إيران اللاعب الرابح في المنطقة.. إلى أين؟

::cck::2862::/cck::
::introtext::

مع ولادتها، احتجزت إيران الخمينية 52 رهينة دبلوماسية أمريكية في طهران لمدة 444 يوماً. بعد نيف وربع قرن تحتجز إيران الخامنئية 130 ألف رهينة عسكرية أمريكية في العراق، منذ ما يقارب 4 سنوات والحبل على الجرار أو هي على الأقل تساهم في هذا الارتهان إلى حد بعيد وفعال.

::/introtext::
::fulltext::

مع ولادتها، احتجزت إيران الخمينية 52 رهينة دبلوماسية أمريكية في طهران لمدة 444 يوماً. بعد نيف وربع قرن تحتجز إيران الخامنئية 130 ألف رهينة عسكرية أمريكية في العراق، منذ ما يقارب 4 سنوات والحبل على الجرار أو هي على الأقل تساهم في هذا الارتهان إلى حد بعيد وفعال.
ليس هذا فحسب، بل إن طهران اليوم صارت صاحبة نفوذ إقليمي تعمل حسابه وتسعى وراءه، دول كبرى، مثل الولايات المتحدة، لمساعدتها في التغلب على أزماتها في المنطقة، كما أنها حققت اختراقات إقليمية، أيضاً يحسب لها حساب. بالإضافة إلى هذا وذاك هي تقف الآن على عتبة الدخول إلى النادي النووي. باختصار إنه الزمن الإيراني في الشرق الأوسط. كل الرياح تنفخ في شراع طهران. كل شيء جرى بصورة انتهى معها إلى خدمة دورها ومكانتها. الأوراق التي تمسك بها أضحت وازنة وموازنة، إلى حد بعيد، في المنطقة.
أهي المصادفة؟ القوة الذاتية؟ أخطاء البعض وعجز البعض الآخر؟ ثم إلى أين؟ الواقع أن مجموعة ظروف وتطورات وأحداث تضافرت مع بعضها تباعاً لتضع اللاعب الإيراني في هذا الموقع، هي ليست من صنعه بالتأكيد. لكن بنفس التأكيد وأكثر، هو كان بارعاً في حياكة خيوط إدارتها، بحيث أتى المشهد على صورة سجاّدة عجمية رفيعة الطراز، مفصلة على قياساته. وبرزت البراعة في الإدارة من خلال توظيف رزمة الأوراق، الداخلية والإقليمية والإسلامية والدولية والاقتصادية، بالتزامن والتناغم وعلى أفضل وجه من الحبك والتنسيق.
يمكن القول إن بداية استدارة الأمور والعوامل المساعدة، شطر إيران، كانت في إرهاب 11/9. تداعياته صبّت في صالحها من كل صوب، من إزالة نظام طالبان خصمها المؤرق في الشرق – وهي ساعدت واشنطن على إزالته بالمعلومات الاستخباراتية والتسهيلات اللوجستية – إلى الإطاحة بعدوها اللدود صدام حسين على حدودها الغربية وانتهاء بغرق عدوها الآخر واشنطن في أوحال دجلة والفرات تطورات كانت بالنسبة لطهران جائزة غير متوقعة ومجانية، اتكأت على هذا الإنجاز الذي تحقق لها بأيدي غيرها لتشحذ أسلحة اختراقاتها الإقليمية، بحيث تعمل على توسيع ما بدأته منها وعلى تعزيزه وتصليبه، من جهة، وعلى شق المزيد من هذه الاختراقات والعمل على ترسيخها، من جهة أخرى.
كانت الخطوة الأولى في هذا المجال موجهة نحو العراق. فور وقوعه تحت الاحتلال، سارعت إيران إلى التغلغل ووضع اليد على مناطق بكاملها من البلد عبر القوى المحسوبة عليها، والقوى التي استقطبتها بالتمويل والتسليح. وبقدر ما كانت الأوضاع تتفاقم – وهي ساهمت في ذلك – بقدر ما كان نفوذها يتجذر ويتوسع، إلى أن أصبحت أحد المفاتيح الرئيسية في هذه الساحة. وحصل كل ذلك وسط وضع إقليمي عربي عاجز عن صد هذا الاختراق، بل حتى عن محاصرته ووقف تمدده، فكيف يقوى على ذلك وهو المنهك بخلافاته وصراعاته الذاتية، التي بدأت نيرانها تلتهم مجتمعاته الداخلية بالحروب الأهلية أو بالوقوف على مداخلها، كما في العراق ولبنان وفلسطين؟ ساهم في هذا العجز أن قنوات الحوار بين إيران والمنطقة العربية شبه معطلة. فالزيارات المتبادلة شحيحة، العلاقات باهتة، ربما كان هناك فتور في المبادرات العربية بهذا الاتجاه، لكن الذي لا جدال فيه أن إيران تعاطت ولا تزال بكثير من الاستعلاء مع جيرانها العرب، توزّع التطمينات على العالم بشأن مشروعها النووي، ولا تخص جوارها في هذا الخصوص بأكثر من كلمة من طرف اللسان، مساحة الارتياب بالنوايا الإيرانية واسعة. طهران اخترقت ساحات عربية وساهمت في تأزيمها وتفجير تناقضاتها. وأيضاً في تأزيم علاقات حلفائها في هذه الساحات مع بقية أطراف الجسم العربي، وبالذات في لبنان وفلسطين، إلى جانب الاختراق الكبير في العراق.
واكب ذلك وفي ظل هذه التحولات والأجواء زيادة احتضان إيران للحركات الإسلامية الصاعدة، في غير ساحة عربية، وبالتحديد المجاورة لإسرائيل. اغتنمت لحظة انحسار، بل غياب الدور العربي في الصراع مع العدو الإسرائيلي وراحت تغدق بالمساعدات على من يحمل من هذه الحركات السلاح المقاوم، فظهرت وكأنها البديل والعمق الاستراتيجي في هذا الصراع. الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أرفق ذلك بخطاب شعبوي ناري غير مساوم، لا يرضى بأقل من مسح إسرائيل عن الخريطة، وعلى قاعدة هذا الدعم والخطاب نسجت طهران مع هذه الحركات علاقات أعطتها موقع المرجعية والمحجة لها.
بموازاة ذلك كانت إيران تعمل على تمتين علاقاتها وترسيخها، مع موسكو وبكين والأوروبيين، أدركت ضيق الروس والصينيين، كقوتين تسعيان إلى تبوؤ مواقع عملاقة، من انفلات الهيمنة الأمريكية. كما أدركت رغبتهما في مساندة ودعم من يتقدم ليلعب دور العقبة بوجه هذه الهيمنة، خاصة في منطقة مثل الشرق الأوسط؛ قامت بالدور وخطت بالغطاء الروسي – الصيني الدبلوماسي، في الأمم المتحدة، ولو غير المطلق. كما عززت علاقاتها العسكرية مع عوالم هذا الغطاء. ولم تهمل علاقاتها مع أوروبا، التي باتت الشريك التجاري لها والمفاوض المرغوب فيه، حول ملفها النووي. نجحت إلى حين في إبعاد الأوروبيين إجمالاً عن واشنطن بخصوص كيفية التعامل مع هذا الملف. فهم يرفضون العمل العسكري ضد إيران، كما رفضوا العقوبات التي أرادتها واشنطن. ولعبت على الحساسيات الأوروبية-الأمريكية وعلى تضارب المصالح. وحتى هذه اللحظة لم يتم التوافق على صيغة موحدة لقرار بفرض عقوبات على طهران عن طريق مجلس الأمن، الأمر الذي أبقى مشروعها النووي يواصل مسيرته ويدخل المزيد من التطورات الملحوظة عليه. وقد عزّز لها هذا المشروع مكانتها وموقعها، كما ساعد النظام إلى حد بعيد على تصليب الجبهة الداخلية، من خلال التفافها الواسع حول الخيار النووي. وربما ساعدها ذلك في لجم، أو على الأقل، في إرباك الاعتراضات الداخلية على مجمل سياسات النظام، الداخلية والخارجية، وهي اعتراضات نامية ومتفاعلة، فضلاً عما تعانيه بنية التركيبة السكانية الإيرانية من مفاصل رخوة.ليس ذلك فحسب بل إن الرياح واصلت نفخها في الشراع الإيراني حسب ما تشتهيه سفينة طهران: حقق حزب الله صموداً لامعاً في حرب يوليو العدوانية على لبنان وبما خلخل صورة القدرة العسكرية الإسرائيلية التي لا تقهر. بصرف النظر عن الجوانب الأخرى التدميرية للعدوان. واصلت أسعار النفط الحفاظ على أسعارها العالية التي درّت فوائض مالية هائلة على الخزينة الإيرانية. وأخيراً انكشف الفشل الأمريكي العسكري والسياسي في العراق واعترفت به واشنطن، بالرغم من المكابرة، وأعربت عن حاجتها إلى إحداث تغيير في استراتيجيتها هناك. وربما زاد من ترحيب إيران وارتياحها، حصول ما يشبه الانهيار في مدرسة المحافظين الجدد وابتعاد رموز كبيرة منهم عن موقع القرار في واشنطن كثمن لما جرى في العراق، فضلاً عما أصاب فريقهم من خسائر موجعة في انتخابات الكونغرس الأخيرة، حيث انتقلت الموازين لصالح خصومهم الديمقراطيين.
على هذه الخلفية من الربح لإيران والخسارة لواشنطن، جاء الآن تقرير (بيكر – هاميلتون) ليقترح على الرئيس بوش سلسلة تغييرات في تعاطيه مع قضايا المنطقة، من أهمها وأبرزها فتح حوار مع جيران العراق، وبالتحديد إيران وسوريا. الرئيس بوش لم يبد بعد موافقته، وعد بالإعلان عن مقاربته الجديدة التي ينوي اعتمادها في مطلع العام المقبل. الأوساط الأمريكية تكاد تجمع على أن الرئيس من الصعب عليه استساغة هذا الحوار إلا بشروط مسبقة. إيران كان ردها بأنها مستعدة لتسهيل الانسحاب الأمريكي إذا حددت واشنطن موعداً لهذا الانسحاب. وللقيام بمثل هذا التسهيل، هي تطالب بالثمن، الأمني منه والإقليمي والنووي. اليمين المحافظ وبقايا المحافظين الجدد، شن حملة شعواء على تقرير (بيكر – هاميلتون) ومقترحاته، وبالذات على التحاور مع إيران، باعتباره استسلاماً، وبذلك فإن احتمال الاستعانة بإيران دخل بازار المساومة، على الأقل من باب جس النبض بالإشارة. وثمة من يقول إن الاتصالات السرية بدأت، وأن هناك بوادر صفقة مع طهران ودمشق، من جهة، وواشنطن من جهة ثانية، لكن ليس هناك من يرجح إمكانية حصول مثل هكذا تسوية وتحولها إلى واقع ملموس على الأرض. على الأقل في المستقبل المنظور. علما بأن إدارة الرئيس بوش مستعجلة على التوصل إلى مخرج ما، يحفظ لها ماء الوجه، ويخفف النزف لقواتها كما لسياستها العراقية.
لكن في المقابل تبدو طهران غير مستعجلة. الوضع الراهن في العراق يخدم مصالحها على أفضل وجه، وهو يستنزف واشنطن، ويكاد يلغي من تفكيرها أي عمل عسكري ضدها، ثم إنه يمنع نجاح العملية السياسية في العراق. نجاح لا تريده لئلا تنتقل عدواه إلى ساحتها. وحتى لو انسحبت القوات الأمريكية، في وقت ما، فإن إيران تبقى الرابح، لأن حصتها من (الكعكة العراقية) باتت مضمونة.
وبذلك تبدو طهران في الموقع الممتاز. لذا هي تتحدث، عبر التسريبات عما يسمى الصفقة (الشاملة) أو (الرزمة الكاملة) من المطالب المتضمنة شروطاً تعجيزية، تعرف سلفاً أن بوش لن يرضى بها – مثل الموضوع النووي -. وحتى بيكر الذي اقترح التعاون معها اعترف بصعوبة تجاوبها مع المطالب الأمريكية، الأمر الذي يشير إلى أنها تتحرك على أساس أنها صاحبة مشروع في المنطقة وليس على أساس أنها تسعى لامتلاك أوراق نافذة لتحسين وضعها في أي صفقة مع واشنطن، فلو كانت تسعى لفتح صفحة جديدة مع هذه الأخيرة، فإن اللحظة الراهنة مثالية ولن تحظى طهران بأفضل منها. ومن هنا يصبح السؤال ليس ما إذا كانت إيران (قادرة) على مساعدة واشنطن في العراق وغيره، بل ما إذا كانت راغبة أًصلاً في مثل ذلك؟
لكن من جهة أخرى فإن الإدارة الأمريكية على قاب قوسين من اعتماد توجه مختلف في العراق. الرئيس بوش وعد بالكشف عنه مع مطلع العام المقبل. وتجدر الإشارة هنا إلى ما يسميه مسؤولون أمريكيون بالخطة (ب) البديلة، إذا تعذر إنقاذ العملية السياسية في العراق. وفي ضوء التلميحات التي ترددت حول هذه الخطة، فإن واشنطن قد تختار في هذه الحالة مساندة أطراف مذهبية إثنية – شيعية كردية مطعّمة بمشاركة سنية رمزية لتمويه الطابع – على حساب غالبية القوى السنية، لكي تجد هذه الأخيرة نفسها معزولة ومحاصرة، مما سيدفعها إلى تأجيج الصراع.
ترجمة ذلك صب الزيت على نار الحرب الأهلية في العراق، مع كل ما قد يتسبب به ذلك من اشتعالات في المنطقة. بل – وهذا الأخطر – مع كل ما ينطوي عليه من رفع لوتيرة التأزيم بين إيران والساحة العربية. التململ العربي من اختراقات إيران في المنطقة لا تخطئه العين، كما أن الإصرار الإيراني على الإمعان في التدخل والتلاعب في شؤون المنطقة واضح كشمس النهار. وبالتالي فإن المسرح جاهز لرفع منسوب التوتر – وربما أكثر؟ – بين إيران وجيرانها، إذا ما لجأت واشنطن إلى مثل هذه الخطة (ب)! وثمة إشارات إلى أن الأمور تسير في هذا الاتجاه. وزير الدفاع الجديد روبرت غيتس لم يتحدث عن عبث عندما حذر مؤخراً من (حريق هائل) قد يندلع في الشرق الأوسط! كذلك المخاوف التي عبرت عنها عواصم عربية والتحذيرات التي صدرت عنها بخصوص ما تنوي القيام به واشنطن في العراق! المشهد في المنطقة قادم على تغييرات مكلفة، معطياته التي أحسنت إيران توظيفها لصالحها غير باقية على حالها. فهل تنجح إدارة الرئيس بوش في ترحيل أزمتها في العراق وتحويلها إلى صراع عربي – إيراني؟
النوايا الأمريكية تبدو كالمريب الذي (يكاد يقول خذوني) والقابلية الإيرانية لا يبدو أنها متحشمة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2862::/cck::
::introtext::

مع ولادتها، احتجزت إيران الخمينية 52 رهينة دبلوماسية أمريكية في طهران لمدة 444 يوماً. بعد نيف وربع قرن تحتجز إيران الخامنئية 130 ألف رهينة عسكرية أمريكية في العراق، منذ ما يقارب 4 سنوات والحبل على الجرار أو هي على الأقل تساهم في هذا الارتهان إلى حد بعيد وفعال.

::/introtext::
::fulltext::

مع ولادتها، احتجزت إيران الخمينية 52 رهينة دبلوماسية أمريكية في طهران لمدة 444 يوماً. بعد نيف وربع قرن تحتجز إيران الخامنئية 130 ألف رهينة عسكرية أمريكية في العراق، منذ ما يقارب 4 سنوات والحبل على الجرار أو هي على الأقل تساهم في هذا الارتهان إلى حد بعيد وفعال.
ليس هذا فحسب، بل إن طهران اليوم صارت صاحبة نفوذ إقليمي تعمل حسابه وتسعى وراءه، دول كبرى، مثل الولايات المتحدة، لمساعدتها في التغلب على أزماتها في المنطقة، كما أنها حققت اختراقات إقليمية، أيضاً يحسب لها حساب. بالإضافة إلى هذا وذاك هي تقف الآن على عتبة الدخول إلى النادي النووي. باختصار إنه الزمن الإيراني في الشرق الأوسط. كل الرياح تنفخ في شراع طهران. كل شيء جرى بصورة انتهى معها إلى خدمة دورها ومكانتها. الأوراق التي تمسك بها أضحت وازنة وموازنة، إلى حد بعيد، في المنطقة.
أهي المصادفة؟ القوة الذاتية؟ أخطاء البعض وعجز البعض الآخر؟ ثم إلى أين؟ الواقع أن مجموعة ظروف وتطورات وأحداث تضافرت مع بعضها تباعاً لتضع اللاعب الإيراني في هذا الموقع، هي ليست من صنعه بالتأكيد. لكن بنفس التأكيد وأكثر، هو كان بارعاً في حياكة خيوط إدارتها، بحيث أتى المشهد على صورة سجاّدة عجمية رفيعة الطراز، مفصلة على قياساته. وبرزت البراعة في الإدارة من خلال توظيف رزمة الأوراق، الداخلية والإقليمية والإسلامية والدولية والاقتصادية، بالتزامن والتناغم وعلى أفضل وجه من الحبك والتنسيق.
يمكن القول إن بداية استدارة الأمور والعوامل المساعدة، شطر إيران، كانت في إرهاب 11/9. تداعياته صبّت في صالحها من كل صوب، من إزالة نظام طالبان خصمها المؤرق في الشرق – وهي ساعدت واشنطن على إزالته بالمعلومات الاستخباراتية والتسهيلات اللوجستية – إلى الإطاحة بعدوها اللدود صدام حسين على حدودها الغربية وانتهاء بغرق عدوها الآخر واشنطن في أوحال دجلة والفرات تطورات كانت بالنسبة لطهران جائزة غير متوقعة ومجانية، اتكأت على هذا الإنجاز الذي تحقق لها بأيدي غيرها لتشحذ أسلحة اختراقاتها الإقليمية، بحيث تعمل على توسيع ما بدأته منها وعلى تعزيزه وتصليبه، من جهة، وعلى شق المزيد من هذه الاختراقات والعمل على ترسيخها، من جهة أخرى.
كانت الخطوة الأولى في هذا المجال موجهة نحو العراق. فور وقوعه تحت الاحتلال، سارعت إيران إلى التغلغل ووضع اليد على مناطق بكاملها من البلد عبر القوى المحسوبة عليها، والقوى التي استقطبتها بالتمويل والتسليح. وبقدر ما كانت الأوضاع تتفاقم – وهي ساهمت في ذلك – بقدر ما كان نفوذها يتجذر ويتوسع، إلى أن أصبحت أحد المفاتيح الرئيسية في هذه الساحة. وحصل كل ذلك وسط وضع إقليمي عربي عاجز عن صد هذا الاختراق، بل حتى عن محاصرته ووقف تمدده، فكيف يقوى على ذلك وهو المنهك بخلافاته وصراعاته الذاتية، التي بدأت نيرانها تلتهم مجتمعاته الداخلية بالحروب الأهلية أو بالوقوف على مداخلها، كما في العراق ولبنان وفلسطين؟ ساهم في هذا العجز أن قنوات الحوار بين إيران والمنطقة العربية شبه معطلة. فالزيارات المتبادلة شحيحة، العلاقات باهتة، ربما كان هناك فتور في المبادرات العربية بهذا الاتجاه، لكن الذي لا جدال فيه أن إيران تعاطت ولا تزال بكثير من الاستعلاء مع جيرانها العرب، توزّع التطمينات على العالم بشأن مشروعها النووي، ولا تخص جوارها في هذا الخصوص بأكثر من كلمة من طرف اللسان، مساحة الارتياب بالنوايا الإيرانية واسعة. طهران اخترقت ساحات عربية وساهمت في تأزيمها وتفجير تناقضاتها. وأيضاً في تأزيم علاقات حلفائها في هذه الساحات مع بقية أطراف الجسم العربي، وبالذات في لبنان وفلسطين، إلى جانب الاختراق الكبير في العراق.
واكب ذلك وفي ظل هذه التحولات والأجواء زيادة احتضان إيران للحركات الإسلامية الصاعدة، في غير ساحة عربية، وبالتحديد المجاورة لإسرائيل. اغتنمت لحظة انحسار، بل غياب الدور العربي في الصراع مع العدو الإسرائيلي وراحت تغدق بالمساعدات على من يحمل من هذه الحركات السلاح المقاوم، فظهرت وكأنها البديل والعمق الاستراتيجي في هذا الصراع. الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أرفق ذلك بخطاب شعبوي ناري غير مساوم، لا يرضى بأقل من مسح إسرائيل عن الخريطة، وعلى قاعدة هذا الدعم والخطاب نسجت طهران مع هذه الحركات علاقات أعطتها موقع المرجعية والمحجة لها.
بموازاة ذلك كانت إيران تعمل على تمتين علاقاتها وترسيخها، مع موسكو وبكين والأوروبيين، أدركت ضيق الروس والصينيين، كقوتين تسعيان إلى تبوؤ مواقع عملاقة، من انفلات الهيمنة الأمريكية. كما أدركت رغبتهما في مساندة ودعم من يتقدم ليلعب دور العقبة بوجه هذه الهيمنة، خاصة في منطقة مثل الشرق الأوسط؛ قامت بالدور وخطت بالغطاء الروسي – الصيني الدبلوماسي، في الأمم المتحدة، ولو غير المطلق. كما عززت علاقاتها العسكرية مع عوالم هذا الغطاء. ولم تهمل علاقاتها مع أوروبا، التي باتت الشريك التجاري لها والمفاوض المرغوب فيه، حول ملفها النووي. نجحت إلى حين في إبعاد الأوروبيين إجمالاً عن واشنطن بخصوص كيفية التعامل مع هذا الملف. فهم يرفضون العمل العسكري ضد إيران، كما رفضوا العقوبات التي أرادتها واشنطن. ولعبت على الحساسيات الأوروبية-الأمريكية وعلى تضارب المصالح. وحتى هذه اللحظة لم يتم التوافق على صيغة موحدة لقرار بفرض عقوبات على طهران عن طريق مجلس الأمن، الأمر الذي أبقى مشروعها النووي يواصل مسيرته ويدخل المزيد من التطورات الملحوظة عليه. وقد عزّز لها هذا المشروع مكانتها وموقعها، كما ساعد النظام إلى حد بعيد على تصليب الجبهة الداخلية، من خلال التفافها الواسع حول الخيار النووي. وربما ساعدها ذلك في لجم، أو على الأقل، في إرباك الاعتراضات الداخلية على مجمل سياسات النظام، الداخلية والخارجية، وهي اعتراضات نامية ومتفاعلة، فضلاً عما تعانيه بنية التركيبة السكانية الإيرانية من مفاصل رخوة.ليس ذلك فحسب بل إن الرياح واصلت نفخها في الشراع الإيراني حسب ما تشتهيه سفينة طهران: حقق حزب الله صموداً لامعاً في حرب يوليو العدوانية على لبنان وبما خلخل صورة القدرة العسكرية الإسرائيلية التي لا تقهر. بصرف النظر عن الجوانب الأخرى التدميرية للعدوان. واصلت أسعار النفط الحفاظ على أسعارها العالية التي درّت فوائض مالية هائلة على الخزينة الإيرانية. وأخيراً انكشف الفشل الأمريكي العسكري والسياسي في العراق واعترفت به واشنطن، بالرغم من المكابرة، وأعربت عن حاجتها إلى إحداث تغيير في استراتيجيتها هناك. وربما زاد من ترحيب إيران وارتياحها، حصول ما يشبه الانهيار في مدرسة المحافظين الجدد وابتعاد رموز كبيرة منهم عن موقع القرار في واشنطن كثمن لما جرى في العراق، فضلاً عما أصاب فريقهم من خسائر موجعة في انتخابات الكونغرس الأخيرة، حيث انتقلت الموازين لصالح خصومهم الديمقراطيين.
على هذه الخلفية من الربح لإيران والخسارة لواشنطن، جاء الآن تقرير (بيكر – هاميلتون) ليقترح على الرئيس بوش سلسلة تغييرات في تعاطيه مع قضايا المنطقة، من أهمها وأبرزها فتح حوار مع جيران العراق، وبالتحديد إيران وسوريا. الرئيس بوش لم يبد بعد موافقته، وعد بالإعلان عن مقاربته الجديدة التي ينوي اعتمادها في مطلع العام المقبل. الأوساط الأمريكية تكاد تجمع على أن الرئيس من الصعب عليه استساغة هذا الحوار إلا بشروط مسبقة. إيران كان ردها بأنها مستعدة لتسهيل الانسحاب الأمريكي إذا حددت واشنطن موعداً لهذا الانسحاب. وللقيام بمثل هذا التسهيل، هي تطالب بالثمن، الأمني منه والإقليمي والنووي. اليمين المحافظ وبقايا المحافظين الجدد، شن حملة شعواء على تقرير (بيكر – هاميلتون) ومقترحاته، وبالذات على التحاور مع إيران، باعتباره استسلاماً، وبذلك فإن احتمال الاستعانة بإيران دخل بازار المساومة، على الأقل من باب جس النبض بالإشارة. وثمة من يقول إن الاتصالات السرية بدأت، وأن هناك بوادر صفقة مع طهران ودمشق، من جهة، وواشنطن من جهة ثانية، لكن ليس هناك من يرجح إمكانية حصول مثل هكذا تسوية وتحولها إلى واقع ملموس على الأرض. على الأقل في المستقبل المنظور. علما بأن إدارة الرئيس بوش مستعجلة على التوصل إلى مخرج ما، يحفظ لها ماء الوجه، ويخفف النزف لقواتها كما لسياستها العراقية.
لكن في المقابل تبدو طهران غير مستعجلة. الوضع الراهن في العراق يخدم مصالحها على أفضل وجه، وهو يستنزف واشنطن، ويكاد يلغي من تفكيرها أي عمل عسكري ضدها، ثم إنه يمنع نجاح العملية السياسية في العراق. نجاح لا تريده لئلا تنتقل عدواه إلى ساحتها. وحتى لو انسحبت القوات الأمريكية، في وقت ما، فإن إيران تبقى الرابح، لأن حصتها من (الكعكة العراقية) باتت مضمونة.
وبذلك تبدو طهران في الموقع الممتاز. لذا هي تتحدث، عبر التسريبات عما يسمى الصفقة (الشاملة) أو (الرزمة الكاملة) من المطالب المتضمنة شروطاً تعجيزية، تعرف سلفاً أن بوش لن يرضى بها – مثل الموضوع النووي -. وحتى بيكر الذي اقترح التعاون معها اعترف بصعوبة تجاوبها مع المطالب الأمريكية، الأمر الذي يشير إلى أنها تتحرك على أساس أنها صاحبة مشروع في المنطقة وليس على أساس أنها تسعى لامتلاك أوراق نافذة لتحسين وضعها في أي صفقة مع واشنطن، فلو كانت تسعى لفتح صفحة جديدة مع هذه الأخيرة، فإن اللحظة الراهنة مثالية ولن تحظى طهران بأفضل منها. ومن هنا يصبح السؤال ليس ما إذا كانت إيران (قادرة) على مساعدة واشنطن في العراق وغيره، بل ما إذا كانت راغبة أًصلاً في مثل ذلك؟
لكن من جهة أخرى فإن الإدارة الأمريكية على قاب قوسين من اعتماد توجه مختلف في العراق. الرئيس بوش وعد بالكشف عنه مع مطلع العام المقبل. وتجدر الإشارة هنا إلى ما يسميه مسؤولون أمريكيون بالخطة (ب) البديلة، إذا تعذر إنقاذ العملية السياسية في العراق. وفي ضوء التلميحات التي ترددت حول هذه الخطة، فإن واشنطن قد تختار في هذه الحالة مساندة أطراف مذهبية إثنية – شيعية كردية مطعّمة بمشاركة سنية رمزية لتمويه الطابع – على حساب غالبية القوى السنية، لكي تجد هذه الأخيرة نفسها معزولة ومحاصرة، مما سيدفعها إلى تأجيج الصراع.
ترجمة ذلك صب الزيت على نار الحرب الأهلية في العراق، مع كل ما قد يتسبب به ذلك من اشتعالات في المنطقة. بل – وهذا الأخطر – مع كل ما ينطوي عليه من رفع لوتيرة التأزيم بين إيران والساحة العربية. التململ العربي من اختراقات إيران في المنطقة لا تخطئه العين، كما أن الإصرار الإيراني على الإمعان في التدخل والتلاعب في شؤون المنطقة واضح كشمس النهار. وبالتالي فإن المسرح جاهز لرفع منسوب التوتر – وربما أكثر؟ – بين إيران وجيرانها، إذا ما لجأت واشنطن إلى مثل هذه الخطة (ب)! وثمة إشارات إلى أن الأمور تسير في هذا الاتجاه. وزير الدفاع الجديد روبرت غيتس لم يتحدث عن عبث عندما حذر مؤخراً من (حريق هائل) قد يندلع في الشرق الأوسط! كذلك المخاوف التي عبرت عنها عواصم عربية والتحذيرات التي صدرت عنها بخصوص ما تنوي القيام به واشنطن في العراق! المشهد في المنطقة قادم على تغييرات مكلفة، معطياته التي أحسنت إيران توظيفها لصالحها غير باقية على حالها. فهل تنجح إدارة الرئيس بوش في ترحيل أزمتها في العراق وتحويلها إلى صراع عربي – إيراني؟
النوايا الأمريكية تبدو كالمريب الذي (يكاد يقول خذوني) والقابلية الإيرانية لا يبدو أنها متحشمة.

::/fulltext::
::cck::2862::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *