إسرائيل ومخاطر إعادة تعريف الصراع
::cck::2476::/cck::
::introtext::
قامت الرؤية الكلاسيكية، عربياً وإسرائيلياً وغربياً، لدى النظر إلى الصراع العربي-الإسرائيلي على افتراض أنه صراع سياسي يحمل في جوهره أبعاداً دينية. ووفق هذا التصور كان تفسير حروب إسرائيل مع العرب وبالعكس، بل أيضاً تفسير التفاوض والتوصل إلى اتفاقيات بين طرفي الصراع، بدءاً بتوقيع اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية عام 1979، مروراً بالمسار التفاوضي المتعدد الأطراف الذي انبثق من مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، والذي معه تلاشت تماماً فكرة قومية عروبية رأت أن الصراع مع إسرائيل هو صراع وجود، ليصبح صراعاً سلمياً من أجل استرجاع الأراضي العربية المحتلة مقابل السلام مع إسرائيل لا أكثر.
::/introtext::
::fulltext::
قامت الرؤية الكلاسيكية، عربياً وإسرائيلياً وغربياً، لدى النظر إلى الصراع العربي-الإسرائيلي على افتراض أنه صراع سياسي يحمل في جوهره أبعاداً دينية. ووفق هذا التصور كان تفسير حروب إسرائيل مع العرب وبالعكس، بل أيضاً تفسير التفاوض والتوصل إلى اتفاقيات بين طرفي الصراع، بدءاً بتوقيع اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية عام 1979، مروراً بالمسار التفاوضي المتعدد الأطراف الذي انبثق من مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، والذي معه تلاشت تماماً فكرة قومية عروبية رأت أن الصراع مع إسرائيل هو صراع وجود، ليصبح صراعاً سلمياً من أجل استرجاع الأراضي العربية المحتلة مقابل السلام مع إسرائيل لا أكثر.في هذا السياق كانت كافة الأطراف العربية قبل الغربية والإسرائيلية تفسر الأحداث الكبرى التي تعصف بالمنطقة العربية على أنها أحد انعكاسات الصراع العربي-الإسرائيلي، فغياب الإصلاح العربي بسبب هذا الصراع وانتشار الحركات الإسلامية الراديكالية هما مجرد رد فعل على فشل الدول العربية في استرجاع أراضيها أو عقد اتفاقيات سلام تحفظ حق العرب والفلسطينيين، والانقلاب على الرئيس أنور السادات بسبب أنه أول من عقد اتفاقاً مع الإسرائيليين، بل وقيام الثورة الإيرانية يعود، إضافة إلى عوامل أخرى، إلى رفض الملالي في إيران قيام سلام عربي مع إسرائيل والرغبة في تدمير إسرائيل بعد أن كان نظام الشاه يعتمد في بقائه على التحالف مع إسرائيل وأمريكا والغرب.وكانت رؤية إسرائيل الكلاسيكية في هذا الشأن أشبه ببعض الرؤى الأخرى العربية منها والغربية. ووفقاً لذلك كانت تعتمد إسرائيل على الاستراتيجية السياسية والعسكرية لتحقيق أهدافها، فخاضت مع بعض الدول العربية من الحروب ما خاضت، ودخلت في اتفاقيات أو مفاوضات مع العرب بقدر ما دخلت من دون أن تخفي طموحاتها السياسية المتمثلة في إبقاء سيطرتها بقدر ما تستطيع على أراض محتلة، وتقيم بالمقابل علاقات طبيعية مع العرب. وعطفاً على ذلك كان الخطاب الديني أو الأيديولوجي الإسرائيلي هو خطاب موجه إلى الداخل وتحديداً إلى غلاة اليمين والمتطرفين دينياً لتمرير أجندات الحكومات الإسرائيلية المختلفة. أما خارجياً فلم يكن هناك بأس من وصف كل من يعترض على اتفاقيات السلام مع إسرائيل بأنه (تنظيمات إرهابية)، وذلك قبل اندلاع ما عرف بالحرب الأمريكية على الإرهاب في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001.وتحت خانة هذه الحرب على الإرهاب، استطاعت إسرائيل أن توغل في وصف كافة حركات المقاومة بالتنظيمات الإرهابية، وضاع الفارق بين حركة تحرر وطني وبين تنظيم إرهابي، ومعه باتت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي نوعاً من الإرهاب.بيد أن عدم قدرة إسرائيل على ردع أو القضاء على تنظيمات المقاومة التي تعتبرها (إرهابية)، لا سيما بعد وصول حركة حماس إلى السلطة في عام 2006، ثم الحرب الإسرائيلية الفاشلة على حزب الله، وبروز الدور الإيراني في أحداث المنطقة، والصدام الحادث بين الأنظمة العربية والتنظيمات الإسلامية المغالية في التطرف بل والتنظيمات الإسلامية الأكثر اعتدالاً.. كلها عوامل ساهمت في إعادة تعريف إسرائيل للصراع العربي-الإسرائيلي، بحيث لم تعد الرؤية الكلاسيكية السابقة على حالها، أي لم تعد العوامل السياسية أساساً في تفسير جذور الصراع وتبعاته، بقدر ما أصبحت العوامل الدينية والميثيولوجية وحدها تملك التفسير الأقرب للصواب من وجهة نظر إسرائيل.على هذه الخلفية يعود التفسير التوراتي الميثيولوجي للصراع مع العرب ليصبح أشد وطأة وتحكماً مقارنة بالمراحل السابقة في تاريخ الصراع. وفي هذا يذهب العديد من المحللين الإسرائيليين إلى القول إن فشل إسرائيل في القضاء على التنظيمات (المقاومة) مرده أن خلفية الصراع الدائر بين إسرائيل وهذه التنظيمات ليس صراعاً سياسياً بل هو أيديولوجي وديني، فهي تنظيمات تهدف إلى تدمير إسرائيل، سواء أكانت تنظيمات علمانية مثل حركة فتح، أو دينية كحركة حماس ذات الامتداد الإخواني في مصر والسعودية والأردن والعديد من الدول العربية، أو كحزب الله الذي تلعب إيران دوراً مهماً في التأثير في سياساته وفقاً لمرجعية (الولي الفقيه) عند الشيعة.والإشكالية هنا أن إسرائيل لم تعد تقيم وزناً لاعتبار أن العديد من مشكلات المنطقة وعدم استقرارها بل وحتى صراعها مع أطراف معينة بالمنطقة إنما ترجع إلى الصراع العربي- الإسرائيلي ذاته، أو أن هذا الصراع يسهم في تفسير ظواهر أخرى كما عهدنا سابقاً، وإنما باتت ترى وتروج لأن هذا الصراع ليس عربياً-إسرائيلياً خالصاً، بل هو ضمن صراع أكبر، بين الشرق والغرب.. بين الديانات الأخرى وبين ما تعتبره (الشمولية الإسلامية)، هو صراع حضارات وأيديولوجيات، صراع بين الخير والشر على حد وصف الإدارة الأمريكية الراهنة، وهو ما يتطلب ليس من أمريكا فقط وإنما من الغرب كله أن يحافظ على مصالح إسرائيل كرأس حربة في هذا الصراع الكوني الجديد حفاظاً على القيم والمصالح الغربية.وبكلمات أخرى رسالة إسرائيل واضحة، فوجود تنظيمات مثل حزب الله وحماس، ونظام ديني في إيران يسعى إلى امتلاك القدرات النووية، وشبكات للقاعدة تنتشر في أنحاء العالم، وعودة قوة تنظيم التيارات السياسية ذات الإسناد الإسلامي في العديد من الدول العربية.. هي ظواهر دينية بالأساس تتمحور حول حرب ثقافية ذات بعد ديني وصراع للقيم بين الشرق والغرب وبين الإسلام والمسيحية، وبالتالي فالصراع العربي-الإسرائيلي فقط هو أحد تداعيات هذا الصدام الأيديولوجي والثقافي والقيمي والحضاري بين منظومتين، شرقية (إسلامية) وغربية (مسيحية ويهودية).
ولا يعد إعادة تعريف الصراع من جانب إسرائيل مجالاً نظرياً فحسب، أو لا يجد تأويله على أرض الواقع، فكثيرة هي الشواهد الواقعية التي تغذي هذا المنظور الإسرائيلي الجديد، وتجعله العامل الأبرز في صراعها مع الفلسطينيين والعرب والإقليم الشرق أوسطي برمته.وتمزج إسرائيل في هذا بين مكونات غريبة. فلسطينياً يطالب المسؤولون الإسرائيليون بتعليم جيل من الفلسطينيين على مبادئ الحرية والديمقراطية، وكأن الانتخابات الفلسطينية الديمقراطية التي جرت مطلع عام 2006 غير ديمقراطية طالما جاءت بحركة مثل حماس إلى السلطة، وطالما أدت لتشكيل حكومة وحدة فلسطينية تطالب إسرائيل الأطراف الدولية بانتقاء من يتحدثون معهم من وزراء هذه الحكومة، في تغليب واضح لرفض التعامل مع طرف ذي مرجعية إسلامية هو حركة حماس.أما عربياً، فتوجج إسرائيل منذ حربها على لبنان مقولة ضرورة مواجهة الخطر الثيوقراطي الإسلامي باختلاق معتدلين عرب وآخرين متشددين، في انفصال واضح عن حقيقة الصراع السياسي حول الأرض والسلام، الذي لا يختلف العرب، على المستويين الرسمي والشعبي، على الحدود الدنيا المطلوبة سياسياً في أية تسوية مستقبلية، وهذا كله ليس إلا استخداماً للدين من طرف خفي لرفض مبادرة السلام العربية، وزج الطرف العربي في التصارع حول المواصفات والمسميات، ودفع الطرف الدولي إلى قبول حقيقة أن حل الصراع لن يثمن في تلاشي أو تخفيض حدة الصراع الثقافي والحضاري الإسلامي مع الآخر الديني. وبالتالي فإن حل الصراع لا يسهم في مجال الحرب على الإرهاب.وكأن إسرائيل تريد بكل بساطة أن توهم العرب وجوارهم (الإيرانيين) بأن الهوية الأولية في منطقة الشرق الأوسط هي دينية بالأساس، وليست وطنية أو حتى عرقية، وهو ما يجوز معه بالتالي تصوير وجود صورة بقدر ما هي متنافرة بقدر ما تخدم أهداف إسرائيل، فثمة تناحر شيعي سني من جانب هو في جوهره تنافس على الآخر الديني، وثمة قيام تحالفات بين الأصولية الإسلامية السنية (الفكر الوهابي والقاعدي) وبين الملالي (الشيعة) الإرهابيين في إيران وحزب الله من جانب آخر.وعلى مستوى الداخل الإسرائيلي، تتردد مقولات إسرائيلية، نتجت عن أفكار مقولبة وجامدة تجد أصولها دينياً لا سياسياً لدى الحاخامات وغلاة اليمين، تدور حول يهودية دولة إسرائيل وبقائها دولة ديمقراطية (يهودية)، في نفي وتجاهل صريحين لعرب 1948، الذي يعتبرون خطراً استراتيجياً على الكيان الإسرائيلي على المدى البعيد. ويتضح ذلك في إصرار إسرائيل على معاقبة كل من تسول له نفسه التعبير عن وشائج القربى بينه وبين العرب بل حتى مع الفلسطينيين أنفسهم، وفي تلك الحملات الأخيرة التي شنتها إسرائيل على الحركة الإسلامية هناك، وعلى النائب العربي عزمي بشارة، وإخراج عدد من القوانين في السنوات الأخيرة تنزع صفة المواطنة عن عرب 1948 مثل قانون (المواطنة) لعام 2006 الذي يمنع لم شمل عائلات فلسطينيي 1948 حال زواجهم من الضفة الغربية أو قطاع غزة، وذلك وفق القانون المؤقت الصادر عام 2003، والذي تم تجديده ثلاث مرات منذ ذلك الحين.إن إشكالية إعادة تعريف الإسرائيليين لطبيعة الصراع إذن هي هروب كبير من استحقاقات أية تسوية، ونزوع إلى تصوير أن السلام لن يسهم في فك بعض من طلاسم العقدة الأزلية بين الشرق والغرب، وميل إلى (أسرلة) و(تهويد) دولة إسرائيل، والأخطر أنه يؤجج صراع الدين الواحد بين أهل المنطقة، ويتهمهم في الوقت ذاته بالتواطؤ معاً لخوض حرب الثقافة ضد الغرب المسيحي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2476::/cck::
::introtext::
قامت الرؤية الكلاسيكية، عربياً وإسرائيلياً وغربياً، لدى النظر إلى الصراع العربي-الإسرائيلي على افتراض أنه صراع سياسي يحمل في جوهره أبعاداً دينية. ووفق هذا التصور كان تفسير حروب إسرائيل مع العرب وبالعكس، بل أيضاً تفسير التفاوض والتوصل إلى اتفاقيات بين طرفي الصراع، بدءاً بتوقيع اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية عام 1979، مروراً بالمسار التفاوضي المتعدد الأطراف الذي انبثق من مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، والذي معه تلاشت تماماً فكرة قومية عروبية رأت أن الصراع مع إسرائيل هو صراع وجود، ليصبح صراعاً سلمياً من أجل استرجاع الأراضي العربية المحتلة مقابل السلام مع إسرائيل لا أكثر.
::/introtext::
::fulltext::
قامت الرؤية الكلاسيكية، عربياً وإسرائيلياً وغربياً، لدى النظر إلى الصراع العربي-الإسرائيلي على افتراض أنه صراع سياسي يحمل في جوهره أبعاداً دينية. ووفق هذا التصور كان تفسير حروب إسرائيل مع العرب وبالعكس، بل أيضاً تفسير التفاوض والتوصل إلى اتفاقيات بين طرفي الصراع، بدءاً بتوقيع اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية عام 1979، مروراً بالمسار التفاوضي المتعدد الأطراف الذي انبثق من مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، والذي معه تلاشت تماماً فكرة قومية عروبية رأت أن الصراع مع إسرائيل هو صراع وجود، ليصبح صراعاً سلمياً من أجل استرجاع الأراضي العربية المحتلة مقابل السلام مع إسرائيل لا أكثر.في هذا السياق كانت كافة الأطراف العربية قبل الغربية والإسرائيلية تفسر الأحداث الكبرى التي تعصف بالمنطقة العربية على أنها أحد انعكاسات الصراع العربي-الإسرائيلي، فغياب الإصلاح العربي بسبب هذا الصراع وانتشار الحركات الإسلامية الراديكالية هما مجرد رد فعل على فشل الدول العربية في استرجاع أراضيها أو عقد اتفاقيات سلام تحفظ حق العرب والفلسطينيين، والانقلاب على الرئيس أنور السادات بسبب أنه أول من عقد اتفاقاً مع الإسرائيليين، بل وقيام الثورة الإيرانية يعود، إضافة إلى عوامل أخرى، إلى رفض الملالي في إيران قيام سلام عربي مع إسرائيل والرغبة في تدمير إسرائيل بعد أن كان نظام الشاه يعتمد في بقائه على التحالف مع إسرائيل وأمريكا والغرب.وكانت رؤية إسرائيل الكلاسيكية في هذا الشأن أشبه ببعض الرؤى الأخرى العربية منها والغربية. ووفقاً لذلك كانت تعتمد إسرائيل على الاستراتيجية السياسية والعسكرية لتحقيق أهدافها، فخاضت مع بعض الدول العربية من الحروب ما خاضت، ودخلت في اتفاقيات أو مفاوضات مع العرب بقدر ما دخلت من دون أن تخفي طموحاتها السياسية المتمثلة في إبقاء سيطرتها بقدر ما تستطيع على أراض محتلة، وتقيم بالمقابل علاقات طبيعية مع العرب. وعطفاً على ذلك كان الخطاب الديني أو الأيديولوجي الإسرائيلي هو خطاب موجه إلى الداخل وتحديداً إلى غلاة اليمين والمتطرفين دينياً لتمرير أجندات الحكومات الإسرائيلية المختلفة. أما خارجياً فلم يكن هناك بأس من وصف كل من يعترض على اتفاقيات السلام مع إسرائيل بأنه (تنظيمات إرهابية)، وذلك قبل اندلاع ما عرف بالحرب الأمريكية على الإرهاب في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001.وتحت خانة هذه الحرب على الإرهاب، استطاعت إسرائيل أن توغل في وصف كافة حركات المقاومة بالتنظيمات الإرهابية، وضاع الفارق بين حركة تحرر وطني وبين تنظيم إرهابي، ومعه باتت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي نوعاً من الإرهاب.بيد أن عدم قدرة إسرائيل على ردع أو القضاء على تنظيمات المقاومة التي تعتبرها (إرهابية)، لا سيما بعد وصول حركة حماس إلى السلطة في عام 2006، ثم الحرب الإسرائيلية الفاشلة على حزب الله، وبروز الدور الإيراني في أحداث المنطقة، والصدام الحادث بين الأنظمة العربية والتنظيمات الإسلامية المغالية في التطرف بل والتنظيمات الإسلامية الأكثر اعتدالاً.. كلها عوامل ساهمت في إعادة تعريف إسرائيل للصراع العربي-الإسرائيلي، بحيث لم تعد الرؤية الكلاسيكية السابقة على حالها، أي لم تعد العوامل السياسية أساساً في تفسير جذور الصراع وتبعاته، بقدر ما أصبحت العوامل الدينية والميثيولوجية وحدها تملك التفسير الأقرب للصواب من وجهة نظر إسرائيل.على هذه الخلفية يعود التفسير التوراتي الميثيولوجي للصراع مع العرب ليصبح أشد وطأة وتحكماً مقارنة بالمراحل السابقة في تاريخ الصراع. وفي هذا يذهب العديد من المحللين الإسرائيليين إلى القول إن فشل إسرائيل في القضاء على التنظيمات (المقاومة) مرده أن خلفية الصراع الدائر بين إسرائيل وهذه التنظيمات ليس صراعاً سياسياً بل هو أيديولوجي وديني، فهي تنظيمات تهدف إلى تدمير إسرائيل، سواء أكانت تنظيمات علمانية مثل حركة فتح، أو دينية كحركة حماس ذات الامتداد الإخواني في مصر والسعودية والأردن والعديد من الدول العربية، أو كحزب الله الذي تلعب إيران دوراً مهماً في التأثير في سياساته وفقاً لمرجعية (الولي الفقيه) عند الشيعة.والإشكالية هنا أن إسرائيل لم تعد تقيم وزناً لاعتبار أن العديد من مشكلات المنطقة وعدم استقرارها بل وحتى صراعها مع أطراف معينة بالمنطقة إنما ترجع إلى الصراع العربي- الإسرائيلي ذاته، أو أن هذا الصراع يسهم في تفسير ظواهر أخرى كما عهدنا سابقاً، وإنما باتت ترى وتروج لأن هذا الصراع ليس عربياً-إسرائيلياً خالصاً، بل هو ضمن صراع أكبر، بين الشرق والغرب.. بين الديانات الأخرى وبين ما تعتبره (الشمولية الإسلامية)، هو صراع حضارات وأيديولوجيات، صراع بين الخير والشر على حد وصف الإدارة الأمريكية الراهنة، وهو ما يتطلب ليس من أمريكا فقط وإنما من الغرب كله أن يحافظ على مصالح إسرائيل كرأس حربة في هذا الصراع الكوني الجديد حفاظاً على القيم والمصالح الغربية.وبكلمات أخرى رسالة إسرائيل واضحة، فوجود تنظيمات مثل حزب الله وحماس، ونظام ديني في إيران يسعى إلى امتلاك القدرات النووية، وشبكات للقاعدة تنتشر في أنحاء العالم، وعودة قوة تنظيم التيارات السياسية ذات الإسناد الإسلامي في العديد من الدول العربية.. هي ظواهر دينية بالأساس تتمحور حول حرب ثقافية ذات بعد ديني وصراع للقيم بين الشرق والغرب وبين الإسلام والمسيحية، وبالتالي فالصراع العربي-الإسرائيلي فقط هو أحد تداعيات هذا الصدام الأيديولوجي والثقافي والقيمي والحضاري بين منظومتين، شرقية (إسلامية) وغربية (مسيحية ويهودية).
ولا يعد إعادة تعريف الصراع من جانب إسرائيل مجالاً نظرياً فحسب، أو لا يجد تأويله على أرض الواقع، فكثيرة هي الشواهد الواقعية التي تغذي هذا المنظور الإسرائيلي الجديد، وتجعله العامل الأبرز في صراعها مع الفلسطينيين والعرب والإقليم الشرق أوسطي برمته.وتمزج إسرائيل في هذا بين مكونات غريبة. فلسطينياً يطالب المسؤولون الإسرائيليون بتعليم جيل من الفلسطينيين على مبادئ الحرية والديمقراطية، وكأن الانتخابات الفلسطينية الديمقراطية التي جرت مطلع عام 2006 غير ديمقراطية طالما جاءت بحركة مثل حماس إلى السلطة، وطالما أدت لتشكيل حكومة وحدة فلسطينية تطالب إسرائيل الأطراف الدولية بانتقاء من يتحدثون معهم من وزراء هذه الحكومة، في تغليب واضح لرفض التعامل مع طرف ذي مرجعية إسلامية هو حركة حماس.أما عربياً، فتوجج إسرائيل منذ حربها على لبنان مقولة ضرورة مواجهة الخطر الثيوقراطي الإسلامي باختلاق معتدلين عرب وآخرين متشددين، في انفصال واضح عن حقيقة الصراع السياسي حول الأرض والسلام، الذي لا يختلف العرب، على المستويين الرسمي والشعبي، على الحدود الدنيا المطلوبة سياسياً في أية تسوية مستقبلية، وهذا كله ليس إلا استخداماً للدين من طرف خفي لرفض مبادرة السلام العربية، وزج الطرف العربي في التصارع حول المواصفات والمسميات، ودفع الطرف الدولي إلى قبول حقيقة أن حل الصراع لن يثمن في تلاشي أو تخفيض حدة الصراع الثقافي والحضاري الإسلامي مع الآخر الديني. وبالتالي فإن حل الصراع لا يسهم في مجال الحرب على الإرهاب.وكأن إسرائيل تريد بكل بساطة أن توهم العرب وجوارهم (الإيرانيين) بأن الهوية الأولية في منطقة الشرق الأوسط هي دينية بالأساس، وليست وطنية أو حتى عرقية، وهو ما يجوز معه بالتالي تصوير وجود صورة بقدر ما هي متنافرة بقدر ما تخدم أهداف إسرائيل، فثمة تناحر شيعي سني من جانب هو في جوهره تنافس على الآخر الديني، وثمة قيام تحالفات بين الأصولية الإسلامية السنية (الفكر الوهابي والقاعدي) وبين الملالي (الشيعة) الإرهابيين في إيران وحزب الله من جانب آخر.وعلى مستوى الداخل الإسرائيلي، تتردد مقولات إسرائيلية، نتجت عن أفكار مقولبة وجامدة تجد أصولها دينياً لا سياسياً لدى الحاخامات وغلاة اليمين، تدور حول يهودية دولة إسرائيل وبقائها دولة ديمقراطية (يهودية)، في نفي وتجاهل صريحين لعرب 1948، الذي يعتبرون خطراً استراتيجياً على الكيان الإسرائيلي على المدى البعيد. ويتضح ذلك في إصرار إسرائيل على معاقبة كل من تسول له نفسه التعبير عن وشائج القربى بينه وبين العرب بل حتى مع الفلسطينيين أنفسهم، وفي تلك الحملات الأخيرة التي شنتها إسرائيل على الحركة الإسلامية هناك، وعلى النائب العربي عزمي بشارة، وإخراج عدد من القوانين في السنوات الأخيرة تنزع صفة المواطنة عن عرب 1948 مثل قانون (المواطنة) لعام 2006 الذي يمنع لم شمل عائلات فلسطينيي 1948 حال زواجهم من الضفة الغربية أو قطاع غزة، وذلك وفق القانون المؤقت الصادر عام 2003، والذي تم تجديده ثلاث مرات منذ ذلك الحين.إن إشكالية إعادة تعريف الإسرائيليين لطبيعة الصراع إذن هي هروب كبير من استحقاقات أية تسوية، ونزوع إلى تصوير أن السلام لن يسهم في فك بعض من طلاسم العقدة الأزلية بين الشرق والغرب، وميل إلى (أسرلة) و(تهويد) دولة إسرائيل، والأخطر أنه يؤجج صراع الدين الواحد بين أهل المنطقة، ويتهمهم في الوقت ذاته بالتواطؤ معاً لخوض حرب الثقافة ضد الغرب المسيحي.
::/fulltext::
::cck::2476::/cck::
