التوجه الاستراتيجي الجديد للولايات المتحدة في المنطقة
::cck::2864::/cck::
::introtext::
أمريكا في وضع صعب جداً بسبب وقوعها في أخطاء كثيرة باعتراف كبار المسؤولين فيها وعلى رأسهم بوش، وتقرير رامسفيلد الذي قدمه قبل استقالته بيومين خير شاهد على ذلك. لكن ما تخشاه أمريكا هو ظهور نظام شبيه بنظام طالبان في جزء من العراق أو بروز نظام أصولي جهادي، حتى لو لم يكن على نمط نظام طالبان أو على نمط النظام الإيراني باعتراف هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في حوار أجري معه.
::/introtext::
::fulltext::
أمريكا في وضع صعب جداً بسبب وقوعها في أخطاء كثيرة باعتراف كبار المسؤولين فيها وعلى رأسهم بوش، وتقرير رامسفيلد الذي قدمه قبل استقالته بيومين خير شاهد على ذلك. لكن ما تخشاه أمريكا هو ظهور نظام شبيه بنظام طالبان في جزء من العراق أو بروز نظام أصولي جهادي، حتى لو لم يكن على نمط نظام طالبان أو على نمط النظام الإيراني باعتراف هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في حوار أجري معه.
يرى هنري كيسنجر أن المخرج من الكابوس الذي تعيشه أمريكا في العراق، هو وضع العراق ضمن سياق دولي، وكما يرى ليس فقط دعوة سوريا وإيران، بل حتى دعوة بلدان أخرى مثل الهند وباكستان وبالطبع روسيا من أجل تدويل القضية إلى حد ما وإن كان يعترف كيسنجر بأن هذه الطريقة لن تحل المشكلة بحد ذاتها ولكنها ستساعد على تحديدها.
وبدأت تقتنع أمريكا بأن الخيار بين الديمقراطية والاستقرار واضح، وأن الانتخابات في بلد مثل العراق أفرز أحزاباً طائفية قادت إلى الصراع، وأن الشرعية لا يمكن اكتسابها من خلال عملية الانتخابات، وعلى هذا الأساس فإن حكومة المالكي وإن كانت حكومة منتخبة إلا أنها ليست (وطنية).
وبمقارنة الديمقراطية في الغرب فإنها كانت نتاج ولادة أمة فتم حرق هذه المراحل في العراق والقفز إلى عملية الانتخابات دون المرور بولادة أمة موحدة.
والخطأ الذي ارتكبته أمريكا هو أنها جعلت من احتلال ألمانيا واليابان وتطبيق الديمقراطية فيهما نموذجاً يمكن تطبيقه في العراق، متناسية أن مؤسسات البلاد لم تتغير، بالإضافة إلى أن ألمانيا واليابان لم تعانيا من مشكلة الأمن الداخلي بعكس العراق، وتركيز أمريكا على مشروع كونفدرالية لوحدات تتمتع باستقلال ذاتي كبير.
وتحاول الولايات المتحدة إلى جانب إيمانها بمشروع الكونفدرالية أن تتجنب الوضع الذي تجد فيه الدول المعتدلة نفسها معه في حالة فزع. ولذلك فهي تحاول إيجاد توازن على مستوى العراق وفي الوقت نفسه في المنطقة ككل لأنهما يرتبطان ببعضهما البعض ولا يمكن فصل كل منهما عن الآخر.
فالمعارضون لسياسة بوش ومنهم هنري كيسنجر يرون أن الأهداف التي طرحها بوش في خطابه الخاص بولايته الثانية صحيحة ولكن لا يمكن تحقيقها خلال فترة حكم رئيس واحدة، بل يمكن كما يرى كيسنجر تحديد الاتجاه، وما يقصده كيسنجر هو العودة إلى سياسة الأمر الواقع أو العودة إلى السياسة الواقعية للبيت الأبيض، ولكن على أن تكون أيضاً مثالية، وينتقد كيسنجر من يعتبر نفسه نبياً فيعتبر ما يطرحه صحيحاً بشكل مطلق ويجب تنفيذه، بينما يجب في رجل الدولة أن يؤمن بتنامي فكرته الصحيحة وفق الظروف القائمة، وهذا ما يجعل من يظنون أنفسهم أشبه بالأنبياء يتسببون في كوارث واضطرابات جمة. ولذلك نجد أن جون أبي زيد قائد المنطقة المركزية الوسطى التي تتخذ من قطر قاعدة لها مستمر في نفس نهج رئيسه المستقيل رامسفيلد وتحليقه بعيداً عن التطورات الميدانية وعما يحدث على الأرض في منطقة نفوذه، ويتضح هذا من شهادته التي أدلى بها أمام الكونغرس الأمريكي والتي بدا فيها متمسكاً برؤية وزير الدفاع السابق رامسفيلد، وكذلك حديثه في جامعة هارفارد الذي حذر فيه من حرب عالمية ثالثة، طرفاها الغرب والأصولية الإسلامية.
إن تلك الرؤية تكشف عن خلل بنيوي في الرؤية الاستراتيجية، فهو يتجه نحو تنظيرات بعيدة عن السياسة الواقعية، وهي سياسة لم ترق للديمقراطيين الذين فازوا أخيراً بأغلبية المقاعد في الكونغرس ولا لوزير الدفاع الجديد روبرت غيتس الذي سبق أن عمل رئيساً للاستخبارات المركزية الأمريكية وهي مؤسسة كانت تعتمد على الربط بين التصور الاستراتيجي والواقع الميداني. وهذا ما تؤكده لجنة (بيكر- هاميلتون) التي قدمت مقترحاتها مؤخراً لإنقاذ الوضع في المنطقة بما يسمى التوجه الاستراتيجي الجديد، ويعتبر اختيار ديفيد باتريس قائداً للمنطقة المركزية الوسطى تغييراً في استراتيجية العمل.
إن أمريكا تبحث عن معادلة استقرار جديدة في المنطقة خصوصاً بعد المقال الذي نشره ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة في مجلة (شؤون أجنبية) يقول فيه (إن سيطرة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط تشهد نهايتها، وأن الحرب على العراق كانت بداية النهاية، وأن حقبة جديدة في تاريخ المنطقة بدأت، وأنه على واشنطن أن تعتمد الدبلوماسية بدلاً من القوة العسكرية من أجل التأثير في المرحلة الجديدة)، وسبق أن حذر واشنطن من متغيرات تجري على أرض الواقع (أن الحقبة الجديدة في الشرق الأوسط سيصنعها لاعبون محليون على حساب اللاعبين الخارجيين، وأن صناعة الشرق الأوسط من الخارج ستكون أكثر صعوبة، وبالإضافة إلى تدبير آسيا الديناميكية فإن صياغة الشرق الأوسط ستكون التحدي الأكبر للولايات المتحدة ربما لعقود قادمة)، وهو من المنظّرين الذين يرون أن القوة العسكرية عاجزة عن قهر إرادة الشعوب، وأن الحروب لا تقضي على الشعور بالانتماء القومي بل على العكس تعززه. فالحروب تعزز الانتماء الوطني على حساب المراهنة على ورقة الطائفية التي تستخدمها أمريكا وإسرائيل وتجذرها في أذهان العرب والمسلمين.
لذلك يعترف ريتشارد هاس بأن العراق أصبح فريسة للطائفية والفوضى، التي تعد عائقاً أمام هيمنة الولايات المتحدة كقوة استعمارية نتيجة ظهور عوامل داخلية سوف تقود التغيير في البلدان العربية، وتركيزه منصب على النفط والإرهاب وسبل فرض هيمنة الولايات المتحدة كقوة استعمارية سائدة، لذلك نلاحظ نشاطاً دبلوماسياً في المنطقة: زيارة بوش التي أعطت المالكي فرصة أخرى للقضاء على الإرهاب، كما يسميها بوش، خصوصاً بعد المذكرة السرية التي سلمت للبيت الأبيض والتي تثير شكوكاً جدية في قدرة المالكي على التصدي لجيش المهدي، وهل هو قادر على كبح جماح أولئك الساعين إلى هيمنة شيعية أو استعادة سلطة سنية؟ وبينما يحاول الرئيس الأمريكي وكبار دبلوماسييه احتواء التدهور الأمني والسياسي في العراق ولبنان، يبدو أنهم عازمون على تنفيذ استراتيجيتهم القاضية بالتحدث إلى الأصدقاء العرب، على الرغم من تزايد الدعوات لهم، داخل وخارج الإدارة، بالتوجه إلى إيران وسوريا أيضاً.
فلافروف وزير خارجية روسيا التي شاركت بلاده في الإعداد لمؤتمر منتدى المستقبل الثالث كونها الرئيسة الدورية للدول الصناعية الثماني يقول (يجب حل مشكلات العالم العربي ضمن استراتيجية واحدة تشرك الدول الإقليمية بما فيها سوريا وإيران)، بينما يرى ديفيد ولش مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية أن التركيز على إيران وسوريا هو تكهن سريع فقط، ويجب النظر إلى الدول الأخرى في المنطقة، ولفت ولش إلى لقاء كونداليزا رايس بوزراء خارجية دول مجلس التعاون والأردن ومصر وهو الثالث لهذه المجموعة خلال ثلاثة أشهر باعتبار أن هذه الدول تمثل طرحاً مهماً لسبل مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية في المنطقة.
فإذا كانت أوروبا تحاول منع دخول تركيا إلى النادي الأوروبي، ففي المقابل يريد الغرب بقيادة أمريكا إنجاح تجربتي أفغانستان والعراق لتحصين نفسهم من جنون الشرق الأوسط، وتأمين إمدادات النفط إلى دولهم ولا يريدون أن يكونوا رهائن بيد الأشرار هناك، أي في الشرق الأوسط وهي عبارة يرددها الكاتب توماس فريدمان.
وإذا ما كانت الدول السنية المجاورة للعراق مستعدة للقيام بدور ريادي في العراق، فإنها تريد ضمانات بأنها ستتلقى الدعم الكامل من الإدارة الأمريكية، ولكن على الدول العربية السنية أن تفهم أن واشنطن ليست مستعدة لأن تخسر نفوذها ووجودها في الشرق الأوسط، وإلا سنتوقع منها تأجيج الصراع المذهبي وتوسيعه ليشمل كل دول المنطقة، أي اتباع سياسة الأرض المحروقة.
أما تقرير لجنة (بيكر- هاميلتون) (طريق جديد إلى الأمام) فهو مشروع ينتهز ما في المرحلة الجديدة من فرص، ويتجنب ما فيها من مخاطر، أي أنه يمكن أن يضيف كارثة أخرى إلى الكوارث التي سببتها السياسة الأمريكية خلال المرحلة الماضية من خلال تجربتها الفاشلة في العراق إذا لم تتحرك دول المنطقة الرئيسية، وتخلق مشروعها الخاص بحيث لا تترك المنطقة للأمريكيين والإيرانيين وحدهما، لأن هدف المشروع هو حماية المصالح الأمريكية وإن تعاطف مع إيران، والفارق بينه وبين المشروع القديم في الوسائل للوصول إلى هذه المصالح.
إن المشروع الجديد للواقعيين القدامى بيكر ورفاقه يرى المنطقة كلها مسرحاً استراتيجياً واحداً تتشابك فيه المشكلات والأزمات، وتحتاج كلها لمعالجة شاملة بما فيه الصراع العربي – الإسرائيلي وعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي، كما أن هذا المشروع يستبدل استخدام القوة العسكرية بالهجوم الدبلوماسي مع استبدال الدبلوماسية الأحادية التي لا تكترث بدبلوماسية الدول الأخرى بالدبلوماسية الجماعية.
أخيراً إن المشروع الأمريكي الجديد لا يزال في صورة مشروع وهو تقرير من لجنة غير حكومية، وليس من المتصور أن تستسلم جماعة المحافظين المتبقين برئاسة نائب الرئيس ديك تشيني وعلى الأخص إسرائيل التي وجدت نفسها على مذبح الخلاص الأمريكي والتضحية بها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2864::/cck::
::introtext::
أمريكا في وضع صعب جداً بسبب وقوعها في أخطاء كثيرة باعتراف كبار المسؤولين فيها وعلى رأسهم بوش، وتقرير رامسفيلد الذي قدمه قبل استقالته بيومين خير شاهد على ذلك. لكن ما تخشاه أمريكا هو ظهور نظام شبيه بنظام طالبان في جزء من العراق أو بروز نظام أصولي جهادي، حتى لو لم يكن على نمط نظام طالبان أو على نمط النظام الإيراني باعتراف هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في حوار أجري معه.
::/introtext::
::fulltext::
أمريكا في وضع صعب جداً بسبب وقوعها في أخطاء كثيرة باعتراف كبار المسؤولين فيها وعلى رأسهم بوش، وتقرير رامسفيلد الذي قدمه قبل استقالته بيومين خير شاهد على ذلك. لكن ما تخشاه أمريكا هو ظهور نظام شبيه بنظام طالبان في جزء من العراق أو بروز نظام أصولي جهادي، حتى لو لم يكن على نمط نظام طالبان أو على نمط النظام الإيراني باعتراف هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في حوار أجري معه.
يرى هنري كيسنجر أن المخرج من الكابوس الذي تعيشه أمريكا في العراق، هو وضع العراق ضمن سياق دولي، وكما يرى ليس فقط دعوة سوريا وإيران، بل حتى دعوة بلدان أخرى مثل الهند وباكستان وبالطبع روسيا من أجل تدويل القضية إلى حد ما وإن كان يعترف كيسنجر بأن هذه الطريقة لن تحل المشكلة بحد ذاتها ولكنها ستساعد على تحديدها.
وبدأت تقتنع أمريكا بأن الخيار بين الديمقراطية والاستقرار واضح، وأن الانتخابات في بلد مثل العراق أفرز أحزاباً طائفية قادت إلى الصراع، وأن الشرعية لا يمكن اكتسابها من خلال عملية الانتخابات، وعلى هذا الأساس فإن حكومة المالكي وإن كانت حكومة منتخبة إلا أنها ليست (وطنية).
وبمقارنة الديمقراطية في الغرب فإنها كانت نتاج ولادة أمة فتم حرق هذه المراحل في العراق والقفز إلى عملية الانتخابات دون المرور بولادة أمة موحدة.
والخطأ الذي ارتكبته أمريكا هو أنها جعلت من احتلال ألمانيا واليابان وتطبيق الديمقراطية فيهما نموذجاً يمكن تطبيقه في العراق، متناسية أن مؤسسات البلاد لم تتغير، بالإضافة إلى أن ألمانيا واليابان لم تعانيا من مشكلة الأمن الداخلي بعكس العراق، وتركيز أمريكا على مشروع كونفدرالية لوحدات تتمتع باستقلال ذاتي كبير.
وتحاول الولايات المتحدة إلى جانب إيمانها بمشروع الكونفدرالية أن تتجنب الوضع الذي تجد فيه الدول المعتدلة نفسها معه في حالة فزع. ولذلك فهي تحاول إيجاد توازن على مستوى العراق وفي الوقت نفسه في المنطقة ككل لأنهما يرتبطان ببعضهما البعض ولا يمكن فصل كل منهما عن الآخر.
فالمعارضون لسياسة بوش ومنهم هنري كيسنجر يرون أن الأهداف التي طرحها بوش في خطابه الخاص بولايته الثانية صحيحة ولكن لا يمكن تحقيقها خلال فترة حكم رئيس واحدة، بل يمكن كما يرى كيسنجر تحديد الاتجاه، وما يقصده كيسنجر هو العودة إلى سياسة الأمر الواقع أو العودة إلى السياسة الواقعية للبيت الأبيض، ولكن على أن تكون أيضاً مثالية، وينتقد كيسنجر من يعتبر نفسه نبياً فيعتبر ما يطرحه صحيحاً بشكل مطلق ويجب تنفيذه، بينما يجب في رجل الدولة أن يؤمن بتنامي فكرته الصحيحة وفق الظروف القائمة، وهذا ما يجعل من يظنون أنفسهم أشبه بالأنبياء يتسببون في كوارث واضطرابات جمة. ولذلك نجد أن جون أبي زيد قائد المنطقة المركزية الوسطى التي تتخذ من قطر قاعدة لها مستمر في نفس نهج رئيسه المستقيل رامسفيلد وتحليقه بعيداً عن التطورات الميدانية وعما يحدث على الأرض في منطقة نفوذه، ويتضح هذا من شهادته التي أدلى بها أمام الكونغرس الأمريكي والتي بدا فيها متمسكاً برؤية وزير الدفاع السابق رامسفيلد، وكذلك حديثه في جامعة هارفارد الذي حذر فيه من حرب عالمية ثالثة، طرفاها الغرب والأصولية الإسلامية.
إن تلك الرؤية تكشف عن خلل بنيوي في الرؤية الاستراتيجية، فهو يتجه نحو تنظيرات بعيدة عن السياسة الواقعية، وهي سياسة لم ترق للديمقراطيين الذين فازوا أخيراً بأغلبية المقاعد في الكونغرس ولا لوزير الدفاع الجديد روبرت غيتس الذي سبق أن عمل رئيساً للاستخبارات المركزية الأمريكية وهي مؤسسة كانت تعتمد على الربط بين التصور الاستراتيجي والواقع الميداني. وهذا ما تؤكده لجنة (بيكر- هاميلتون) التي قدمت مقترحاتها مؤخراً لإنقاذ الوضع في المنطقة بما يسمى التوجه الاستراتيجي الجديد، ويعتبر اختيار ديفيد باتريس قائداً للمنطقة المركزية الوسطى تغييراً في استراتيجية العمل.
إن أمريكا تبحث عن معادلة استقرار جديدة في المنطقة خصوصاً بعد المقال الذي نشره ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة في مجلة (شؤون أجنبية) يقول فيه (إن سيطرة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط تشهد نهايتها، وأن الحرب على العراق كانت بداية النهاية، وأن حقبة جديدة في تاريخ المنطقة بدأت، وأنه على واشنطن أن تعتمد الدبلوماسية بدلاً من القوة العسكرية من أجل التأثير في المرحلة الجديدة)، وسبق أن حذر واشنطن من متغيرات تجري على أرض الواقع (أن الحقبة الجديدة في الشرق الأوسط سيصنعها لاعبون محليون على حساب اللاعبين الخارجيين، وأن صناعة الشرق الأوسط من الخارج ستكون أكثر صعوبة، وبالإضافة إلى تدبير آسيا الديناميكية فإن صياغة الشرق الأوسط ستكون التحدي الأكبر للولايات المتحدة ربما لعقود قادمة)، وهو من المنظّرين الذين يرون أن القوة العسكرية عاجزة عن قهر إرادة الشعوب، وأن الحروب لا تقضي على الشعور بالانتماء القومي بل على العكس تعززه. فالحروب تعزز الانتماء الوطني على حساب المراهنة على ورقة الطائفية التي تستخدمها أمريكا وإسرائيل وتجذرها في أذهان العرب والمسلمين.
لذلك يعترف ريتشارد هاس بأن العراق أصبح فريسة للطائفية والفوضى، التي تعد عائقاً أمام هيمنة الولايات المتحدة كقوة استعمارية نتيجة ظهور عوامل داخلية سوف تقود التغيير في البلدان العربية، وتركيزه منصب على النفط والإرهاب وسبل فرض هيمنة الولايات المتحدة كقوة استعمارية سائدة، لذلك نلاحظ نشاطاً دبلوماسياً في المنطقة: زيارة بوش التي أعطت المالكي فرصة أخرى للقضاء على الإرهاب، كما يسميها بوش، خصوصاً بعد المذكرة السرية التي سلمت للبيت الأبيض والتي تثير شكوكاً جدية في قدرة المالكي على التصدي لجيش المهدي، وهل هو قادر على كبح جماح أولئك الساعين إلى هيمنة شيعية أو استعادة سلطة سنية؟ وبينما يحاول الرئيس الأمريكي وكبار دبلوماسييه احتواء التدهور الأمني والسياسي في العراق ولبنان، يبدو أنهم عازمون على تنفيذ استراتيجيتهم القاضية بالتحدث إلى الأصدقاء العرب، على الرغم من تزايد الدعوات لهم، داخل وخارج الإدارة، بالتوجه إلى إيران وسوريا أيضاً.
فلافروف وزير خارجية روسيا التي شاركت بلاده في الإعداد لمؤتمر منتدى المستقبل الثالث كونها الرئيسة الدورية للدول الصناعية الثماني يقول (يجب حل مشكلات العالم العربي ضمن استراتيجية واحدة تشرك الدول الإقليمية بما فيها سوريا وإيران)، بينما يرى ديفيد ولش مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية أن التركيز على إيران وسوريا هو تكهن سريع فقط، ويجب النظر إلى الدول الأخرى في المنطقة، ولفت ولش إلى لقاء كونداليزا رايس بوزراء خارجية دول مجلس التعاون والأردن ومصر وهو الثالث لهذه المجموعة خلال ثلاثة أشهر باعتبار أن هذه الدول تمثل طرحاً مهماً لسبل مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية في المنطقة.
فإذا كانت أوروبا تحاول منع دخول تركيا إلى النادي الأوروبي، ففي المقابل يريد الغرب بقيادة أمريكا إنجاح تجربتي أفغانستان والعراق لتحصين نفسهم من جنون الشرق الأوسط، وتأمين إمدادات النفط إلى دولهم ولا يريدون أن يكونوا رهائن بيد الأشرار هناك، أي في الشرق الأوسط وهي عبارة يرددها الكاتب توماس فريدمان.
وإذا ما كانت الدول السنية المجاورة للعراق مستعدة للقيام بدور ريادي في العراق، فإنها تريد ضمانات بأنها ستتلقى الدعم الكامل من الإدارة الأمريكية، ولكن على الدول العربية السنية أن تفهم أن واشنطن ليست مستعدة لأن تخسر نفوذها ووجودها في الشرق الأوسط، وإلا سنتوقع منها تأجيج الصراع المذهبي وتوسيعه ليشمل كل دول المنطقة، أي اتباع سياسة الأرض المحروقة.
أما تقرير لجنة (بيكر- هاميلتون) (طريق جديد إلى الأمام) فهو مشروع ينتهز ما في المرحلة الجديدة من فرص، ويتجنب ما فيها من مخاطر، أي أنه يمكن أن يضيف كارثة أخرى إلى الكوارث التي سببتها السياسة الأمريكية خلال المرحلة الماضية من خلال تجربتها الفاشلة في العراق إذا لم تتحرك دول المنطقة الرئيسية، وتخلق مشروعها الخاص بحيث لا تترك المنطقة للأمريكيين والإيرانيين وحدهما، لأن هدف المشروع هو حماية المصالح الأمريكية وإن تعاطف مع إيران، والفارق بينه وبين المشروع القديم في الوسائل للوصول إلى هذه المصالح.
إن المشروع الجديد للواقعيين القدامى بيكر ورفاقه يرى المنطقة كلها مسرحاً استراتيجياً واحداً تتشابك فيه المشكلات والأزمات، وتحتاج كلها لمعالجة شاملة بما فيه الصراع العربي – الإسرائيلي وعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي، كما أن هذا المشروع يستبدل استخدام القوة العسكرية بالهجوم الدبلوماسي مع استبدال الدبلوماسية الأحادية التي لا تكترث بدبلوماسية الدول الأخرى بالدبلوماسية الجماعية.
أخيراً إن المشروع الأمريكي الجديد لا يزال في صورة مشروع وهو تقرير من لجنة غير حكومية، وليس من المتصور أن تستسلم جماعة المحافظين المتبقين برئاسة نائب الرئيس ديك تشيني وعلى الأخص إسرائيل التي وجدت نفسها على مذبح الخلاص الأمريكي والتضحية بها.
::/fulltext::
::cck::2864::/cck::
