الإعلام الرسمي العربي.. “مصداقية مفقودة”
::cck::2705::/cck::
::introtext::
من المؤكد أن الإعلام في الوقت الراهن أصبح يحتل أهمية استراتيجية في حياة الأمم والشعوب المختلفة لا تقل أهمية عن الجيوش المعززة بكافة الأسلحة والمؤهلة تأهيلاً عالياً، ولا غرابة في ذلك كون الإعلام في الوقت الراهن يمثل أحد أنواع الأسلحة المستخدمة وبصورة منهجية استراتيجية في إدارة الصراعات المختلفة الداخلية أو الخارجية، العسكرية أو الفكرية.
::/introtext::
::fulltext::
من المؤكد أن الإعلام في الوقت الراهن أصبح يحتل أهمية استراتيجية في حياة الأمم والشعوب المختلفة لا تقل أهمية عن الجيوش المعززة بكافة الأسلحة والمؤهلة تأهيلاً عالياً، ولا غرابة في ذلك كون الإعلام في الوقت الراهن يمثل أحد أنواع الأسلحة المستخدمة وبصورة منهجية استراتيجية في إدارة الصراعات المختلفة الداخلية أو الخارجية، العسكرية أو الفكرية.
لقد تطور دور الإعلام من مجرد ناقل للأخبار وناشر للمعلومة إلى مشكل للثقافة المجتمعية ومهيمن عليها ومروج فاعل للقيم سواءً القيم الخيرة أو الشريرة ليتحول الإعلام بذلك إلى أيديولوجيا ضاربة تتولى التأثير والإقناع على نطاق واسع، وهناك الكثير من الصور والشواهد الحية التي توضح وبجلاء أهمية الإعلام في عصرنا الراهن ومن أهمها الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية المصاحبة لغزو العراق ومخططاتها المختلفة في المنطقة العربية والإسلامية والساعية إلى كسب القلوب والعقول، أضف إلى ذلك التجربة الإعلامية العربية والمطبقة في الكثير من البلدان العربية وخاصة تلك البلدان ذات الأنظمة الدكتاتورية المغلفة بغلاف الديمقراطية والتعددية السياسية والتي يمثل الإعلام فيها وسيلة مهمة لتخدير الشعوب المغلوبة على أمرها ومروجاً مهماً لنظرية الزعيم الملهم المؤمن.
ومع أن حرية الإعلام قد أصبحت اليوم معياراً مهماً من معايير قياس التطور الديمقراطي في البلدان المختلفة وشاهداً حياً على مستوى تمتع المواطنين بالحقوق والحريات التي كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية إلا أن الملاحظ أن تطبيق مفاهيم الحرية الإعلامية في البلدان النامية ومنها أغلب البلدان العربية لا يزال قاصراً ومحصوراً في جانب التشريعات والقوانين والتي في الغالب يتم القفز عليها حيث تؤكد معظم الدساتير العربية على حرية الإعلام وتكافؤ الفرص وحيادية وسائل الإعلام الرسمي وضمان حصول الأحزاب والتنظيمات السياسية المختلفة على حقها من الإعلام الرسمي لبيان وتوضيح وجهة نظرها في مختلف القضايا للمواطنين.
وبمراجعة نقدية لواقع الحرية الإعلامية في العديد من البلدان العربية يمكن تلمس هذه الحرية في جانب الإعلام المقروء (الصحف) دون الإعلام المرئي أو المسموع، ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل أهمها أن معدلات الأمية لا تزال مرتفعة في المنطقة العربية مقارنة بالمناطق الأخرى وأن أغلبية السكان العرب يقطنون في الريف، بمعنى أن الغالبية العظمى من السكان لا يتمكنون من الإطلاع على ما تحتويه الصحف وما يثار فيها من نقاشات فكرية وسياسية للقضايا المختلفة التي تهم المواطن وتلامس حياته، وبذلك يبقى الإعلام الرسمي المسموع والمرئي هو المشكل الوحيد للرؤية المجتمعية وخاصة في الدول ذات التنمية الاقتصادية المتدنية والتي تقتصر فيها خدمة الكهرباء على المناطق الحضرية مما يحرم الكثير من السكان من التمتع بخدمات الإعلام الفضائي الحر.
ومع أن الإعلام الرسمي العربي ساهم بإيجابية في تحقيق مجموعة من الأهداف الوطنية والقومية وعلى رأسها المساهمة في نشر المعرفة والنهوض الثقافي إلا أنه أخفق في تحقيق أهداف أخرى مهمة ومنها بناء الشخصية العربية المستمدة ثقافتها من تاريخها وتراثها العظيم، بل إن الإعلام العربي الرسمي وفي أغلب الدول العربية أصبح مسوقاً وبفاعلية للقيم والثقافة والعادات والتقاليد الغربية الهابطة والتي لا تنسجم مع قيمنا وتقاليدنا وتراثنا العربي الإسلامي الأصيل.
ومع تأكيدنا على أن الإعلام الرسمي ليس شراً محضاً وداء عضالاً نظراً لإسهاماته في تحقيق العديد من الأهداف الوطنية والقومية كما سبق، إلا أننا لا يمكن أن نقول إنه في الوقت الراهن يعبر عن هموم وتطلعات أفراد الشعب وخاصة المطحونين منهم، وأن أهدافه وسياساته العامة التي ينتهجها تسير في الاتجاه نفسه مع مصالح الشعوب وتخدمها، إذ إن الملاحظ أن الإعلام الرسمي أصبح منحازاً لقضايا الحكام على حساب قضايا الشعوب، مجارياً لتطلعات الفاسدين والمتخمين بالمال الحرام ومجافياً لتطلعات الفقراء وأصحاب الفكر والهموم الوطنية ويمكن تلمس أبرز جوانب القصور للإعلام الرسمي في التالي:
• إن الإعلام الرسمي العربي خرج في معظم الأحيان عن وظيفته الأساسية والمتمثلة في إشباع وتنمية حاجات الشعوب من المعرفة والثقافة وتزويدها بالمعلومة الصحيحة والخبر الصادق والنقل الموضوعي والأمين للفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون غمط لحق حزب أو فئة أو هيئة ليتحول إلى بوق للأنظمة الحاكمة لا يرى إلا ما ترى ولا يسمع إلا ما تقول له، يسالم من تسالم، ويعادي من تعادي، ولا يتورع عن إطلاق أشنع الألقاب والصفات وترديدها صباح مساء ضد المعارضة في هذا البلد أو ذاك وكأنهم من كوكب آخر فنسمع إعلاماً يصفهم بالخونة وآخر بالمرتدين والإرهابيين والضالين والمتمردين وثالثاً بالعملاء والمتملقين والمتسكعين على أبواب السفارات الغربية والشرقية وهكذا فإنه يوالي من توالي السلطة ويعادي من تعاديها.
• إن الإعلام الرسمي وفي سياق تغطيته للإنجازات التي تحققت في ظل الحاكم الملهم يصور البلاد وكأنها الجنة الموعودة بما فيها من الرخاء والنعيم الذي يعيشه سكانها ولا يستطيعون هضمه من سعته ورحابته حتى يخال للكثير من المتابعين وأهل البلاد أنهم ليسوا من سكانها.
• دائماً ما يتبنى الإعلام الرسمي وجهات نظر السلطة في الكثير من المسائل الخلافية على حساب تعدد وجهات النظر واختلافها حول قضية من القضايا أو هم من الهموم، ويسعى جاهداً إلى تعميمها وتصوير وجهة النظر تلك على أنها إجماع وطني واجب التطبيق والتنفيذ، ومن أجل ذلك نراه ينظم الندوات والحوارات التي دائماً ما يستضيف فيها شخصيات من السلطة أو حثالة من أصحاب المصالح والمنتفعين ليبرزوا محاسن تلك السياسات، مع تطبيقه حظراً شاملاً على المخالفين وبالذات رموز المعارضة وعدم السماح لهم بتوضيح مواقفهم ورؤاهم لتلك القضايا والسياسات.
أخيراً نقول إن تحقيق الأهداف التنموية والإنسانية المرجوة من الإعلام لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل بيئة إعلامية حرة يحترم في ظلها تعدد الآراء واختلافها، وتسعى إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا على حساب المصالح الفردية أو الفئوية لفرد أو لحزب سياسي أو لسلطة حاكمة أو لجماعة ما، وهو ما ينقصنا في الوقت الراهن في الكثير من البلدان العربية ولا يمكن تحقيقه إلا بتوافر مجموعة من المعايير اللازمة وأهمها :
1- الحرية في تملك وسائل الإعلام المختلفة (المقروءة، المسموعة، المرئية) وإزالة العقبات التي تعترضها.
2- الحرية في التعبير عن الآراء وعدم تقييدها إلا في إطار ضيق يتعلق بالمساس بحريات الآخرين وأمنهم واستقرارهم.
3- تحييد وسائل الإعلام الرسمية وإدارتها من شخصيات وطنية مستقلة مشهود لها بالكفاءة والنزاهة وعدم تجييرها ضد حزب أو فئة أو جماعة معينة.
4- حرية الحصول على المعلومة سواءً كانت في شكل أخبار أو تقارير أو إحصائيات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2705::/cck::
::introtext::
من المؤكد أن الإعلام في الوقت الراهن أصبح يحتل أهمية استراتيجية في حياة الأمم والشعوب المختلفة لا تقل أهمية عن الجيوش المعززة بكافة الأسلحة والمؤهلة تأهيلاً عالياً، ولا غرابة في ذلك كون الإعلام في الوقت الراهن يمثل أحد أنواع الأسلحة المستخدمة وبصورة منهجية استراتيجية في إدارة الصراعات المختلفة الداخلية أو الخارجية، العسكرية أو الفكرية.
::/introtext::
::fulltext::
من المؤكد أن الإعلام في الوقت الراهن أصبح يحتل أهمية استراتيجية في حياة الأمم والشعوب المختلفة لا تقل أهمية عن الجيوش المعززة بكافة الأسلحة والمؤهلة تأهيلاً عالياً، ولا غرابة في ذلك كون الإعلام في الوقت الراهن يمثل أحد أنواع الأسلحة المستخدمة وبصورة منهجية استراتيجية في إدارة الصراعات المختلفة الداخلية أو الخارجية، العسكرية أو الفكرية.
لقد تطور دور الإعلام من مجرد ناقل للأخبار وناشر للمعلومة إلى مشكل للثقافة المجتمعية ومهيمن عليها ومروج فاعل للقيم سواءً القيم الخيرة أو الشريرة ليتحول الإعلام بذلك إلى أيديولوجيا ضاربة تتولى التأثير والإقناع على نطاق واسع، وهناك الكثير من الصور والشواهد الحية التي توضح وبجلاء أهمية الإعلام في عصرنا الراهن ومن أهمها الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية المصاحبة لغزو العراق ومخططاتها المختلفة في المنطقة العربية والإسلامية والساعية إلى كسب القلوب والعقول، أضف إلى ذلك التجربة الإعلامية العربية والمطبقة في الكثير من البلدان العربية وخاصة تلك البلدان ذات الأنظمة الدكتاتورية المغلفة بغلاف الديمقراطية والتعددية السياسية والتي يمثل الإعلام فيها وسيلة مهمة لتخدير الشعوب المغلوبة على أمرها ومروجاً مهماً لنظرية الزعيم الملهم المؤمن.
ومع أن حرية الإعلام قد أصبحت اليوم معياراً مهماً من معايير قياس التطور الديمقراطي في البلدان المختلفة وشاهداً حياً على مستوى تمتع المواطنين بالحقوق والحريات التي كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية إلا أن الملاحظ أن تطبيق مفاهيم الحرية الإعلامية في البلدان النامية ومنها أغلب البلدان العربية لا يزال قاصراً ومحصوراً في جانب التشريعات والقوانين والتي في الغالب يتم القفز عليها حيث تؤكد معظم الدساتير العربية على حرية الإعلام وتكافؤ الفرص وحيادية وسائل الإعلام الرسمي وضمان حصول الأحزاب والتنظيمات السياسية المختلفة على حقها من الإعلام الرسمي لبيان وتوضيح وجهة نظرها في مختلف القضايا للمواطنين.
وبمراجعة نقدية لواقع الحرية الإعلامية في العديد من البلدان العربية يمكن تلمس هذه الحرية في جانب الإعلام المقروء (الصحف) دون الإعلام المرئي أو المسموع، ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل أهمها أن معدلات الأمية لا تزال مرتفعة في المنطقة العربية مقارنة بالمناطق الأخرى وأن أغلبية السكان العرب يقطنون في الريف، بمعنى أن الغالبية العظمى من السكان لا يتمكنون من الإطلاع على ما تحتويه الصحف وما يثار فيها من نقاشات فكرية وسياسية للقضايا المختلفة التي تهم المواطن وتلامس حياته، وبذلك يبقى الإعلام الرسمي المسموع والمرئي هو المشكل الوحيد للرؤية المجتمعية وخاصة في الدول ذات التنمية الاقتصادية المتدنية والتي تقتصر فيها خدمة الكهرباء على المناطق الحضرية مما يحرم الكثير من السكان من التمتع بخدمات الإعلام الفضائي الحر.
ومع أن الإعلام الرسمي العربي ساهم بإيجابية في تحقيق مجموعة من الأهداف الوطنية والقومية وعلى رأسها المساهمة في نشر المعرفة والنهوض الثقافي إلا أنه أخفق في تحقيق أهداف أخرى مهمة ومنها بناء الشخصية العربية المستمدة ثقافتها من تاريخها وتراثها العظيم، بل إن الإعلام العربي الرسمي وفي أغلب الدول العربية أصبح مسوقاً وبفاعلية للقيم والثقافة والعادات والتقاليد الغربية الهابطة والتي لا تنسجم مع قيمنا وتقاليدنا وتراثنا العربي الإسلامي الأصيل.
ومع تأكيدنا على أن الإعلام الرسمي ليس شراً محضاً وداء عضالاً نظراً لإسهاماته في تحقيق العديد من الأهداف الوطنية والقومية كما سبق، إلا أننا لا يمكن أن نقول إنه في الوقت الراهن يعبر عن هموم وتطلعات أفراد الشعب وخاصة المطحونين منهم، وأن أهدافه وسياساته العامة التي ينتهجها تسير في الاتجاه نفسه مع مصالح الشعوب وتخدمها، إذ إن الملاحظ أن الإعلام الرسمي أصبح منحازاً لقضايا الحكام على حساب قضايا الشعوب، مجارياً لتطلعات الفاسدين والمتخمين بالمال الحرام ومجافياً لتطلعات الفقراء وأصحاب الفكر والهموم الوطنية ويمكن تلمس أبرز جوانب القصور للإعلام الرسمي في التالي:
• إن الإعلام الرسمي العربي خرج في معظم الأحيان عن وظيفته الأساسية والمتمثلة في إشباع وتنمية حاجات الشعوب من المعرفة والثقافة وتزويدها بالمعلومة الصحيحة والخبر الصادق والنقل الموضوعي والأمين للفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون غمط لحق حزب أو فئة أو هيئة ليتحول إلى بوق للأنظمة الحاكمة لا يرى إلا ما ترى ولا يسمع إلا ما تقول له، يسالم من تسالم، ويعادي من تعادي، ولا يتورع عن إطلاق أشنع الألقاب والصفات وترديدها صباح مساء ضد المعارضة في هذا البلد أو ذاك وكأنهم من كوكب آخر فنسمع إعلاماً يصفهم بالخونة وآخر بالمرتدين والإرهابيين والضالين والمتمردين وثالثاً بالعملاء والمتملقين والمتسكعين على أبواب السفارات الغربية والشرقية وهكذا فإنه يوالي من توالي السلطة ويعادي من تعاديها.
• إن الإعلام الرسمي وفي سياق تغطيته للإنجازات التي تحققت في ظل الحاكم الملهم يصور البلاد وكأنها الجنة الموعودة بما فيها من الرخاء والنعيم الذي يعيشه سكانها ولا يستطيعون هضمه من سعته ورحابته حتى يخال للكثير من المتابعين وأهل البلاد أنهم ليسوا من سكانها.
• دائماً ما يتبنى الإعلام الرسمي وجهات نظر السلطة في الكثير من المسائل الخلافية على حساب تعدد وجهات النظر واختلافها حول قضية من القضايا أو هم من الهموم، ويسعى جاهداً إلى تعميمها وتصوير وجهة النظر تلك على أنها إجماع وطني واجب التطبيق والتنفيذ، ومن أجل ذلك نراه ينظم الندوات والحوارات التي دائماً ما يستضيف فيها شخصيات من السلطة أو حثالة من أصحاب المصالح والمنتفعين ليبرزوا محاسن تلك السياسات، مع تطبيقه حظراً شاملاً على المخالفين وبالذات رموز المعارضة وعدم السماح لهم بتوضيح مواقفهم ورؤاهم لتلك القضايا والسياسات.
أخيراً نقول إن تحقيق الأهداف التنموية والإنسانية المرجوة من الإعلام لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل بيئة إعلامية حرة يحترم في ظلها تعدد الآراء واختلافها، وتسعى إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا على حساب المصالح الفردية أو الفئوية لفرد أو لحزب سياسي أو لسلطة حاكمة أو لجماعة ما، وهو ما ينقصنا في الوقت الراهن في الكثير من البلدان العربية ولا يمكن تحقيقه إلا بتوافر مجموعة من المعايير اللازمة وأهمها :
1- الحرية في تملك وسائل الإعلام المختلفة (المقروءة، المسموعة، المرئية) وإزالة العقبات التي تعترضها.
2- الحرية في التعبير عن الآراء وعدم تقييدها إلا في إطار ضيق يتعلق بالمساس بحريات الآخرين وأمنهم واستقرارهم.
3- تحييد وسائل الإعلام الرسمية وإدارتها من شخصيات وطنية مستقلة مشهود لها بالكفاءة والنزاهة وعدم تجييرها ضد حزب أو فئة أو جماعة معينة.
4- حرية الحصول على المعلومة سواءً كانت في شكل أخبار أو تقارير أو إحصائيات.
::/fulltext::
::cck::2705::/cck::
