الاستثمار في قطاع الصناعات الحربية.. ضرورة خليجية

::cck::2661::/cck::
::introtext::

يعتبر الاستثمار في الصناعات الحربية أحد المحاور الأساسية في السياسات الدفاعية للدول التي تضع خططاً مستقبلية لمواجهة متطلباتها من الأسلحة، فالتصنيع المحلي لبعض الأسلحة أو الأجهزة المستوردة أو على الأقل التطوير المحلي لبعض الأسلحة المستوردة يقدم لها العديد من المزايا

::/introtext::
::fulltext::

يعتبر الاستثمار في الصناعات الحربية أحد المحاور الأساسية في السياسات الدفاعية للدول التي تضع خططاً مستقبلية لمواجهة متطلباتها من الأسلحة، فالتصنيع المحلي لبعض الأسلحة أو الأجهزة المستوردة أو على الأقل التطوير المحلي لبعض الأسلحة المستوردة يقدم لها العديد من المزايا. أول هذه المزايا تجعل الأسلحة المصنعة أو المطورة تتلاءم مع طبيعتها الجغرافية والبيئية. ثانيها قد تؤدي على المديين المتوسط والبعيد إلى نجاح الدولة في إمكانية إنتاج بعض متطلباتها من السلاح. ثالثها تكون لديها القدرة على التغلب على الاختناقات التي تحدث في أسواق السلاح العالمية خاصة في أوقات الحروب والأزمات التي تحتاج إلى أسلحة جديدة وذخائر وقطع غيار لإحلالها محل الأسلحة القديمة ومساندة الجهد الحربي للدولة في مواجهة الدولة أو الدول الأعداء، وهو ما يجعل الدولة في وضع يشبه الكارثة إذا لم تتوافر هذه الأسلحة لدى الدول المستوردة للسلاح لتأكيد سيطرتها وتحكمها في توجهاتها العسكرية. رابعها يتيح التصنيع العسكري للحكومات تقوية مكانتها الإقليمية وتقدير قوتها العسكرية، بالإضافة إلى تعزيز مكانتها في الداخل أي لدى شعوبها.تؤثر طبيعة الاقتصاد الخاص بالدولة في قدرتها على توفير الخبرات والتكنولوجيا اللازمة للتصنيع العسكري للدولة، وهو ما يستوجب أيضاً وجود صناعات أخرى لدى الدولة سواء تلك المتعلقة بالتصنيع الثقيل مثل الحديد والصلب وكذلك صناعة الألمنيوم وصناعة المعدات والإلكترونيات وأدوات ووسائل النقل، ووجود رأس المال اللازم لتمويل مثل هذه الصناعات.وإذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي الست تمتلك فوائض مالية كبيرة تقدر بمليارات الدولارات تراكمت لديها بسبب الوفورات النفطية، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل نجحت هذه الدول في توظيف هذه الفوائض واستثمارها في إيجاد أسس صناعة حربية خليجية، لا سيما أنها تعد من أكثر دول العالم إنفاقاً على التسلح نظراً لما تعانيه منطقة الخليج من توتر وعدم استقرار دائمين؟ ورغم إدراك دول المجلس لضرورة الاهتمام بتصنيع الصناعات الحربية والاستثمار فيها، وهو ما تعكسه تصريحات قادتها ووزراء دفاعها، إلا أنه لم يتم إنجاز خطوات فعالة في هذا المجال من الناحية العملية، أي في إطار تعاون خليجي جماعي لتصنيع عسكري مشترك.وربما يعود ذلك بصفة رئيسية إلى افتقار دول المجلس إلى الأسس التي يقوم عليها التصنيع العسكري المشترك وفي مقدمتها (وجود قاعدة كافية وواسعة للصناعات المدنية وهو ما يمثل حلقة الوصل بين القطاعين المدني والعسكري، أي ضرورة وجود قاعدة صناعية متنوعة في الدولة التي تسعى إلى التصنيع العسكري، وجود القدرات والطاقات اللازمة لإجراء برامج البحوث والتطوير المطلوبة من علماء وخبراء ومهندسين، تخفيض نفقات الإنتاج قدر الإمكان، وجود صناعات أساسية خاصة في مجال الحديد والصلب والصناعات المعدنية والماكينات الكهربائية وغير الكهربائية ومعدات النقل، القدرة على خدمة وإصلاح الأسلحة المستوردة وتوفير فحص دقيق لهذه الأسلحة، الحصول على تصاريح بإنتاج بعض الأسلحة من الشركات العالمية، وكذلك إمكانية تصديرها).لكن مع ذلك، فإن بعض دول المجلس بدأت تتجه في السنوات الأخيرة إلى الاهتمام بالصناعات الحربية والاستثمار فيها، وحققت بعض النجاحات في إطار نظام (الأوفست) أو ما يطلق عليه برنامج (التوازن الاقتصادي) الذي يقوم على إلزام الشركات المصدرة للأسلحة باستثمار نسبة من قيمة العقود في إقامة مشروعات اقتصادية منها صناعات متقدمة تكنولوجياً.فالمملكة العربية السعودية استطاعت من خلال خطة للإنفاق العسكري تطوير صناعة عسكرية ناشئة، وذلك من خلال الاستفادة من الإنتاج المشترك بين الدول المصدرة للسلاح والشركات الوطنية أو النص صراحة في عقود السلاح على إنشاء مصانع للشركات المصدرة في المملكة، ومن ثم وجدت مصانع عسكرية لإنتاج القطع الميكانيكية والإلكترونية والحربية فيها، وقامت المملكة بتطبيق هذه الاستراتيجية في صفقات مثل (درع السلام) الذي بدأ عام 1985، وكان خاصاً بتزويد السعودية بنظام كامل للدفاع الجوي، وشمل العقد عنصراً جديداً هو الشروط التعويضية (التبادلية) ما يعني استثمار 30 ـ 35 في المائة من قيمة العتاد في مشروعات صناعية في المملكة، وقد تمخض عن المشروع أربعة مشروعات من خلال كونسورتيوم تتزعمه شركتا (بوينج) و(جنرال اليكتريك). كما تم تطبيق هذه الاستراتيجية في صفقة (اليمامة 1، 2) في الثمانينات والتي شاركت فيها كل من شركتي (راكال) و(رولز رويس). وهو ما أدى إلى إنشاء عدد كبير من المصانع المتخصصة في الصناعات الحربية بالمملكة مثل: (مركز تعديل الطائرات، مركز الإصلاح والصيانة، شركة السلام للطائرات، الشركة الدولية لهندسة النظم، شركة الإلكترونيات المتقدمة). كما جرت مباحثات سعودية ـ بريطانية في أغسطس 2000 مع شركة (بي. إيه. أي سيستمز) البريطانية بشأن إنشاء شركة خاصة لمتابعة أي تطورات ومستجدات بشأن برنامج اليمامة للتعاون العسكري بين البلدين، وتبلغ أسهم السعودية من الشركة 51 في المائة، أما الشركة البريطانية فيبلغ نصيبها 49 في المائة من أسهم الشركة. وخلال زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز (حينما كان ولياً للعهد) إلى روسيا في الثالث من أغسطس 2003 تم توقيع حصلت المملكة بموجبه على ترخيص تصنيع مروحيات روسية في المملكة، وفي تصريح لرئيس شركة (اسيمستيما) التي تصنع هذه المروحيات قال (إن السعودية ستبدأ صناعة هذه المروحيات للاستخدامات الطبية فيما يمنح الاتفاق الرياض حقوق بيع إنتاج المروحيات إلى دول الجوار).وقامت المملكة العربية السعودية بتطوير الصناعات الحربية من خلال إنشاء المراكز والمعاهد المتخصصة مثل مركز التدريب الصناعي في مؤسسة الصناعات الحربية السعودية في الخرج وكذلك المعهد الثانوي الصناعي، كما أسست صناعات إلكترونية متقدمة وذلك بالتعاون مع شركات بريطانية، كما وجدت مشروعات مشتركة فرنسية وأمريكية أيضاً، وأدى ذلك إلى أن الشركات السعودية أصبحت تحظى بسمعة طيبة واهتمام مختلف الدول في العالم. واستطاعت المملكة كذلك تحقيق تصنيع في مجال الأسلحة الخفيفة والعربات المدرعة والإلكترونيات وشبكات الاتصال.ومن التجارب الخليجية الأخرى الناجحة في مجال الاستثمار في الصناعات الحربية التجربة الإماراتية، ونجحت في تطبيق نظام (الأوفست) حيث اشترطت إعادة استثمار 60 في المائة من قيمة العقود التي تبرمها مع الدول المصدرة للسلاح أو شركات الأسلحة في الداخل، وتتضمن هذه الالتزامات استثمارات مباشرة ومشاريع تجارية في الإمارات أو تحسين مستوى المنتجات المحلية. وبتوقيع عقد الدبابات لوكليز مع شركة جيات أندستريز الفرنسية عام 1993 قامت هذه الشركة بإقامة مشاريع مشتركة داخل الإمارات العربية المتحدة بنسبة 60 في المائة من القيمة الإجمالية للدبابات وفق برنامج المبادلة (أوفست).وفي عام 1995 خطت الإمارات خطوتين نحو التصنيع العسكري تمثلت الأولى في قيام شركة أبو ظبي لبناء السفن بالمشاركة مع شركة (نيوبورت نيوز) بتجهيز حوض لإصلاح وخدمة وصيانة السفن العسكرية والتجارية. والثانية تمثلت في إنشاء معهد الدراسات الفنية في الإمارات لتزويد القوات المسلحة بأعداد كبيرة من الفنيين والمتخصصين في التصنيع والصيانة للأسلحة العسكرية. كما أعلن في يونيو 2001 عن قيام شركة الأهداف الإماراتية بإنتاج طائرة بدون طيار (الشبح) حيث يمكن استخدامها كهدف تدريبي للقوات الجوية.ووقعت دولة الإمارات خلال انعقاد المعرض والمؤتمر العالمي للدفاع (إيدكس-2003) الذي عقد في أبو ظبي عقداً للبدء في برنامج لبناء 6 طرادات من طراز (كورفيت) الخفيف المجهز بنظام صاروخي تبلغ تكاليفه حوالي 776 مليون دولار وهو الأول من نوعه الذي يجري بناؤه في الخليج، وستكون شركة أبو ظبي لبناء السفن المتعاقد الرئيسي في المشروع بالتعاون مع الشركة المصممة (CNM) الفرنسية. والكويت هي الأخرى من الدول الخليجية التي طبقت نظام الأوفست بنجاح، وقدم لها هذا النظام العديد من المزايا والمنافع بشكل عام والاقتصاد الكويتي بشكل خاص وذلك بإلزام الحكومات والشركات الأجنبية أو الشركات الوطنية بصفتها وكيلة عن شركات أجنبية بنسبة 30 في المائة من قيمة العقد في استثمارات سواء محلية أو خارجية أي 30 في المائة من قيمة العقد البالغ 5 ملايين دينار كويتي. أما المبالغ التي بحدود مليون دينار إلى 5 ملايين دينار كويتي فمن الممكن إنشاء صندوق استثمار للوفاء بالتزام (الأوفست) بكل عملية على حدة أو مجتمعة خلال سنة مالية كاملة أي 12 شهراً.لقد وضعت قواعد الصفقات التعويضية (الأوفست) التي بدأ العمل بها بعد حرب الخليج الثانية عام 1991؛ حيث بدأ تنفيذ برامج الأوفست في الكويت منذ عام 1992، حيث يتعين على الشركات الأجنبية التي تعقد صفقات مع الكويت أن تعيد استثمار 30 في المائة من قيمة التعاقد في مشروعات تختارها بنفسها في الكويت.وإذا كانت قيمة التعاقد أكثر من خمسة ملايين دينار كويتي (17 مليون دولار أمريكي) مثلاً فيمكن إقامة المشروع في الكويت أو أية دولة أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي أو في العالم العربي أو أية دولة أخرى حسب هذا الترتيب.أما الشركات التي تبرم تعاقدات تقل قيمتها عن خمسة ملايين دولار، فيتعين عليها الإسهام بأموال في صندوق تنمية تعويضية أنشئ لتنشيط أعمال القطاع الخاص. ومن مميزات (الأوفست) مع الكويت أنه يسمح للشركات الأجنبية بتشغيل مشروع مشترك في الخارج. لقد وقعت شركة (أيروسبيتيال) اتفاق إعادة استثمار 1.5 مليون دينار كويتي مع الكويت طبقاً لقوانين البرنامج، أي إعادة استثمار 30 مليون فرنك فرنسي ونسبتها 30 في المائة من قيمة العقد الأصلي البالغ 5.1 مليون دينار كويتي (100 مليون فرنك فرنسي)، وأن قيمة الـ 30 في المائة من العقد سترجع للكويت على شكل مساعدات اجتماعية واقتصادية مثل استشارات طبية أو معدات طبية.وكذلك فإن قيمة أول صفقة سلاح كبرى بين روسيا والكويت منذ انتهاء حرب الخليج الثانية بلغت 763 مليون دولار. والصفقة تزود بموجبها شركة (رسفوروز نيك) الحكومية الروسية للأسلحة الكويت بعربات مدرعة ونظم راجمات صواريخ (سميرتش). وحسب نظام الأوفست يتم استثمار 229 مليون دولار في الكويت. كما وقعت الكويت مع ثماني شركات دولية على أسلوب الأوفست ويشمل البرنامج العديد من العقود المدنية، حيث تم الترتيب مع شركات يابانية هي (ميتسوبيشي) و(ميتسوي وساساكورا) لتطبيق برنامج الأوفست في تعاقد إنشاء محطة الزور لتوليد الكهرباء بقيمة 227 مليون دولار أمريكي (68 مليون دينار كويتي) وستقوم الشركات اليابانية بإعادة استثمار ما قيمته 20.5 مليون دينار كويتي (68 مليون دولار) في مشاريع داخل الكويت أو أخرى تملكها الكويت خارج البلاد. إضافة إلى برنامج مع شركة (جي. كي. إن) البريطانية ينص على القيام بمشروع لمعالجة المخلفات الصلبة للشركات العاملة في منطقة الشعيبة الصناعية. وهي مخلفات متعلقة بصناعة النفط، ويتكلف المشروع 45 مليون دولار يتوجه جزء منه (حوالي 20 في المائة) إلى برنامج أوفست للاستثمار في الكويت.إن قطاع الصناعات الحربية يمثل أحد المجالات المهمة للاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي، لذا بات من الضروري تسليط الضوء على هذا القطاع الحيوي والمهم، وهذا يتطلب العمل على:* تفعيل نظام الأوفست أو ما تم الاصطلاح على تسميته باسم برنامج التوازن الاقتصادي خلال السنوات المقبلة؛ حيث إنه أحدث نقلة في ميدان التعامل مع التقنية الحديثة من حيث إدخال شريك له الخبرة الفنية والبشرية إلى جانب توفير القدرة التسويقية للمشاريع المعتمدة، وهذا من شأنه دعم الاستثمار في الصناعات العسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي. * إفساح المجال أمام القطاع الخاص للدخول في هذه الصناعات الحربية، وتوفير الكوادر الخليجية في هذا المجال الحيوي والاستراتيجي لأمن دول مجلس التعاون الخليجي، سواء عن طريق التدريب المحلي لهم إو إيفاد بعثات للتدريب في الخارج في مصانع الشركات الكبرى للصناعات الحربية.* بناء مركز معلومات يحوي كل المعلومات الضرورية والأساسية الخاصة بالصناعات العسكرية الخليجية المشتركة، ويقوم هذا المركز بدراسة أو مواءمة طبيعة دول المجلس مع هذه الصناعات، ويختص هذا المركز بمهمة الاتصالات الخارجية بالمصانع والشركات الصناعية في تلك الدول والوقوف على أحدث التكنولوجيا والتقنية الحديثة ليقوم ببحثها ورسم استراتيجية محددة الهدف منها تدعيم الصناعة العسكرية بما يستجد.* الاستفادة من الخبرات العالمية في مجال الصناعات العسكرية، فمعظم المؤسسات الرئيسية المصنعة للسلاح في العالم أصبحت لديها علاقات موسعة مع شركات أخرى تقوم بتصنيع بعض إنتاجها في العالم الثالث. فعلى سبيل المثال فإن كوريا الجنوبية تقوم بتصنيع أجزاء من الطائرة البريطانية الصنع (هوك) الخاصة بالتدريب ومهام القتال، كما نقلت الشركات البريطانية أيضاً التكنولوجيا الخاصة بصواريخ (رابير) أرض ـ جو إلى سنغافورة، ونقلت التكنولوجيا الخاصة بصواريخ (سويج فاير) الموجهة المضادة للدبابات إلى مصر. وأيضاً أسست شركات بريطانية مع شركات برازيلية تعاوناً لتطوير صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف من الفئة ذات السرعة الفائقة. كما أن البرازيل وبالتعاون مع بريطانيا تنتج الدبابة (أوزاريو)، ومختلف الدول التي تصنع الدبابات تحصل على المعونة التقنية من الدول الرئيسية المصنعة للسلاح، فهناك الدبابة (تام) الأرجنتينية هي من تصميم ألماني، والدبابة (جاغوار) الصينية فهي من تصميم أمريكي، كما تم صنع الدبابة الهندية (أرغون) بمعونة بريطانية.* التفكير في تأسيس هيئة خليجية للتصنيع الحربي المشترك يكون مقرها إحدى دول مجلس التعاون الخليجي على غرار الهيئة العربية للتصنيع التي تم تأسيسها عام 1975بالاشتراك بين مصر وبعض دول المجلس (السعودية وقطر والإمارات). فهذه الهيئة قد تكون الدافع لتفعيل التعاون العسكري الخليجي المشترك، كما أنها قد تحقق العديد من المزايا منها: التقليل من الضغوط الخارجية من جانب الدول المصدرة للسلاح، وتقليل تكلفة الوحدة في الإنتاج العسكري بزيادة الإنتاج وتجنب وجود فائض كبير، والأهم تقديم قاعدة متقدمة للصناعات العسكرية وتوفير التدريب الفني للقوى البشرية الخليجية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2661::/cck::
::introtext::

يعتبر الاستثمار في الصناعات الحربية أحد المحاور الأساسية في السياسات الدفاعية للدول التي تضع خططاً مستقبلية لمواجهة متطلباتها من الأسلحة، فالتصنيع المحلي لبعض الأسلحة أو الأجهزة المستوردة أو على الأقل التطوير المحلي لبعض الأسلحة المستوردة يقدم لها العديد من المزايا

::/introtext::
::fulltext::

يعتبر الاستثمار في الصناعات الحربية أحد المحاور الأساسية في السياسات الدفاعية للدول التي تضع خططاً مستقبلية لمواجهة متطلباتها من الأسلحة، فالتصنيع المحلي لبعض الأسلحة أو الأجهزة المستوردة أو على الأقل التطوير المحلي لبعض الأسلحة المستوردة يقدم لها العديد من المزايا. أول هذه المزايا تجعل الأسلحة المصنعة أو المطورة تتلاءم مع طبيعتها الجغرافية والبيئية. ثانيها قد تؤدي على المديين المتوسط والبعيد إلى نجاح الدولة في إمكانية إنتاج بعض متطلباتها من السلاح. ثالثها تكون لديها القدرة على التغلب على الاختناقات التي تحدث في أسواق السلاح العالمية خاصة في أوقات الحروب والأزمات التي تحتاج إلى أسلحة جديدة وذخائر وقطع غيار لإحلالها محل الأسلحة القديمة ومساندة الجهد الحربي للدولة في مواجهة الدولة أو الدول الأعداء، وهو ما يجعل الدولة في وضع يشبه الكارثة إذا لم تتوافر هذه الأسلحة لدى الدول المستوردة للسلاح لتأكيد سيطرتها وتحكمها في توجهاتها العسكرية. رابعها يتيح التصنيع العسكري للحكومات تقوية مكانتها الإقليمية وتقدير قوتها العسكرية، بالإضافة إلى تعزيز مكانتها في الداخل أي لدى شعوبها.تؤثر طبيعة الاقتصاد الخاص بالدولة في قدرتها على توفير الخبرات والتكنولوجيا اللازمة للتصنيع العسكري للدولة، وهو ما يستوجب أيضاً وجود صناعات أخرى لدى الدولة سواء تلك المتعلقة بالتصنيع الثقيل مثل الحديد والصلب وكذلك صناعة الألمنيوم وصناعة المعدات والإلكترونيات وأدوات ووسائل النقل، ووجود رأس المال اللازم لتمويل مثل هذه الصناعات.وإذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي الست تمتلك فوائض مالية كبيرة تقدر بمليارات الدولارات تراكمت لديها بسبب الوفورات النفطية، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل نجحت هذه الدول في توظيف هذه الفوائض واستثمارها في إيجاد أسس صناعة حربية خليجية، لا سيما أنها تعد من أكثر دول العالم إنفاقاً على التسلح نظراً لما تعانيه منطقة الخليج من توتر وعدم استقرار دائمين؟ ورغم إدراك دول المجلس لضرورة الاهتمام بتصنيع الصناعات الحربية والاستثمار فيها، وهو ما تعكسه تصريحات قادتها ووزراء دفاعها، إلا أنه لم يتم إنجاز خطوات فعالة في هذا المجال من الناحية العملية، أي في إطار تعاون خليجي جماعي لتصنيع عسكري مشترك.وربما يعود ذلك بصفة رئيسية إلى افتقار دول المجلس إلى الأسس التي يقوم عليها التصنيع العسكري المشترك وفي مقدمتها (وجود قاعدة كافية وواسعة للصناعات المدنية وهو ما يمثل حلقة الوصل بين القطاعين المدني والعسكري، أي ضرورة وجود قاعدة صناعية متنوعة في الدولة التي تسعى إلى التصنيع العسكري، وجود القدرات والطاقات اللازمة لإجراء برامج البحوث والتطوير المطلوبة من علماء وخبراء ومهندسين، تخفيض نفقات الإنتاج قدر الإمكان، وجود صناعات أساسية خاصة في مجال الحديد والصلب والصناعات المعدنية والماكينات الكهربائية وغير الكهربائية ومعدات النقل، القدرة على خدمة وإصلاح الأسلحة المستوردة وتوفير فحص دقيق لهذه الأسلحة، الحصول على تصاريح بإنتاج بعض الأسلحة من الشركات العالمية، وكذلك إمكانية تصديرها).لكن مع ذلك، فإن بعض دول المجلس بدأت تتجه في السنوات الأخيرة إلى الاهتمام بالصناعات الحربية والاستثمار فيها، وحققت بعض النجاحات في إطار نظام (الأوفست) أو ما يطلق عليه برنامج (التوازن الاقتصادي) الذي يقوم على إلزام الشركات المصدرة للأسلحة باستثمار نسبة من قيمة العقود في إقامة مشروعات اقتصادية منها صناعات متقدمة تكنولوجياً.فالمملكة العربية السعودية استطاعت من خلال خطة للإنفاق العسكري تطوير صناعة عسكرية ناشئة، وذلك من خلال الاستفادة من الإنتاج المشترك بين الدول المصدرة للسلاح والشركات الوطنية أو النص صراحة في عقود السلاح على إنشاء مصانع للشركات المصدرة في المملكة، ومن ثم وجدت مصانع عسكرية لإنتاج القطع الميكانيكية والإلكترونية والحربية فيها، وقامت المملكة بتطبيق هذه الاستراتيجية في صفقات مثل (درع السلام) الذي بدأ عام 1985، وكان خاصاً بتزويد السعودية بنظام كامل للدفاع الجوي، وشمل العقد عنصراً جديداً هو الشروط التعويضية (التبادلية) ما يعني استثمار 30 ـ 35 في المائة من قيمة العتاد في مشروعات صناعية في المملكة، وقد تمخض عن المشروع أربعة مشروعات من خلال كونسورتيوم تتزعمه شركتا (بوينج) و(جنرال اليكتريك). كما تم تطبيق هذه الاستراتيجية في صفقة (اليمامة 1، 2) في الثمانينات والتي شاركت فيها كل من شركتي (راكال) و(رولز رويس). وهو ما أدى إلى إنشاء عدد كبير من المصانع المتخصصة في الصناعات الحربية بالمملكة مثل: (مركز تعديل الطائرات، مركز الإصلاح والصيانة، شركة السلام للطائرات، الشركة الدولية لهندسة النظم، شركة الإلكترونيات المتقدمة). كما جرت مباحثات سعودية ـ بريطانية في أغسطس 2000 مع شركة (بي. إيه. أي سيستمز) البريطانية بشأن إنشاء شركة خاصة لمتابعة أي تطورات ومستجدات بشأن برنامج اليمامة للتعاون العسكري بين البلدين، وتبلغ أسهم السعودية من الشركة 51 في المائة، أما الشركة البريطانية فيبلغ نصيبها 49 في المائة من أسهم الشركة. وخلال زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز (حينما كان ولياً للعهد) إلى روسيا في الثالث من أغسطس 2003 تم توقيع حصلت المملكة بموجبه على ترخيص تصنيع مروحيات روسية في المملكة، وفي تصريح لرئيس شركة (اسيمستيما) التي تصنع هذه المروحيات قال (إن السعودية ستبدأ صناعة هذه المروحيات للاستخدامات الطبية فيما يمنح الاتفاق الرياض حقوق بيع إنتاج المروحيات إلى دول الجوار).وقامت المملكة العربية السعودية بتطوير الصناعات الحربية من خلال إنشاء المراكز والمعاهد المتخصصة مثل مركز التدريب الصناعي في مؤسسة الصناعات الحربية السعودية في الخرج وكذلك المعهد الثانوي الصناعي، كما أسست صناعات إلكترونية متقدمة وذلك بالتعاون مع شركات بريطانية، كما وجدت مشروعات مشتركة فرنسية وأمريكية أيضاً، وأدى ذلك إلى أن الشركات السعودية أصبحت تحظى بسمعة طيبة واهتمام مختلف الدول في العالم. واستطاعت المملكة كذلك تحقيق تصنيع في مجال الأسلحة الخفيفة والعربات المدرعة والإلكترونيات وشبكات الاتصال.ومن التجارب الخليجية الأخرى الناجحة في مجال الاستثمار في الصناعات الحربية التجربة الإماراتية، ونجحت في تطبيق نظام (الأوفست) حيث اشترطت إعادة استثمار 60 في المائة من قيمة العقود التي تبرمها مع الدول المصدرة للسلاح أو شركات الأسلحة في الداخل، وتتضمن هذه الالتزامات استثمارات مباشرة ومشاريع تجارية في الإمارات أو تحسين مستوى المنتجات المحلية. وبتوقيع عقد الدبابات لوكليز مع شركة جيات أندستريز الفرنسية عام 1993 قامت هذه الشركة بإقامة مشاريع مشتركة داخل الإمارات العربية المتحدة بنسبة 60 في المائة من القيمة الإجمالية للدبابات وفق برنامج المبادلة (أوفست).وفي عام 1995 خطت الإمارات خطوتين نحو التصنيع العسكري تمثلت الأولى في قيام شركة أبو ظبي لبناء السفن بالمشاركة مع شركة (نيوبورت نيوز) بتجهيز حوض لإصلاح وخدمة وصيانة السفن العسكرية والتجارية. والثانية تمثلت في إنشاء معهد الدراسات الفنية في الإمارات لتزويد القوات المسلحة بأعداد كبيرة من الفنيين والمتخصصين في التصنيع والصيانة للأسلحة العسكرية. كما أعلن في يونيو 2001 عن قيام شركة الأهداف الإماراتية بإنتاج طائرة بدون طيار (الشبح) حيث يمكن استخدامها كهدف تدريبي للقوات الجوية.ووقعت دولة الإمارات خلال انعقاد المعرض والمؤتمر العالمي للدفاع (إيدكس-2003) الذي عقد في أبو ظبي عقداً للبدء في برنامج لبناء 6 طرادات من طراز (كورفيت) الخفيف المجهز بنظام صاروخي تبلغ تكاليفه حوالي 776 مليون دولار وهو الأول من نوعه الذي يجري بناؤه في الخليج، وستكون شركة أبو ظبي لبناء السفن المتعاقد الرئيسي في المشروع بالتعاون مع الشركة المصممة (CNM) الفرنسية. والكويت هي الأخرى من الدول الخليجية التي طبقت نظام الأوفست بنجاح، وقدم لها هذا النظام العديد من المزايا والمنافع بشكل عام والاقتصاد الكويتي بشكل خاص وذلك بإلزام الحكومات والشركات الأجنبية أو الشركات الوطنية بصفتها وكيلة عن شركات أجنبية بنسبة 30 في المائة من قيمة العقد في استثمارات سواء محلية أو خارجية أي 30 في المائة من قيمة العقد البالغ 5 ملايين دينار كويتي. أما المبالغ التي بحدود مليون دينار إلى 5 ملايين دينار كويتي فمن الممكن إنشاء صندوق استثمار للوفاء بالتزام (الأوفست) بكل عملية على حدة أو مجتمعة خلال سنة مالية كاملة أي 12 شهراً.لقد وضعت قواعد الصفقات التعويضية (الأوفست) التي بدأ العمل بها بعد حرب الخليج الثانية عام 1991؛ حيث بدأ تنفيذ برامج الأوفست في الكويت منذ عام 1992، حيث يتعين على الشركات الأجنبية التي تعقد صفقات مع الكويت أن تعيد استثمار 30 في المائة من قيمة التعاقد في مشروعات تختارها بنفسها في الكويت.وإذا كانت قيمة التعاقد أكثر من خمسة ملايين دينار كويتي (17 مليون دولار أمريكي) مثلاً فيمكن إقامة المشروع في الكويت أو أية دولة أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي أو في العالم العربي أو أية دولة أخرى حسب هذا الترتيب.أما الشركات التي تبرم تعاقدات تقل قيمتها عن خمسة ملايين دولار، فيتعين عليها الإسهام بأموال في صندوق تنمية تعويضية أنشئ لتنشيط أعمال القطاع الخاص. ومن مميزات (الأوفست) مع الكويت أنه يسمح للشركات الأجنبية بتشغيل مشروع مشترك في الخارج. لقد وقعت شركة (أيروسبيتيال) اتفاق إعادة استثمار 1.5 مليون دينار كويتي مع الكويت طبقاً لقوانين البرنامج، أي إعادة استثمار 30 مليون فرنك فرنسي ونسبتها 30 في المائة من قيمة العقد الأصلي البالغ 5.1 مليون دينار كويتي (100 مليون فرنك فرنسي)، وأن قيمة الـ 30 في المائة من العقد سترجع للكويت على شكل مساعدات اجتماعية واقتصادية مثل استشارات طبية أو معدات طبية.وكذلك فإن قيمة أول صفقة سلاح كبرى بين روسيا والكويت منذ انتهاء حرب الخليج الثانية بلغت 763 مليون دولار. والصفقة تزود بموجبها شركة (رسفوروز نيك) الحكومية الروسية للأسلحة الكويت بعربات مدرعة ونظم راجمات صواريخ (سميرتش). وحسب نظام الأوفست يتم استثمار 229 مليون دولار في الكويت. كما وقعت الكويت مع ثماني شركات دولية على أسلوب الأوفست ويشمل البرنامج العديد من العقود المدنية، حيث تم الترتيب مع شركات يابانية هي (ميتسوبيشي) و(ميتسوي وساساكورا) لتطبيق برنامج الأوفست في تعاقد إنشاء محطة الزور لتوليد الكهرباء بقيمة 227 مليون دولار أمريكي (68 مليون دينار كويتي) وستقوم الشركات اليابانية بإعادة استثمار ما قيمته 20.5 مليون دينار كويتي (68 مليون دولار) في مشاريع داخل الكويت أو أخرى تملكها الكويت خارج البلاد. إضافة إلى برنامج مع شركة (جي. كي. إن) البريطانية ينص على القيام بمشروع لمعالجة المخلفات الصلبة للشركات العاملة في منطقة الشعيبة الصناعية. وهي مخلفات متعلقة بصناعة النفط، ويتكلف المشروع 45 مليون دولار يتوجه جزء منه (حوالي 20 في المائة) إلى برنامج أوفست للاستثمار في الكويت.إن قطاع الصناعات الحربية يمثل أحد المجالات المهمة للاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي، لذا بات من الضروري تسليط الضوء على هذا القطاع الحيوي والمهم، وهذا يتطلب العمل على:* تفعيل نظام الأوفست أو ما تم الاصطلاح على تسميته باسم برنامج التوازن الاقتصادي خلال السنوات المقبلة؛ حيث إنه أحدث نقلة في ميدان التعامل مع التقنية الحديثة من حيث إدخال شريك له الخبرة الفنية والبشرية إلى جانب توفير القدرة التسويقية للمشاريع المعتمدة، وهذا من شأنه دعم الاستثمار في الصناعات العسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي. * إفساح المجال أمام القطاع الخاص للدخول في هذه الصناعات الحربية، وتوفير الكوادر الخليجية في هذا المجال الحيوي والاستراتيجي لأمن دول مجلس التعاون الخليجي، سواء عن طريق التدريب المحلي لهم إو إيفاد بعثات للتدريب في الخارج في مصانع الشركات الكبرى للصناعات الحربية.* بناء مركز معلومات يحوي كل المعلومات الضرورية والأساسية الخاصة بالصناعات العسكرية الخليجية المشتركة، ويقوم هذا المركز بدراسة أو مواءمة طبيعة دول المجلس مع هذه الصناعات، ويختص هذا المركز بمهمة الاتصالات الخارجية بالمصانع والشركات الصناعية في تلك الدول والوقوف على أحدث التكنولوجيا والتقنية الحديثة ليقوم ببحثها ورسم استراتيجية محددة الهدف منها تدعيم الصناعة العسكرية بما يستجد.* الاستفادة من الخبرات العالمية في مجال الصناعات العسكرية، فمعظم المؤسسات الرئيسية المصنعة للسلاح في العالم أصبحت لديها علاقات موسعة مع شركات أخرى تقوم بتصنيع بعض إنتاجها في العالم الثالث. فعلى سبيل المثال فإن كوريا الجنوبية تقوم بتصنيع أجزاء من الطائرة البريطانية الصنع (هوك) الخاصة بالتدريب ومهام القتال، كما نقلت الشركات البريطانية أيضاً التكنولوجيا الخاصة بصواريخ (رابير) أرض ـ جو إلى سنغافورة، ونقلت التكنولوجيا الخاصة بصواريخ (سويج فاير) الموجهة المضادة للدبابات إلى مصر. وأيضاً أسست شركات بريطانية مع شركات برازيلية تعاوناً لتطوير صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف من الفئة ذات السرعة الفائقة. كما أن البرازيل وبالتعاون مع بريطانيا تنتج الدبابة (أوزاريو)، ومختلف الدول التي تصنع الدبابات تحصل على المعونة التقنية من الدول الرئيسية المصنعة للسلاح، فهناك الدبابة (تام) الأرجنتينية هي من تصميم ألماني، والدبابة (جاغوار) الصينية فهي من تصميم أمريكي، كما تم صنع الدبابة الهندية (أرغون) بمعونة بريطانية.* التفكير في تأسيس هيئة خليجية للتصنيع الحربي المشترك يكون مقرها إحدى دول مجلس التعاون الخليجي على غرار الهيئة العربية للتصنيع التي تم تأسيسها عام 1975بالاشتراك بين مصر وبعض دول المجلس (السعودية وقطر والإمارات). فهذه الهيئة قد تكون الدافع لتفعيل التعاون العسكري الخليجي المشترك، كما أنها قد تحقق العديد من المزايا منها: التقليل من الضغوط الخارجية من جانب الدول المصدرة للسلاح، وتقليل تكلفة الوحدة في الإنتاج العسكري بزيادة الإنتاج وتجنب وجود فائض كبير، والأهم تقديم قاعدة متقدمة للصناعات العسكرية وتوفير التدريب الفني للقوى البشرية الخليجية.

::/fulltext::
::cck::2661::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *