بين العولمة والتعولم

::cck::2552::/cck::
::introtext::

أثناء الجدل المستفيض حول العولمة يمكن ملاحظة وجود اتفاق عام حول مفهوم العولمة بأنها (صيرورة المجتمعات الإنسانية في هذا العالم إلى اعتماد أنماط متشابهة في السياسة والاقتصاد والثقافة). ولكن فحصاً متعمقاً لهذه المَسْلمَة يقودني إلى تمييز طبيعتين متوازيتين لهذه الصيرورة:
الطبيعة الأولى: هي ما أعتقد أن من الأصوب تسميتها باسم التعولم، ذلك ان هذه اللفظة تدل على تعولم يتم برضا المتعولم، على العكس من لفظة العولمة التي توحي دلالتها بالإجبار والقسر.

::/introtext::
::fulltext::

أثناء الجدل المستفيض حول العولمة يمكن ملاحظة وجود اتفاق عام حول مفهوم العولمة بأنها (صيرورة المجتمعات الإنسانية في هذا العالم إلى اعتماد أنماط متشابهة في السياسة والاقتصاد والثقافة). ولكن فحصاً متعمقاً لهذه المَسْلمَة يقودني إلى تمييز طبيعتين متوازيتين لهذه الصيرورة:
الطبيعة الأولى: هي ما أعتقد أن من الأصوب تسميتها باسم التعولم، ذلك ان هذه اللفظة تدل على تعولم يتم برضا المتعولم، على العكس من لفظة العولمة التي توحي دلالتها بالإجبار والقسر.

والتعولم ظاهرة إنسانية قديمة، وهي حال من الصيرورة التي تتصاعد قدما نحو متحد إنساني عالمي. وهذه الصيرورة تتحقق بشكل إرادي لا يواجه أي مقاومة من المجتمعات الإنسانية المختلفة، لأنها تقوم على رغبة وإرادة الإنسان، في كل مجتمع، الاستفادة من كل ما من شأنه تحقيق فائدة له، وما فيه مصلحة تنعكس على جوانب حياته. وهكذا ينتشر كل اكتشاف واختراع علمي، وتنتشر أساليب تحسين الحياة في الصحة، وأساليب التعليم الأنجح، ووسائل الإعلام الأكثر فعالية، ووسائل النقل السريع والمأمون، والتنظيمات الاقتصادية الناجحة وغيرها. وهو ما يؤدي عملياً إلى تشابه كبير بين المجتمعات الإنسانية في كل جوانب الحياة المادية، وكثير من الجوانب الثقافية كمناهج التعليم العلمية، وفنون التصوير، والآلات الموسيقية، وأنواع الألعاب الرياضية وغيرها. وتبقى جوانب تتعلق بالدين وبعض العادات والتقاليد ذات المنشأ الديني، التي كانت مثار صراعات كثيرة وكبيرة في الماضي، لكن التركيز حولها أخذ يتجه في ضوء انتشار مفاهيم التسامح وتقبل فكر الآخر المختلف، إلى جوانب الاتفاق وهي كثيرة، مع التسامح في جوانب الاختلاف.

وحتى في العلاقات الدولية التي مثلت فيها كل دولة سلطة ذات سيادة على أرضها وشعبها، لا يعلو سلطتها أي سلطة، نجد أن الدول تتجه بصورة مطردة إلى التخلي عن جوانب من سلطاتها السيادية لصالح سلطات عالمية، تفوض إليها الدول القيام بجانب من جوانب سلطاتها السيادية. وهي في هذا السبيل تلزم نفسها بمواثيق دولية لمنظمات لها سلطة تعلو على سلطة الدول في مجال اختصاصها، كالسلطة القضائية لمحكمة العدل الدولية، أو سلطات الرقابة والإشراف لمنظمات مثل منظمة الطاقة الذرية، أو السلطات الملزمة لمجلس الأمن الدولي وقراراته، إلى آخر ما هنالك من المنظمات الدولية والإقليمية. وهذه كلها تدخل ضمن الصيرورة الإرادية الطوعية في التعولم.

الطبيعة الثانية: وهي العولمة التي يريد لها قوى الطغيان العالمي أن تأخذ مساراً قسرياً، بغرض فرض نمط معين في السياسة والاقتصاد والثقافة على المجتمعات الإنسانية المختلفة ودولها، من قبل إحدى الدول أو مجموعة منها. وفي هذه الحالة فإن استقراء التاريخ يدلنا على أن قيام أي دولة أو تجمع لعدد من الدول بمحاولة فرض نمط ما شامل أو جزئي، إنما يهدف إلى تحقيق مصلحة أو مصالح معينة للدولة أو الدول التي تقوم بعملية الفرض والقسر. والمصلحة قد تكون ظاهرة للعيان، فجة، ومباشرة، وقد تكون مغلفة بحجج تبدو كما لو كانت في مصلحة من يتم قسره على تقبل النمط المراد فرضه، بالصورة التي تم بها تبرير الاستعمار الغربي باعتباره عملاً تمدينياً لأمم متوحشة. ومع أن الحجة قد تكون لها بعض المصداقية في بعض جوانبها، إلا أن المصلحة المباشرة للمستعمر في نهب ثروات من يتم استعماره، والاستغلال الذي يمارسه عليه، يفرغ الحجج من مضمونها، ويجعلها مجرد ذريعة لا مصداقية لها.

ومع ذلك فإن استقراء التاريخ يدلنا أيضاً، على أن بعض الدول التي تم استعمارها، كانت غالبية الشعب فيها ترزح تحت طغيان أقلية حاكمة تستأثر بثمار جهود الأغلبية، ومعظم ثروات الدولة، وتستخدم لإدامة سلطاتها أساليب قهر وحشية، لا تقيم وزناً لحياة الناس وأعراضهم وحقوقهم. وهنا يكون المستعمر الأجنبي الذي تخف وطأته على الغالبية المضطهدة في تلك الدولة، مقارنة بالتسلط الوحشي للدولة الوطنية في نظر الغالبية المضطهدة، رحمة من السماء. ومع ذلك فما إن ينقضي قليل من الزمن على وجود الاستعمار، حتى نجد الشعب يهب ضد الاستعمار الأجنبي ذلك أن المجتمعات الإنسانية تتطلع إلى الأفضل دائماً وترفض القهر والاستغلال.

ونخلص مما تقدم إلى أن التعولم مرتبط أشد الارتباط بما تتم عولمته، وبكونه تعولماً إرادياً، أو عولمة قسرية، بحيث يصح القول إن الحديث عن العولمة كأفق مجرد بمعزل عما تتم عولمته، والسبل التي تتم بها العولمة، والقوى التي تقف وراء العملية كلها، يصبح حديثاً ناقصاً لا يقدم رؤية واضحة عن مجمل القضية.

وكذلك نخلص إلى أن العولمة مثلها مثل التعولم عملية مستمرة عبر التاريخ الإنساني، منذ تمايزت المجتمعات الإنسانية إلى دول. وأنها، أي العولمة، تشهد فترات نشاط وخمول، ويمكن تحديد فترات النشاط بأنها تتزامن مع اكتساب دولة ما قوة اقتصادية وعسكرية تغريها بتعميم نمطها الثقافي والسياسي والاقتصادي على المجتمعات الأخرى عبر الهيمنة على دولها. أما فترات الخمول، فهي تلك التي تتميز بحدوث قدر من التوازن في القوى العالمية الكبرى، وتلك فترات قصيرة من مجموع التاريخ الإنساني.

خصائص المشروع العولمي
قلنا إن العولمة القسرية هي سعي لفرض نمط اقتصادي وسياسي وثقافي معين على المجتمعات الإنسانية من قبل أحدها، وهذا النمط يشكل مشروعاً متكاملاً لابد له من أن يمتلك مجموعة من الخصائص تؤهله لكي يكون قابلاً للعولمة:
أولها: أن يكون أيديولوجية تتناول جميع جوانب الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية.
وثانيها: أن يقدم نموذجاً ناجحاً يتمثل في الدولة المصدرة له.
وثالثها: أن يتصف بصبغة إنسانية، وأن يطمح إلى تقديم وصفة ناجحة ومقبولة لعلاج ما تعاني منه المجتمعات الإنسانية من ظلم وفقر.

وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الإنساني فسنجد أن دولاً قليلة امتلكت مشروعاً قابلاً للعولمة، وهو ما أدى إلى قوتها واستقرارها وشيوع نفوذها فترات طويلة نسبياً في التاريخ الإنساني، فقد ارتبطت أكثر الإمبراطوريات الأنجح في التاريخ بدين من الأديان، وخاصة الأديان السماوية، بما فيها من دعوة للمساواة وإشاعة العدل بين البشر. أما الإمبراطوريات التي قامت على أساس من دعوات التفوق العرقي فقد انتهت إلى الدمار السريع. وما يصدق على الماضي، في هذا الباب، يصدق على الحاضر أيضاً.

وعلى الرغم من أن الحكومات عملت على استغلال الدين وجعله وسيلة لفرض شرعيتها، وبسط سيطرتها، وحماية مصالحها الأنانية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى سقوط تلك الإمبراطوريات، إلا أن الأديان السماوية ظلت على قوتها وعنفوانها. فعلى الرغم من سقوط الإمبراطورية الإسلامية فقد ظل الإسلام قوياً، وانتشر في جنوب شرق آسيا بمعزل عن قوة الإمبراطورية الإسلامية، لتدين به أعداد من السكان تضاهي عددياً، إن لم تزد، أعداد المسلمين في الإمبراطورية الإسلامية نفسها، وذلك دليل وأي دليل على نفع الإسلام للإنسان، وصلاحه للتعولم والعولمة معاً. وقد كانت إشارة الإجهاز على الإمبراطورية العثمانية هي تحولها من مبادئ الإسلام – التي تكفل المساواة كأساس للدولة – إلى القومية الطورانية العرقية العنصرية.

ويصدق الشيء نفسه على المسيحية، التي بقيت على الرغم من سقوط الإمبراطورية الرومانية، ومن بعدها الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والإمبراطورية البروسية.

وفي القرن العشرين، تراجع دور الإمبراطوريات الاستعمارية لتصبح دولاً عادية في منظومة المجتمع الدولي كالإمبراطوريات الاستعمارية الفرنسية واليابانية والبريطانية، وقبلها الهولندية والإسبانية والبرتغالية، لأنها قامت على أساس من دعاوى التفوق العرقي العنصري.

وقام النجاح الأمريكي في الولايات المتحدة على الدستور الأمريكي الكافل للحرية والمساواة بين البشر على اختلافهم، وإقامة دولة على أساس من تلك المبادئ، وليس دولة قومية قائمة على العرق والعنصر، كما كان الحال في الإمبراطوريات البائدة التي ذكرناها، ثم قام النجاح المؤقت للدولة السوفييتية في مجال عولمة نظمت على مبادئ المساواة والحرية، وتحريم استغلال الإنسان للإنسان، التي حملتها مبادئ تلك الدولة، وقيام الدولة السوفييتية على أساس من المساواة لا على أساس عنصري.
وهكذا فقد وجدت في العالم المعاصر ثلاثة مشاريع عولمية: مشروع مهزوم ولكن قوته كامنة هو المشروع الإسلامي، ومشروعان حديثان هما المشروع الليبرالي الأمريكي والمشروع الاشتراكي السوفييتي الذي تعثر لأسباب ليس هذا مقام تناولها.

واستوعبت أوروبا الغربية الدروس التاريخية، واتجهت إلى إقامة مشروعها للوحدة الأوروبية، التي تخلصت من دعاوى التفوق العرقي والعنصري، واتخذت لها أفقاً إنسانياً أوسع.

المشروع العولمي السائد
كان بعض ما قلناه فيما سبق هنا إن العولمة التي تتبناها دولة من الدول أو مجموعة منها تخفي خلفها نزوعاً إلى الهيمنة، وإن المشروع العولمي الذي يتم الترويج له لا بد له من مقومات للنجاح تتمثل في الفكر المتكامل والنموذج الناجح والقوة السياسية والعسكرية الغالبة.

وعلى الرغم من الميل السائد لاعتبار المشروع العولمي الراهن مشروعاً غربياً، إلا أن الجميع متفق على تصدر الولايات المتحدة الأمريكية للمشروع، إلى حد يمكن تسميته مشروعاً أمريكياً، ذلك أن انفراد القوة الأمريكية بموقع القوة العالمية الوحيدة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي يجعلها لا تحتاج إلى مشاركة أوروبا الغربية، كما أن أوروبا الغربية على الرغم من النجاحات المتعددة لمشروعها التوحيدي في إطار المجموعة الأوروبية، إلا أن تجربتها لم ترق بعد إلى مستوى إيجاد إرادة سياسية موحدة قادرة على فرض مشروعها العولمي الخاص. ومن هذا نخلص إلى أن المشروع العولمي الراهن مشروع أمريكي هدفه تعزيز ونشر الهيمنة الأمريكية على دول العالم اقتصادياً وسياسياً وثقافياً.

الأسس التي يقوم عليها المشروع العولمي الأمريكي
المشروع العولمي الأمريكي مشروع تقف وراءه الطبقات المتنفذة في المجتمع والدولة في الولايات المتحدة، وتتمثل هذه بدرجة أساسية بالمؤسسات العسكرية والمالية والصناعية والتجارية والسياسية الحاكمة في المجتمع الأمريكي. ولذلك فإن ما سنستعرضه يتعلق أساساً بهذه المؤسسات، وبالذات الفلسفة والفكر اللذان يعتنقهما هذا النظام.

إن الوضعية التجريبية أو كما يسميها البعض أيضاً الوضعية المنطقية، التي تضم البراجماتية، هي فلسفة النظام الأمريكي. ويلخصها أحد فلاسفتها وهو جون لوك بقوله:(لاشيء في العقل لم يكن قبل في الحس)، وبذلك ينكر أن يكون للباطن والحياة الروحية وجود منفصل عن الحس والمادة. ويقول فيلسوفهم كوندياك:(أن الحكم والتأمل والرغبات والوجدان ليست إلا الحس نفسه في تجلياته المختلفة). أما الفيلسوف دستوس دي تراس، وهو أول من أتى بلفظة الايديولوجيا، فيقول:(علوم ما بعد الطبيعة، وكذلك علم النفس، ما هي إلا محاولات لتجاوز حدود الوقائع الخالصة، وإن الأيديولوجيا هي علم الأفكار الذي يردها إلى عناصرها البسيطة، وذلك بدراسة الإحساسات، والذكريات والعلاقات،والرغبات والحركات، وردها إلى منشئها الفيزيائي).
وكما هو واضح فإن هذه فلسفة تصلح (للماشية) لو كانت تتفلسف، فهي لا تعترف بأي شيء خارج الحس، وتحوي أسس معظم نواحي الوضعية التجريبية، وهي تكاد تختزل نفسها إلى مجرد ترداد لقواعد العلم التجريبي، وبذلك تلغي الصفة الفلسفية عنها، لأن الفلسفة تتناول ما هو أوسع بكثير من مجرد عالم الحس الذي يهتم به العلم.

والوضعية التجريبية فلسفة تعددية مقابل الفلسفات الواحدية التي تقول بمبدأ واحد لكل شيء كالدين، والمثالية التي تؤمن بالله، أو المادية التي تؤمن بأن المادة هي أصل كل شيء. وكذلك مقابل الفلسفات الثنائية التي تقول بوجود مبدأين نهائيين لا يمكن إرجاع أحدهما إلى الآخر، ولا إرجاع كليهما إلى ثالث مكون منهما، فهما مستقلان ومتقابلان كالخير والشر، والصواب والخطأ. وأساس النظرة التعددية يقوم على القول بأن ما دام الواقع النهائي يتألف من عدد هائل من الأشياء ذات الوجود المستقل فإن الكون مجرد مجموع متراكم وليس وجوداً عضوياً، وأن آلياته غير منضبطة تماماً، وهي تسمح بالخروج على النظام الدقيق، وتكون المصادفات فيه عاملاً حقيقياً مهماً.

وازدهرت هذه الفلسفة في الولايات المتحدة لأنها تجعل من التغير وعدم القابلية للتنبؤ والمغامرة، فضيلة وطبيعة المجتمع الأمريكي، إضافة إلى تعددية هذا المجتمع العرقية، وتكونه من أماكن وولايات مستقلة، وتعدد المنظمات المدنية فيها، فكانت هذه الفلسفة مقبولة في هذا المجتمع بسبب من تعدديتها وتعدديته.

والحجة الأساسية للفلسفة الوضعية تبدأ بالإشارة إلى التضاد بين العلم والميتافيزيقا والدين فالأخيران يبدآن نشاطهما العقلي بالملاحظة، ولكنهما لا يستطيعان العودة إلى عالم المعطيات التجريبية كما تعتقد الوضعية. وأن التفسيرات المتناقضة للعلم من جهة، والميتافيزيقا واللاهوت من جهة أخرى، التي تفسر الوقائع الملاحظة نفسها لا معنى لها، لأن الفارق الذي تحدثه لفظي ووهمي، فلا يبقى صحيحاً إلا الواقعة ذاتها. وقد صاغ هذه الحجة المنطقي الرياضي ش. س. بيرس الذي قال:(إن من الضروري لكي يكون لأي عبارة معنى، أن تؤكد شيئاً أو تنفي شيئاً، يمكن إثباته بالملاحظة. أما إذا لم يترتب على العبارة شيء فيمكن ملاحظته تجريبياً، سواء كانت العبارة صحيحة أو باطلة أو شعراً أو وحياً أو دعاء، فإنها تكون لغواً لا معنى له من وجهة النظر المعرفية).

وفي ميدان الأخلاق والسياسة تظهر الوضعية المنطقية بوجهها البراجماتي (النفعي العملي)، إذ ترى أن الأحكام التقويمية لما هو حق أو باطل، خير أو شر، هي أحكام نسبية تختلف من شخص لآخر، ومن عصر لآخر، وهي تصدر عن الشعور بالرضا والإشباع من عدمه، وأن الحكم التقويمي عبارة عن تفضيل شخصي ذاتي متغير.

نقد الوضعية المنطقية والبراجماتية
كنت قد أشرت في مقالة نشرتها في صحيفة (الجمهورية) (حول مسألة المنهج في الكتابات التاريخية والاجتماعية) إلى ضلال الوضعية التجريبية في تزمتها وعدم اعترافها بالمتغيرات ذات الطابع النفسي أو الديني، وكل ما لا يمكن التحقق منه معمليا كما تدعي، ذلك أن أمثال تلك المتغيرات غير القابلة للقياس الكمي في ذاتها، يمكن قياس تأثيرها في الناس وفي المجتمع، بالضبط كما يفعل علماء الطبيعة عندما يقيسون الظواهر الذرية التي لا يمكن قياسها مباشرة عن طريق دراسة تأثيرها في وسائل القياس. أي أن البشر والمجتمعات البشرية يمكن أن تقوم بدور وسائل القياس عند دراسة المتغيرات النفسية أو الدينية.

وفي نقد متميز للوضعية التجريبية، يقول أستاذ الفلسفة في الأزهر الدكتور عبد القادر محمود:(إذا كانت الوضعية المنطقية قد نجحت في تحليل اللغة تحليلاً منطقياً، فإنها في تطبيقها له تطبيقا شاملاً خسرت الكثير، فرغم أن اللغة عناصر وعلاقات، فإن ما أهملته وتجاهلته الوضعية هو أن اللغة كائن وظيفي في مجال سيكولوجي اجتماعي، له وظيفة حية كعامل أساسي للتكامل الاجتماعي، فالتغيرات الدينية والأخلاقية تتضمن شحنات وجدانية واجتماعية، تتجاوز العلاقات المنطقية. وكذلك فإن التعبير الفني لا يخضع للنظام الوضعي المنطقي لارتباطه بأعماق سيكولوجية).

أما النقد الأجمل لكل الفلسفات التي تقول بالحس وحده وبتعددية الوجود، فإننا نجده عند الفيلسوف الجبار هيجل فهو يقول:(يمكن النظر إلى الوجود بطريقتين، الأولى على أنه مجموعة من الوقائع المتعددة المبعثرة المفككة التي لا رابط بينها ولا حصر لها. والثانية على أنه مجموعة من الوقائع المتعددة التي ترتبط بعلاقة متبادلة، تشهد بوجود تنظيم وتدبير).

وعندما نفرض الآن أن امتلاء الوجود هذا يسير تحت نشاط الفكر وفاعليته، فعندئذ سوف تنزع عنه العزلة والتفكك، وسوف ينظر إليه على أنه كلي وضروري ضرورة مطلقة، وعلى أنه موجود ومحدد بذاته، ويسير وفقاً لأغراض وقوانين عامة، وهذا الوجود الذي يعين ذاته بذاته، ويختلف عن الوجود المتعدد المفكك الذي بدأنا منه، هو الله سبحانه وتعالى.

والإنسان مفكر بطبعه، ولهذا فإن الإحساس المشترك السليم وكذلك الفلسفة، لن يفرطا في حقهما في الصعود إلى معرفة الله من خلال النظرة التجريبية للعالم. والأساس الوحيد الذي يجعل مثل هذا الصعود ممكنا، وهو الدراسة الفكرية للعالم لا مجرد النظرة الحسية الحيوانية إليه. والصعود والقفز إلى ما وراء عالم الحس، وعبوره من المتناهي إلى اللامتناهي بتمزيق سلسلة الحس، هذا الانتقال هو الفكر. فإذا قال أحد إنه ينبغي ألا يكون هناك مثل هذا الانتقال فكأنـه يقول إنه ينبغي ألا يكون هناك تفكير. والواقع أن الحيوان لا يقوم بمثل هذا الانتقال، فهو لا يرتفع مطلقاً عن مستوى الإدراك الحسي للحواس، وهو لهذا بغير دين.

 وفي مجال الأخلاق يقول هيجل:(إن وجهة النظر النسبية والتطويرية تسلم عالم الأخلاق إلى المصادفة والهوى، فإذا أصبحت قوانين الأخلاق والحق والباطل مجرد آراء واقتناعات ذاتية، فإنه يصبح على هذا النحو لأسوأ المبادئ الإجرامية قيمة القوانين نفسها، ما دامت هي الأخرى مجرد اقتناعات ذاتية).

لعل ما بسطناه يلقي بعض الضوء على أسباب انتكاسة المشروع الأمريكي في العراق، وأسباب عجز الباحثين والمسؤولين في دوائر صنع القرار عن التنبؤ بما يواجهونه اليوم هناك، إذ كيف يمكن للبراجماتي النفعي أن يتصور أن بذل النفس دونما أمل أو تفكير في ما ينتج عنه من نفع، يمكن أن يكون ظاهرة عامة، وأنه ليس مجرد حالة فردية أو ظاهرة معزولة. إنها الأيديولوجيا، وكما قال المفكر الكبير الدكتور أبو بكر السقاف (الأيديولوجيا تعمي لأنها لا ترى الواقع بل تصورها للواقع).

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2552::/cck::
::introtext::

أثناء الجدل المستفيض حول العولمة يمكن ملاحظة وجود اتفاق عام حول مفهوم العولمة بأنها (صيرورة المجتمعات الإنسانية في هذا العالم إلى اعتماد أنماط متشابهة في السياسة والاقتصاد والثقافة). ولكن فحصاً متعمقاً لهذه المَسْلمَة يقودني إلى تمييز طبيعتين متوازيتين لهذه الصيرورة:
الطبيعة الأولى: هي ما أعتقد أن من الأصوب تسميتها باسم التعولم، ذلك ان هذه اللفظة تدل على تعولم يتم برضا المتعولم، على العكس من لفظة العولمة التي توحي دلالتها بالإجبار والقسر.

::/introtext::
::fulltext::

أثناء الجدل المستفيض حول العولمة يمكن ملاحظة وجود اتفاق عام حول مفهوم العولمة بأنها (صيرورة المجتمعات الإنسانية في هذا العالم إلى اعتماد أنماط متشابهة في السياسة والاقتصاد والثقافة). ولكن فحصاً متعمقاً لهذه المَسْلمَة يقودني إلى تمييز طبيعتين متوازيتين لهذه الصيرورة:
الطبيعة الأولى: هي ما أعتقد أن من الأصوب تسميتها باسم التعولم، ذلك ان هذه اللفظة تدل على تعولم يتم برضا المتعولم، على العكس من لفظة العولمة التي توحي دلالتها بالإجبار والقسر.

والتعولم ظاهرة إنسانية قديمة، وهي حال من الصيرورة التي تتصاعد قدما نحو متحد إنساني عالمي. وهذه الصيرورة تتحقق بشكل إرادي لا يواجه أي مقاومة من المجتمعات الإنسانية المختلفة، لأنها تقوم على رغبة وإرادة الإنسان، في كل مجتمع، الاستفادة من كل ما من شأنه تحقيق فائدة له، وما فيه مصلحة تنعكس على جوانب حياته. وهكذا ينتشر كل اكتشاف واختراع علمي، وتنتشر أساليب تحسين الحياة في الصحة، وأساليب التعليم الأنجح، ووسائل الإعلام الأكثر فعالية، ووسائل النقل السريع والمأمون، والتنظيمات الاقتصادية الناجحة وغيرها. وهو ما يؤدي عملياً إلى تشابه كبير بين المجتمعات الإنسانية في كل جوانب الحياة المادية، وكثير من الجوانب الثقافية كمناهج التعليم العلمية، وفنون التصوير، والآلات الموسيقية، وأنواع الألعاب الرياضية وغيرها. وتبقى جوانب تتعلق بالدين وبعض العادات والتقاليد ذات المنشأ الديني، التي كانت مثار صراعات كثيرة وكبيرة في الماضي، لكن التركيز حولها أخذ يتجه في ضوء انتشار مفاهيم التسامح وتقبل فكر الآخر المختلف، إلى جوانب الاتفاق وهي كثيرة، مع التسامح في جوانب الاختلاف.

وحتى في العلاقات الدولية التي مثلت فيها كل دولة سلطة ذات سيادة على أرضها وشعبها، لا يعلو سلطتها أي سلطة، نجد أن الدول تتجه بصورة مطردة إلى التخلي عن جوانب من سلطاتها السيادية لصالح سلطات عالمية، تفوض إليها الدول القيام بجانب من جوانب سلطاتها السيادية. وهي في هذا السبيل تلزم نفسها بمواثيق دولية لمنظمات لها سلطة تعلو على سلطة الدول في مجال اختصاصها، كالسلطة القضائية لمحكمة العدل الدولية، أو سلطات الرقابة والإشراف لمنظمات مثل منظمة الطاقة الذرية، أو السلطات الملزمة لمجلس الأمن الدولي وقراراته، إلى آخر ما هنالك من المنظمات الدولية والإقليمية. وهذه كلها تدخل ضمن الصيرورة الإرادية الطوعية في التعولم.

الطبيعة الثانية: وهي العولمة التي يريد لها قوى الطغيان العالمي أن تأخذ مساراً قسرياً، بغرض فرض نمط معين في السياسة والاقتصاد والثقافة على المجتمعات الإنسانية المختلفة ودولها، من قبل إحدى الدول أو مجموعة منها. وفي هذه الحالة فإن استقراء التاريخ يدلنا على أن قيام أي دولة أو تجمع لعدد من الدول بمحاولة فرض نمط ما شامل أو جزئي، إنما يهدف إلى تحقيق مصلحة أو مصالح معينة للدولة أو الدول التي تقوم بعملية الفرض والقسر. والمصلحة قد تكون ظاهرة للعيان، فجة، ومباشرة، وقد تكون مغلفة بحجج تبدو كما لو كانت في مصلحة من يتم قسره على تقبل النمط المراد فرضه، بالصورة التي تم بها تبرير الاستعمار الغربي باعتباره عملاً تمدينياً لأمم متوحشة. ومع أن الحجة قد تكون لها بعض المصداقية في بعض جوانبها، إلا أن المصلحة المباشرة للمستعمر في نهب ثروات من يتم استعماره، والاستغلال الذي يمارسه عليه، يفرغ الحجج من مضمونها، ويجعلها مجرد ذريعة لا مصداقية لها.

ومع ذلك فإن استقراء التاريخ يدلنا أيضاً، على أن بعض الدول التي تم استعمارها، كانت غالبية الشعب فيها ترزح تحت طغيان أقلية حاكمة تستأثر بثمار جهود الأغلبية، ومعظم ثروات الدولة، وتستخدم لإدامة سلطاتها أساليب قهر وحشية، لا تقيم وزناً لحياة الناس وأعراضهم وحقوقهم. وهنا يكون المستعمر الأجنبي الذي تخف وطأته على الغالبية المضطهدة في تلك الدولة، مقارنة بالتسلط الوحشي للدولة الوطنية في نظر الغالبية المضطهدة، رحمة من السماء. ومع ذلك فما إن ينقضي قليل من الزمن على وجود الاستعمار، حتى نجد الشعب يهب ضد الاستعمار الأجنبي ذلك أن المجتمعات الإنسانية تتطلع إلى الأفضل دائماً وترفض القهر والاستغلال.

ونخلص مما تقدم إلى أن التعولم مرتبط أشد الارتباط بما تتم عولمته، وبكونه تعولماً إرادياً، أو عولمة قسرية، بحيث يصح القول إن الحديث عن العولمة كأفق مجرد بمعزل عما تتم عولمته، والسبل التي تتم بها العولمة، والقوى التي تقف وراء العملية كلها، يصبح حديثاً ناقصاً لا يقدم رؤية واضحة عن مجمل القضية.

وكذلك نخلص إلى أن العولمة مثلها مثل التعولم عملية مستمرة عبر التاريخ الإنساني، منذ تمايزت المجتمعات الإنسانية إلى دول. وأنها، أي العولمة، تشهد فترات نشاط وخمول، ويمكن تحديد فترات النشاط بأنها تتزامن مع اكتساب دولة ما قوة اقتصادية وعسكرية تغريها بتعميم نمطها الثقافي والسياسي والاقتصادي على المجتمعات الأخرى عبر الهيمنة على دولها. أما فترات الخمول، فهي تلك التي تتميز بحدوث قدر من التوازن في القوى العالمية الكبرى، وتلك فترات قصيرة من مجموع التاريخ الإنساني.

خصائص المشروع العولمي
قلنا إن العولمة القسرية هي سعي لفرض نمط اقتصادي وسياسي وثقافي معين على المجتمعات الإنسانية من قبل أحدها، وهذا النمط يشكل مشروعاً متكاملاً لابد له من أن يمتلك مجموعة من الخصائص تؤهله لكي يكون قابلاً للعولمة:
أولها: أن يكون أيديولوجية تتناول جميع جوانب الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية.
وثانيها: أن يقدم نموذجاً ناجحاً يتمثل في الدولة المصدرة له.
وثالثها: أن يتصف بصبغة إنسانية، وأن يطمح إلى تقديم وصفة ناجحة ومقبولة لعلاج ما تعاني منه المجتمعات الإنسانية من ظلم وفقر.

وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الإنساني فسنجد أن دولاً قليلة امتلكت مشروعاً قابلاً للعولمة، وهو ما أدى إلى قوتها واستقرارها وشيوع نفوذها فترات طويلة نسبياً في التاريخ الإنساني، فقد ارتبطت أكثر الإمبراطوريات الأنجح في التاريخ بدين من الأديان، وخاصة الأديان السماوية، بما فيها من دعوة للمساواة وإشاعة العدل بين البشر. أما الإمبراطوريات التي قامت على أساس من دعوات التفوق العرقي فقد انتهت إلى الدمار السريع. وما يصدق على الماضي، في هذا الباب، يصدق على الحاضر أيضاً.

وعلى الرغم من أن الحكومات عملت على استغلال الدين وجعله وسيلة لفرض شرعيتها، وبسط سيطرتها، وحماية مصالحها الأنانية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى سقوط تلك الإمبراطوريات، إلا أن الأديان السماوية ظلت على قوتها وعنفوانها. فعلى الرغم من سقوط الإمبراطورية الإسلامية فقد ظل الإسلام قوياً، وانتشر في جنوب شرق آسيا بمعزل عن قوة الإمبراطورية الإسلامية، لتدين به أعداد من السكان تضاهي عددياً، إن لم تزد، أعداد المسلمين في الإمبراطورية الإسلامية نفسها، وذلك دليل وأي دليل على نفع الإسلام للإنسان، وصلاحه للتعولم والعولمة معاً. وقد كانت إشارة الإجهاز على الإمبراطورية العثمانية هي تحولها من مبادئ الإسلام – التي تكفل المساواة كأساس للدولة – إلى القومية الطورانية العرقية العنصرية.

ويصدق الشيء نفسه على المسيحية، التي بقيت على الرغم من سقوط الإمبراطورية الرومانية، ومن بعدها الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والإمبراطورية البروسية.

وفي القرن العشرين، تراجع دور الإمبراطوريات الاستعمارية لتصبح دولاً عادية في منظومة المجتمع الدولي كالإمبراطوريات الاستعمارية الفرنسية واليابانية والبريطانية، وقبلها الهولندية والإسبانية والبرتغالية، لأنها قامت على أساس من دعاوى التفوق العرقي العنصري.

وقام النجاح الأمريكي في الولايات المتحدة على الدستور الأمريكي الكافل للحرية والمساواة بين البشر على اختلافهم، وإقامة دولة على أساس من تلك المبادئ، وليس دولة قومية قائمة على العرق والعنصر، كما كان الحال في الإمبراطوريات البائدة التي ذكرناها، ثم قام النجاح المؤقت للدولة السوفييتية في مجال عولمة نظمت على مبادئ المساواة والحرية، وتحريم استغلال الإنسان للإنسان، التي حملتها مبادئ تلك الدولة، وقيام الدولة السوفييتية على أساس من المساواة لا على أساس عنصري.
وهكذا فقد وجدت في العالم المعاصر ثلاثة مشاريع عولمية: مشروع مهزوم ولكن قوته كامنة هو المشروع الإسلامي، ومشروعان حديثان هما المشروع الليبرالي الأمريكي والمشروع الاشتراكي السوفييتي الذي تعثر لأسباب ليس هذا مقام تناولها.

واستوعبت أوروبا الغربية الدروس التاريخية، واتجهت إلى إقامة مشروعها للوحدة الأوروبية، التي تخلصت من دعاوى التفوق العرقي والعنصري، واتخذت لها أفقاً إنسانياً أوسع.

المشروع العولمي السائد
كان بعض ما قلناه فيما سبق هنا إن العولمة التي تتبناها دولة من الدول أو مجموعة منها تخفي خلفها نزوعاً إلى الهيمنة، وإن المشروع العولمي الذي يتم الترويج له لا بد له من مقومات للنجاح تتمثل في الفكر المتكامل والنموذج الناجح والقوة السياسية والعسكرية الغالبة.

وعلى الرغم من الميل السائد لاعتبار المشروع العولمي الراهن مشروعاً غربياً، إلا أن الجميع متفق على تصدر الولايات المتحدة الأمريكية للمشروع، إلى حد يمكن تسميته مشروعاً أمريكياً، ذلك أن انفراد القوة الأمريكية بموقع القوة العالمية الوحيدة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي يجعلها لا تحتاج إلى مشاركة أوروبا الغربية، كما أن أوروبا الغربية على الرغم من النجاحات المتعددة لمشروعها التوحيدي في إطار المجموعة الأوروبية، إلا أن تجربتها لم ترق بعد إلى مستوى إيجاد إرادة سياسية موحدة قادرة على فرض مشروعها العولمي الخاص. ومن هذا نخلص إلى أن المشروع العولمي الراهن مشروع أمريكي هدفه تعزيز ونشر الهيمنة الأمريكية على دول العالم اقتصادياً وسياسياً وثقافياً.

الأسس التي يقوم عليها المشروع العولمي الأمريكي
المشروع العولمي الأمريكي مشروع تقف وراءه الطبقات المتنفذة في المجتمع والدولة في الولايات المتحدة، وتتمثل هذه بدرجة أساسية بالمؤسسات العسكرية والمالية والصناعية والتجارية والسياسية الحاكمة في المجتمع الأمريكي. ولذلك فإن ما سنستعرضه يتعلق أساساً بهذه المؤسسات، وبالذات الفلسفة والفكر اللذان يعتنقهما هذا النظام.

إن الوضعية التجريبية أو كما يسميها البعض أيضاً الوضعية المنطقية، التي تضم البراجماتية، هي فلسفة النظام الأمريكي. ويلخصها أحد فلاسفتها وهو جون لوك بقوله:(لاشيء في العقل لم يكن قبل في الحس)، وبذلك ينكر أن يكون للباطن والحياة الروحية وجود منفصل عن الحس والمادة. ويقول فيلسوفهم كوندياك:(أن الحكم والتأمل والرغبات والوجدان ليست إلا الحس نفسه في تجلياته المختلفة). أما الفيلسوف دستوس دي تراس، وهو أول من أتى بلفظة الايديولوجيا، فيقول:(علوم ما بعد الطبيعة، وكذلك علم النفس، ما هي إلا محاولات لتجاوز حدود الوقائع الخالصة، وإن الأيديولوجيا هي علم الأفكار الذي يردها إلى عناصرها البسيطة، وذلك بدراسة الإحساسات، والذكريات والعلاقات،والرغبات والحركات، وردها إلى منشئها الفيزيائي).
وكما هو واضح فإن هذه فلسفة تصلح (للماشية) لو كانت تتفلسف، فهي لا تعترف بأي شيء خارج الحس، وتحوي أسس معظم نواحي الوضعية التجريبية، وهي تكاد تختزل نفسها إلى مجرد ترداد لقواعد العلم التجريبي، وبذلك تلغي الصفة الفلسفية عنها، لأن الفلسفة تتناول ما هو أوسع بكثير من مجرد عالم الحس الذي يهتم به العلم.

والوضعية التجريبية فلسفة تعددية مقابل الفلسفات الواحدية التي تقول بمبدأ واحد لكل شيء كالدين، والمثالية التي تؤمن بالله، أو المادية التي تؤمن بأن المادة هي أصل كل شيء. وكذلك مقابل الفلسفات الثنائية التي تقول بوجود مبدأين نهائيين لا يمكن إرجاع أحدهما إلى الآخر، ولا إرجاع كليهما إلى ثالث مكون منهما، فهما مستقلان ومتقابلان كالخير والشر، والصواب والخطأ. وأساس النظرة التعددية يقوم على القول بأن ما دام الواقع النهائي يتألف من عدد هائل من الأشياء ذات الوجود المستقل فإن الكون مجرد مجموع متراكم وليس وجوداً عضوياً، وأن آلياته غير منضبطة تماماً، وهي تسمح بالخروج على النظام الدقيق، وتكون المصادفات فيه عاملاً حقيقياً مهماً.

وازدهرت هذه الفلسفة في الولايات المتحدة لأنها تجعل من التغير وعدم القابلية للتنبؤ والمغامرة، فضيلة وطبيعة المجتمع الأمريكي، إضافة إلى تعددية هذا المجتمع العرقية، وتكونه من أماكن وولايات مستقلة، وتعدد المنظمات المدنية فيها، فكانت هذه الفلسفة مقبولة في هذا المجتمع بسبب من تعدديتها وتعدديته.

والحجة الأساسية للفلسفة الوضعية تبدأ بالإشارة إلى التضاد بين العلم والميتافيزيقا والدين فالأخيران يبدآن نشاطهما العقلي بالملاحظة، ولكنهما لا يستطيعان العودة إلى عالم المعطيات التجريبية كما تعتقد الوضعية. وأن التفسيرات المتناقضة للعلم من جهة، والميتافيزيقا واللاهوت من جهة أخرى، التي تفسر الوقائع الملاحظة نفسها لا معنى لها، لأن الفارق الذي تحدثه لفظي ووهمي، فلا يبقى صحيحاً إلا الواقعة ذاتها. وقد صاغ هذه الحجة المنطقي الرياضي ش. س. بيرس الذي قال:(إن من الضروري لكي يكون لأي عبارة معنى، أن تؤكد شيئاً أو تنفي شيئاً، يمكن إثباته بالملاحظة. أما إذا لم يترتب على العبارة شيء فيمكن ملاحظته تجريبياً، سواء كانت العبارة صحيحة أو باطلة أو شعراً أو وحياً أو دعاء، فإنها تكون لغواً لا معنى له من وجهة النظر المعرفية).

وفي ميدان الأخلاق والسياسة تظهر الوضعية المنطقية بوجهها البراجماتي (النفعي العملي)، إذ ترى أن الأحكام التقويمية لما هو حق أو باطل، خير أو شر، هي أحكام نسبية تختلف من شخص لآخر، ومن عصر لآخر، وهي تصدر عن الشعور بالرضا والإشباع من عدمه، وأن الحكم التقويمي عبارة عن تفضيل شخصي ذاتي متغير.

نقد الوضعية المنطقية والبراجماتية
كنت قد أشرت في مقالة نشرتها في صحيفة (الجمهورية) (حول مسألة المنهج في الكتابات التاريخية والاجتماعية) إلى ضلال الوضعية التجريبية في تزمتها وعدم اعترافها بالمتغيرات ذات الطابع النفسي أو الديني، وكل ما لا يمكن التحقق منه معمليا كما تدعي، ذلك أن أمثال تلك المتغيرات غير القابلة للقياس الكمي في ذاتها، يمكن قياس تأثيرها في الناس وفي المجتمع، بالضبط كما يفعل علماء الطبيعة عندما يقيسون الظواهر الذرية التي لا يمكن قياسها مباشرة عن طريق دراسة تأثيرها في وسائل القياس. أي أن البشر والمجتمعات البشرية يمكن أن تقوم بدور وسائل القياس عند دراسة المتغيرات النفسية أو الدينية.

وفي نقد متميز للوضعية التجريبية، يقول أستاذ الفلسفة في الأزهر الدكتور عبد القادر محمود:(إذا كانت الوضعية المنطقية قد نجحت في تحليل اللغة تحليلاً منطقياً، فإنها في تطبيقها له تطبيقا شاملاً خسرت الكثير، فرغم أن اللغة عناصر وعلاقات، فإن ما أهملته وتجاهلته الوضعية هو أن اللغة كائن وظيفي في مجال سيكولوجي اجتماعي، له وظيفة حية كعامل أساسي للتكامل الاجتماعي، فالتغيرات الدينية والأخلاقية تتضمن شحنات وجدانية واجتماعية، تتجاوز العلاقات المنطقية. وكذلك فإن التعبير الفني لا يخضع للنظام الوضعي المنطقي لارتباطه بأعماق سيكولوجية).

أما النقد الأجمل لكل الفلسفات التي تقول بالحس وحده وبتعددية الوجود، فإننا نجده عند الفيلسوف الجبار هيجل فهو يقول:(يمكن النظر إلى الوجود بطريقتين، الأولى على أنه مجموعة من الوقائع المتعددة المبعثرة المفككة التي لا رابط بينها ولا حصر لها. والثانية على أنه مجموعة من الوقائع المتعددة التي ترتبط بعلاقة متبادلة، تشهد بوجود تنظيم وتدبير).

وعندما نفرض الآن أن امتلاء الوجود هذا يسير تحت نشاط الفكر وفاعليته، فعندئذ سوف تنزع عنه العزلة والتفكك، وسوف ينظر إليه على أنه كلي وضروري ضرورة مطلقة، وعلى أنه موجود ومحدد بذاته، ويسير وفقاً لأغراض وقوانين عامة، وهذا الوجود الذي يعين ذاته بذاته، ويختلف عن الوجود المتعدد المفكك الذي بدأنا منه، هو الله سبحانه وتعالى.

والإنسان مفكر بطبعه، ولهذا فإن الإحساس المشترك السليم وكذلك الفلسفة، لن يفرطا في حقهما في الصعود إلى معرفة الله من خلال النظرة التجريبية للعالم. والأساس الوحيد الذي يجعل مثل هذا الصعود ممكنا، وهو الدراسة الفكرية للعالم لا مجرد النظرة الحسية الحيوانية إليه. والصعود والقفز إلى ما وراء عالم الحس، وعبوره من المتناهي إلى اللامتناهي بتمزيق سلسلة الحس، هذا الانتقال هو الفكر. فإذا قال أحد إنه ينبغي ألا يكون هناك مثل هذا الانتقال فكأنـه يقول إنه ينبغي ألا يكون هناك تفكير. والواقع أن الحيوان لا يقوم بمثل هذا الانتقال، فهو لا يرتفع مطلقاً عن مستوى الإدراك الحسي للحواس، وهو لهذا بغير دين.

 وفي مجال الأخلاق يقول هيجل:(إن وجهة النظر النسبية والتطويرية تسلم عالم الأخلاق إلى المصادفة والهوى، فإذا أصبحت قوانين الأخلاق والحق والباطل مجرد آراء واقتناعات ذاتية، فإنه يصبح على هذا النحو لأسوأ المبادئ الإجرامية قيمة القوانين نفسها، ما دامت هي الأخرى مجرد اقتناعات ذاتية).

لعل ما بسطناه يلقي بعض الضوء على أسباب انتكاسة المشروع الأمريكي في العراق، وأسباب عجز الباحثين والمسؤولين في دوائر صنع القرار عن التنبؤ بما يواجهونه اليوم هناك، إذ كيف يمكن للبراجماتي النفعي أن يتصور أن بذل النفس دونما أمل أو تفكير في ما ينتج عنه من نفع، يمكن أن يكون ظاهرة عامة، وأنه ليس مجرد حالة فردية أو ظاهرة معزولة. إنها الأيديولوجيا، وكما قال المفكر الكبير الدكتور أبو بكر السقاف (الأيديولوجيا تعمي لأنها لا ترى الواقع بل تصورها للواقع).

::/fulltext::
::cck::2552::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *