ثقافة الديمقراطية والمعلوماتية تتطلب النهوض بالإعلام وبحوث الرأي العام

::cck::2669::/cck::
::introtext::

لا إعلام بلا معلومات، خصوصاً في عصر ثورة المعلومات.. ولا معلومات من دون تأكيد مبدأ حق الناس في أن يعلموا كل الحقائق بشفافية في ما يتصل بالسياسات والممارسات الحكومية المؤثرة في واقعها ومستقبلها.
كما أنه لا سياسات  صحيحة، وفي اتجاه مرغوب فيه، إلا بتوفير كل الحقائق بدقة أمام الحكومات في ما يتصل باتجاهات الرأي العام وواقع وحجم القضايا التي تهم الناس.. وقد تمثل هذه النقطة مشكلة حقيقية أمام صانع القرار، حيث قال لي الدكتور عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء المصري الأسبق ذات مرة (هل تعرف ما هي المشكلة التي تواجهني؟ إنها تضارب المعلومات من المصادر المختلفة.. في حالات معينة كل جهة تعطيني رقماً! فكيف يمكن في مثل هذه الحالة اتخاذ القرار السليم؟).

::/introtext::
::fulltext::

لا إعلام بلا معلومات، خصوصاً في عصر ثورة المعلومات.. ولا معلومات من دون تأكيد مبدأ حق الناس في أن يعلموا كل الحقائق بشفافية في ما يتصل بالسياسات والممارسات الحكومية المؤثرة في واقعها ومستقبلها.
كما أنه لا سياسات  صحيحة، وفي اتجاه مرغوب فيه، إلا بتوفير كل الحقائق بدقة أمام الحكومات في ما يتصل باتجاهات الرأي العام وواقع وحجم القضايا التي تهم الناس.. وقد تمثل هذه النقطة مشكلة حقيقية أمام صانع القرار، حيث قال لي الدكتور عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء المصري الأسبق ذات مرة (هل تعرف ما هي المشكلة التي تواجهني؟ إنها تضارب المعلومات من المصادر المختلفة.. في حالات معينة كل جهة تعطيني رقماً! فكيف يمكن في مثل هذه الحالة اتخاذ القرار السليم؟).

وإذا كان من حق الناس أن يعلموا ومن واجب الإعلام أن يُعلِم، وإذا كان من حق الحكومة أن تعلم ومن واجبها أن تقرر وفقاً لما تعلم تعبيراً عن اتجاه الرأي العام أو تأسيسا على حجم المشكلة المطلوب اتخاذ قرارلحلها، فإن الوسيلة الموضوعية لذلك هي إقامة مؤسسات إحصاء و إصدار المعلومات ومعاهد بحوث الرأي العام باعتبارها ضرورة إعلامية وسياسية وثقافية في وقت واحد.

وإذا كانت ثقافة العصر السائد هي المعلوماتية والديمقراطية فإن سيادة هذه الثقافة في مجتمعات منطقتنا لا بد أن تدفع الجميع إلى اعتماد الشفافية. فإذا توفرت الحقائق والمعلومات بدقة للحاكم والمحكوم انطلاقاً من مبدأ الحق في المعرفة.. وإذا توفرت للوسائل الإعلامية حرية الإعلام فإن من شأن ذلك إشاعة مناخ من المصداقية والثقة سواء بين الحاكم والمحكوم أو بين الداخل والخارج، ومن شأنها أيضا تشجيع المستثمرين والجهات الدولية من أجل الإقبال على التعاون  المشترك. لذلك فإن الدول المتقدمة تجعل الحق في الحصول على المعلومات أحد البنود الرئيسية في قوانينها انطلاقاً من ثبوت خطأ احتكار المعلومات أو إخفاء الحقائق سواء على الشعب أو حتى على الحكومة، باعتبار أن التوافق بين الرأي العام وصانع القرار هو أساس المشروعية.

