام الإقليمي العربي وتزايد نذر الحرب في ظل نظام عربي مضطرب وغير مهيأ لأي تقارب عربي – عربي ومن أي نوع.
ووفقاً لهذه الاعتبارات فقد تعززت مبررات التقارب، حيث ارتقت مستويات زيارات المسؤولين بين البلدين من مستوى الخبراء ووزراء الحقائب الفنية إلى مستوى زيارات المسؤولين خاصة من الجانب السوري فقد أبرمت بغداد ودمشق في شباط من عام 2001 اتفاقية للتجارة الحرة بينهما، كما أقيم معرض للمنتجات السورية في بغداد مطلع حزيران 2001 ثم تطبيق قواعد التجارة الحرة فيه، كما قامت الشركة العامة للري ومياه الشرب السورية في نهاية حزيران 2001 بتنفيذ مشروع مائي في العراق بقيمة 133 مليون يورو، بعد منافسة كبيرة مع شركات عالمية من الصين وتركيا وروسيا ويوغسلافيا. ووفقاً للتقديرات الرسمية فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2000 حوالي 500 مليون دولار، وقد ازدادت قيمة هذه المبادلات التجارية لتتجاوز في عام 2001 المليار دولار.
صفوة القول إنه رغم مؤشرات التصاعد هذه إلا أن هذا الجهد لم يرتق إلى إمكانية تعزيز أفق هذا التعامل عن طريق إبرام اتفاقيات أمنية وعسكرية لترجمة هذه الأهداف بما يتناسب والتحديات والمخاطر التي تعانيها المنطقة.
وبعد أحداث 11 أيلول تغيرت مسيرة العلاقات السورية – العراقية وتغير معها مسار المستقبل حيث دخل المتغير الأمريكي بشكل واضح في تحديد شكل وطبيعة هذه العلاقة ومستقبلها فقد أدركت سوريا الحاجة إلى توثيق علاقتها مع الولايات المتحدة بعد أحداث 11 أيلول وعبر سياسة اعتمدت التوفيق بين التعاون مع الولايات المتحدة في صراعها ضد تنظيم القاعدة وبين التمسك برؤيتها الخاصة والشاملة للمنطقة والتي ترى الولايات المتحدة أنها تضر بمصالحها الإقليمية والاستراتيجية فيها، ووفقاً لهذه الرؤية فقد أعلن الرئيس السوري بشار الأسد استنكاره لتلك الهجمات وعرض مساعدة سوريا القبض على المتهمين، ورغم هذه المساعدات إلا إن سوريا لم تستطع تبرئة نفسها أمام الساحة الأمريكية، وظل صانع القرار الأمريكي ينظر إلى سوريا على أنها أعلنت وقامت بالقليل وأخفت الكثير، وهذا ما أكده المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان (قلنا مراراً وتكراراً إن سوريا تقف في الجانب الخاطيء من الحرب على الإرهاب وإنه يتعين عليها الكف عن إيواء إرهابيين.
إن السوريين فعلوا أقل القليل في ما يتعلق بالإرهاب بما لا يتيح لنا ما يكفي من العمل) إلا إن العلاقات الأمريكية – السورية بقيت أسيرة تيارين منذ وصول إدارة بوش الحالية إلى البيت الأبيض، ومع الاستعدادات الأمريكية لضرب العراق ازداد التوتر في العلاقات السورية – الأمريكية لصالح توثيق العلاقة مع العراق فقد وقفت سوريا إلى جانب العراق في محاولة لإحباط الجهود الأمريكية لإقامة نظام أمريكي جديد في الشرق الأوسط لنفسها وبالنيابة عن إسرائيل فتم وضع “قانون محاسبة سوريا” في نيسان عام 2002 من عضو مجلس النواب الأمريكي اليوت انغل المعروف بنشاطه في اللوبي الصهيوني في الكونجرس الأمريكي وهذا القانون مثل ركيزة أساسية في العلاقات الأمريكية – السورية انعكست فيما بعد على العلاقات العراقية – السورية فهو من جهة لم يثن سوريا عن مساعدة العراق ومن جهة أخرى ألزم سوريا بعقوبات محتملة إذا لم تتخذ موقفاً مغايراً تجاه ملف العراق.
ومع احتلال العراق امتنعت سوريا عن الإدلاء بأية تصريحات أو مواقف تتعلق بالشأن العراقي، وأخذت في الاعتبار تغيرات الموقف فيما بعد وقد انقسم الموقف السوري إلى مرحلتين:
الأولى: مع بداية الاحتلال وفي هذه المرحلة كانت العلاقات السورية – الأمريكية قد بلغت حالة كبيرة من التوتر، الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقات العراقية – السورية حيث اتهمت سوريا بتصدير عوامل اللا استقرار في العراق من خلال إدخال عناصر مؤيدة للمقاومة أو تتعامل معها، كما اتهمت بدعم المقاومة مادياً وعسكرياً من دون أن يكون هناك دليل واضح على هذا الاتجاه ورغم الدعوات والتأكيدات على إن المقاومة عراقية وطنية خالصة إلا أن سوريا ظلت متهمة بنظر الإدارة الأمريكية ولذلك جاء موقفها متحفظاً على مجلس الحكم الذي اعتبرته تكريساً للطائفية ولا يمثل كافة أطياف الشعب العراقي ولذلك كان هنالك عدم اعتراف ضمني وصريح بمجلس الحكم رغم الزيارات التي قام بها أعضاء من مجلس الحكم إلى سوريا.
الثانية: بعد تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة وسعيها لإقامة علاقات جوار طبيعية ومتوازنة ودعوتها إلى حسم قضية الحدود التي تثير حسب رأيهم الانفلات الأمني، وشهدت هذه المرحلة تحسناً في العلاقات العراقية – السورية وتقارباً في وجهات النظر حول نقاط الخلاف الأساسية بين العراق وسوريا بعد الاحتلال والتي تتعلق بأمن الحدود المشتركة والأموال العراقية المودعة في المصارف السورية وقضية دعم المسلحين المناهضين لوجود قوات الاحتلال، ورغم أن سوريا كان لها تحفظها حول تسمية قوات الاحتلال بقوات متعددة الجنسيات إلا أنها تنظر إلى الحكومة الجديدة على أنها يمكن أن تكون جواز مرور نحو علاقات سورية – أمريكية جيدة وحوار أمريكي – سوري، وإدراك سوريا أن الوضع العراقي لا يمكن أن يستقر لفترات طويلة وأن الاحتلال سيبقى حتى مع تسلم السيادة فإن لغة الحوار والتعاون ستكون أساساً لعلاقات مستقبلية جيدة (وزيارة إياد علاوي إلى سوريا في 30 / 7 / 2004 بينت بشكل جلي هذا الإدراك السوري والحاجة العراقية لتعاون استراتيجي أمني مع دول راديكالية مثل سوريا).
وأمام هذه التطورات في العلاقات السورية – العراقية فإنه ليس من السهل التكهن بمستقبلها ووفق المستجدات العراقية فإنها تتجه نحو خيارات متعددة تتفق على ضرورة التعاون وتختلف بالآليات والأهداف، وهذه الخيارات يمكن تحديدها بسيناريوهات تأخذ إطارين، الأول: سيناريو التعاون الثنائي ضمن إطار العلاقات الثنائية وأن قراءة بسيطة لتاريخ العلاقات العراقية – السورية يشير إلى إنها علاقات تتسم بالفتور وبفترات طويلة من القطيعة
وكل دولة تحاول أن تلعب دوراً في لعبة الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط ومحيطه الإقليمي وحتى مع حالات التقارب بين البلدين فإنها بقيت مشوبة بالحذر وبقيت ترسبات الماضي ترمي بثقلها على أي خطوة للتقدم أو التوسع، وبعد احتلال العراق ربما ستأخذ منحى آخر وفق محددات جديدة تأخذ في الاعتبار عدة محددات:
1- تداعيات الاحتلال على البيئة الأمنية في المنطقة ودور العراق وما هي الدول المرشحة لملء الفراغ.
2- غموض وعدم استقرار الخارطة العراقية السياسية.
أما السيناريو الثاني فهو التعاون ضمن الإطار العربي فالتغير في الساحة العراقية والمصلحة الأمريكية يخلق بيئة أمنية حقيقية مستقرة تحمي المنطقة، وتدفع آليات الأمن الجماعي والتعاون العسكري الإقليمي ويمكن أن يسهم في توثيق العلاقات كحلقة مهمة في توازن الشرق الأوسط.
إن البنية الأمنية الجديدة للمنطقة تقوم على أساس خلق ديناميكيات للمنطقة بشكل يتلاءم وطموحات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة مستقبلاً وهي لا تفترض انسحاب الأخيرة من البنية التحتية التي تم تطويرها منذ عقد التسعينات واستطاعت توفير بنية أمنية إقليمية جديدة تقوم على تطوير آليات الأمن الجماعي – والترابط العسكري الإقليمي فضلاً عن مساهمتها في تأمين الإمكانات للإدارة الأمريكية للهيمنة على المنطقة فللولايات المتحدة الأمريكية مصلحة حقيقية في دفع آليات الأمن الجماعي والتعاون العسكري الإقليمي لتحقيق أهداف استراتيجيتها واستخدامها كقوة دفع ايجابية تتيح للمنطقة الدخول في إطار علاقات أمنية سلمية في مرحلة ما بعد الحرب على العراق. وهذا في الحقيقة هو حقيقة الدور الذي ترسمه الولايات المتحدة لمؤسسات العمل العربي المشترك، وخاصة مجلس التعاون الخليجي وبقدر تعلق الأمر بالعلاقات العراقية – السورية في ظل هذا المشروع، فبالنسبة للعراق لا تجد الولايات المتحدة مشكلة في انخراطه ضمن هذه الترتيبات، أما سوريا فقد صورته على أنه محاولة أمريكية جادة لصرف الأنظار عن الصراع العربي – الصهيوني مؤكدة أنه مرفوض وينبغي مجابهته.
وأنا كباحث أرى أن ما حدد في المشروع هو الذي سوف تفرضه الولايات المتحدة في المنطقة والعلاقات العراقية – السورية واحدة منها فالمشروع يشجع (التعاون الإقليمي المحسن) الذي يعتمد بشكل أساسي على التعاون ذي الطابع الاقتصادي الإقليمي مما يفضي إلى مسارات لجر العلاقات العراقية – السورية إلى مديات أوسع خاصة في ظل التقارب السوري – التركي، والسعي التركي لتبني المشروع وتنفيذه، ولذلك فقد يكون تطوير العلاقات التركية – السورية على حساب تطوير علاقتها مع العراق الذي رسم له لأن يكون محوراً أساسياً في ترتيبات الشرق الأوسط الكبير الذي تقوم فلسفته على حقيقة محددة هو أن (الشرق الأوسط غير المطروق بالإصلاحات يشكل تهديداً للعالم الغربي، فإذا كان مقدراً للأمم الغربية، وأمريكا على وجه الخصوص، أن تحمي نفسها من الهجمات الإرهابية المستقبلية فلابد لها من تغيير الشرق الأوسط) فضلاً عن المنطقة العربية ووفقاً لمشروع منطقة الشرق الأوسط الكبير (مقبلة على تغيير) مهمة، ستنعكس سلباً على قوة العمل العربي المشترك وعلاقاته التي سوف تكون مرتبطة ومتوجهة نحو الخارج أكثر من الداخل، وبالتالي فإن العلاقات العراقية – السورية سوف تكون حلقة ضمن حلقات من داخله ومتصلة في علاقات أوسع واكبر تجمعها المصلحة الاقتصادية والأمنية أكثر من الهوية والعروبة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2439::/cck::
::introtext::
لقد استحدثت أحداث 11 أيلول 2001 أرضية جديدة للولايات المتحدة للتعامل بشكل مختلف وجديد مع دول العالم حيث اغتنمتها فرصة سانحة لإعادة رؤية العالم بمنظار جديد يعتمد الهيمنة المطلقة والمباشرة على أهم بقاع العالم اقتصادياً واستراتيجياً وأولها منطقة آسيا ذات الأغلبية المسلمة أولاً، والغنية بالثروات النفطية ثانياً وخاصة منطقة الخليج التي توضحت المعالم الاستراتيجية للولايات المتحدة فيها بشكل كبير بعد حرب الخليج الثانية من خلال طرح فكرة بناء هيكل أمريكي أمني جديد في المنطقة .
::/introtext::
::fulltext::
لقد استحدثت أحداث 11 أيلول 2001 أرضية جديدة للولايات المتحدة للتعامل بشكل مختلف وجديد مع دول العالم حيث اغتنمتها فرصة سانحة لإعادة رؤية العالم بمنظار جديد يعتمد الهيمنة المطلقة والمباشرة على أهم بقاع العالم اقتصادياً واستراتيجياً وأولها منطقة آسيا ذات الأغلبية المسلمة أولاً، والغنية بالثروات النفطية ثانياً وخاصة منطقة الخليج التي توضحت المعالم الاستراتيجية للولايات المتحدة فيها بشكل كبير بعد حرب الخليج الثانية من خلال طرح فكرة بناء هيكل أمريكي أمني جديد في المنطقة يعتمد على:
1- الحصول على النفط بشكل مستمر.
2- ضمان سيطرتها الكاملة على المنطقة بآبارها النفطية بحيث تضمن عدم سيطرة قوة (عدائية) على النفط وتصديره، وتلعب دوراً ضاغطاً على الدول المستهلكة والحليفة للولايات المتحدة الأمريكية.
3- الاستعداد لاستخدام القوة عند الضرورة لحماية هذه المصالح.
ووفقاً لهذه الرؤية الأمريكية الجديدة لمستلزمات الهيكل الأمني للمنطقة كان العراق يمثل المحور الأساسي أو العجلة التي تدير ماكنة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، والسيطرة على العراق تعني السيطرة على البوابة الشرقية للوطن العربي وما يترتب عليها من إعادة لترتيب خارطة آسيا العربية والأمنية والسياسية والاقتصادية والقيمية بشكل يضمن تساقط جميع الأنظمة بعدها أمام المخططات الأمنية الأمريكية المستقبلية كلعب “الدومينو” الواحد تلو الآخر ومن دون مقاومة.
إن تداعيات الحرب على العراق وما أعقبها من احتلال، تركت خلالها على طبيعة ومستقبل العلاقات العراقية – السورية لأنها تتأثر سلبياً وإيجابياً بتداعيات العدوان والاحتلال ولأسباب عدة، أولاً: إن سوريا من الدول التي صنفت على أنها دولة (مارقة) راعية للإرهاب ويجب معاقبتها وبالتالي فقد تكون أولى قطع الدومينو التي تسقط بعد العراق لا سمح الله. وثانياً: إن سوريا وبحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي من الصراع العربي – الصهيوني تمثل حلقة وسط بين العراق وإسرائيل، فمن جهة يجب تطويعها للسير بمباحثات السلام مع إسرائيل وتغيير موقفها السلبي منها، ومن جهة أخرى جعلها امتداداً للوجود الأمريكي المباشر في العراق، ودولة جوار موالية لجميع أشكال الاحتلال والترتيبات التي يطرحها سواء في العراق أو في المنطقة العربية ككل وأهمها مشروع الشرق الأوسط الكبير. وثالثاً: إن العراق يحتل بمؤهلاته وإمكاناته الجغرافية والاقتصادية والبشرية دوراً فعالاً ومؤثراً في العلاقات السورية – التركية أولاً لعلاقات الجوار مع البلدين وثانياً لالتقاء وتنافر المصالح معهما وتبعاً لذلك فإن مستقبل العلاقات السورية – العراقية يشير إلى احتمالات عدة.
إذاً، فدراسة العلاقات العراقية – السورية تشير إلى توتر وخلاف دائم بين البلدين وإن اتحدت أيديولوجيتهما، فقد اتسمت العلاقات بين سوريا والعراق ومنذ انقلاب حسني الزعيم عام 1948 بالخلافات والتوتر ووصلت في بعض مراحلها إلى العداء والقطيعة لسنوات طويلة وحتى بعد تسلم حزب البعث السلطة في بغداد ودمشق عام 1963 ووجود عقيدة واحدة في العاصمتين إلا أن العلاقات بقيت متسمة بالتجاذب والاستقطاب والمنافسة والتوتر، واختارت سوريا الوقوف إلى جانب إيران في حرب الخليج الأولى (1980-1988) وكذلك الوقوف إلى جانب قوات التحالف في حرب الخليج الثانية عام 1991 ضمن إعلان دمشق وهذا التوجه السوري المضاد للعراق كان لصالح مثلث عربي سوري – سعودي – مصري أسهم في دفع سوريا نحو تنازلات مهمة في عملية السلام، إلا أن العلاقات العراقية – السورية شهدت مع بداية عام 1996 نوعاً من التقارب والانفراج المحسوب بدقة من قبل الطرفين تدفعه عوامل عديدة منها تسلم بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 1997 فبدأت سوريا تسير باتجاه مختلف في علاقتها مع العراق، فاختارت نهج تطبيع العلاقات معه، كوسيلة لتوسيع هامش المناورة لديها مع إسرائيل فضلاً عن تزايد المخاطر المشتركة ضد سوريا والعراق من جراء التدخل التركي المتزايد في شمال العراق كما أن للدوافع الاقتصادية أثرها في توسيع وتعميق هذه العلاقات.
فالاقتصاد السوري يعاني من أزمات متكررة وفشل البعد الاقتصادي لإعلان دمشق وعدم حصوله على مساعدات كبيرة من دول الخليج، فضلاً عن تعثر مفاوضات السلام مع الكيان الصهيوني وجميعها كانت دوافع نحو تعميق هذه العلاقة مع العراق رغم أجواء الشك وعدم الثقة المتوارثة بين النظامين، يضاف إلى ذلك أن هذا التطور التدريجي للعلاقات جاء ليكمل سياسة التقاربات الإقليمية التي حدثت في المنطقة منها التقارب بين العراق – إيران، ومصر – إيران، في إطار سعي دول الإقليم لبناء معادلة شرق أوسطية لتحقيق حالة التوازن أمام التحالف التركي – الإسرائيلي من جهة وتعثر عملية السلام على المسارين الإسرائيلي – الفلسطيني والإسرائيلي – السوري من جهة ثانية. وبرز العراق كفاعل إقليمي مهم في هذه التوازنات وخاصة لسوريا حيث يمثل عمقاً استراتيجياً مهماً لها وكانت زيارة رئيس الوزراء العراقي السابق (طارق عزيز) لدمشق في 22 تشرين الثاني عام 1997 ولقائه مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام وتعاقب المواقف السورية الايجابية تجاه العراق ومنها معارضتها إقامة منطقة عازلة في شمال العراق. وأشار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في 5 تموز 1997 إلى إن تدمير العراق سيعقبه تدمير دول عربية أخرى، كما انتقدت الحظر الجوي المفروض على العراق عام 1998.
إن هذا التعاون على الرغم من أنه قد تجاوز مرحلة التكتيك إلى مرحلة تعميق العلاقات وجعلها هدفاً استراتيجياً لتغيير ملامح خارطة الشرق الأوسط، إلا إن سوريا بقيت حساسة في التعامل مع العراق فهي من جهة تتمسك بالشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن حيث صوتت لصالح الولايات المتحدة على أغلب القرارات المتعلقة بالعراق التي صدرت عن مجلس الأمن كونها عضواً غير دائم فيه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حرصت على تطوير العلاقات الاقتصادية مع العراق خاصة في المجال النفطي، فقد أكدت جهات عديدة معلومات تفيد بتدفق نحو (150) ألف برميل من النفط يومياً مما يوفر نحو مليار دولار للسوريين من قيمة الصادرات النفطية، كما أصدر الرئيس الراحل حافظ الأسد مرسوماً رئاسياً يسمح بفتح مكتب تجاري في بغداد بعد فتح بعثة دبلوماسية للعراق في سوريا هي الأولى بعد قطيعة استمرت ما يقارب عشرين عاماً.
ومع وصول الرئيس بشار الأسد إلى سدة الحكم تصاعدت مؤشرات التقارب خاصة مع سعي العراق الحثيث إلى اتخاذ خطوات عملية لكسر الحظر الاقتصادي والجوي المفروض عليه من خلال التوقيع على العديد من اتفاقيات التبادل التجاري بين البلدين واستعادة العلاقات الدبلوماسية مع دول عربية عديدة وأولها سوريا من جهة ثانية. ووصلت العلاقات ذروتها عام 2001 واشتداد الضغط الأمريكي على العراق ويمكن تحديد سبب التوسع في هذه العلاقات في الآتي:
1- إن العلاقات العراقية – العربية بدأت تأخذ اتجاهاً جديداً، فالحديث عن تطور هذه العلاقات وعودة العراق إلى الصف العربي لم يختلف عليه أغلب الدول العربية ما عدا الكويت والسعودية، وكثير من الدول العربية حاولت التوفيق بين العراق وكل من العراق والسعودية، وسوريا واحدة من هذه الدول، فزيارة الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى الكويت ومحاولته القيام بدور سوري في إطار التقريب بين الموقفين العراقي والكويتي لا تخرج عن هذا الإطار خاصة أن سوريا تسعى لضمان التوفيق بين خيارين الأول، عدم خسارة المحور الكويتي – السعودي المهم في الحسابات الاقتصادية والسياسية، والثاني، العراق وما يحمله من مكاسب اقتصادية واستراتيجية في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة تعاني منها سوريا.
2- القلق وعدم والتوازن في النظام الإقليمي العربي وتزايد نذر الحرب في ظل نظام عربي مضطرب وغير مهيأ لأي تقارب عربي – عربي ومن أي نوع.
ووفقاً لهذه الاعتبارات فقد تعززت مبررات التقارب، حيث ارتقت مستويات زيارات المسؤولين بين البلدين من مستوى الخبراء ووزراء الحقائب الفنية إلى مستوى زيارات المسؤولين خاصة من الجانب السوري فقد أبرمت بغداد ودمشق في شباط من عام 2001 اتفاقية للتجارة الحرة بينهما، كما أقيم معرض للمنتجات السورية في بغداد مطلع حزيران 2001 ثم تطبيق قواعد التجارة الحرة فيه، كما قامت الشركة العامة للري ومياه الشرب السورية في نهاية حزيران 2001 بتنفيذ مشروع مائي في العراق بقيمة 133 مليون يورو، بعد منافسة كبيرة مع شركات عالمية من الصين وتركيا وروسيا ويوغسلافيا. ووفقاً للتقديرات الرسمية فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2000 حوالي 500 مليون دولار، وقد ازدادت قيمة هذه المبادلات التجارية لتتجاوز في عام 2001 المليار دولار.
صفوة القول إنه رغم مؤشرات التصاعد هذه إلا أن هذا الجهد لم يرتق إلى إمكانية تعزيز أفق هذا التعامل عن طريق إبرام اتفاقيات أمنية وعسكرية لترجمة هذه الأهداف بما يتناسب والتحديات والمخاطر التي تعانيها المنطقة.
وبعد أحداث 11 أيلول تغيرت مسيرة العلاقات السورية – العراقية وتغير معها مسار المستقبل حيث دخل المتغير الأمريكي بشكل واضح في تحديد شكل وطبيعة هذه العلاقة ومستقبلها فقد أدركت سوريا الحاجة إلى توثيق علاقتها مع الولايات المتحدة بعد أحداث 11 أيلول وعبر سياسة اعتمدت التوفيق بين التعاون مع الولايات المتحدة في صراعها ضد تنظيم القاعدة وبين التمسك برؤيتها الخاصة والشاملة للمنطقة والتي ترى الولايات المتحدة أنها تضر بمصالحها الإقليمية والاستراتيجية فيها، ووفقاً لهذه الرؤية فقد أعلن الرئيس السوري بشار الأسد استنكاره لتلك الهجمات وعرض مساعدة سوريا القبض على المتهمين، ورغم هذه المساعدات إلا إن سوريا لم تستطع تبرئة نفسها أمام الساحة الأمريكية، وظل صانع القرار الأمريكي ينظر إلى سوريا على أنها أعلنت وقامت بالقليل وأخفت الكثير، وهذا ما أكده المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان (قلنا مراراً وتكراراً إن سوريا تقف في الجانب الخاطيء من الحرب على الإرهاب وإنه يتعين عليها الكف عن إيواء إرهابيين.
إن السوريين فعلوا أقل القليل في ما يتعلق بالإرهاب بما لا يتيح لنا ما يكفي من العمل) إلا إن العلاقات الأمريكية – السورية بقيت أسيرة تيارين منذ وصول إدارة بوش الحالية إلى البيت الأبيض، ومع الاستعدادات الأمريكية لضرب العراق ازداد التوتر في العلاقات السورية – الأمريكية لصالح توثيق العلاقة مع العراق فقد وقفت سوريا إلى جانب العراق في محاولة لإحباط الجهود الأمريكية لإقامة نظام أمريكي جديد في الشرق الأوسط لنفسها وبالنيابة عن إسرائيل فتم وضع “قانون محاسبة سوريا” في نيسان عام 2002 من عضو مجلس النواب الأمريكي اليوت انغل المعروف بنشاطه في اللوبي الصهيوني في الكونجرس الأمريكي وهذا القانون مثل ركيزة أساسية في العلاقات الأمريكية – السورية انعكست فيما بعد على العلاقات العراقية – السورية فهو من جهة لم يثن سوريا عن مساعدة العراق ومن جهة أخرى ألزم سوريا بعقوبات محتملة إذا لم تتخذ موقفاً مغايراً تجاه ملف العراق.
ومع احتلال العراق امتنعت سوريا عن الإدلاء بأية تصريحات أو مواقف تتعلق بالشأن العراقي، وأخذت في الاعتبار تغيرات الموقف فيما بعد وقد انقسم الموقف السوري إلى مرحلتين:
الأولى: مع بداية الاحتلال وفي هذه المرحلة كانت العلاقات السورية – الأمريكية قد بلغت حالة كبيرة من التوتر، الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقات العراقية – السورية حيث اتهمت سوريا بتصدير عوامل اللا استقرار في العراق من خلال إدخال عناصر مؤيدة للمقاومة أو تتعامل معها، كما اتهمت بدعم المقاومة مادياً وعسكرياً من دون أن يكون هناك دليل واضح على هذا الاتجاه ورغم الدعوات والتأكيدات على إن المقاومة عراقية وطنية خالصة إلا أن سوريا ظلت متهمة بنظر الإدارة الأمريكية ولذلك جاء موقفها متحفظاً على مجلس الحكم الذي اعتبرته تكريساً للطائفية ولا يمثل كافة أطياف الشعب العراقي ولذلك كان هنالك عدم اعتراف ضمني وصريح بمجلس الحكم رغم الزيارات التي قام بها أعضاء من مجلس الحكم إلى سوريا.
الثانية: بعد تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة وسعيها لإقامة علاقات جوار طبيعية ومتوازنة ودعوتها إلى حسم قضية الحدود التي تثير حسب رأيهم الانفلات الأمني، وشهدت هذه المرحلة تحسناً في العلاقات العراقية – السورية وتقارباً في وجهات النظر حول نقاط الخلاف الأساسية بين العراق وسوريا بعد الاحتلال والتي تتعلق بأمن الحدود المشتركة والأموال العراقية المودعة في المصارف السورية وقضية دعم المسلحين المناهضين لوجود قوات الاحتلال، ورغم أن سوريا كان لها تحفظها حول تسمية قوات الاحتلال بقوات متعددة الجنسيات إلا أنها تنظر إلى الحكومة الجديدة على أنها يمكن أن تكون جواز مرور نحو علاقات سورية – أمريكية جيدة وحوار أمريكي – سوري، وإدراك سوريا أن الوضع العراقي لا يمكن أن يستقر لفترات طويلة وأن الاحتلال سيبقى حتى مع تسلم السيادة فإن لغة الحوار والتعاون ستكون أساساً لعلاقات مستقبلية جيدة (وزيارة إياد علاوي إلى سوريا في 30 / 7 / 2004 بينت بشكل جلي هذا الإدراك السوري والحاجة العراقية لتعاون استراتيجي أمني مع دول راديكالية مثل سوريا).
وأمام هذه التطورات في العلاقات السورية – العراقية فإنه ليس من السهل التكهن بمستقبلها ووفق المستجدات العراقية فإنها تتجه نحو خيارات متعددة تتفق على ضرورة التعاون وتختلف بالآليات والأهداف، وهذه الخيارات يمكن تحديدها بسيناريوهات تأخذ إطارين، الأول: سيناريو التعاون الثنائي ضمن إطار العلاقات الثنائية وأن قراءة بسيطة لتاريخ العلاقات العراقية – السورية يشير إلى إنها علاقات تتسم بالفتور وبفترات طويلة من القطيعة
وكل دولة تحاول أن تلعب دوراً في لعبة الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط ومحيطه الإقليمي وحتى مع حالات التقارب بين البلدين فإنها بقيت مشوبة بالحذر وبقيت ترسبات الماضي ترمي بثقلها على أي خطوة للتقدم أو التوسع، وبعد احتلال العراق ربما ستأخذ منحى آخر وفق محددات جديدة تأخذ في الاعتبار عدة محددات:
1- تداعيات الاحتلال على البيئة الأمنية في المنطقة ودور العراق وما هي الدول المرشحة لملء الفراغ.
2- غموض وعدم استقرار الخارطة العراقية السياسية.
أما السيناريو الثاني فهو التعاون ضمن الإطار العربي فالتغير في الساحة العراقية والمصلحة الأمريكية يخلق بيئة أمنية حقيقية مستقرة تحمي المنطقة، وتدفع آليات الأمن الجماعي والتعاون العسكري الإقليمي ويمكن أن يسهم في توثيق العلاقات كحلقة مهمة في توازن الشرق الأوسط.
إن البنية الأمنية الجديدة للمنطقة تقوم على أساس خلق ديناميكيات للمنطقة بشكل يتلاءم وطموحات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة مستقبلاً وهي لا تفترض انسحاب الأخيرة من البنية التحتية التي تم تطويرها منذ عقد التسعينات واستطاعت توفير بنية أمنية إقليمية جديدة تقوم على تطوير آليات الأمن الجماعي – والترابط العسكري الإقليمي فضلاً عن مساهمتها في تأمين الإمكانات للإدارة الأمريكية للهيمنة على المنطقة فللولايات المتحدة الأمريكية مصلحة حقيقية في دفع آليات الأمن الجماعي والتعاون العسكري الإقليمي لتحقيق أهداف استراتيجيتها واستخدامها كقوة دفع ايجابية تتيح للمنطقة الدخول في إطار علاقات أمنية سلمية في مرحلة ما بعد الحرب على العراق. وهذا في الحقيقة هو حقيقة الدور الذي ترسمه الولايات المتحدة لمؤسسات العمل العربي المشترك، وخاصة مجلس التعاون الخليجي وبقدر تعلق الأمر بالعلاقات العراقية – السورية في ظل هذا المشروع، فبالنسبة للعراق لا تجد الولايات المتحدة مشكلة في انخراطه ضمن هذه الترتيبات، أما سوريا فقد صورته على أنه محاولة أمريكية جادة لصرف الأنظار عن الصراع العربي – الصهيوني مؤكدة أنه مرفوض وينبغي مجابهته.
وأنا كباحث أرى أن ما حدد في المشروع هو الذي سوف تفرضه الولايات المتحدة في المنطقة والعلاقات العراقية – السورية واحدة منها فالمشروع يشجع (التعاون الإقليمي المحسن) الذي يعتمد بشكل أساسي على التعاون ذي الطابع الاقتصادي الإقليمي مما يفضي إلى مسارات لجر العلاقات العراقية – السورية إلى مديات أوسع خاصة في ظل التقارب السوري – التركي، والسعي التركي لتبني المشروع وتنفيذه، ولذلك فقد يكون تطوير العلاقات التركية – السورية على حساب تطوير علاقتها مع العراق الذي رسم له لأن يكون محوراً أساسياً في ترتيبات الشرق الأوسط الكبير الذي تقوم فلسفته على حقيقة محددة هو أن (الشرق الأوسط غير المطروق بالإصلاحات يشكل تهديداً للعالم الغربي، فإذا كان مقدراً للأمم الغربية، وأمريكا على وجه الخصوص، أن تحمي نفسها من الهجمات الإرهابية المستقبلية فلابد لها من تغيير الشرق الأوسط) فضلاً عن المنطقة العربية ووفقاً لمشروع منطقة الشرق الأوسط الكبير (مقبلة على تغيير) مهمة، ستنعكس سلباً على قوة العمل العربي المشترك وعلاقاته التي سوف تكون مرتبطة ومتوجهة نحو الخارج أكثر من الداخل، وبالتالي فإن العلاقات العراقية – السورية سوف تكون حلقة ضمن حلقات من داخله ومتصلة في علاقات أوسع واكبر تجمعها المصلحة الاقتصادية والأمنية أكثر من الهوية والعروبة.
::/fulltext::
::cck::2439::/cck::