وإذا كان واقع الحال في مجتمعاتنا يجعل المعلومات والحقائق غائبة عادة عن الشعب وحاضرة غالباً في يد الحكومة بحكم ما لديها من أجهزة جمع البيانات والمعلومات اللازمة لرسم السياسات وإصدار القرارات، فإن تغييب هذه الحقائق عن الناس – باستثناء طبعاً ما يمكن أن يمس الأمن الوطني – لم يعد هو الاتجاه المرغوب فيه في عصر أصبحت أهم سماته هي المعلوماتية والشفافية، بل إن مصر وعدداً من الدول العربية قد أدخلت حق الهيئات ووسائل الإعلام في الحصول على المعلومات في صلب القانون.

ويؤكد أستاذ القانون في كلية الحقوق في جامعة ريتشموند الأمريكية (رودني آي سمولا) أن هذه السمات هي من مرتكزات الديمقراطية قائلاً: (إن القوة التي تفرض التكتم على الممارسات الحكومية هي في الحقيقة قوة تدمير لمصداقيتها).

ولعلي أضيف هنا أن كثيراً من السياسات الخاطئة أو غير المعبرة عن رغبات شعوبها إنما تنتج عن غياب الحقائق والمعلومات الصحيحة عن الحكومات أيضاً لغياب الوسائل المؤهلة للبحث والقياس العلمي لاتجاهات الرأي العام، بل إن غياب مثل هذه المؤسسات يؤثر سلباً في متطلبات النهوض بالعمل الإعلامي الذي يجعل من الصحافة وأجهزة الإعلام الأخرى تبدو في غياب المعلومات الدقيقة فاقدة للمصداقية في نظر الرأي العام.

غياب بلورة واضحة لاتجاهات الرأي العام

يرجع ضعف دور العمل الإعلامي إلى غياب بَلْوَرَة واضحة لاتجاهات الرأي العام تجاه القضايا العامة والسياسات المختلفة الداخلية والخارجية، وبالتالي تفقد بوصلتها في تحديد الاتجاه المعبر عن هذا الرأي العام. وغياب هذه البلورة المطلوبة لاتجاه الرأي العام  إنما ينتج أيضاً عن غياب أهم الشروط المكونة للرأي العام وهو أن تتوفر للجماعات والأفراد في المجتمع المعلومات الكافية والدقيقة بما يسمح لهم بالاختيار بين البدائل وتحديد الاتجاه بشكل صحيح.

إن المجتمع الحي المتحرك هو الذي تتفاعل وتتكامل فيه قوة الرأي العام ومصداقية الإعلام والسياسات التي تعتمد في رسمها على نتائج القياس العلمي والرصد الموضوعي الدقيق لاتجاهات القطاع العريض للرأي العام.. وهناك العديد من الأمثلة في الدول المتقدمة في الشرق أو في الغرب التي ضغط فيها الرأي العام  لاتخاذ قرار أو للتراجع عن قرار احتراماً لرأي المجتمع.

كما أن غياب أجهزة استطلاع علمية وقوية ومتكاملة لاستطلاع الرأي يحرم صانع القرار من الخلفية والوضوح الكافي والحقائق الموضوعية اللازمة لصنع القرار الصحيح وفي الاتجاه المرغوب فيه لغالبية توجهات الرأي العام.

إن الصلة تبدو وثيقة للغاية بين الرأي العام والإعلام من جهة وبين الرأي العام ومراكز صنع القرار من جهة أخرى. من هنا تلعب استطلاعات الرأي العام دوراً أساسياً في توفير المعلومات والحقائق أمام هذه المحاور الثلاثة. غير أن معظم استطلاعات الرأي التي تجريها محطات التلفزيون خصوصاً عبر الانترنت أو الهاتف بتكلفة على المتصل والمعتمدة على العينات العشوائية وغير المستهدفة أو المطلوب استطلاع رأيها تحديداً في قضية من القضايا، تفتقر إلى الدقة غالباً كما أن بعض استطلاعات الرأي الممولة من جهات سياسية أو مالية للترويج لشخص أو لترسيخ فكرة أو لترويج سلعة غالباً ما تفتقر إلى المصداقية لغياب معايير القياس العلمي وشروط الحياد والثقة.

إن المطلوب وبإلحاح هو المبادرة إلى تأسيس مركز عربي قوي لبحوث الرأي العام سواء في إطار مجلس التعاون الخليجي أو في إطار جامعة الدول العربية أو بمبادرة من الشخصيات الواعية بضرورته والقادرة على تبعات مثل هذه المبادرة المطلوبة.

ويُقترح أن يكون لهذا المركز مجلس أمناء من شخصيات عربية عامة معروفة بعلمها وموضوعيتها واستقلاليتها ونزاهتها حتى تكون على مسافة متساوية مع الأجهزة السياسية والإعلامية والقطاعات الاقتصادية حتى تكتسب المصداقية وحتى تكون لاستطلاعات المركز الجدارة بالثقة في نظر الرأي العام العربي.

وبطبيعة الحال يتكامل تأسيس المركز بلجانه العلمية المستقلة، وخبرائه المحايدين، وكوادره الفنية البشرية من الباحثين والإعلاميين والمندوبين الذين عليهم تحديد القضايا المطروحة وإجراء الاستطلاعات حولها طبقاً لأولوياتها واستخلاص النتائج وتحليل البيانات ورصد النسب والاتجاهات.

والهدف من ذلك هو توفير الشروط الموضوعية ليكون للتيار العام في المجتمع رأي واضح وفاعل، وأن يكون لصنع القرار كل ضمانات السلامة وكل ضرورات العلاقة مع اتجاهات الرأي العام، وبذلك نحفظ للحرية وجودها ونثبت للمسؤولية موقعها.

وعلى الرغم أن أحد أبرز معايير قياس تقدم وتحضر الدول في عالم اليوم هو قوة الرأي العام ومصداقية وسائل الإعلام فإننا بحاجة سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو القومي لتوفير كل ما من شأنه النهوض بالعمل الإعلامي للمساهمة في تشكيل الرأي العام وفي الوقت نفسه التعبير عنه. وأيضاً في تأسيس المرصد الحقيقي للتعرف بدقة إلى ما يريده الشعب للتعبير عنه وهذا ما يوفر للحكومة – أية حكومة_ ولسياساتها الثقة والمصداقية والمشروعية والتأثير.

وحتى يكون هناك في الواقع رأي عام فاعل في أي مجتمع فلا بد له من مكونات ستة هي:

* فلا رأي عاماً من دون شعب متفاعل.
* ولا رأي عاماً من دون قضية مهمة.
* ولا رأي عاماً بلا معلومات لديه للاختيار.
* ولا رأي عاماً من دون مرصد لرصده.
* ولا رأي عاماً من دون إعلام عنه.
* وأخيراً لا رأي عاماً دون حكومة تحترم دوره.
كما أن القضايا تختلف أولوياتها من مجتمع لآخر طبقاً لثقافتها، والمراصد لا بد أن تتسلح بكل وسائل القياس العلمي المحايد، والإعلام لا بد أن يتصف بالصدق والموضوعية.

إن تعبير الرأي العام عن نفسه بوسائل موضوعية وشفافة وسلمية يجنب المجتمع أي نوع آخر من التعبير غير الملائم نتيجة كبته أو تغييبه، وكلما سمح المجتمع بالتعبير السلمي للرأي العام عن نفسه قلّت احتمالات اللجوء إلى الوسائل غير السلمية أو غير السليمة للتعبير. وخصوصاً أن كل الدساتير العربية تقريباً تنص على حق المواطنين في التفكير والتعبير السلمي بوسائله التي ينظمها القانون ويحميها الدستور.

وأخيراً لم يعد هناك شك في أن تقدم المجتمعات في هذا العصر الجديد أصبح يعتمد وإلى حد كبير على إتاحة الفرصة للرأي العام للتعبير عن نفسه والمشاركة في صنع القرار الذي يتصل بحياته، وأيضاً في صحافة مقروءة ومرئية ومسموعة حرة ومسؤولة، موضوعية وصادقة، مسلّحة بكل ما يتيحه العصر لها من معلوماتية وتكنولوجيا وحرية.
 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2669::/cck::
::introtext::

لا إعلام بلا معلومات، خصوصاً في عصر ثورة المعلومات.. ولا معلومات من دون تأكيد مبدأ حق الناس في أن يعلموا كل الحقائق بشفافية في ما يتصل بالسياسات والممارسات الحكومية المؤثرة في واقعها ومستقبلها.
كما أنه لا سياسات  صحيحة، وفي اتجاه مرغوب فيه، إلا بتوفير كل الحقائق بدقة أمام الحكومات في ما يتصل باتجاهات الرأي العام وواقع وحجم القضايا التي تهم الناس.. وقد تمثل هذه النقطة مشكلة حقيقية أمام صانع القرار، حيث قال لي الدكتور عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء المصري الأسبق ذات مرة (هل تعرف ما هي المشكلة التي تواجهني؟ إنها تضارب المعلومات من المصادر المختلفة.. في حالات معينة كل جهة تعطيني رقماً! فكيف يمكن في مثل هذه الحالة اتخاذ القرار السليم؟).

::/introtext::
::fulltext::

لا إعلام بلا معلومات، خصوصاً في عصر ثورة المعلومات.. ولا معلومات من دون تأكيد مبدأ حق الناس في أن يعلموا كل الحقائق بشفافية في ما يتصل بالسياسات والممارسات الحكومية المؤثرة في واقعها ومستقبلها.
كما أنه لا سياسات  صحيحة، وفي اتجاه مرغوب فيه، إلا بتوفير كل الحقائق بدقة أمام الحكومات في ما يتصل باتجاهات الرأي العام وواقع وحجم القضايا التي تهم الناس.. وقد تمثل هذه النقطة مشكلة حقيقية أمام صانع القرار، حيث قال لي الدكتور عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء المصري الأسبق ذات مرة (هل تعرف ما هي المشكلة التي تواجهني؟ إنها تضارب المعلومات من المصادر المختلفة.. في حالات معينة كل جهة تعطيني رقماً! فكيف يمكن في مثل هذه الحالة اتخاذ القرار السليم؟).

وإذا كان من حق الناس أن يعلموا ومن واجب الإعلام أن يُعلِم، وإذا كان من حق الحكومة أن تعلم ومن واجبها أن تقرر وفقاً لما تعلم تعبيراً عن اتجاه الرأي العام أو تأسيسا على حجم المشكلة المطلوب اتخاذ قرارلحلها، فإن الوسيلة الموضوعية لذلك هي إقامة مؤسسات إحصاء و إصدار المعلومات ومعاهد بحوث الرأي العام باعتبارها ضرورة إعلامية وسياسية وثقافية في وقت واحد.

وإذا كانت ثقافة العصر السائد هي المعلوماتية والديمقراطية فإن سيادة هذه الثقافة في مجتمعات منطقتنا لا بد أن تدفع الجميع إلى اعتماد الشفافية. فإذا توفرت الحقائق والمعلومات بدقة للحاكم والمحكوم انطلاقاً من مبدأ الحق في المعرفة.. وإذا توفرت للوسائل الإعلامية حرية الإعلام فإن من شأن ذلك إشاعة مناخ من المصداقية والثقة سواء بين الحاكم والمحكوم أو بين الداخل والخارج، ومن شأنها أيضا تشجيع المستثمرين والجهات الدولية من أجل الإقبال على التعاون  المشترك. لذلك فإن الدول المتقدمة تجعل الحق في الحصول على المعلومات أحد البنود الرئيسية في قوانينها انطلاقاً من ثبوت خطأ احتكار المعلومات أو إخفاء الحقائق سواء على الشعب أو حتى على الحكومة، باعتبار أن التوافق بين الرأي العام وصانع القرار هو أساس المشروعية.

وإذا كان واقع الحال في مجتمعاتنا يجعل المعلومات والحقائق غائبة عادة عن الشعب وحاضرة غالباً في يد الحكومة بحكم ما لديها من أجهزة جمع البيانات والمعلومات اللازمة لرسم السياسات وإصدار القرارات، فإن تغييب هذه الحقائق عن الناس – باستثناء طبعاً ما يمكن أن يمس الأمن الوطني – لم يعد هو الاتجاه المرغوب فيه في عصر أصبحت أهم سماته هي المعلوماتية والشفافية، بل إن مصر وعدداً من الدول العربية قد أدخلت حق الهيئات ووسائل الإعلام في الحصول على المعلومات في صلب القانون.

ويؤكد أستاذ القانون في كلية الحقوق في جامعة ريتشموند الأمريكية (رودني آي سمولا) أن هذه السمات هي من مرتكزات الديمقراطية قائلاً: (إن القوة التي تفرض التكتم على الممارسات الحكومية هي في الحقيقة قوة تدمير لمصداقيتها).

ولعلي أضيف هنا أن كثيراً من السياسات الخاطئة أو غير المعبرة عن رغبات شعوبها إنما تنتج عن غياب الحقائق والمعلومات الصحيحة عن الحكومات أيضاً لغياب الوسائل المؤهلة للبحث والقياس العلمي لاتجاهات الرأي العام، بل إن غياب مثل هذه المؤسسات يؤثر سلباً في متطلبات النهوض بالعمل الإعلامي الذي يجعل من الصحافة وأجهزة الإعلام الأخرى تبدو في غياب المعلومات الدقيقة فاقدة للمصداقية في نظر الرأي العام.

غياب بلورة واضحة لاتجاهات الرأي العام

يرجع ضعف دور العمل الإعلامي إلى غياب بَلْوَرَة واضحة لاتجاهات الرأي العام تجاه القضايا العامة والسياسات المختلفة الداخلية والخارجية، وبالتالي تفقد بوصلتها في تحديد الاتجاه المعبر عن هذا الرأي العام. وغياب هذه البلورة المطلوبة لاتجاه الرأي العام  إنما ينتج أيضاً عن غياب أهم الشروط المكونة للرأي العام وهو أن تتوفر للجماعات والأفراد في المجتمع المعلومات الكافية والدقيقة بما يسمح لهم بالاختيار بين البدائل وتحديد الاتجاه بشكل صحيح.

إن المجتمع الحي المتحرك هو الذي تتفاعل وتتكامل فيه قوة الرأي العام ومصداقية الإعلام والسياسات التي تعتمد في رسمها على نتائج القياس العلمي والرصد الموضوعي الدقيق لاتجاهات القطاع العريض للرأي العام.. وهناك العديد من الأمثلة في الدول المتقدمة في الشرق أو في الغرب التي ضغط فيها الرأي العام  لاتخاذ قرار أو للتراجع عن قرار احتراماً لرأي المجتمع.

كما أن غياب أجهزة استطلاع علمية وقوية ومتكاملة لاستطلاع الرأي يحرم صانع القرار من الخلفية والوضوح الكافي والحقائق الموضوعية اللازمة لصنع القرار الصحيح وفي الاتجاه المرغوب فيه لغالبية توجهات الرأي العام.

إن الصلة تبدو وثيقة للغاية بين الرأي العام والإعلام من جهة وبين الرأي العام ومراكز صنع القرار من جهة أخرى. من هنا تلعب استطلاعات الرأي العام دوراً أساسياً في توفير المعلومات والحقائق أمام هذه المحاور الثلاثة. غير أن معظم استطلاعات الرأي التي تجريها محطات التلفزيون خصوصاً عبر الانترنت أو الهاتف بتكلفة على المتصل والمعتمدة على العينات العشوائية وغير المستهدفة أو المطلوب استطلاع رأيها تحديداً في قضية من القضايا، تفتقر إلى الدقة غالباً كما أن بعض استطلاعات الرأي الممولة من جهات سياسية أو مالية للترويج لشخص أو لترسيخ فكرة أو لترويج سلعة غالباً ما تفتقر إلى المصداقية لغياب معايير القياس العلمي وشروط الحياد والثقة.

إن المطلوب وبإلحاح هو المبادرة إلى تأسيس مركز عربي قوي لبحوث الرأي العام سواء في إطار مجلس التعاون الخليجي أو في إطار جامعة الدول العربية أو بمبادرة من الشخصيات الواعية بضرورته والقادرة على تبعات مثل هذه المبادرة المطلوبة.

ويُقترح أن يكون لهذا المركز مجلس أمناء من شخصيات عربية عامة معروفة بعلمها وموضوعيتها واستقلاليتها ونزاهتها حتى تكون على مسافة متساوية مع الأجهزة السياسية والإعلامية والقطاعات الاقتصادية حتى تكتسب المصداقية وحتى تكون لاستطلاعات المركز الجدارة بالثقة في نظر الرأي العام العربي.

وبطبيعة الحال يتكامل تأسيس المركز بلجانه العلمية المستقلة، وخبرائه المحايدين، وكوادره الفنية البشرية من الباحثين والإعلاميين والمندوبين الذين عليهم تحديد القضايا المطروحة وإجراء الاستطلاعات حولها طبقاً لأولوياتها واستخلاص النتائج وتحليل البيانات ورصد النسب والاتجاهات.

والهدف من ذلك هو توفير الشروط الموضوعية ليكون للتيار العام في المجتمع رأي واضح وفاعل، وأن يكون لصنع القرار كل ضمانات السلامة وكل ضرورات العلاقة مع اتجاهات الرأي العام، وبذلك نحفظ للحرية وجودها ونثبت للمسؤولية موقعها.

وعلى الرغم أن أحد أبرز معايير قياس تقدم وتحضر الدول في عالم اليوم هو قوة الرأي العام ومصداقية وسائل الإعلام فإننا بحاجة سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو القومي لتوفير كل ما من شأنه النهوض بالعمل الإعلامي للمساهمة في تشكيل الرأي العام وفي الوقت نفسه التعبير عنه. وأيضاً في تأسيس المرصد الحقيقي للتعرف بدقة إلى ما يريده الشعب للتعبير عنه وهذا ما يوفر للحكومة – أية حكومة_ ولسياساتها الثقة والمصداقية والمشروعية والتأثير.

وحتى يكون هناك في الواقع رأي عام فاعل في أي مجتمع فلا بد له من مكونات ستة هي:

* فلا رأي عاماً من دون شعب متفاعل.
* ولا رأي عاماً من دون قضية مهمة.
* ولا رأي عاماً بلا معلومات لديه للاختيار.
* ولا رأي عاماً من دون مرصد لرصده.
* ولا رأي عاماً من دون إعلام عنه.
* وأخيراً لا رأي عاماً دون حكومة تحترم دوره.
كما أن القضايا تختلف أولوياتها من مجتمع لآخر طبقاً لثقافتها، والمراصد لا بد أن تتسلح بكل وسائل القياس العلمي المحايد، والإعلام لا بد أن يتصف بالصدق والموضوعية.

إن تعبير الرأي العام عن نفسه بوسائل موضوعية وشفافة وسلمية يجنب المجتمع أي نوع آخر من التعبير غير الملائم نتيجة كبته أو تغييبه، وكلما سمح المجتمع بالتعبير السلمي للرأي العام عن نفسه قلّت احتمالات اللجوء إلى الوسائل غير السلمية أو غير السليمة للتعبير. وخصوصاً أن كل الدساتير العربية تقريباً تنص على حق المواطنين في التفكير والتعبير السلمي بوسائله التي ينظمها القانون ويحميها الدستور.

وأخيراً لم يعد هناك شك في أن تقدم المجتمعات في هذا العصر الجديد أصبح يعتمد وإلى حد كبير على إتاحة الفرصة للرأي العام للتعبير عن نفسه والمشاركة في صنع القرار الذي يتصل بحياته، وأيضاً في صحافة مقروءة ومرئية ومسموعة حرة ومسؤولة، موضوعية وصادقة، مسلّحة بكل ما يتيحه العصر لها من معلوماتية وتكنولوجيا وحرية.
 

::/fulltext::
::cck::2669::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *